الحديث القرآني “سورة القيامة” – 4 رمضان 1447هـ

الحلقة الأولى من درس التفسير القرآني لسورة القيامة، الذي يعقده سماحة آية الله قاسم في مجلسه بمدينة قم المقدسة، وسط حضور غفير لطلبة العلوم الدينية وأبناء الجالية البحرانية – 4 شهر رمضان 1447هـ – 2026م:
النص:
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا النبي الكريم وآله الطيبين الطاهرين. ثبتنا الله على ولايتهم.
سورة القيامة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَة).
(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَة)
هذا قسم يتأدّى بـ”أُقسم”، فلِمَ “لا”؟ هل يريد الله أن يقسم أو يريد أن ينفي أنه يقسم؟ المشهور أنه قسم وليس نفياًللقسم، ومن قال بأنه ليس قسماً -أي هذا التعبير “لا أقسم”- فإنه يُحمّله روح القسم وقيمة القسم وقوة القسم.
الآراء في هذا التعبير ” لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَة”، هناك ثلاثة آراء:
الأول: أن “لا” زائدة، بمعنى أنه لا دخالة لها في القسم المفاد بـ”أقسم”، فكأن “لا” تأتي فضولاً من ناحية لفظية وليس من ناحية معنوية، لكن “لا” هذه جاءت في بداية الكلام وليس قبلها كلام، فيوجد هنا اعتراض على مجيئها في بداية الكلام؛ إذ ليس من طريقة اللغة العربية أن تأتي “لا” في بداية الكلام، ورُدَّ هذا الاعتراض بابتداء امرئ القيس بكلمة “لا” كما في هذا البيت من الشعر: “ألا وأبيكِ ابنة العامري.. لا يدّعي القوم أني أفر”، حيث يريد نفي صفة الفرار في الحرب عنه، وكأن هناك تهمة موجّهة له بهذا العيب. والمقسم به لابد أن يكون متميزاً رفيع الشأن عزيزاًمهيباً ومحل ثقة واحتضان اجتماعي أو احتضان العقول والقلوب.
ولكن هل زيادتها بلا معنى؟
ليس في القرآن شيء فضول، ولا كلمة فوق الحاجة وخارج الحاجة، كما أنه لا نقص في القرآن، لا زيادة فيه على الإطلاق على المؤدّى الذي يُراد إبلاغه. و”لا” هنا لم تأتِ بمعنى أنها لا تفيد معنى، فهي ليست حشواً ولها مفعولها ولها معناها المطلوب في الآية الكريمة، فقد أتت للـتأكيد؛ فهي للـتأكيد لا للنفي، كما أنها ليست لغواً.
هناك وجوه ثلاثة هي: إما أن تكون لغواً، وإما أن تكون للنفي، والوجه الثالث هو التأكيد، وهو المقصود في هذا الموضع على القول بأنها زائدة، وهذا رأي مشهور بين المفسرين.
الرأي الثاني: أنها للنفي، تنفي القسم هنا، فـ”لا أقسم” معقود بمعناها الذي هو النفي؛ فهي نافية للقسم، أي أن الله عز وجل -في هذا الرأي- يقول: إني لا أقسم، لا تظنوا بأن هذا مني قسم وإنما عدم قسم، وذلك لكون مدخولها “يوم القيامة” مستغنٍ عن التأكيد.
يومُ القيامة لا يحوم حوله شك، والنقل عن وقوعه غير قابلٍللتكذيب ولا للردّ لأنه خبرٌ ثابتٌ يقيني عن الله الصادق الذي كلّ الصدق يأتي من جهته، وكلّ الكمال يُستقى من كماله، وكلّ العلم يُسترفد من علمه.
إذا كان يوم القيامة غير قابلٍ للشك، وكان الشكّ فيه معيباً أو عناداً ومقاومة للحق، فكيف يقسم الله على ما حاله كذلك؟
هذا زائد، هذا قسمٌ ليس في محلّه، هذا قسم قد يعتبر أن يوم القيامة قابل في وقوعه للتشكيك ويحتاج إثباته إلى تأكيد، والقسم لهذا التأكيد، وهذا ثبوته يقلّل من قيمة يوم القيامة وعلى خلاف حقّانية وقوعه، وقيام الدليل اليقيني الساطع كالشمس على وقوعه.
يوم القيامة ركن ثابت كلّ الثبوت، قوي كلّ القوة، وأكيد كلّ التأكيد من أركان العقيدة الإسلامية، ولا حاجة للقسم على وقوعه لأنه لا تحوم حوله شبهة، فالقسم على وقوعه من الزائد الذي قد يكون مضرّاً أيضاً، ويحمل درجة من قابلية التشكيك في وقوعه.
وكما هو مقتضى الدليل العقلي وصريح القرآن الكريم من كون يوم القيامة لابد أن يقع ولابد أن يحضره كلّ العالم، وهو يومٌ تتوقف عليه قيمة الحياة، وتضيع قيمة الحياة وغايتها لو كان يوم القيامة لن يقع، فالحياة بلا يوم القيامة لا تفسير لوجودها وحكمة وجودها وضرورة وجودها.
هذا الكلام، وهو عدم الحاجة إلى القسم، قضية نفي القسم، وأن هذا التعبير لنفي القسم، هو نفيٌ للتأكيد على أن يوم القيامة لا يقبل الشك، وبيانٌ لأن يوم القيامة لا يحتاج إلى قسم، يعني هذه الـ”لا” النافية للقسم، تحمل قضية ثانية، وهي تقول بأن يوم القيامة مستغنٍ عن القسم.”لا أقسم” لأنّ يوم القيامة ليس محلّ قسم، مستغنٍ كلّ الاستغناء عن القسم، فهذا التعبير يأتي لتأكيد وقوع يوم القيامة، مؤدّاه -نفي القسم لوقوع يوم القيامة- ذلك لأني أعلم بأني مستغنٍ عن القسم، أوجدتُ العقول، وأوصلت الحجة النقلية، وهما طريقان ليقينيتهما يتأبيان أن يناقش فيهما، لا يناسب لعاقلٍ ولمنصفٍ، لا يناسب أيّ إنسانٍ جادّ أو حكيم أن يشكك في يوم القيامة لدرجة السطوع والثبوت العقلي والنقلي وحكم الضرورة بالقيامة، لأن الحياة التي خلقها العليم الحكيم الخالق جلّ وعلا، لا معنى لخلقه لو لم يكن يوم القيامة سيقع، ومتحقق الوقوع جزماً، حتماً، قطعا.
والرأيان لا يختلفان في ضرورة وقوع يوم القيامة وفي أنهما للـتأكيد على هذا الوقوع، فالتعبيران يلتقيان سواء قلنا أنّ”لا” زائدة للـتأكيد أو قلنا بأنها نافية؛ فمؤداهما واحد، وهو التأكيد الشديد القوي على وقوع وتحقق يوم القيامة.
-سبق أنّ الرأي الأول عليه أغلب المفسّرين-.
ثالثاً: أنّ المجموع من “لا” و”أقسم” دالٌّ على القسم، وأن “لا” هنا مُشارِكة في أداء معنى القسم. يقولون بأنّ “لا” صلة لـ”أقسم”، والكلمتان في حكم كلمةٍ واحدة، وهما معاًتؤديان هذا المعنى، معنى “أقسم”.
وهناك من يفترض أنّ الآية تجيب بـ”لا” (ربما الحسن البصري)؛ أن الآية مسبوقة، وتناقش فكراً يقول بأنه لا يوم قيامة، تناقش قائلاً يقول بأنّه لا يوم قيامة، أي أنها ترد على فكرة تنكر يوم القيامة، إنكاراً يرفض وجود يوم القيامة،فتقول “لا”؛ أي ليس الأمر كما تتوهم، ليس كما تدّعي،ويترتب على ذلك في قبال هذا التوهم “أقسم” على تحقّقه. أيضاً هناك رأي هكذا، وبعضهم يعترض على هذا -على أن تكون “لا” جواباً لنفي دعوىً مفترضة وهي دعوى أنه لا يوم للقيامة، لا بعث، لا حشر، لا نشر، فهي أيضاً تؤكد وقوع يوم القيامة، فالوجوه مع تعددها إلا أنها تشترك في معنى واحد وهو التأكيد والتثبيت على وقوع يوم القيامة لأهميته في إقامة الحياة وكيف يحيا الإنسان وأين يضع فكرةالآخرة، وأيّ أهميةٍ يعطيها، وأن يقارن بين الحياة الدنيا والآخرة، وأن يجعل الآخرة هي الغاية، والحياة الدنيا هي الوسيلة والممر، وأن حياة الآخرة هي المقرّ.
فهنا أقسم على من زعم أنه لا بعث ولا قيامة، وأن الحق في الأمر كما زعموا، فهنا أقسم بأنه بعثاً وقيامة ونشراً وحساباً وجزاءً من جنةٍ ونار، وهذا رد على من زعموا أنه لا وجود ليوم اسمه يوم القيامة.
ثم يأتي القسم من الجليل المطلق على وقوع يوم القيامة، ولابدية تحققه، وهذا الرأي يفترض تقدير نقطة بعد “لا”، ولذلك يقول الشيخ الطوسي بأن هذا الرأي أن تكون “لا” هنا جملة بينما هي مفردة، وأن “أقسم بيوم القيامة” جملة مستقلة، تقول “لا” وتقف، حتى لا يتوهم بأنها لنفي “أقسم”.
سبق رأي بأنها نفيٌ للقسم، إذا وصلنا ولم نضع نقطة، واضح التعبير بأنه صريح في نفي للقسم، بينما هذا الرأيهو لتثبيت القسم، و”لا” وظيفتها ليس نفي القسم وإنما ترد على رأي يشكك أو ينفي يوم القيامة.
يأتي بعد ذلك: (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة)
النفس، كم نفس لدى الإنسان؟
يصلون بالأنفس، نفس ناطقة، ونباتية، وحيوانية، إلى آخره، قد تكون 11 نفس أو أكثر، لا أضبط العدد تماماً، على الأقل 10، هل هي 10 أنفس أو نفس واحدة؟
النفس الإنسانية في الظاهر أنها نفسٌ واحدة، ولكن هذه النفس لها حالات ولها مراتب ولها توجهات، ومنها السافل ومنها العالي، ومن بين أقسام النفس، هذه الثلاثة: النفس اللوامة، والنفس الأمارة، والنفس المطمئنة.
وهذه الأنفس لها اصطلاحات كلامية وفلسفية ولها معانيهااللغوية؛ فـ”النفس اللوامة” هي القوة المتوسطة -هذا تعريف كلامي- التي تارة تميل إلى الأمارة وتارة تميل إلى المطمئنة-هي متوسطة في الهداية والضلالة، في الوظيفة الرحمانية والوظيفة الشيطانية-، وهي في هويتها الذاتية تحمل قابلية الأمارة، وأحياناً تميل فعلاً للأمارة، تفعل ما تفعله الأمارة، فهي بذلك على مسافة معينة من الأمارة، لا تفصلها عنها تماماً، وأحياناً تلتقي اللوامة مع الأمارة، اللوامة تضعف بدورٍ من صاحبها؛ أنا عندي نفس لوامة لكنني أسلك مسلك العلم، ولا مسلك الموضوعية في العلم والنزاهة في العلم، ولا أحرص على طلب الحقيقة، ولا أسلك دائماً طريق طلب الحقيقة، فالنفس هنا تضعف، أتسامح، تغلبني شهوات الدنيا، رغائب الحياة، دوافع المادة في داخلي، بين حين وآخر أغلب، وهذه الغلبة في كل مرة تحدث لي تحدث وهناً وقابلية وضعفاً في مناعتي وفي قوتي وفي هدايتي وفي قدرتي على مقاومة الشهوات والباطل، بهذه التجربة الخاسرة، بتكرار هذا الفعل السلبي، الفكري، ومن ناحية التطبيقي العملي، يحصل الضعف والوهن بدرجةٍ ما في النفس اللوامة.
النفس اللوامة تنمو وتقوى وتترعرع وتشتد، تهتدي أكثر وأكثر لو حصلت على الرعاية الشديدة الملتفتة على المستوى الفكري، التأمل في قدرة الله، عظمة الله، في مخلوقاته وآياته في الآفاق والأنفس؛ كل هذا يعطي النفس اللوامة رفعةً، قوةً، مناعةً، صلابةً في الحق، وعلى العكس من كوني سلوكي منحدراً، من كون تفكيري سطحياً ويدخله الخطأ كثيراً، فإنّ هذا سيهبط من مستوى النفس اللوامة، فالدور الإرادي يرتفع بالنفس حين يأتي مطابقاً لأمر الله تبارك وتعالى، موافقاً لشريعته، وكل ما مضى لي من سلوك يطابق شريعة الله، ومن خواطر ومن مشاعر تطابق شريعة الله، ومن أفكار تطابق دين الله، كلما حصلت على وفرة جديدة ودرجة جديدة من قوة النفس اللوامة وارتفعت. وبالعكس تنحدر النفس اللوامة وتشارك النفس الأمارة بعض المشاركة.
فيقول هذا التعريف: هي القوة المتوسطة التي تميل إلى الأمارة، وتارةً تلوم نفسها وتميل إلى المطمئنة.
مرة تميل لقوة الشرّ، ومرة تميل إلى قوّة الخير. مرة تميل إلى نفسٍ تنادي بنداء الشيطان وهي الأمارة، ومرة تميل إلى النفس التي تنادي بنداء الله وتستجيب لندائه، ولا تنفصل مطلقاً عن نداء الله والاستجابة له، وهي النفس المطمئنة.
فهي نفسٌ في الوسط، وتحركها إلى هنا أو هناك يأتي فيه الدور الإرادي كما سبق الآن الكلام عنه.
هذا الكلام من شرح المصطلحات الكلامية، إعداد قسم الكلام في مجمع البحوث الإسلامية، عن “مطلع الاعتقاد في معرفة المبدأ والمعاد”، صفحة 33.
غفر الله لي ولكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




