الحديث القرآني الأسبوعي “إضاءات قرآنية (4) – 14 مايو 2025

*نص محاضرة سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم في الجلسة الأسبوعية التي يعقدها في مقرّ إقامته في قم المقدسة كل ليلة خميس تحت عنوان {إضاءات قرآنية} – 14 مايو 2025 / 16 ذو القعدة 1446هـ: 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمدُ لله ربِّ العالمين. 

الصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. 

 

الآية الكريمة تقول: (وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا * يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا * لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِي وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا) – الفرقان 27/28/29. 

 

حَقَّ للإنسان أيّ إنسان أن يأسف كلّ الأسف، وأن يعضّ يديه العضّ كلّه، حين يخسر وجوده، حين يخسر آخرته، وإن ربح الدنيا كلّها. 

يأتي يومٌ بعد غرورٍ طويل، وغفلةٍ ضاربة، وضلالٍ وتيه، يعضّ الظالم على يديه. يأتي يومٌ بعد ذلك كلّه يعضّ الظالم على يديه. 

وأكبر الظلم هو الكفر بالله تبارك وتعالى، وكلُّ ظلمٍ يستتبع ندماً وأسفاً وحسرة، وتعقبه يقظةٌ في آخر المطاف تجعل هذا الظالم بأيّ ظلمٍ كان، تجعله فعلاً يعيش الحسرة ويعيش الندم الطويل. 

أيّ بُعدٍ عن الله تبارك وتعالى، يعرض الإنسان في هذه الحياة، ينزل بقيمته، يكلّفه ما لم يكن يتصوّر من الخسّة والهبوط في المستوى والحقارة والعذاب ما لم يكن يتصوّره. 

 

(وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا) 

 

فأي سبيلٍ آخر يسلك بصاحبه غير سبيل الرسول “صلى الله عليه وآله”، وهو السبيل الوحيد للنجاة، وهو السبيل الوحيد للفوز والكرامة. بهذا السلوك، وهذا الاتخاذ للسبيل الآخر، سيورثه ندماً أثقل الندم. 

 

(يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا)

 

وما هو السبب في كونه لم يتخذ سبيل الرسول سبيلا؟ وما هو السبب في كونه لم يتخذ مع الرسول سبيلا؟ ويكدّ ويتعب ويُجهد نفسه في البحث عن السبيل الذي يجمعه مع الرسول والذي يوفّر له هدايات الرسول والرسالة. 

 

(يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا) 

 

اتخذ فلاناً خليلاً ففصله عن خِلّة الرسول، وعن سلوك سبيل الرسول، وعن محبّة الرسول، وحرمه هدى الرسول والرسالة. 

الملخّص أن يقول الإنسان لنفسه: الحذر الحذر من اتخاذ خليلٍ في هذه الحياة يستبدل به الإنسان عن خِلّة الرسول ويستغني بهذه الخِلّة -خِلّة هذا الإنسان- عن خلّة رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلّم”. 

عَظُم هذا الخليل ما عظُم في العين، وليكبر هذا الخليل ما يكبر في تقدير من لا عقل له، إلا أنه أكبر خسارة، أكبر خسارةٍ يرتبكها الإنسان في حقّ نفسه أن يتخذ خليلاً يفصله عن خِلّة الرسول، وإن جاءه من خلّة هذا الخليل الكاذب الساقط، ألفُ خيرٍ وخيرٍ مما يتصوّره من خيرات هذه الدنيا. 

وليكن هذا الخليل أباً، وليكن هذا الخليل أخاً شفيقاً، وليكن هذا الخليل أيّاً كان، فكلّ خِلّةٍ تفصلك عن رسول الله -أعاذنا الله جميعاً من هذا-، أيّ خِلّةٍ تفصلنا عن العبودية لله، وعن فيوضات الهدى من الله عزَّ وجلّ، فهي أكبر خسارة. 

(لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ) 

 

مشكلة هذا الخليل أنه يضلّنا عن الذكر، بقطع علاقتنا بالقرآن، بتزهيدنا في القرآن، بفصلنا عن النظر للإسلام، أو بسلوكاته، بإغراءاته، بغشّه، بخداعه، ما يجعلنا مرتبطين بالدنيا منفصلين عن الآخرة. 

 

قد يوفّر هذا الخليل لصاحبه كلّما يشتهيه من رغائب هذه الدنيا، وقد يحميه من وجوهٍ من وجوه العذاب في هذه الدنيا، ولكن ليُسلمه لعذاب الآخرة، ويسقطه من عين الله تبارك وتعالى، فيكون غشّه له أكبر غشّ، وفجيعته له أفجع خديعة. 

 

ماذا فعل هذا الخليل؟ 

أضلّني عن ذكر الله، عن القرآن الكريم، عن الذكر الذي هو الرسول، عن الإسلام كلّه. 

 

(بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِي) 

هذا ارتبط بذكر القرآن، ارتبط بالرسول، بالإسلام، بالصلاة، سلك الطريق، بدأ يسلك الطريق الصحيح الصاعد إلى الله عزَّ وجلّ، إلا أنّ ما طرأ عليه من اقتراب هذا الخليل منه، ومن خداع هذا الخليل له، فصله عن الهدى، وعن طريق النجاة وعن تجنّب خسارة الآخرة، والوقوع في العذاب الأليم المقيم. 

 

(لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِي وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُلِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا)

 

وراء هذا الفصل عن الإسلام، عن طريق الهداية، عن طريق النجاة، عن طريق الربح الدائم، عن طريق السعادة في الدنيا والآخرة، قد يكون من الشيطان الأعظم في الشر وهو إبليس الرجيم، وقد يكون من شيطانٍ من جنٍّ أو إنس، من شيطانٍ يظهر بمظهر الصديق، وبمظهر الناصح والمشفق والمحبّ، قد يكون هذا الشيطان هو الشيطان الأول، وقد يكون شيطاناً من جنود الشيطان وهم كُثرٌ من جنٍّ ومن إنس. قد يكون جاري، وقد يكون أخي، وقد يكون معلّمي، وقد يكون ولدي، ولأحذر من كلّ الآخرين ممّن أرى منه، ألمس منه، أظن منه أنّ له نيّة فصلي عن الله عزَّ وجلّ، والهروب بي من طريق الجنة إلى طريق النار. 

 

(وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا)

 

الشيطان الأكبر إبليس الرجيم، أو الشيطان الأمريكي، أو الشيطان الروسي، أو أيّ شيطانٍ بعيدٍ منّي أو قريب، هذا مآله أن يخذل، أن يخذل بأنّه حين يأتي قدر الله، فهذا عاجزٌ عن انقاذي لو أراد أن ينقذني فضلاً عن أنّه لا ينقذ لأنه إنما قصدني ليهلكني ويأخذ بيدي للعذاب يوم الخلود. 

 

هذا الإنسان الذي يظهر بمظهر المخلص، اعرف عنه أنّه خذول، يخذل عند الشدّة، أنّه يُسلِم عند المحنة، أنّه يفرُّ منك ويتبرأ منك يوم يقوم الحساب، ويوم يأتي للعذاب. 

 

(وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا) 

 

هذا من شكاوى الرسول “صلى الله عليه وآله وسلم” إلى ربّه في لجأه إليه، وفي انتصاره به، وفي لواذه برحمته تبارك وتعالى. 

 

(يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا)

 

هؤلاء الذين تربطني بهم رابطة القومية، أو رابطة العشيرة، أو أيّ رابطةٍ أخرى، ماذا تقربني منهم وتقرّبهم مني، وتوجد بيني وبينهم نوع علاقةٍ فيها مودّة، وفيها تعاطف، وفيها محبّة. 

 

(يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا)

 

الذي يُتوقّع منهم أن يخلصوا لي، أن يرحموني، أن يفرحوا لخيري، أن يألموا لضرّي، يقول (يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا). 

ومن هجر القرآن هجر الرسول. 

يشتكي لحالهم، يشتكي لخسارتهم، يشتكي لضلالهم، لتفريطهم في حقّ أنفسهم، وفي حقّ الآخرين ممن يسببون لهم الضلال. 

 

(يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا)

 

وهجران القرآن هجران طريق الخير كلّه. هجران القرآن هجران طريق الهدى وطريق النجاة، وطريق الفوز والكرامة والربح بلا خسارة. 

هجروا القرآن قراءةً، هجروا القرآن تدبُّراً، هجروا القرآن تعلُّماً، هجروا القرآن تطبيقاً. هجروا القرآن في حياتهم الشخصية، في حياتهم الأسرية، فيما يقيمونه من نظامٍ اجتماعي لحياتهم، من نظامٍ سياسي. هجروا القرآن فيما يحدّده من أهداف، فيما يشير إليه من التربية، فيما يسلكه بالإنسان من طريق النجاة، فيما يبتعد بالإنسان عنه من طريق الضلال. 

 

(ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا)

 

وكأنّ القرآن في نظرهم هو مصدر الشرّ، ومصدر الإرهاق، ومصدر الشقاء، ومصدر التعاسة؛ فبدل أن يتخذوا القرآن حبيباً وأن يرتبطوا بالقرآن الارتباط العقلي والقلبي والسلوكي كلّ الارتباط وأشدّ الارتباط، اتخذوه مهجورا. 

 

من هَجَرَ الشمس ليغلق على نفسه أيّ قوةٍ تدخل عليه النور، وتدخل عليه الشعاع، واختار الظلمة القاتمة ليعيش في الظلمة القاتمة البعيدة عن وصول أيّ أثرٍ من آثار الشمس إليه فقد اختار الموت، واختار الشقاء، واختار ضيق الأفق، واختار تعاسة النفس، واختار انسداد القلب. 

من هَجَر القرآن كان أشدّ على نفسه ظلماً ممّن هجر الشمس، وممّن هجر الغذاء، وممّن هجر كلّ ما يُسعد في هذه الحياة. 

 

(إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا)

 

القرآن المُنقِذ، القرآن المُنجِي، القرآن المُسعِد، القرآن الذي لا قيمة لأيّ كتابٍ يأتي على خلافه، ولا هدى في أيّ طريقٍ غير طريقه، ولا نجاة يُعطيها سلوكٌ يُخالف سلوكه. 

 

(وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا) – الفرقان 31

 

الله عزَّ وجلّ يجعل لكلّ نبيٍّ عدوّاً من المجرمين؟ يخلقني من أجل أن أعادي نبيّه وأن أقف في طريقه؟ وأن أفسد على نبيّه كلّ ما يريد أن يدبّره من أمور الخير. 

إيجاد الله عزَّ وجلّ العدو من المجرمين للنبيّ معناه معاكسة الله عزَّ وجلّ لرسالة رسوله، وتعطيلٌ لفاعليّة الرسول في أداء وتبليغ ونشر وتطبيق رسالته، فكيف يكون هذا؟ حاشى لله أن يفعل. 

فما معنى جعل الله عزَّ وجلّ لكلّ نبيٍّ عدوّاً من المجرمين؟

النبي يأتي بالهدى. الله عزَّ وجلّ حمّل النبي الهدى، مكّنه من الإصلاح، هيئه للإصلاح، وفّر له كلّ طريقٍ من طرق النجاح له ولمن أُرسل إليهم، لكنّ هناك من يستثقل الرسول ورسالة الرسول ويتعاكس وجود نفسه الخبيثة وقلبه الموبوء، وفكره الضال مع رسالة الرسول، مع صلاح الرسالة، مع فلاح الرسالة، مع هدى الرسالة، مع خير الرسالة، مع استقامة الرسالة والرسول، إنّه وجودٌ منحرف، هذا المجرم أسود القلب، الخبيث النفس، السيء الخُلق، المبغض للخير للناس، هذا يعيش حالة الاستكبار وحالة العتوّ وحالة الطاغوتية، وحالة الاستيلاء الظالم على الآخرين وخيرات الآخرين، وهذه النفسية، هذه العقلية، هذا القلب الأسود، هذا الخلق اللئيم كلّه يتعاكس مع رسالة الرسول، فهذا المحتوى السيء الخبيث الأسود الجائف يجعل هذا الإنسان عدوّاً للرسول، ويجعله عدوّاً لكون الرسول “صلى الله عليه وآله، وصلوات الله على جميع المرسلين والأنبياء” جاءوا بالهدى من عند الله عزَّ وجلّ، فكون الله قد جعل هذا عدوّاً ناشئ من أنّه أرسل رسولاً بالهدى يخالف ذلك الوجود الساقط رغائبه وتطلّعاته، وأمانيه، وأخلاقية تلك النفس الخبيثة، وتلك الذات الساقطة، ذات المجرم، هذا مع جعل الله عزَّ وجلّ عدوّاً يقف في وجه الرسالة وفي وجه الرسول وليس لأنّه خلقه لأجل هذه الوظيفة، أو أنّه أرادها له، إنما أراد له الهدى وأن يهتدي بهدى الرسول كغيره، ولكن جاهلية هذا الإنسان ونفسه الخبيثة، واستكباره على الله ومضادّته له، وسعيه للتألُّه، وسعيه لأن يكون إلهاً وفرعوناً، ألوهية فرعونية كاذبة ساقطة، هذا الذي جعله عدوّاً للنبيّ، لأيّ نبيٍّ من الأنبياء. 

 

(وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا) 

 

أي نبيٍّ من الأنبياء يواجه هذه النماذج، تقف في طريقه هذه النماذج السيئة الخبيثة الساقطة. الطواغيت، الجهلة، المتمردون، السفهاء، المفسدون، هؤلاء أعداءٌ بطبيعتهم لكلّ نبيٍّ، وفي زمن يوجد فيه نبيٌّ يوجد هؤلاء الطغاة وهؤلاء المفسدون، وهؤلاء التخريبيون المستعرون ظلماً. 

 

(وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا) 

 

الله عزَّ وجلّ يُرسل الرسول، هذا الرسول وذاك الرسول ليهدي الناس، ليهتدي أولاً ويهدي الناس الآخرين، ثم يُوجد أناساً لا يختارون إلا الضلال، وإلا مواجهة الحقّ. يختارون بلا جبرية، أيّ طاغوت من الطواغيت، أي مجرم من المجرمين، أيّ مفسدٍ من المفسدين، لمن يكن مجبوراً في أيّ جرمٍ من جرائمه، لا جبرية، لا أهل الطاعة مجبورون على طاعتهم، ولا أهل المعصية مجبورون على معصيتهم، لكن الإنسان مختار ومبتلى، ابتلاؤه في أنّه أُعطي إرادة الشرّ وإرادة الخير، ومنهم من يصرُّ على البقاء طول الخطّ على إرادة الشرّ وفعل الشرّ وخدمته ونشره والعمل على تغلغله في كلّ قلبٍ ونفس. هذا موجود، وهو أنّ الإنسان مختار، ومن الناس من لا يختار إلا الشرّ، واختياره للشرّ يحمّله هو المسؤولية، والله عزَّ وجلّ لا يتحمّل مسؤولية اختياره للشرّ، لأنّه مكّنه من الخير، وأرسل له الرسل، وأوجد له آياتاً أنفسية وآفاقية، كلّها تدلّ على طاعة الله الذي هدى الله إليه، لكن هنا سؤال: الله عزَّ وجلّ أرسل الرسل ليهدوا، ثم من جانب ثاني يعطي فرصة لمضلّين أن يُضلّوا فيعرقوا مسير الرسالة، ويعملون على إضلال خلقٍ كثيرٍ أو قليل. 

الآية الكريمة تقول: (َوكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا). 

وجود هؤلاء المضلّين، وجود الطغاة، وجود المفسدين، وجود الأشرار في الأرض لا يعني عذراً للآخرين، أمّا الرسول “صلى الله عليه وآله وسلم” لا يُخاف عليه من كلّ هؤلاء الأعداء، (َكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا)، فأنت مهديٌّ من الله، محميٌّ من كلّ ضلالة، ليس هناك من شرّ طاغية ولضلال طاغية، طريق لحرمانك الهدى، للتأثير على هداك وبصيرتك، على نورك الذي لا تمرّ به لحظة انتفاء وخمول. الرسول وهو الهادي وظيفته لا تتعطل، وهداه لا يتخلّف أبداً، ولا ينثلم لوجود مضلّين وطغاة ومفسدين، ووجود من يعمل على إضلاله.

ولقد حاول المضلّون مع الأنبياء لإضلالهم بدرجةٍ من الإضلال فما أمكنهم، لا بترغيبٍ ولا ترهيب ولا كلامٍ مبهرج، وكلّ الطرق مسدودة أمام المضلِّين من تعطيل رسالة الرسول والتأثير على هداه، وتأثُّر الرسول في هداه في عمل المفسدين. 

هذا عن الرسول. عنّي وعنك، ألا يضرهم الطغاة؟ ألا نتأثر بهم؟ 

(َوكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا).

أنا وأنت علينا أن نطلب نصرة الله عزَّ وجلّ بتثبيتنا على طريق هداه، طلباً حقيقياً بأن نأتمر بأمر الله، ننتهي بنهي الله، نأخذ بمنهاج الله عزَّ وجلّ، بأن نتوكّل على الله ونستعين به على أنفسنا وإضلال أنفسنا، ونستعين به على ردّ كلّ ضلالةٍ يمكن أن تأتينا من أيّ طريق (ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَٱلۡمُسۡتَقِيم). 

شأني وشأنك للحصول على نصرة الله وكفى بالله نصيرا، إذا أراد الله أن ينصرني فلا غالب لي، عليَّ أن أطلب نصرة الله، فأقول من داخل قلبي بكلّ إخلاصٍ وصدق وتواضع ومسكنة وذلّة وشعور حقيقي بالحاجة، شعور حقيقي عميق للهداية من الله (ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيم). 

هداي في أيّ لحظة من اللحظات أنا غير مستقلّ به، لا أستطيع أن أجد لنفسي الهدى أمام أيّ موقف، أيّ تحدّي من كلّ أنواع التحديات. 

ومن غير هدى الله، حتى في ظلال تعلُّمي، وفي ظلال تأمُّلي وتفكيري، وفي كلّ وسائل الهداية، إنما تفيد بهدى الله. تأثير وسيلة الهدى مثل تأثير الغذاء. الغذاء له أثره الإيجابي على صحّة الجسم. كلّ وسائل الهدى، قراءة قرآن، قراءة دعاء، ما إلى ذلك، تأثيرها غير مستقل عن إرادة الله عزَّ وجلّ. أنا أقرأ الدعاء، إذا اعتمدتُ على الدعاء في الهداية، بأنّي أقرأ الدعاء طالباً حصول الهدى شاء الله أو لم يشاء، هذا لا يكون، لا يكون هدى. أقرأ القرآن، تفسير القرآن، واعتمادي على قراءة القرآن من غير توفيق الله للهدى، لا هدى. هذه وسائل هدى لكن فاعليتها تتوقف على السماح الإلهي، على الفيض الإلهي. الدواء فيه قابلية الإشفاء، لكن قابلية الشفاء متوقفة، قابلية فقط وليس الفاعلية الفعلية، متوقفة على الله عزَّ وجلّ، دواء ناجح 100% والله لم يشأ لي البُرء لا يكون الشفاء، يعني لو أراد الله خلاف ما يقتضيه هذا الدواء، هل يكون مقتضى الدواء أو الذي يكون هو ما شاء الله؟ طبعاً الكائن في الأخير هو ما شاء الله وليس مقتضى الدواء. أيضاً سُم قاتل 100% يريد الله أن يكفي نبيّه أثره، دخل السُم، مثل دخول إبراهيم “عليه السلام” النار ولم يحترق، فلا أثر لشيءٍ -يا عزيزي- من الناحية الضرّ أو النفع، وإن كان يحمل قابلية الضرّ أو قابلية النفع، إلا بأن يشاء الله لهذا المقتضى أن يتفّعل. 

الهداية نفس هذا الشيء، ولذلك (إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِين)، العبادة لا تستقيم بلا استعانة، لا تتم، العبادة بلا سماح الله عزَّ وجلّ بأن أعبده، يعني سماح تكويناً، لا تتمّ العبادة، والتوجّه لا يكون. 

(ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيم)، الاستعانة بالله عزَّ وجلّ، فالله ناصر يحميني من خداع المخادعين، من خطط الظالمين لإغوائي، يمكن وأنا في السن الخمسة عشر، بعض الأشخاص قد يكون توجّه المضلّين لإضلالهم وهم في طفولتهم، من يحميه؟ يحميه الله عزَّ وجلّ، ويحمي الله عزَّ وجلّ من يشاء حمايته من إضلال أبيه وأمّه له، فإذا بين هاتين الظُلمتين يأتي إنسان كافر بطريق أمّه وأبيه، مؤمن بالله تبارك وتعالى. 

(وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا) 

 

قالت الآية أن هناك عدوّ لكلّ نبيّ، هناك مُضلِّون، يحاولون إضلال النبي فضلاً عن الآخرين، ويعملون ليل نهار على إضلال الآخرين، لكن مع ذلك فالله عزَّ وجلّ يحمي وينصر من انتصر به، كما يحميك من سيف ومن أثر السيف، يحميك من أثر كلمةٍ مضلّة، ومن الخدعة المُضلّة، ومن المال الذي تُعطاه ليُضلّك، ومن المنصب الذي تعطاه ليضلّك، ومن التقريب للسلطان الذي يحاول أن يقرّبك إليه ليضرّك، أيضاً الله عزَّ وجلّ يحميك من كلّ هذا، فانتصر بالله ينتصر لك. توكّل من داخل القلب ومن صميم القلب، قُل ربّي اهدني دربك القويم وصراطك المستقيم، لا تكلني إلى نفسي ولا لأحد من خلقك طرفة عين، أي لحظة تتخلى عني عنايتك وهدايتك أنا في خسران من أيّ ناحيةٍ من النواحي. 

 

(وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا) 

 

خُذ المقطع الأول من الآية، وألحقه بالمقطع الثاني، لا يُرعبك أن يوجد لكلّ نبيٍّ عدوّ، لا يُرعبك أن يوجد مليون طاغية لا يريدون لك إلاّ الضلال، لا يرعبك هذا كلّه حين تنتصر بالله عزَّ وجلّ مخلصاً صادقاً شاعراً بالحاجة الضرورية إليه. 

 

تأتي الآية التي بعد هذا: (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا) –الفرقان 32

مقولات فاشلة وسخيفة من مشركي قريش ومن غيرهم، من الكتابيين -سبق ذكرها والردّ عليها-، وهذه مقولة من المقولات، قيلت لتحطّ من المستوى المحلّق للقرآن الكريم، المستوى الذي لا يُنال بكتاب الله تبارك وتعالى، جاءت لتحطّم كرامة القرآن والثقة في القرآن والارتباط به، وتفصل الناس عن القرآن. 

 

(وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا)

 

الجواب في الآية الكريمة نفسها، هذا الذي تقولونه، كون هذا القرآن نزّل فرقاناً في مدة طويلة، نزوله بهذه الطريقة (لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا). 

 

يأتي الكلام عن الآية الكريمة -إن شاء الله-، وغَفَرَ الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

 

والحمدُ لله ربِّ العالمين. 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى