آية الله قاسم: ميزان الحاكميّة في العالم – 7 يناير 2026

ميزان الحاكميّة في العالم

1- العالم البشري نوع واحد كلّه، وقوامه بدن وروح، وعليه فحاجاته بدنيّة وروحيّة، ولو ألقي نوع من هذين النوعين من الحاجات لكان التعامل مع جزء الإنسان لا كلّه، مع شقّ من حقيقته لا مع تمام هذه الحقيقة.
وكلّ المشتركات الإنسانيّة توحّدها في النظام الذي يحكمها، فوحدة الموضوع قاضية بوحدة الحكم.

2- الحاكميّة للقوّة أو للحقّ والعدل؟ للجواب تطلب الإجابة من العقل والوجدان والضمير الإنساني الذي أودع في الفطرة، وهو لا يفقده في الأساس إنسان وإن كان ينشط ويذبل، ويحضر قويّاً وقد يضمر بفعل نوع السلوك، ولكنّك لا تجد إنساناً يرتكب في حقّه ظلم ومنكر إلا وصرخ محتجاً من منطلق الضمير، وفي غالب الأمر فإنّ الظالم يحاول أن يتذرع بالعدل لا بالظلم وإن كان متيقناً من ظلمه، ذلك لأنّه يعرف أن للإنسانيّة ضميراً وعقلاً يدينان الظلم.

3- لا يصح مطلقاً في لغة العقل والفطرة وجميع رسل السماء أن تكون القوة مصدراً لحق الحاكمية في إطار الأسرة الصغيرة أو الكبيرة أو القطر أو الأمّة أو عموم البشرية.

4- وإذا كانت القوة مصدراً صالحاً لحقّ الحاكميّة، ومقبولاً عقلاً وفطرة وديناً وعقلائياً ومحققاً لمصلحة العالم ووحدته؛ كانت كما هي كذلك في علاقة الدولة مع الشعب، وعلاقة الدول بعضها مع بعض، والشعوب فيما بينها، وكذلك الأقطار والأمم، فلابد أن تكون هي قاعدة الحكم في إطار علاقة الأسرة؛ علاقة الوالد بولده، والولد بوالده، والزوج بزوجه، والأخ بأخيه، وبذلك يكون من الصحيح جدّاً أن يقتل الإنسان أباه وأمه وأخاه، ومن حارب من أجله وفدى بنفسه لنجاته. والمبرر أنّه أقوى وأنّ له مصلحة دنيوية في قتله. وهذا يعني أن مجتمع الإنسان يبلغ من البهيميّة والسقوط والوحشية والفوضى وفقدان الأمن وانتشار الرعب مستوى لم يبلغه تجمع من تجمعات الحيوان.

5- من هنا كان متوجِّباً على العالم ألاّ يترك لمتذرع في حكمه وظلمه وسلبه وسفكه للدماء بمنطق القوة -أو يترك أن يصل إلى هذه الدرجة من التهوّر والغرور والجنون- من غير أن يأخذ على يده، ويكفّه عن غيّه.

ولأنّ اعتماد مقياس مدى القوة في تخضيع رقاب الناس وتصحيح الحكم للتفوّق فيها هلاك العالم وتقوّض الأمن والسلام وَجَبَ على العالم كلّه أن يتحمل مسؤولية اجتثاث هذا الخطر في بداياته الأوليّة، وفي أيّ بقعة من الأرض، وإلاّ تعملق فأتى على كلّ ضعيف وقوي، ودخل خطره كلّ بيت، وزلزل كلّ علاقة، ورغب الناس في الموت عن الحياة.

6- أساس حق الحاكمية هو الحق والعدل، أمّا القوة فلتثبيت هذا الخيار والتمكين له وحمايته، ولتحقيق المصالح الحقيقية للعالم في ظلّ سياسته.

7- إنّ أيّ أمة أو أيّ دولة تأخذ السياسة فيها بمنطق الحاكميّة للقوّة لا الحق والعدل، ويعين أهلها هذه السياسة، ويضحّون في سبيلها، أو يتركون لها أن تتركز وتزيد تمكُّناً، سيعانون بعد حين الأمرّين وأشدّ العذاب وأشقى الشقاء.

8- موقفان لا غنى عن أيٍّ منهما؛ موقف جبهة عالميّة متحدة في مواجهة السياسة الظالمة الباطشة في أيّ مكان في العالم، وموقف مع جبهة رساليّة عريضة متكاتفة لخدمة الفكر الإيماني والقيميّ والتربية السلوكيّة القويمة من أجل النهوض بالمستوى الروحي العام لعشّاق الحق والعدل، المترفع عن الرّذيلة، المجاهد لخير الإنسان وعزّته وكرامته وسلامة وجوده وسموّ حياته، وبذلك لا تجد النفوس الشريرة الطريق أمامها مفتوحاً لإفسادٍ أو إهلاك واستعباد العالم.

عيسى أحمد قاسم
17 رجب الأصب 1447هـ
7 يناير 2025مـ

زر الذهاب إلى الأعلى