حديث “دينٌ لا بديل له” (5) – 2 رمضان 1447هـ

*نص حديث سماحة آية الله قاسم في المجلس القرآني الذي يقيمه بمجلسه خلال ليالي شهر رمضان المبارك – المحاضرة الأولى (قم المقدسة / 2 رمضان 1447هـ):
بسم الله الرحمن الرحيم
بارك الله لكم هذا الشهر الكريم العظيم، وجعلكم من أشد أهل هذا الشهر وأكثرهم ثواباً وقرباً إلى الله تبارك وتعالى، وتقبل الله صيامكم وصلاتكم وكل طاعاتكم وغفرها إن شاء الله، وفَعَل ذلك لكل المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.
هذا الحديث لا يرتبط بالشهر الكريم، هذا الحديث يتركز على بقية ما بقي من حديث “إسلام لا بديل عنه”. بقي شيء قليل منه.
تحت عنوان “شعارات تحتاج إلى تحديد”.
هناك شعارات تُستعمل غفلةً، جهلاً، أو عن عمد، لكنها تُحدث التباساً وشبهةً، وتمثل أحياناً ممراً للخروج على الدين وضوابطه.يمكن أن تُستغل هذه الشعارات في أخذ المجتمع الإسلامي، وخاصةً وبالأخص تأخذ الأوساط العادية فيه، إلى مسارٍ غير صحيح، وفيه هدمٌ للإسلام وتعميمٌ للخطأ والخروج على الأحكام الشرعية.
عدد من الشعارات يمكن أن تُستغل من أجل تحريف الوضع الاجتماعي والخروج به عن الحالة القويمة، والاقتراب به إلى سلوكٍغربي أو شرقي بعيد عن الله ومُغضب لله تبارك وتعالى. يمكن أن يُغرَّر بالمجتمع الإسلامي في أوساطه العادية بمثل هذه الشعارات، فتُستعمل بمعنىً معين، وهذا المعنى فيه ضرر على الإسلام كبير.
ما هذه الشعارات؟
خذ شعار التطور، شعار الانفتاح، عدم التمدن، عدم الانغلاق، عدم الرجعية، المرونة، التسامح.
يخاطب مثقفون غير إسلاميين وإسلاميون غافلون، يخاطبون المجتمع المسلم، الأوساط الاجتماعية العادية بمثل هذه الشعارات.
هذه الشعارات لها أكثر من معنى أو تؤدي أكثر من غرض.
التطور الذي يُطرح من أي مثقف إسلامي أو غير إسلامي، لا بد أن نستفهم ما مرادك من هذا التطور؟ التطور يمكن أن يكون تطوراً لشيء سيء، ويمكن أن يكون التطور لشيء حسن. التطور كما يجري في الأمور الحسنة يجري في الأمور السيئة. السيء يزداد تطوراً، خروجاً من طور إلى طور، من حالة إلى حالة، من وضع إلى وضع. هذا التطور السيء، يعني هناك أمور سيئة وسلوكات سيئة تمتلك حجماً في المجتمع مؤثراً، هذا الحجم مرةً يتطور، يزداد. أي ظاهرة سيئة من ظواهر السلوك الاجتماعي الهدام يمكن أن تبدأ صغيرة لتنتهي عملاقة.
الحسنة تبدأ في المجتمع صغيرة، يمكن أن تكبر وتعظم وتعم. فالتطور مرةً يكون للأمر السيء ومرةً يكون للأمر الحسن، فعلى المجتمع أن لا يتلقّى كلمة التطور على ما تتسع إليه من أمر السوء والخير، فيستعمل: يا أبنائي، يا أعزائي، يا مجتمع، هذا متطور،وأنت، نحن متخلفون، وإلى ذلك.
وما هو التطور المطروح؟ التطور يتقدم في وضع تطبيقه لأمور سيئة.
مثلاً كثيراً ما امرأة تخاطب امرأة، الناس تطوروا وانتين بوشية وشو اسمه خمار وما إلى ذلك، والزمن تطور وهذا تطور فعلاً موجود، تطور هنا. زين، لكن هذا تطور خليني أحسب حسابي، لا بد أن أعرض سلوكي، كل سلوكي من سلوكي وسلوك المجتمع على الحكم الشرعي.
فيجيء تنبيه عن التطور: التطور قسمان يا جماعة. في هذا التبليغ لا بد أن نمر في تبليغنا على أن التطور ليس لوناً واحداً، ليس متعلقه واحداً، وإنما متعلقه يمكن أن يكون شراً ويمكن أن يكون خيراً.
الآن حكوماتنا في الكثير، تطور المجتمع، لكن في أي خط تطوره؟ لأي اتجاه؟ لأي غاية تطوره؟ أين كنا في السلوك السيء وأين صرنا في السلوك الصحيح؟ أين كنا وإلى أين صرنا؟ هذا لا بد من تنبيه المجتمع عليه وإعطائه رؤية واضحة؛ لأن التطور شيء منه مطلوب،وشيء منه مرفوض على ضوء الإسلام وأحكامه الشرعية.
الانفتاح: الانفتاح على الخير خير، الانفتاح على شر شر. يمكن أن يكون انفتاحاً على خمرة، يمكن انفتاحاً على سلوك جنسي متحلل، يمكن أن يكون انفتاحاً على جلسات، على نشاطات، على أنظمة، كل ذلك من النوع السيء القتّال المهلك للمجتمع المتغرّب أو المتشرّقبالمجتمع، هذا كله هذا من الانفتاح. أنفتح على الجيف مثل ما انفتح على الطيب؟! هناك طيب، هناك عطر، وهناك روائح جائفة. هل انفتاحي يكون على هذا كانفتاحي على ذاك؟ سلوكات جائفة وسلوكات ذكية. هناك سلوكيات ترتفع بمستوى الإنسان بروحيتهبسلوكياته بأخلاقه باجتماعياته، ترقى بالمجتمع. وهناك سلوكاتتحطه، تحط من قدر المجتمع، تحط من قدر الفرد، تغير خط الفرد تغييراً هائلاً، تغير خط المجتمع تغييراً هائلاً. فلا بد أن نحاكم هذا الانفتاح الذي يطالبني به هذا المثقف، الذي ينصح به هذا المثقف مجتمعه أو فريقه وما إلى ذلك.
وحتى لو جاءت هذه التوصيات من إنسان مسلم تقي ورع، ولكنه غافل مستغفل وما إلى ذلك. فلا بد أن نقف عند هذه الأمور.
التمدن: التمدن شيء جيد جداً. تمدن يعني ماذا؟ أن المجتمع يقوم على نظام، على قوانين ترسم العلاقات رسماً عادلاً. التمدن يرقى بالمستوى العلمي، بالمستوى الاجتماعي، بالمستوى المادي… إلى آخره. فرق هائل بين حالة البداوة وبين حالة التمدن، طريق الرقي هو طريق التمدن، أما البداوة فهي طريق الانحطاط والسذاجة وما إلى ذلك، طريق الأمراض… إلى آخره. طريق الصحة والعافية والسرور والأنشطة المسرة المربّية، كل ذلك في التمدن وليس في حال معيشة البداوة. فلّما يقول لي بالتمدن أقول له: مرحباً وسهلاً بنوعٍ من التمدن، ولا وألف لا لنوع آخر من التمدن. والمسؤول العلماء والمسؤول المثقفون المخلصون الواعون تنبيه المجتمع الإسلامي عن الفرق بين النوعين والتحذير من نوع والترغيب في النوع الآخر.
عدم الانغلاق: هو منفتح، شلون تنغلق؟ أنغلق عن الجراثيم، أنغلق عن الأمراض، أنغلق عن كلمة السوء، عن سلوك السوء. أنغلق عن كل ما يحط بقدرك عند الله عز وجل وعند المؤمنين. أنفتح على كل باب من أبواب الخير، وعلى كل سلوك من سلوك الفضيلة، وعلى كل علم نافع. وأمتنع وأنغلق وانحجب عن كل ما يسيء من سلوك، من علم، من قول، من فعل، وإلى آخره.
عدم الرجعية: منها مرة نرجع إلى ما قبل عشرة قرون، عشرين، خمسة عشر قرناً، وهو أعلى وهو من أعلى درجات التحضر ومن أعلى درجات الحق ومن أعلى درجات الرقي. الرجوع إلى هذا رجوع للفضيلة، إلى الخير، إلى التقدم الصحيح. نرجع إلى الإسلام قبل أربعة عشر وخمسة عشر قرناً؛ لأن فيه العظمة وفيه الرقي وفيه القرب إلى الله عز وجل، وفيه أمن الناس وخير الدنيا وخير الآخرة.
ائتني بسنة جديدة مبتدعة تقود إلى الباطل، تقود إلى الفحشاء، تنتج التحلل، تنتج الظلم وما أكثره، وما أكثر البدع وما أكثر الجديد الضار، وما أكثر ما تنتجه الحكومات والأنظمة الفاسدة من جديدٍوطري ولكنه من النوع الذي يحط بقدر الإنسان ويمثل عذاباً، يعقب عذابات للإنسان في هذه الحياة وعذابات أكبر له في الآخرة.
فالرجعية، رجوع إلى قديم خبيث ورجوع إلى قديم ذكي طيب وما إلى ذلك. هناك رجوع مرفوض؛ رجوع إلى آثار الفجار، إلى سلوكاتالفجار، إلى الأفكار القديمة الخرافية. الرجوع إلى الزمن الغابر في بدعيته، في جاهليته، في تهتكاته، في خطئه، في تأخره… إلى آخره. رجوع معيب، رجوع مضر، رجوع يجب الفرار منه كل الفرار. رجوع إلى دين الله الحق، رجوع إلى التمدن الصحيح، رجوع إلى كل فضيلة قديمة أو جديدة، يعني عُمل بها قديماً أو يُعمل بها جديداً، هذا هو خير.
فالرجوع، بدل أن نقول لا رجعية، نقول: لا عودة للباطل. لا عودة لباطل، ويجب أن نعود للحق، لكل حق هُجر. يجب أن كل حق هُجر في المجتمع يجب أن نحييه ويجب أن نعطيه، يجب أن نعطيه الحياة من جديد والفاعلية ونعطيه الانتشار، لتضيء الدنيا بمثل هذا السلوك، بمثل هذا الفكر الخلاق النافع وما إلى ذلك.
المرونة: عنوان المرونة، المرونة في التعامل. المرونة في التعامل أيضاً لها مواضع؛ مرونة تغري بالباطل ومرونة تخدم الحق. مرونة في التعامل مع الولد، مع الزوجة، مع الجار، مع الآخر، مع العدو. هذه المرونة حسابها أيضاً تنقسم إلى قسمين: قسم لا ينتج إلا شراً وقسم لا ينتج إلا خيراً. فيجب أن نوضح هذه المفاهيم ونفرق بين ما هو ضار منها من هذا المفهوم الواحد، نفرق بين ما هو ضار منه وما هو نافع.
التسامح: أكون متسامحاً، أكون متسامحاً حيث ينتج هذا التسامح انتشار الحق وانتشار الفضيلة وانتشار المحبة والأخوة الإيمانية الصحيحة وينشر التعاون وما إلى ذلك، أما التسامح مع الظالم، مع الفاجر بحيث يغريه للازدياد في فجوره والازدياد في ظلمه، فهنا لا تسامح. هنا تشدد، هنا تعامل يتفاوت في عنفه حتى يصل للعنف الكبير.
مرةً تسامح ومرةً عنف بحسب مقتضى الموضوع الذي أواجههوالحالة التي أريد أن أعالجها.
القاعدة في هذا كله بأن الأفعال لا تكتسب أي قدسية واحترام من تقادمها أو حداثتها. هناك من يرفع شعار “لا رجعية”، وهناك أيضاً من يرفع شعار “لا جديد”؛ لأنه يرى في كل جديدٍ بدعة.
الحق، قيمة الحق في الحق نفسه، قيمة الأشياء الأمور، قيمة السلوكات، قيمة الأفكار في كونها حقاً أو باطلاً، فإن كانت من الباطل فلا شأن لها ولا قيمة لها ويجب الابتعاد عنها. إن كان هذا حقاً، قولاً كان أو فعلاً، وضعاً، أي وضع، إذا كان حقاً فنكون مع الحق، وإذا كان باطلاً فنكون ضد الباطل.
وأما أن يأتي مثلاً، مرة يأتي السلوك من الهند، سلوك جديد يأتي من الهند، ومرة يأتي من أمريكا أو يأتي من مثلاً من أفريقيا، أو من صحراء نائية. أنظر، لا أنظر أنه جاء من صحراء، أنه جاء من الهند، أنه جاء من أي بلد. انظر له في نفس قيمته، في تطابقه مع الحق، في تطابقه مع المصلحة، في تطابقه مع صالح الإنسانية، مع صالح الإنسانية والأوضاع السليمة في الإنسانية. ولا أنظر إلى مصدره. هذا ليس لباس، مرة يأتي من اليابان فيما كانت صنعة اليابان مَزهوداً فيها، مرة يأتي من أمريكا، هذا أمريكي زين يُفخر به بأنه لباس قصير أمريكي. فإذا الدكان يعني عرفهم أن هذا كتب عليه أمريكي، فهذا كان طبعاً يكون له شأنه العظيم. هذا القميص أو هذه البدلة، هذا الشيء المصنوع يجيء من أمريكا؛ لأنها متقدمة صناعياً يكون له قيمة عالية في نفوسنا.
زين، في مكان مبتدئ في هذه الصناعة، صناعة أولية لهذا الشيء، طبعاً نزهد فيه لا نقدره ذاك التقدير. هذا يمكن أن نحصل فيه عذراً، يمكن أن نحصل فيه عذراً على أنه لو رجعنا إلى الصادرات الأمريكية التي تأتي من العدو، تأتي راقية متقدمة وما إلى ذلك، طبعاً مع الوعي مع الإدراك الصحيح نزهد فيها نزهد فيها. لكن حسب يعني وضعها المادي، من قدمها على ما يأتي من صادرات بلد متأخر في هذه الصناعة يكون معذوراً من ناحية مادية. تبقى الآثار الدينية، الآثار السياسية وما إلى ذلك، هذه لها حسابها الخاص ويجب أن تُقدم على حساب اللذة وعلى حساب المنظر وما إلى ذلك.
ولكن أقول بأن حساب السلوكات، حساب الأفكار وحساب الأوضاع السلوكية والأوضاع الحضارية ليس حساب الملبوس، كحساب الملبوسات وما إلى ذلك. والملبوس اللي يجيء من أمريكا يجيء جميلاً ويجيء ولكن أيضاً مغشوش بغش معنوي، مغشوش بغش معنوي. يصنع سلوكاً منحرفاً، يصنع أفكاراً، ينحدر بالأخلاق إلى آخره، يُحدث تربية منحرفة في المجتمع.
فأرجع وأقول بأن قضية استيراد الأفعال، السلوكات الحضارية، النمط الحضاري، السلوكات الفردية، السلوكات الاجتماعية، الأعراف وما إلى ذلك، يجب أن يقف فيها المجتمع الواعي الذي يريد ويحرص على هوية راقية معينة، يجب أن يحاسب كل وارد، يحاسب كل وارد من هذه الواردات ليقيّم تناسبها مع مجتمعه الذي يريد له الحصانة ويريد له الطهارة ويريد له الرقي والإيمان واستقامة السلوك.
هنا لا بد أن يأتي هذا التنبيه قوياً لأوساطنا الاجتماعية حتى يلتفت الجميع ولا يخدعوا. ومن سار وراء ذلك لا يصير إلا متعمداً، ويُحمل على أنه متعمد لعموم الثقافة الواعية وعموم البيان لما هو ضار وما هو نافع.
فأقول ولا بد من التوضيح بأن الأفعال لا تكتسب أي قدسية واحترام من تقادمها أو حداثتها. كل قيمتها في دنوّها أو في رقيّها راجع إلى تطابقها مع الحق وعدم تطابقها مع الحق، مع ما يرضي الله أو منافرتها لرضا الله عز وجل.
عنوان بسيط أمرُّ به سريعاً: مخالطات الاختلاط. الكلام ليس عنالاختلاط. حين نتكلم عن الاختلاط يجب أن لا نفصله عن مخالطاته. مرة مخالطات الاختلاط هي من الجيد، المربي، المساعد على الحصانة، المساعد على الطهارة، فيه وعي، فيه تعليم، فيه تبصرة، فيه تهذيب للمشاعر، فيه تحذير ووعظ من السلوكات المنحدرة وما إلى ذلك، مع كون الجو الاجتماعي والجو الخارجي بعيداً ونظيفاً عن الشبهات.
مرة هذا اختلاط، اختلاط في بيت الله الحرام، فرقة هنا من نساء وفرقة هنا من رجال في بيت الله الحرام، منفصلتين. والمادة المطروحة مادة علمية بحتة، مادة عقائدية، مادة وعظية سلوكية، توعية اجتماعية وما إلى ذلك. هذا لا أقول فيه شيئاً، هذا نوع من الاختلاط مع الفاصل الذي يدفع الشبهة، والمادة المطروحة مادة نظيفة. ما في مجال، هذا فرقة هنا وفرقة هنا وبعيدة عن نظر البعض البعض. هذا نوع من الاختلاط.
الأرحام مثلاً، اختلاط الأرحام المأمون أيضاً، المأمون وحين يأتي درساً عائلياً، درساً في مجموعة الأقارب، مجموعة الأرحام، من الدرس الذي يرقى بالدين ويرقى بالسلوك ويرقى بالأخلاق ويرقى بالشخصية.
الكلام عن اختلاط يخلق الفساد، عن اختلاط يخلق الفساد.
كل اختلاط بين الجنسين: كل اختلاط بين الجنسين يستلزم حضوره مني ارتكاب ما يحرمه مرجعي، هذا نوع من الاختلاط.
اختلاط بيني وبين امرأة أو عشر نساء. هذا الاختلاط حسب ظروفه الموضوعية الخارجية يجرّني إلى ارتكاب ما يحرمه مرجعي. يجوز لي أو لا يجوز؟ دعنا نسأل من الطفل إلى الكبير في الإسلام، يجوز أو لا يجوز؟ هل هناك تردد عند أحد بعدم جوازه؟ طبعاً لا يبقى تردد عند أحد.
أنا سأذهب بمستوىً ديني، بمستوىً أخلاقي، بمستوىً مما كتبه الله لي من العفة إلى آخره، لكن أعرف بحسب الظروف الموضوعية أو بحسب تجربة حاصلة لي بأن هذا الاجتماع بيني وبين الأجنبية أو الأجنبيات يجرّني جرّاً بدرجةٍ وأخرى إلى ارتكاب ما يحرّمه مرجعي.
يا طفل يا مسلم يا مميز، فضلاً عن البالغ والرشيد وما إلى ذلك،أسأل يجوز يا ولدي؟ إذا كان عنده ذوق إسلامي، فهم إسلامي،يجيبني بأنه لا يجوز؛ حتى لا يكون جدل كبير في الاختلاط، فأقول هذه صورة مثلاً من الصور.
كل اختلاط بين الجنسين يستلزم حضوره ارتكاب ما يحرّمه مرجعي،مقلدي في الدين، الذي يأخذ كلمته اعتباراً كلمةً من الله. تأخذ كلمة الفقيه اعتباراً مو حقيقة، هي كلمة الله عز وجل ولكن معطاة اعتباراً من الله عز وجل، اعتباره قدسي من الله عز وجل ومُلزم لك. هذا المرجع يقول لي هذا حرام، هذا حرام. فهل أشك في أنه يقول حرام؟ أقول بعد أن علمت أنه حرام هل يجوز نفعله؟ طبعاً لا، واضح. وهذا الظاهر لا يختلف عليه رجل ولا امرأة، ولا متدين أو غير متدين، من ناحية علمية هو مفهوم.
نعم، كل اختلاط بين جنسين يستلزم حضوره ارتكاب ما يحرمه المرجع الذي تقلده يحرم عليك، يحرم عليك كنت رجلاً أو امرأة. هذا الآن الخطاب وحرمة الاختلاط واضح جداً في الإسلام. ليس الخطاب للمرأة بخصوصها حتى يكون الاختلاط تعريضاً بالمرأة أو الكلام عنه تعريضاً للمرأة، لا. الكلام عن الاختلاط المحرم ليس تعريضاً بالمرأة ولا تعريضاً بالرجل، وإنما هو ارتفاع بمستوى المرأة وارتفاع بمستوى الرجل. تهذيب للمرأة وتهذيب للرجل، صيانة لعرض المرأة وصيانة لعرض الرجل، وسلامة للمجتمع وللعلاقات الاجتماعية.
يا إخواني.. من التسامح في أمر الجنس ينشأ الاقتتال وينشأ الاغتيال وتنشأ الجرائم الكبرى، تنشأ الجرائم الكبرى، وهذا الذي يستلذ بلذة الجنس بالاعتداء على عرض الآخرين، إذا كان له شيء من غيرة ولو بسيطة يتعذب عذاباً شديداً لو مُس عرضه. ولو ما فعله وقع من غيره بعرضه لضج.
العرض لمن كان له شيء من الاستقامة عزيز ويفدّيه الإنسان بدمه. الإنسان يعطي دمه من أجل حفظ عرضه. فهذا الذي يعتدي على أعراض الناس كأنه يعتدي على دمائهم، وهذا اعتداء على الشرف، والشرف عند الشريف أكبر من قيمة الجسد.
هذا الذي يثير ويحرك الدافع الجنسي، مثل ماذا؟ ذكروا كالنظر بشهوة، الفقهاء متفقون على أنّ هذا يحرك الدافع الجنسي، وإذا كان لم يحرك في المرة الأولى حرك في المرة الثانية، في المرة الثالثة.
المظاهر الجمالية -يا إخوان- مؤثرة كأي مظهر. حزن يؤثر بدرجة درجة، يؤثر فيك، سبب الحزن يؤثر في فلان بدرجة معينة، هو بدرجته المعينة الواحدة يؤثر في فلان ولا يؤثر في الآخر. الحزن سبب، أسباب الحزن أسباب الفرح أيضاً تختلف في تأثيرها، سرعة تأثيرها، قوة تأثيرها، مدى تأثيرها، ضعف تأثيرها. كل الأسباب الخارجية فيما تسببه من انفعال النفس بها تتفاوت بين هذه حسب حالات، حالة قوة السبب وضعفه، والسبب أيضاً السبب الثاني هو قوة المتأثر وضعفه. يعني شاب طبعاً وشيخ، تأثره بالجنس يختلف بلا أدنى إشكال. وهناك محرمات عامة على الشيخ والشباب وما إلى ذلك، ولكن هذا من باب الخارج، من الحالة الخارجية. الحالة الخارجية هناك من يتأثر لأول لحظة بنظرة عابرة.
أحدهم في زمن الرسول “صلى الله عليه وآله”، صار يمشي وراء هذه النظرة، يطلب هذه النظرة التي أورثته نظرته النظرة الأولى لها حتى شُج بمسمار في جدار جبينه وفار الدم. مشغول بتلك النظرة الواحدة، شغلته حتى وصل أن يشخب جبينه أو جبهته تشخب دماً بسبب تلك النظرة.
واحد أبطأ من هذا، ولكن في جملة الحالات طبعاً يحصل نفس المصير، نفس المصير يحصل له. في حالة من الحالات يقوى مثلاً،تلك التي حرّكت فلاناً صاحب القصة، مرّة فتاة جميلة بمقدار، تحركهذا، واحد لا ما تحركه، هذا تحركه واحدة كحورية من حور العين. هذا شايب، وهو شايب صحيح، لكن لو رأى حورية في الدنيا حركته، يمكن تبعث فيه قوة طاقة جنسية ليست موجودة. فهناك تفاوت على كل حال، فكل واحد مبتلى بمقدار.
فالنظرة المحرمة على كل حال، النظرة بشهوة، سماع المحرم، سماع المحرم يحرم سواء أثار الشهوة أو لم يثرها. سماع شيء محرم مثلاً كأخبار لواط، أخبار زنا، أخبار غيبة وبهتان وما إلى ذلك.
الملامسة، ملامسة الذكر والأنثى، وحتى الذكر والذكر إذا كانت ملامسته تثير الشهوة، وخوف الوقوع في المحرم يُحظر. ولكن يخاف الوقوع في المحرم، عنده حالة خوف فعلية، عنده حالة خوف فعلية من الوقوع في المحرم، هل يصح له أن يستمر في هذا المكان؟ لا يصح له.
أو غير ذلك مما يحرمه فقيهه، حتى لو انفرد بتحريمه فقيهه، من انفرد بهذا التحريم وهو ملتزم بتقليده طبعاً يحرم عليه. يقول لي فلان قال بأن هذا يجوز، فلان قال بأن هذا يجوز، أنت تقلده ولا لا تقلده؟ إذا لم تقلده، عشرون فقيهاً يقولون بالجواز، وواحد فقيه هو الذي تقلده يقول بعدم الجواز، يحرم عليك تخالفه في هذه الفتوى. إذا لم تلجأ إلى فتوى ثانية يجوز لك اللجوء إليها، ولا عمل للعامي إلا اعتماداً على فتوى من يجوز له تقليده.
على كل حال، ما دمت ملتزماً بتقليد فلان ولم تجد مسوغاً شرعياً لتقليد فلان في هذه المسألة أو تلك فتلزمك فتوى مقلدك. إما أنه حضوري يجوّز لمقلده بالحضور وطبعاً لن يجيز محرماً، هالحالة هذه رآها محللة، هذا من مقلده، يجوز له، إذا لم يشعر بشيء آخر. إذا جاءت هذه الأشياء السابقة، خوف الوقوع وما إلى ذلك لا تفيده حتى فتوى مقلده. ويجوز لي أن آخذ موقفاً احتياطياً. الموقف الاحتياطي لا يأتي في مورد احتمال الحرمة. في مورد احتمال الحرمة يأتي الاحتياط في الترك، فإما يأخذ موقفاً احتياطياً يحتاط، أو لا بد له من الاعتماد على مرجع مقلده. إن لم تكن متابعة هذه الفتوى من المرجع يرى أنها على خلاف حالته النفسية من حيث إنه فعلاً يخاف من الوقوع في المحرم من هذه الجلسة.
مفهومٌ جداً أن ارتكاب المحرمات من المتساهلين في الدين ظاهراً عندنا -هناك أناس في كل مجتمع متساهلون في أمر الدين، ظاهرهم واضح، عندهم تساهل في أمر الدين وعدم احترام أحكامه- فمفهومٌ جداً أنّ ارتكاب المحرمات من هؤلاء، أو من المعروفين في الظاهر بالالتزام، سواء ذلك في علنٍ أو سر، هو عامل انحلالٍ خطير لهوية المجتمع المسلم.
أناس متظاهرون بالالتزام يقيمون جلسات مختلطة محرمة، طبعاً هؤلاء يمارسون سلوكاً محرماً في المجتمع، وهم طريق لتمرير الحالة ونشرها في المجتمع. ويرتكبون إثمين؛ إثم يأتي من جانب ارتكابهمالمباشر للمحرم، ومن جانب تأثيرهم على المجتمع المسلم وتعميم الرذيلة، وكونهم سبباً في تعميم الرذيلة فيه وتحلل أخلاقيته. من جهتين. من جهة ما استلذ به وما تأثر به دينه في هذه الجلسة، ومن جهة ثانية أنه صار قدوة سيئة لنشر الباطل في هذا المجتمع وتحلل أخلاقه.
مفهومٌ جداً أن ارتكاب المحرمات من المتساهلين في الدين ظاهراً، أو حتى المعروفين في الظاهر بالالتزام، هؤلاء أخطر أيضاً، هؤلاء أخطر. فالظاهر يعني معروف عنهم الالتزام في علن أو سر، حضورهم أخطر من حضور المتفسخين. ذاك يتأثر به عدد من الناس، هذا الملتزم الذي يحضر هذه المجالس، طبعاً المتأثر به أكثر، ومن يتخذه قدوة ويرى ويتخذه طريقاً للتساهل في ارتكاب هذا الأمر العدد أكبر. شايف حج فلان من المصلين بالنوافل، هذا ظاهره، أراه يحلل جلسات من هذا النوع تحت أي عنوان؛ تحت عنوان جمعية خيرية، أي عنوان، الجلسة هي هذه الجلسة، الجلسة المحرمة وقد حددت نوع الجلسة المحرمة الاختلاط. هذا الحجي يحضر، هذا أثرهأوسع، أثره السلبي السيء أوسع جداً وأضر، وهتكه للدين أكبر. وهذا يحتج به المحتجون: حجي فلان حاضر.
بلى، طريق المجتمع يكون مفتوحاً جداً لاستبدال الهوية عن طريق مثل هذه الجلسات المختلطة، وخاصة إذا كثرت وشاعت وحضرها من يُعرف بشيء من الدين والتحرز في الدين، على أن الأمر يشتد خطراً إذا جاء الانحراف عن الحكم الشرعي مجاهرةً، وممن كان يُعرف منهم التظاهر بالالتزام في أوساط المجتمع؛ لأن ذلك يعطي جرأةً أكبر على المحرم، ويعطي مبرراً في ارتكابه، ويجعل أوساطاً من المجتمع تتخذ هذا المشارك في مثل هذه الجلسات قدوة. وما أجلّها من قدوة، وما أخلصه من معلم مربٍ لمجتمعه الإسلامي، أقولها استهزاءً.
ينبغي للإخوة المؤمنين والمؤمنات عموماً ألا يسيئوا الظن لو استوحشوا من كلمةٍ غلبت على اللسان. واعظ أو عالم من العلماء يقول كلمةً في الاختلاط المحرم، فلان مبتلى بمثل هذا المحرم،بالحضور في مثل هذا الاختلاط المحرم، يسيء الظن بهذا العالم ويقول: إنما قالها وهو يعنيني وهو يندد وهو يتعرض إليّ وهو يريد أن يطيح بشرفي ويريد أن يلفت الأنظار لي.
ينبغي للإخوة المؤمنين والمؤمنات عموماً ألا يسيئوا الظن لو استوحشوا من كلمة غلبت على اللسان فجاءت غليظة بعض الشيءمن هذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.
هو يقول كلمة فيها غلظة شوي، والإنسان مو دائماً يضبط لسانه يعني عنده دقة في وزن الكلمة إلى أي درجة من الغلظة، والحديث يكون أحياناً شفهياً فتكون كلمة غليظة قاسية شوية على بعض القلوب. هنا أحد محملين: هذا الذي يتكلم معروف بحبه لأعراض الناس، حريص على سمعة الناس، حريص على سمعة المؤمنين. هذا العالم الذي يتكلم حريص على حفظ شرف المؤمنين، على حفظ وكرامة أعراض المؤمنين. يسيئه أن ينتشر عن شخص معين من أبناء المجتمع الإسلامي أي سوء. هذا الذي تكلم عن حرمة الاختلاط، هذا وزنه، هذه نوع شخصيته. هل أسيء فيه الظن حين يقول كلمة عن حرمة الاختلاط وأقول أنه يعنيني وأنه يشهر بي؟ لا، طبيعي يعني في تباين بين وزن الشخصية وبين أن يتجه خاطره إلى أن يؤذي فلاناً وإلى أن يكشف سر فلان ويشهر بفلان.
هذا إنسان يراعي المشاعر، يتقيد بالطريقة الدينية في أداء هذه الوظيفة، إلى آخره. هذا يجب ألا أسيء الظن فيه وفي كلمته الناهية عن الاختلاطات المحرمة.
وهؤلاء الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وفي مقدمتهم العلماء المعروفون بعلمهم وأخلاقهم الكريمة وتقواهم، لا يحرّكهم لأداء هذه الوظيفة إلا الحفاظ على أداء الواجب، والحرص على سلامة الناس، والقضاء على الفتن الشيطانية. هذا باعثه للكلمة -يا أخي- دائماً هو هذا، هو إنقاذ المجتمع، هو نزاهة المجتمع. يعز عليه أن يشتهر عنك أيها الحاضر للمجتمعات المختلطة المحرمة، يعز عليه أن تتثلم شخصيتك، يعز عليه أن يتعرض لك متعرض، لأنك ستسقط. أنت تحمل أمانة، أنا أحمل أمانة، أمانة سلامة هذا المجتمع ونزاهة هذا المجتمع. أقول المشاركة في هذه الأمور تهدم مجتمعي المسؤول عن سلامته وعن بنائه البناء النزيه السليم الصحيح.
وجزى الله الناصح والمستنصح، من فادت فيه النصيحة وزاد المحبة بينهما.
إن الإسلام لشديد الحرص على سلامة سمعة المؤمن والمؤمنة. والغيور كل الغيور من دفع بالمؤمنين إلى تجنب مجالس السوء ومجالس المعصية، مجالس الاختلاط التي تجر الإنسان جراً إلى ارتكاب المحرمات.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحاطهما الإسلام، أنا مسؤول وأنت مسؤول أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر. وهذا الذي ينصح بعدم حضور المجالس المختلطة المحرمة، هذا آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر.
والأمر بالمعروف والناهي عن المنكر أحاطهما الإسلام بما يصلح الوضع ويقوي العلاقة ويحيي الدين والمجتمع ويسد أبواب الشر، ويلفت نظر غير المنتبه، ويعين على النهضة بعد العثرة. هذا يأمرني حتى أنهض بعد العثرة. لو رآني عاثر على الأرض وما أستطيع القيام، أطلب منه أن يقيمني أو أتمنى منه أن يقيمني، وأشكره لو أقامني وساعدني على القيام. عثرة القدم على الأرض عثرة حسية، عثرتي الروحية أكبر، عثرتي الروحية أضر. عثرة القدم المادية يمكن خمس دقائق ويذهب أثرها، العثرة الروحية يطول أثرها ويضر أثرها وينتشر أثرها، وأسقط سقوطاً من شاهق عند الناس. هذا عندماينهض به عن العثرة ماذا فعل؟ جميل أو ليس جميلاً؟ له الجميل وله الشكر وله الامتنان وله الاعتراف بإحسانه، وجزاكم الله خيراً.
الكمال ودرجاته: عندنا مستحبات كثيرة في الإسلام. مستحبات كثيرة لا يكاد أحد أن يفي بها كلها إلا من كان معصوماً، وحسب درجات المعصوم، يعني ليس مسؤولاً أن يستوفيها كلّها. فمستحبات كثيرة ومكروهات كثيرة، ماذا أفعل؟ الإنسان عاجز 100% لو أراد أن يجمع بين كل هذه المستحبات وأن يجتنب كل هذه المكروهات، في الغالب أنه لا يستطيع، خاصة إذا أخذنا بقضية ثواب “مَن بَلَغ”. مَن بلغه أن الفعل الفلاني له ثواب على فعله، إذا بلغ استحبابه، سواء كان مستحباً في الواقع الشرعي أو لم يكن مستحباً. يأتي خبر بأن الفعل الفلاني مستحب، وأن الفعل الفلاني مكروه… إلى آخره. هذا الخبر قد يطابق الواقع وقد لا يطابق الواقع، قد يكون صادقاً وقد يكون غير صادق. لكن بلغني أن مَن فعل هذا الفعل فله عند الله كذا، كلمة واحدة دخل الجنة… إلى آخره. والثوابات المذكورة في المستحبات ما أكثرها وما أعظمها. لكونه قد وصلني عن الشارع المقدس، وإن لم أحرز ذلك، وإن لم يقم دليل ملزم، أعمل هذا المستحب المذكور في الرواية. بعض الثواب شيء ما يمر على البال من حجم الثواب، والله كريم تبارك وتعالى. لكن لو أردت أن أستوفيها كلها، مو أنا، أكبر واحد في الأتقياء، أصحاب القوة البدنية، التوفيقات، أن يحيي كل مستحب، هذا ما حصل إلا لاثنين ثلاثة في الدنيا، الله أعلم. هذا لماذا؟
نقول في هذا الباب: لا يُنال كمال إلا بالسير في اتجاه الكامل. مَن الكامل؟ كلنا نقول الله تبارك وتعالى. السير في طريق الكامل بِمَيكون؟ أنا أريد السير في اتجاه الله، في اتجاه رضا الله، في اتجاه ثواب الله الذي أعده للمتقين. أريد القرب الذي دعا الله العبد إليه، أريد أن أنال درجة عالية جداً عند الله عز وجل. الكمال هدفي، أن أنال الكمال. أريد رضا الله عز وجل، فلابد يكون لي سير. هذا السير يتمثل في الالتزام، الطريق الموصل إلى كمال الله عز وجل هو أن أسير في طريق شريعته، في طريق دينه بكل ما فيه. يعني لا خطوة تخرج عن هذا الطريق. إذا كان فلان ملتزماً بأن لا تخرج خطوة من خطوات حياته الخاصة والعامة، وفي كل علاقاته، في سره وفي علنه، ويحاسب نفسه كل المحاسبة لئلا تميل قدمه ميلاً يسيراً عمّا يحقق رضوان الله، عما يطابق شريعة الله ودين الله من واجب ومستحب.
والنقص في الدنيا درجات ودركات. الكمال درجات في الدنيا؛ مال، علم، جاه، سلطة… درجات. تفاوت الدرجات. والدركات التي هي التسافل أيضاً درجات؛ هذا سيء لكن فلان أسوأ منه، وفلان الأسوأ هناك من هو أسوأ منه، فالدنيا نعيش فيها حالة الدركات المتفاوتة وكذلك درجات الصعود المتفاوت.
الآخرة هكذا أيضاً؛ دركات متفاوتة، أهل النار متفاوتون في عذاباتهم، في مدد بقائهم في النار، إلى آخره. الجنة أيضاً درجات ليست واحدة، درجات متفاوتة، وما بين الواحدة والواحدة ما بين السماء والأرض. وهذا من أهل الجنة وهذا من أهل الجنة.
فعندنا الكمالات متفاوتة في الدنيا، والنقص والتقصير والانحداراتمتفاوتة في الدنيا، وكذلك هو الأمر في الآخرة. الدرجات والدركات تابعة لنوع وكم الحسنات والسيئات. الكم له أثر والنوع له أثر.
هذه المستحبات أو تلك المستحبات الكثر، والتي يُعذر الإنسان في تركها ترك غير المتساهل الذي لا يصل إلى حد الاستهانة، هذا حكم من أحكام الله. مرة تركي لعدم المبالاة. هذا المستحب ممن؟ المُخاطِب لكَ مَن؟ تأتي كلمة ليست ملزمة من أشرف شريف في الدنيا، تملك أن تخالفها وأنت تستطيع؟ نفسك تستحسن أن تفعل؟ مرّة تأتيك من شخص عادي جداً، على عيني وراسي ولكن ليس محتاجاً لها ولم يلزمني بها، ولكن حين تأتي رسالة من أكبر شريف في الدنيا، رسالة فيها كلمة تمني من واحد مثل السيد حسن نصر الله “رحمه الله” كمثال، درجة الاحترام للسيد حسن نصر الله في الذين يموتون من أجله تسمح له بأن يتهاون مع هذا التمني؟ ما تسمح له، فكيف إذا جاء استحباب النافلة من الله عز وجل؟ خطاب الله عز وجل لك له مقدار من الوزن أو لا تزنه جبال ولا بحار؟ فإذا في استهانة بهذا الموضوع، هذا يتحول إلى ذنب. فيما عدا درجة الاستهانة بالمستحب، هناك اشتغالات وما إلى ذلك، ولكن هل مَن حُرم منها كمن وُفِّق إليها في درجة الجنة أو في الكمالات؟ فكم ستفاوتالمستحبات بين شخص وشخص، وكم ستفاوت الأعمال في نوعها وفي كمّها بين شخص وشخص في كماله ودرجته وعلوه يوم القيامة؟لهذا كثرة المستحبات وكثرة المكروهات، وإضافة المستحبات والمكروهات إلى الأحكام الشرعية. وكذلك حال أهل النار. فكلما أسرف الإنسان على نفسه في المعاصي، كلما انحدرت قيمته عند الله وهان على الله عذابه.
غَفَرَ الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اللهم صل على محمد وآل محمد.




