حديث “دينٌ لا بديل له” (2) – 17 ديسمبر 2025

كلمة سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم في لقاء مع جمع من طلبة العلوم الدينية بمدينة قم المقدسة – 17 ديسمبر 2025

بسم الله الرحمن الرحيم

دينٌ لا بديل له (2)

العنوان كما هو: دين لا بديل له وهو الإسلام، ولماذا لا بديل له؟ ذلك لأنه لا غنى عنه، هذه نقطة. والثانية: أنه لا كفء له، فمن هذا وذاك ينتج أنه لا بديل له. لا يصح البديل، لا يمكن، لا يوجد، ليس له مصدرٌ أوفره بعد أن ختم الله دينه وكان محمداً -صلَّى الله عليه وآله وسلم- آخر أنبيائه ورسله في الأرض.

 

النتيجة هي هذه: أنه لا نرتقب ديناً جديداً، وعلينا أن نرفض أي دين أرضي أو ادُّعي له أنّه سماوي بعد الإسلام. 

الإسلام لا غنى عنه لأنه لا حياة بلا منهج ونظام. حياة اجتماعية عالمية، مجتمع عالمي، وحتى مجتمع محلي، مجتمع صغير فضلاً عن الكبير، لا يصح له حال، ولا تستقيم له حياة، ولا يحقق غاية الحياة، ولا يتوفر على أمن وسلام وأخوة من غير منهج ولا نظام؛ وليس أي منهج، وليس أي نظام، وإنما المنهج العالم من وضع العالم الخبير، المحيط العليم بالإنسان نفسه، بكل فرد من أفراده، بكل جماعة من جماعاته، بكل شعب، بالكون كله؛ لارتباط هذا الإنسان بالكون، والإنسان ليس مستقلاً عن القوانين الكونية، ولا عن تأثير السماوات والأرض، ولا عن تأثير الحيوان ولا النبات ولا أي شيء آخر.

 

أنا لا أستطيع أن أستقل بحياتي كإنسان عن المحيط الطبيعي، وعن التأثير الفلكي، وعن كل قوانين الكون، لذلك لا يكفي أن تعلم بي لتضع لي نظامي ومنهجي. لا يكفي؛ لأنه يوجد علماء قادرون على وضع المنهج -وهم غير موجودين- المنهج الذي يناسب الإنسان في نفسه لو لم يكن تأثير عليه من كل محيطه ومن كل الكون الذي هو فيه. نحن طبعاً نخضع لماذا؟ نخضع لكون ملؤه قوانين وقوانين صارمة وحدية وذات تأثير في هذا الكون عليه عامة وعلى أجزائه. الأرض لا تستقل في وجودها عن السماء، والسماء لا تستقل في وجودها عن الأرض، وأنواع المخلوقات لا يستقل بعضها عن بعض الاستقلال التام الشامل.

 

من أجل ذلك نقول: لا غنى عن الإسلام لأنه نحتاج إلى منهج، وأن يكون المنهج ملماً بواقع الإنسان، بحقيقة الإنسان، بظروف الإنسان، بماضيه، بحاضره، بمستقبله. والتخطيط للإنسان ليس تخطيطاً للحظة ولا لفترة بسيطة، هو تخطيط لكل حياته وما بعد حياته، فمن أجل ذلك لا نستطيع أن نتوفر على نظام اجتماعي يمكن أن يحقق لنا غاية الحياة، يحقق لنا حياة هادئة وحياة مريحة إلى جانب تحقيق غاية الحياة، فلذلك أقول: الإسلام لا غنى عنه.

 

نعم، المجتمع البشري بلا نظام قويم، بلا مخطط دقيق موافق لهذا الإنسان ولكل ظروفه، معنى ذلك هو الصراع والفتنة والفوضى والاقتتال والدمار. أسرة بلا نظام، بلا حاكمية، بلا نظام ناجح، هي ماذا؟ مآلها إلى الشقاء، الاختلاف، إلى التنافر في داخلها برغم الصلات النسبية الشديدة، الصلة الرحمية الشديدة، برغم العواطف الحارة، إلا أنه بين وقت ووقت أو في ظروف معينة يقف الولد في وجه أبيه، والوالد في وجه ولده، والزوجة تختلف مع زوجها إلى آخره، وأنتم تجدون حالات الطلاق وحالات الافتراق وما إلى ذلك، وفي نوع من النظام وليس بلا نظام بالمرة، أو بنظام ماذا؟ كله فاسد، مع هذا والخلافات بين الأرحام قائمة، هذا فضلاً عن الأخ وأخيه وابن العم وابن عمه وما إلى ذلك. فحياة اجتماعية عالمية، مجتمع عالمي من دون نظام، معناه ما سبق، هي الفتنة العامة، والفوضى العارمة، والاقتتال والنهب والسلب والرعب وما إلى ذلك. هذا وجه من وجوه عدم الغنى عن النظام القادر.

 

الوجه الثاني: الإنسان محدود القدرة، قصير النظرة، علمه يتحرك في دائرة معينة، هذه هي النقطة. أضف إليها أن الإنسان مبتلى بالأنانية الشديدة، بالذاتية، بتعاونهم مع الآخر إلى حدود، ائتلافه مع الآخر إلى حدود؛ أمه العزيزة قد تصطدم أنانيته بها، بالرأفة بها، بالعناية بها، بإنقاذها، قد يقدم إنقاذ نفسه على إنقاذ أمه، قد يضحي في حالات -في حالة حريق وما إلى ذلك- قد يضحي بأمه في سبيل نجاته، ولده منهم من يقدم نجاة ولده على نجاته، ومن الناس -وقد يكون كثيرون- قد يقدمون نجاتهم على نجاة الأعزاء الآخرين عليهم.

 

هذا لا يصلح أن يضع قانوناً للآخرين، هذا أنانيته أمامه في وضع أي مادة من مواد القانون والدستور. هذا أول ما يفكر فيه هو مصلحته من هذا الدستور، ولا يمكن أن يضع دستوراً يضغط عليه لصالح الآخر، ويحمي الآخر من ماذا؟ من حبه لذاته ومن تحقيق ما يحبه لذاته، فلذلك يمتنع أن يأتي دستور ناجح متكفل بسعادة المجتمع البشري من وضع قبيلة، من وضع حزب، من وضع بلد لكل أقطار العالم، من وضع طبقة إلى أخره. 

اجتماع الرأي، واجتماع الرأي العالمي على فكرة واحدة، على يمكن بند واحد من بنود الدستور، هو أمر صعب. 

مبتلى بالأنانيات، عندنا الانتماءات الضيقة متعددة؛ أنا أنتمي لقبيلة، أنتمي لوطن، أنتمي لقوم، أنتمي لأصحاب، أنتمي إلى معاشرين، إلى ارتباط عندي، ارتباطاتي المصلحية مع فئات إلى آخره. أن أكون عادلاً مع كل هذه الفئات، أن أفي لهذه الانتماءات المتعددة على اختلاف مصالحها، ثم من بعد ذلك أن أعدل مع الآخرين، وآخذ الحق من هؤلاء الفئات التي أنا مرتبط بها ارتباطاً خاصاً وتلاحماً شديداً من أجل البعيد الغريب، من أجل واحد في لندن، من أجل أمريكا إلى آخره. المنتمي إلى وطن، منتمي إلى عشيرة، منتمي إلى… هذه الانتماءات تضغط عليه بلا شك، تضغط على نفسي، وبضغطها على نفسي تضغط على عقلي وتضغط على مزاجي وعلى خلقي من أجل رعاية مصالحها. يعني حتى لو لم يكن يملك قوة خارجية تضغط عليّ وكنت الأقوى فيهم، فإن الضغط النفسي، الضغط العاطفي قائم في ذاتي في صالح هؤلاء كلهم، فأنا لا أستطيع أن أضع الدستور أن أعدل بينهم وبين من لا أعرفه، وبين من يعاديني، وبين من يعاديني ومن يخاصمني.

 

وفي مجتمعي نفسه، في البحرين نفسها، لو أراد أحدنا أو فئة من فئات المجتمع البحريني أن يضع دستوراً للبحرين، ولكن المتكفل بوضع الدستور هو هذه الفئة الخاصة التي لها أعداؤها ولها أصدقاؤها ولها أرحامها ولها إلى آخره، فهل ترى أن هذه الفئة تملك نجاحاً في وضع دستور قوي عادل منصف؟ هذا شيء يشبه المستحيل؛ لأن هناك تهافت بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، يبقى هذا التهافت يؤدي إلى تقديم المصلحة الخاصة، مصلحتي القريبة، على مصالح الآخرين. واضح جداً من الأنانية والذاتية وتقديم مصلحتي على مصالح الآخرين، والإنسان محدود القدرة والعلم، ومبتلى بالأنانية والانتماءات المؤثرة سلباً والولاءات المفرقة والمتميزة أيضاً.

 

بقدر ما عندي مع مختلفين، عندي انتماءات مع هؤلاء المختلفين، كل الصلات إيجابية مع طرف يتبعها ولاء، فمع هذا الطرف ولاء، ومع ذاك الطرف ولاء، ومع ذاك الثالث ولاء، والمصالح متفاوتة ومختلفة ومتصادمة. فإذن عندي ولاءات متصادمة، أن يكون عندي الدين، العقل، النفس المنفتحة إلى آخره التي تستطيع أن تجمع بين حقوق الآخرين كلهم مع اختلاف مركزيتهم -في مركزية في نفسي- ومع اختلاف انعطافي العاطفي واحتضان هذا الفريق وذاك الفريق. تحقيق عدل بين هؤلاء كلهم أمر فوق المستطاع، فوق المستطاع.

 

الأولاد يا حبيبي، أنت وأولادك، أنا وأولادي، ليس من السهل أن ننصف الإنصاف الكامل بين كل أولادنا، ولا يحتل أحد أولادنا مركزاً خاصاً بالنفس بالقياس إلى الآخرين من أبنائي. لا أملك بالضبط يعني لو أمكن لي أن أزن كل ولد في نفسي لأراهم متساوين في الوزن، في العاطفة، هو يكفي أنه مريض يأخذ من عاطفتك أكثر من السليم من الصحيح، المريض من الأولاد، المعوق من الأولاد، الفقير من الأولاد، هذا كله مؤثرات على النفس في جذبها لهذا أكثر من ذلك. 

فالإنسان في ظل طبيعته، وفي ظل مقتضيات خلقته، وتحكمه الأنانية وتحكمه الولاءات التي يضطر أن يعيشها مع فرق مختلفة تتفاوت مصالحهم، عندهم مع بعضهم شيء ولكن أنا ليس عندي كلهم ولائي لهم يصب في المصلحة، وكلهم قادرون على الضغط عليّ من ناحية العاطفة. 

فقانون أضعه، يضعه أكبر عادل، أكبر عالم وما إلى ذلك، لا يؤمن في هذا الدستور الذي يمس ولده ويمس عدوه وأشد أعدائه، لا يمكن له أن يضمن وضع دستور عادل يقتضي منه أن يصل إلى كل ذي حق ولو كان إيصال هذا الحق على حساب ولده وعلى حساب حياة ولده، وأن يقيم العدل على ولده أن يقطع رقبة ولده كقطعه رقبة الآخر، هذا موسهل. 

فوضع دستور عادل وحكيم ومحيط بحاجات الإنسان -في ظل ما سبق الكلام- أمر يغسل الواحد منا يده، كما يقولون: اغسل يدك من قدرتك أن تضع دستوراً عادلاً حكيماً دقيقاً عالماً بطبيعة الآخر. أنا ما أعلم بطبيعة كل العلم، ما أعلم مو طبيعة الآخرين، بطبيعة الشعوب، بطبيعة الأقوام، بطبيعة الطبقات المختلفة، بماذا؟ بطموحات الآخرين، بنفسيات الآخرين، بما يرضيهم، بما يصلح لهم.

 

فمع هذا أرجع إلى كلمتين رئيسيتين عندي: الإسلام، لكن هذا العنوان، ولماذا؟ لأنه لا غنى عنه، ولا كفء له. ما في إسلام، ما في دين، ما في مبدأ، ما في أطروحة، ما في منهج يمكن أن يساوي الإسلام.

 

أيضاً في قضية عجز الإنسان عن وضع المنهج الناجح الذي يحقق حياة مريحة، الذي يحقق غاية الحياة. أمران نحتاجهما: تحقيق حياة مريحة هادئة منسجمة فيها انسجام مع الآخرين، ما فيها اقتتال، ما فيها اعتداء، فيها أمن، ما فيها رعب، هذا نحتاجه، تحتاجه الحياة. نحتاجه في الحياة.

شيء ثاني وهو أهم، وهو نريد منهجاً يحقق غاية الحياة، نريد منهجاً يحقق غاية الحياة، وأن لا تنتهي هذه الحياة -شقية كانت أو سعيدة- إلى شقاء أبدي دائماً. هذا المضمون موجود. 

 

تحدثنا عن القصور والأنانية وما إلى ذلك. أيضاً هناك أمر آخر وهو التجربة، على مر قرون طويلة متطاولة منذ خلق آدم إلى الآن، لا مجتمع مستقراً متوفراً على جو الراحة وجو الأمان وجو السعادة، ولا أي محاولة نجحت في مقابل خط الدين على إيجاد نظام اجتماعي، منهج اجتماعي منقذ. كم بذلت من جهود على طوال القرون لتوجد منهجاً ناجحاً؟ فخسئت كل الجهود البشرية أن توجد هذا المنهج الناجح المنقذ. 

هذا شاهد استقرائي يعطي يقيناً بعجز الإنسان من خارج تحليل حالته الذاتية. فأقول: يعطي دليلاً واضحاً، ويعطي برهاناً قوياً، استقراء صحيح هو، ولكن استقراء نافذ له شمولية واسعة جداً وله صدقية شديدة جداً. 

وهذه التجربة خاضتها أمم، خاضتها شعوب، خاضتها طبقات علماء، طبقات مختصين إلى آخره، إلا أن أي محاولة على خط هذه التجربة البشرية الطويلة لم تنجح في إيجاد النظام المطلوب لسعادة البشرية.

 

ربما قيل بالاستغناء -وقد قيل- بالاستغناء بالعلم المادي عن طلب وضع منهج لسعادة الإنسان. العلم كافل، إذا توفرنا على العلم استطعنا أن نتوفر على السعادة. أي علم يعنون؟ العلم المادي طبعاً المطروح هو الاستغناء بالعلم المادي، بالتقدم التكنولوجي، وعلى مختلف الأبعاد المادية التي توفر مادة وفيرة وتوفر وسائل عديدة لراحة الإنسان وتغدق عليه ما يرتاح. إذا كان الصراع على المادة فإن المادة تتوفر بشكل هائل في ظل التقدم العلمي المادي، فلا يبقى مجال للاقتتال. هذا ربما يطرح، ويطرح ليس فوق التجربة الفاشلة ما يجعلني أسلم بفشل الطرح الفاشل حسب التجربة، مستعينة بالمادي أو التقدم المادي، التقدم العلمي المادي الذي ضاعف الثروة في الأرض، وأوجد آليات لتكثير المال وإحياء الأرض أيضاً، إحياء الأرض بما تعطي من خيراتها؛ الزراعة اليوم غير الزراعة أمس، الصناعة اليوم غير الصناعة أمس، حتى الاعتناء ببيئة الحيوان غير الاعتناء ببيئة الحيوان إلى آخره. فالوسائل العلمية وفرت الكثير ولكن هل حلت المشكلة أو ضاعفتها؟ تقدم العلم حل المشكلة البشرية أو ضاعف المشكلة البشرية؟ 

المتقدمون علماً صاروا سادة ومتحكمين وقادرين على اللعب بمصير الطبقات الأخرى، فصار هذا العلم سلاحاً بيدهم، أقوى سلاح لإذلال الآخر، لتصغير الآخر، لنهب الآخر، لرعب الآخر، إلى آخره. وهذا هو ترامب وجماعة ترامب والمؤيدون، ترامب يحرقون العالم ويلعبون بمصير المستضعفين، ويذلون من يريدون إذلاله، ويعزون من يريدون إعزازه، ويسقطون قيمة أكبر العلماء وأكبر المخترعين وأكبر المفكرين، كل هذا يفعلونه بواسطة التقدم العلمي وما يملكونه من تقدم علمي.

فالعلم هل يحل المشكلة؟ هل يغني عن وضع النظام؟ العلم المادي الذي ينكر على الإنسان إنسانيته، الذي لا يقيم وزناً للإنسانية، الذي يأخذ من الإنسان شطره المادي فقط ويلغي روحه، يلغي فطرته، يلغي ارتباطه بالله، يلغي أثر الروح، نفخة الروح في الإنسان، يتعامل مع الإنسان كمادة، كحيوان عادي، كقرد، كذئب إلى آخره. هذا العلم بالعكس يقتل الإنسانية، يُتعب الإنسانية، من له إنسانية، من له ضمير، من له عشق لله، من يعز عليه الحق، يرى أن سعادته في الخلق الكريم. هذا الميراث الإنساني الكبير وهذه العطايا الإلهية العظيمة حين يخسرها إنسان الدين، الإنسان المتأله -يعني المتعلق بالله عز وجل المتولي لله عز وجل- هذه الكرامات الخلقية حين يخسرها الإنسان يكون في أشقى شقاء وأتعس حياة، ويخسر نتيجة الحياة ويجر إلى النار وإلى المصير الأسود.

 

فنقول: لا غنى عن الإسلام؛ لأنه لا قادر على إيجاد دين كالإسلام، على إيجاد أطروحة، منهج كالإسلام. ثم إنه الشيء الآخر أنه لو حاول الإنسان، وأخلص الإنسان، وجد واجتهد في أن يجد مبدأ، يجد منهجاً، أطروحة تعادل الإسلام، تقترب من الإسلام مقاربة -لا تساوي، مقاربة- للإسلام فهو عاجز. 

نقول: الحل في الإسلام كونه من خالق الإنسان والكون، منهج يحتاج لماذا؟ إلى عليم بالإنسان، عالم بالكون كما سبق، عالم بالمحيط الضيق والمحيط الواسع بالإنسان، بالجموع البشرية كلها، بكل المؤثرات الكونية والطبيعية؛ الطبيعية والكونية، فلكية وأرضية، كل هذه المؤثرات لا بد أن يكون عالماً بها. يعني المؤثرات على الإنسان والتي لا تعطي حرية مطلقة لإرادة الإنسان وحياة الإنسان ومزاج الإنسان. 

فصرنا نحتاج حتى نحصل على منهج قادر على فهم الإنسان الفهم الدقيق، لو كان قادراً على فهم الإنسان الفهم الدقيق أيضاً لا بد أن يكون فاهماً لمحيط الإنسان ومؤثرات الإنسان الفهم الدقيق. 

الله عز وجل خالق الإنسان والكون، عليم بالإنسان والكون، كيف لا يعلم بالإنسان؟ كيف لا يعلم بالكون وهو يدبرهما؟ وهو يدبرهما، ينزل عليهما وجودهما لحظة لحظة، تنزيل الوجود لحظة لحظة، تنزيل العلم لحظة لحظة، نفسي معلوم، كل دقائق هذا الإنسان وكل تكوينه المادي وتكوينه المعنوي هو ممدود بعلم الله وبقدرة الله وتحت سلطان الله عز وجل، فكيف لا يعلم؟ يعلم الكون كله ويعلم الإنسان الذي يوضع له هذا النظام.

 

هذه واحدة، نحن توفرنا على ماذا؟ توفرنا في الاستناد على الله عز وجل على علم مطلق، وعلى قدرة مطلقة، وإحاطة شاملة، إلى جانب عدم الأنانية المبتلى بها الإنسان؛ لأن الله يعطي، أنا أقدم نفسي على الآخرين لماذا؟ لأني إذا أعطيت حرمت، إذا أعطيت ما عندي صرت الفقير، إذا وضعت قوتي في صالح الآخرين تعطلت ما دامت مصلحتي إلى آخره. الله عز وجل يعطي من غير أن ينفد، من غير نفاد لعطائه، عطاؤه غير محدود، عطاؤه ليس في خزائن تبلغ ملايين، بلايين… خزائنه مفتوحة بلا عدد، كل ما هناك أنه “كن فيكون”. هذا لا يخاف على مصالحه، لا يخاف على وجوده، لا يخاف أن يغالبه مغالب إلى آخره. فالله غني حميد، رؤوف رحيم، حكيم خبير، محيط بالزمن كله، بالمكان كله، بكل ما في الزمن، بكل ما في المكان، على الامتدادات الزمنية كلها، الامتدادات المكانية كلها، عالم بكل ذرة، وبتأثير كل ذرة، وبحاجة كل ذرة، وبتكوين كل ذرة. هذا العلم المحيط، هذه الرأفة، هذه الحكمة من الله عز وجل تخلينا نؤمن كل الإيمان بالمبدأ الذي يتنزل من الله سبحانه وتعالى.

 

يبقى تنزل المضمون، أن هذا المبدأ المدّعى تنزيله من الله، مضمون أنه منزل من الله؟ هذه النقطة لازم نحصل عليها، لازم نتأكد. صحيح، الله قادر على تنزيل منهج رابح ناجح محقق لسعادة الإنسان إلى آخره، لا ينقصه حكم من الأحكام، ليس فيه فضول من الأحكام، ليس فيه نقص من الحكم إلى آخره. لكن ما انحلت المشكلة، تنحل المشكلة بأن تضمن لي بأن هذا المبدأ هو من عند الله، هذا المبدأ اللي يسمونه الإسلام، هذا الدين فعلاً من عند الله؟ ما ضمانه؟ ما الموجود؟ تعال نشوف.

 

نقول الحل في الإسلام كونه من خالق الإنسان والكون كله، العليم بكل خلقه، والذي يقول عن كتاب الإسلام: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا). 

تتوقف أمام شك، تتوقف وقفة شك خفيف باهت أمام صلاحية مذهب، سمو دين، عظم دين، صدق دين، أصالة دين؛ من واضع كتابه الأول؟ عالم السر في السماوات والأرض، ومن فيهن وما فيه. بس عطني فعلاً أن هذا المبدأ من عالم السر في السماوات والأرض. يقال بأن الإسلام من وضع عالم السماوات والأرض وكل سرٍّ في السماوات والأرض، بس هذا ثابت أو مو ثابت؟ فعلاً هذا القرآن من عنده سبحانه وتعالى، من تنزيله، من جعله؟ هذه صناعة علمه، أو صناعة علم من رسول الله ادّعاه أنه علم الله؟ من اليهود أخذ منهم رسول الله علم؟ من أقوام مختلفين، من إنس، من جن، من هنا وهناك، هذه معلومات وصاغها بصياغته الخاصة وقال هذه من عند الله؟ مو ممكن هذا، ما ممكن. خلينا نفرضها ممكن، خلينا نفرضها ممكن ماذا؟ يكذب. خب مرينا في حديث سابق عن الإعجاز القرآني، وكان الكلام هنا، سمك الكلام بعد مخصص مع الآيات الكريمة، مع ما يصدم الإنسان ومع ما يصفع الإنسان صفعات لا يستطيع أن ينكر معها أن القرآن من الله سبحانه وتعالى. لا مفر للإنسان في ظل آيات التحدي القرآني وفي ظل آيات الإعجاز، ليس في مقدوره، عليه أن يستحي، عليه أن يخجل، عليه أن يغطي وجهه حين يتفوه بأن القرآن ليس من الله، أمام تحدي الآيات القرآنية.

 

ما معنى التحدي؟ التحدي أن تفعل فعلاً فلا يراه صاحبك شيئاً، هذا الفعل الذي تكبره وتعظمه وهو في نفسه عظيم وكبير وتريد أن يعترف لك الآخرون به، الآخرون لا يعترفون به، ماذا تفعل؟ تقول هذا فعلي فأتِ بمثله أو ما يقارب منه. حين يقف الآخر موقف العاجز تمام العجز، حين يلوذ بالصمت، حين يلوذ بالفرار عن مواجهة هذا التحدي، يثبت قولك أو لا يثبت؟ أن ما جئت به لا يملكه أن يأتي به. عرضت عليه أن يأتي به لماذا؟ ليكذب كلامك، أنت تقول جئت بفعل لا تملك أن تفعله لا أنت ولا قومك، فعليك أو على كل قومك أن يأتوا بفعل مثل هذا الفعل أو ما يقارب. كل القوم يسكتون، كل القوم يلوذون بالفرار، ماذا ينتج؟ ينتج أنهم غير قادرين أمام هذا التحدي الذي يسقط قولتهم تماماً ويحكم عليهم بالكذب وبالزور.

 

القرآن الكريم تعامل مع الناس هذا التعامل، آية التحدي تتعامل مع خلق الله، كل خلق الله هذا التعامل. هذا القرآن ائتوا بمثله. 

 

نقرأ الآيات حتى نقف بعض الوقفات البسيطة:

(وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ)

هذا الذي تنكرونه ليلاً نهاراً، تجدون ألفاظه، تملكون حروفه، مادة بناء موجودة عندكم ميسرة، حروف الأبجدية، هذا الكتاب الذي تقرأونه تحت أيديكم وسنون وأنتم تقرأونه، البشرية قرون الآن هي تقرأ القرآن، يعني نحن نقرأ الكتاب خمس مرات ست مرات، يعني إذا فينا شدة نجاريه بعض الشيء، نجاريه بعض الشيء إذا كان لا تملك أن تصوغ كتاباً مثله لكن تقترب منه بعض الشيء. البشرية عاشت مع القرآن الآن قروناً وعاشت التحدي القرآني هذه القرون، وحاولت وسكتت، حاولت محاولات كثيرة، جاءت في التاريخ لمجاراة القرآن من أكبر الأدباء والعلماء وما إلى ذلك، فكل المحاولات باءت بفشل، ولا زالت المحاولات توجد وتفشل.

 

القرآن الكريم: (وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ)

هذا فوق أن يفترى، أن يؤتى بمثل افتراء، محاولة الافتراء توجد بس ما يمكن أن يفترى هذا القرآن، أن يؤتى بقرآن مثل هذا القرآن مفترى. يقول: وما كان هذا شأن القرآن، فوق ذلك لأنه فوق الطاقة البشرية، فوق مستوى البشر، فوق كل المحدودين، فوق كل من علمه ليس مطلقاً. 

 

(وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ)

اقطعي الأمل يا بشرية، عليك أن تقطعي الأمل. 

 

(وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ). 

إذا كان القرآن موجوداً، نقطة خذها ثانية؛ لم يوجد، لا يوجد أحد يستطيع الافتراء عليه ويوجد مثله، ومضت القرون وكل محاولات إيجاد ما يقرب منه يائسة وفاشلة وساقطة، هل يبقى شك في أنه تنزيل رب العالمين؟ إذاً ثبت أن القرآن ليس من أي جهة أخرى وإنما هو من رب العالمين تبارك وتعالى.

 

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ)

يصرون على مقولتهم وأن القرآن افتراه، هذا الكلام لا يفيد فيهم، يعني هذا البرهان ما أفاد فيهم. 

 

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ)

العرض عليكم أن تأتوا بالأصغر، الطلب وأمام دعواكم بأنه مفترى هذا القرآن أن تأتوا بمثله كاملاً، كما افتري هذا القرآن فأتوا بقرآن مفترى آخر. تعجيزاً ولفضحهم بدرجة أكبر، يقول لهم: سورة واحدة فقط، ائت بسورة واحدة ليسقط هذا القرآن. 

الله عز وجل يقول ائتوا بسورة واحدة تبطلون بها دعوى أن هذا القرآن من الله. الدين يرفع دعواه بأن كتابه من الله بمجيئكم بسورة واحدة، “قل هو الله أحد”، “إنا أعطيناك الكوثر” إلى آخره، هذه السور القصار. بسورة واحدة عزيز على البشرية ألا تأتي بهذه السورة؟ يصعب عليها ألا تأتي بها؟ يصعب عليها أن تأتي بها، وصعب عليها ألا تأتي بها؛ صعب يعني مستحيل الأولية، صعب بمعنى مستحيل عليها لفقد القدرة، الثانية يعني الإحراج شديد، يعني صعب العرض عليها أن تأتي بسورة واحدة في قبل القرآن ولا تستطيع، هذا أمر صعب عليها، شديد، حرج غليظ كبير. 

فتقول الآية الكريمة: (وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ). وادعوا من استطعتم من دون الله؛ ملائكة، الجن، الإنس، الخلق كله، ليس في جيل واحد، ولا أمة واحدة، ولا أول الزمن ولا آخر الزمن، اجمع من على الله كلهم، هذه القدرات الهائلة أن يأتوا بسورة واحدة. يكفي لو ما يكفي؟ هذا تحدٍّ يقطع اللسان أو لا يقطع اللسان؟ ومع ذلك الإنسان واقف عند عناده وجهله وغروره وتطاوله على الله سبحانه وتعالى. عندنا سورة وعندنا عشر سور.

 

(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَاالْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)

جزم، حتم، مو في هذا الزمان، وسيبقى التحدي مستمراً إلى الزمن الذي يصل إلى المستقبل غير المنقطع، في المستقبل حتى في المستقبل غير المنقطع، لن تأتي عبقريات، لن يأتِ ملائكة يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن. 

(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَاالْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا). (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا)، ولن تفعلوا لا الآن ولا عقب مليار مليار سنة، ولا في يوم من أيام الامتداد الأبدي، ولن تفعلوا. (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، كافية هنا بدل أن تستثنوه، ولم يبق أمامكم إذا بقيتم على هذا الإنكار -مع كونكم لن تفعلوا ووجدتم أنفسكم عاجزين طول ما أنتم موجودون عن أن تأتوا بمثله- لم يبق إلا وقود النار، ولم يبق إلا أن تتقوا وقود النار. أن تكون من وقود النار؛ (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)، فأنتم المخاطبون الكافرون، أنتم الكافرون الذين ستكونون وقوداً للنار مع الحجارة.

 

هذه آيات التحدي. هناك عدد كبير كثير من آيات الإعجاز، التحدي هذا هو القرآن، ائتوا بمثله تعجيزاً، بحيث هذا تعجيز مع التحدي، هذه الحقيقة، تعجيز مع التحدي. هناك تعجيز، إعجاز يبين ماذا؟ يعني آيات تتكفل ببيان أعظمه، ماذا أعظمه؟ القرآن الكريم. آيات معجزة، آيات هي معجزة لكن لم يتحدَّ بها، لم يتحدَّ بها، هذه الآيات دورها أن تدل -ولو بعد حين- من التقدم والتطور العلمي عند الإنسان. بعد التطور والتقدم العلمي عند الإنسان، ونمو علمه وانفتاح الأبواب العلمية الجديدة عليه، والتقدم فيه، تصل إلى التفاتات، إلى قوانين كونية، إلى تتوفر على آليات استكشاف، على آليات استقراء بعيدة المدى إلى آخره، بحيث تتبين بهذه الواصلة، بواسطة الاكتشافات الجديدة، الثورة العلمية الجديدة، العمل الدؤوب المتواصل من علماء متميزين في الفلك، في الطبيعة، في الأحياء، بحيث تتوفر لدى الطبقة العلمائية المتقدمة جداً معلومات توافق هذه الآية التي هي معجزة في نفسها.

لم ينكشف إعجازها في وقت تنزلها، في وقت تنزلها. الآية تنزل وهي معجزة لكن حسب الجو، الجو البشري، البيئة البشرية، المستوى العلمي للبيئة المحلية، علماء ذاك العصر، عصر التنزل، إلى البيئة العالمية، هذه الآية لأنها لا يدرك، لا تصل إليه العقول إلى حقيقة معناها، تشتغل العقول بتفسيرها تفسيرات عادية، كله بحسب قدرته؛ قد تصيب بعض الشيء وقد لا تصيب. هذه التفسيرات التي تحملها كتب التفسير القديمة والأقوال التفسيرية القديمة، هذه تمضي القرون وتنمو الثروة العلمية عند الإنسان بفضل الله تبارك وتعالى، ويتقدم تعامله مع الفلك ومع أسرار الفلك والطبيعة والأحياء، فتتكشف له أمور تدله على مدلول جديد للآية، وهو المدلول الذي كانت تعنيه في الأصل.

 

المدلول الذي تعنيه بالأصل هذا له درجتان، هذا التوفر العلمي على الشيء الجديد على مرتبة جديدة من العلم في أي جو الآية الكريمة، هذا له مرتبتان: مرتبة النظرية ومرتبة الحقيقة العلمية اليقينية. النظرية ما بها شغل، لا يحتج بها، وهذه النظرية لا تلزم البشر للإقرار بأن مدلول الآية هو مدلولها؛ لأن النظرية قابلة للتغيير. النظرية في المصطلح العلمي عندهم هي وجهة نظر علمية مبنية على أسباب مدروسة ومقاربات يصل إليها العلماء ويتكامل مع بعضه ويكمل بعضها بعضاً، إلا أنها لا تصل إلى حد اليقين بمؤداها. لكن هناك بعض الاشتغالات العلمية تنمو وتنمو وتتكاثر وييسر الله الطريقة حتى يصل يقين عند العلماء، مثل اليقين بالجاذبية، مثل اليقين بنظام الجاذبية وبقانون الجاذبية الذي لا ينكره منكر في العلماء اليوم. 

يصلون إلى اليقين بأن هذه الآية الكريمة كذا، كآية بداية العالم جسمانيات العالم بالماء، أن أول موجود جسماني في الكون كله هو الماء، هو الماء. (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، الماء كل شيء حي، وفي آيات تبين بأن الماء هو بداية الحياة، أحاديث موجودة بهذا أن الماء -عفواً- بداية الوجود الجسماني. عندنا وجود روحاني وعندنا وجود جسماني؛ الوجود الروحاني موجود، الملائكة موجودة، وقبل المادة الأرضية توجد موجودات روحية أخرى قد توجد، بس الوجود المادي الجسماني في الكون يعني الماء قبل التراب، الماء قبل التراب وقبل كل شيء جسمي في هذا الكون. 

هذا شيء وصل العلم الآن في كثير من رؤية العلماء بأنه حقيقة ثابتة، فعلى تقدير أن يكون ما وصلوا إليه حقيقة علمية ثابتة، يعني حسب العلم الدقيق الموضوعي المستوعب، أن بداية الوجود الجسماني في الكون هي للماء. على هذا التقدير نكون أمام إعجاز، نكون أمام إعجاز من خلال آية تؤكد أو حديث ثابت تماماً يؤكد أنه فعلاً أن الماء أول موجود جسماني، لأن هذا يدل على أن العلم الآن بتطابقه مع مدلول الآية المباركة التي كان مدلولها غامضاً وتفسر تفسيرات مختلفة، انكشف الآن بأنها ليست إلا من عند الله، لأن ما في علم 100% متأكد العلماء في كل التاريخ البشري، ما فيه علم كالعلم الذي أمكن الوصول إليه الآن من أن الماء أول موجود جسماني، فمن أين هذا العلم إذا لم يكن من الأرض؟ هذا إما علم من الأرض، العلم اللي تكلمت عنه الآية إما من الأرض أو من السماء؛ انتفى كونه من الأرض بانكشاف أنه لم يحدث هذا العلم في الأرض إلا بعد قرون متطاولة من نزول الإسلام، فإذاً هذا العلم علم سماوي وليس أرضياً، وهذه آية من آيات الكتاب، فالكتاب إذاً لا بد أن يكون سماوياً من وضع الله تبارك وتعالى، من جعله من خلقه.

 

آيات الإعجاز منها هذه الآية: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ).

التمدد الفضائي تقريباً حقيقة ثابتة عندهم الآن، توسع النجوم، توسع الكون، امتداد الكون، وأنه كلما جاء له يتسع وتتباعد أطرافه. هذه الآية (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) فيها تفسيرات، ومنها التوسع في الرزق، وأن الأرض والسماء باستمرارهما، تزيد الثروات، باستمرارهما تزيد الأرزاق بالتقدم العلمي والاكتشافات وما إلى ذلك، هذا تفسير كان موجوداً.

التفسير الثاني: يؤكد الآن على التمدد الفضائي الذي صار يكتشف، واكتشف إلى حد وصول هذا الاكتشاف والعلم إلى مستوى الحقيقة العلمية، التي يتأكد معها أن هذا العلم يوم نزول القرآن ليس أرضياً وإنما سماوي، ليس أرضياً لأنهم على يقين لأنه لم يأتِ يوم من الأيام منذ آدم إلى حد الاكتشاف من قبيل القرن العشرين وقبل نهايات القرن التاسع عشر بدأ الاكتشاف وتكاثفت المعلومات المتوفرة من كبار المختصين في الغرب حتى تأكد لهم تمدد الكون. هذا ماذا نسميه؟ إعجاز. ما في أحد إيجابي هو صار قضية أن التمدد حاصل. هو حصل. يعني عند الله وفي واقع الأمر حصل قبل اكتشافه الحديث. فمع هذا، آية تتحدث، ائتوا بهذا الاكتشاف؟ الاكتشاف حصل، ائتوا بهذا القانون، قانون التمدد؟ قانون التمدد حصل، فليس محل تحدي المجيء به، فقط يكشف عن حقانية القرآن، حقانية تنزل القرآن من عند الله تبارك وتعالى.

 

نعم، الآية الثانية كما سبق: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، وأحاديث الماء بداية كون أول، أول وجود جسماني الرجوع فيه للأحاديث. 

 

الإعجاز لإثبات أن الكتاب صادر من الله، وتبين هذه الدلالة قد تتبين للإنسان بعد تقدم سيره، هذا بالنسبة للإعجاز. اتخاذه دليلاً على إعجاز القرآن، هذا يقول لك يتأخر إلى مدة طويلة تطول أو تقصر حسب قرون، هذا التقدم أو الاكتشاف جاء بعد قرون من التنزل، فتتعطل الدلالة ولا تتكشف إلا بعد أن يكبر مستوى الإنسان العلمي ويتقدم في علمه بتسهيل من الله عز وجل وبتنامي العلم وتوفر القدرات الميسرة من الله عز وجل. هذا النوع من التحدي سريع، التحدي يعطي نتيجة سريعة ويثبت حقانية القرآن بسرعة، الإعجاز قد تحصل فيه فاصلة زمنية كبيرة يخفى فيها الإعجاز أن هذه الآية معجزة ثم يتبين بمعونة اكتشاف ما يطابق مدلول الآية، من أنها في نزولها هو ما طابقته النتيجة العلمية الحتمية الحقيقية.

 

باقي عندي الحركة المتطورة والحاجة إلى التشريع. الإسلام إذا كان كماً محدوداً من الأحكام، فالزمن يتمدد، وكل ما مر الزمن -هذا بإشارة فقط- الزمن المتجدد المستمر الذي سيأخذ آماداً -الله العالم بطولها- في حركة مستمرة، والحركة المستمرة تولد حاجة لأحكام مستمرة، تولد حاجة مستمرة للأحكام. هل الإسلام يكفي؟ الإسلام محدود. كم الأحكام محدود، هذا نقطة. نقطة ثانية: مرجعية الحاضر الشرعية والتبليغ في الحاضر. 

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. 

 

زر الذهاب إلى الأعلى