نصّ لقاء مجلة اقتدار مع آية الله قاسم حول سيّد المقاومة

مجلة اقتدار اللبنانية في حوار خاص مع سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم في الذكرى السنوية الأولى للرحيل المفجع لسماحة سيّد شهداء الأمة سماحة السيد حسن نصر اللهُ “قدس سره”


نصّ الحوار :

السؤال الأول: كيف تعرفتم إلى سماحة السيد حسن نصر الله؟ وما هو الانطباع الذي تركه لدى سماحتكم؟ 

بسم الله الرحمن الرحيم 

يعرّفك العظماء أنفسهم من خلال انتشار أمجادهم، وطيب ذكرهم وجواهر كلماتهم ومواقفهم وإشعاعات إنسانيتهم وروحيّتهم الزاهرة الفوّاحة بكريم الخصال، وهو الشيء الذي يدفع للملاقاة وجهاً بوجه شوقاً ومحبّة، والقلب الواعي المخلص لله سبحانه يجمع -بإذن الله- حوله القلوب. 

أمّا الانطباع بل الأنس والإكبار لما عليه الرجل من صفات العظماء فهو قبل الإجتماع في المكان، وكلما ازددت من أحدهم قرباً وجدت نفسك منشدّاً إليه أكثر، والغنم بلقائه أكبر. 

السؤال الثاني: كيف تنظرون إلى هذه الشخصيّة وما هي أبرز الملامح التي تحددونها لها؟ 

يطالعك منه صفاءُ إيمان، أخلاقيات عالية، خصال جليلة، ونقاء سريرة، ورجولة صادقة، ومعرفة دقيقة. يستقبلك فيه حسّ إنساني وإسلامي لاهب، وروح طاهرة، وشجاعة نادرة في الحقّ، وقدرة كبيرة في المقاومة، نَفَسٌ جهادي لا انقطاع له، وهمّ رسالي مشتعل، وخشية عظيمة من الله العزيز القويّ المتين، خشية لا تبقي في النفس استكباراً ولا غروراً ولا تبجحاً، ولا اعتداداً، كما ترتفع بها عن الضعف والضعة أمام المخلوقين، وتشتد صلابة في الجهاد، وتمدّها دائماً بالصمود والقدرة على التحمّل لأشدّ الصعاب. 

إنّ السيد الشهيد مجموعة من الكمالات من بركات المواهب الإلهيّة الثرّة الكريمة، والكسب الجهادي المستمدّ من توفيق الله، ومدده وتسديده، وتصبيره لعبده الذي لا غنى له عنه. 

السؤال الثالث: هل هناك أحداث خاصة أو مواقف معيّنة ربطتكم بسماحة السيد يمكنكم إخبار القرّاء بها؟ 

القلوب المتوافقة تتآلف، والمتخالفة تتنافر، كانت مناسبات خاصّة أم لم تكن. 

السؤال الرابع: بالنسبة إلى سماحتكم، كيف يمكن أن نبلور ملامح الرؤية الاستراتيجية الجهادية للمقاومة في فكر سماحة السيد حسن نصر الله؟

السيد الشهيد السعيد فيما تطالعنا به شخصيته وسيرته ملتزم بالرؤية الإسلامية الإيمانية الأصيلة في مجالات الحياة كلّها، وكلّ مشاريعه وأنشطته وعليه فهو لا يريد من مقاومته إلا المقاومة للباطل والظلم والفساد والإفساد. 

وهذه المقاومة لا تميل عن خط الجهاد الإسلامي والدفاع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تراعي غير وجه الله العليّ العظيم، ولا يتقرّب بها إلا إليه. 

كلّ هذه المقاومة منطلقها، خطّها الدائم، هدفها الثابت الذي لا يعرضه تغيير، أخلاقيّاتها، أولويّاتها، خياراتها، أدواتها، كليّاتها وجزئيّاتها، لا تتبع غير مرضاة الله، ولا تتباين في شيء من ذلك كلّه مع أحكام شريعته النوراء، والمرجعيّة في هذه القيادة للولي الفقيه التابع للإمام القائم “عجّل الله فرجه” في أمره ونهيه. 

وقطرة الدم في هذه المقاومة داخلة فيما جاء عن رسول الله “صلى الله عليه وآله”، في قوله: (ما من قطرة أحبّ إلى الله عزَّ وجلّ من قطرة دم في سبيل الله) . 

والمقاومة التي دعا إليها السيد الشهيد، وضحّى بروحه الطاهرة على طريقها، جهاد في سبيل الله، وتقول كلمة أمير المؤمنين “عليه السلام” عن الجهاد: (والله ما صلحت دنيا ولا دين إلاّ به). 

السؤال الخامس: كيف تقيّمون تجربة شهيد الأمّة السيد حسن نصر الله كحوزوي حمل راية الإسلام المحمدي الأصيل وواجه أشدّ التحديات المعاصرة واستشهد، وما أثر ذلك على المنحى الحوزوي عموماً؟ 

تجربة السيد الشهيد السعيد نصر الله في جهاده الإسلامي المبارك وهو رافع بصدق وإخلاص راية الإسلام مُتقدِّماً للشهادة في سبيل الله غير هيّاب ولا متلكئ أو متردد، مشتاقاً لها، بائعاً كلّ دنياه من أجل التشرف بها، هي شهادة صدق عليا وبدرجة امتياز بعظمة المدرسة الإسلاميّة التي ربّته بطلاً من أبطالها، وعظيماً من عظمائها، إيماناً ومعرفة وهدى وصلاحاً، ورجولة وشجاعة وإقداماً وتضحية وجهاداً وحكمة وتخطيطاً دقيقاً. 

وهذه المدرسة التي آمن بها السيد الشهيد من كلّ أعماقه هي مدرسة أهل البيت “عليهم السلام” التي أنشأها الوحي الإلهي وأمدّها بكلّ هدى تحتاجه الحياة، وتتوقف عليه السعادة الإنسانية مطلقاً، وقد ذاب سيدنا في هذه المدرسة وآتاها من كلّ ما آتاه الله حتى النفس الأخير من حياته، وخدمها الخدمات الجليلة المؤثرة الأثر الكريم في حياته وبعد شهادته. 

وتجربة السيد الكريم في جهاده وسيرته هي شهادة حقّ ناجحة كذلك على عظمة الحوزة العلميّة التي انتمى إليها، وهي الحوزة التي بناها خطّ أهل البيت “عليهم السلام” وغذّاها في تاريخها كلّه، في ماضيها وحاضرها بالفقهاء والعلماء العظماء الغيارى الصادقين من صنعه. 

ظهر جليّاً أنّ هذه الحوزة التي خرّجت السيد الشهيد شخصيّة إسلاميّة قياديّة عظيمة لامعة على مستوى العالم ونالت إعجاب وثقة الأمّة المؤمنة، والكثير من الشعوب المنصفة والشخصيات الوازنة في العالم من خارج الأمّة.

هذه الحوزة التي احتضنت مجاهداً في سبيل الله، ثائراً على الظلم والطغيان، والأوضاع الجاهليّة في الأرض، وشاركته الصرخة، وشاطرته الجهاد استجابةً لصرخة الدين والواجب الشرعي، ونداء الوليّ الفقيه والصفوة الكريمة من الفقهاء والعلماء، لحوزة حقّ لها أن تأمَّها العقول المتوقّدة والنفوس العشّاقة للمعرفة والعامرة بالإيمان للشباب المؤمن الصالح ليكونوا على بصيرة من أمر الدين والدنيا وقادةً من قادة المستقبل المنشود حتى تعمّ كلمة الإسلام، ويُسلّم الناس قيادة الأرض لها فتشرق بنور ربّها الكريم. 

السؤال السادس: هل تعتقدون أن الدور القيادي والريادي لسيد شهداء الأمّة دخل كأصلٍ في الثقافة والاستراتيجيّة للمجاهدين؟

من الطبيعي جدّاً أنّ الدور القيادي المثال للسيد الشهيد السعيد بما له من ريادةٍ بارزة، وامتيازاتٍ كبرى كان من ورائها استلهامه من قمّة القيادة الصالحة الطاهرة القادرة المعصومة المتشخّصة في الرسول الأعظم والأئمة المعصومين من آله “عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام”، ثم من ورثتهم كالإمام الخميني “رضي الله عليه” والإمام الخامنئي “أيده الله”، وبسبب ما أحدثته قيادة هذين الفقيهين المجاهدين العظيمين من صحوة ٍعامّة في الأمّة، وانفتاح وعشق للإسلام المحمدي وإيمان عميق بالحاجة الملحة التي لابدّ منها لحاكميّة الإسلام في أوساطها، والأوساط الشبابيّة منها بالخصوص. من الطبيعي جدّاً والأمر كذلك أن الجهاد والشهادة من أجل انتصار الإسلام، وحاكميّته المنقذة، وعزّ الأمّة، وأمل المستضعفين قد دخل بقوّة أشدّ وجدّية أعظم ووعي في ثقافة واستراتيجيّة المجاهدين فعلاً، وعموم شباب الأمّة المؤمنين النابهين الغيارى الصالحين. 

السؤال السابع: هل ترون استمرارية لنفس مشروع سيد شهداء الأمّة بعد شهادته على مستوى الظروف السياسيّة والإقليميّة أو أن الظروف تتطلب مقاربة مختلفة؟ 

كانت الظروف ولا زالت صعبة وعنيدة في مواجهة حركة المقاومة والجهاد، وقد زادت هذه الظروف تعقيداً وصعوبة ومعاندة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ فريضة الجهاد ومقاومة الباطل ومدافعته، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تركيبة الإسلام وضروراته التي لا تقبل الريب، وقد أحال الإسلام على كلّ أهل الباطل من خارج الأمّة وداخلها بتدبيره الحكيم وتخطيطه الإعجازي على يد قادته المعصومين “عليهم السلام”، والثورة الخالدة للإمام الحسين “عليه السلام” على الخط العامِّ كلّه للحكم الطاغوتي الذي تجسّد في عصر الإمام في حكم يزيد بن معاوية. أحال عليه أن يقتطع من حقيقة الإسلام فريضة الجهاد في سبيل الله، والدفاع عن حريم هذا الدين الإلهي العظيم وأمّته والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

والإسلام وإن كثرت مزاحماته ومعاندته وتحدياته على المستويين النظري والعمليّ إلاّ أنّه في طريق ظهوره القويّ العام على المستوى العالمي من الجهتين. 

هذه لابُديّة ثابتة لا تتخلف لأنّها من وعد الله الصدق الذي لا مخلف له. 

أمّا ما يقتضيه ويدفع إليه تغيّر الظروف فهو لا يؤثر على جوهر المسألة، وهو أمر عرضي يوجد ويزول، ولكلٍّ ظرف تعامله الخاص في الإسلام وبما لا يخرجه عن أحكامه وقواعده الثابتة وعدله وحكمته. 

السؤال الثامن: هل يمكن العمل على تحويل هذه التجربة إلى منهج فكري وتربوي يؤسس لثقافة اجتماعية متنوعة وغنيّة بغنى سماحة السيد لدى الجيل الحاضر؟ 

إذا كانت تجربة السيد الشهيد حقّاً، ومشروعه إحياء الإسلام الحقّ فعلاً، وهي كذلك، فإنّ اتخاذها منهجاً من قبل الأمّة من اتخاذها الإسلام منهجاً، أمّا إمكان ذلك فلا شك فيه عقلاً ولا على مستوى الواقع والتحقق، إذا جدّ الجدّ، وصحّت العزيمة، وسُلِك الطريق، وأخذ بالأسباب، وكما أنّ طريق أهل الباطل في الوصول إلى باطلهم بطلب الأسباب، وبذل الجهد فالأمر كذلك في طريق أهل الحقّ لتحقيقه وعزّ جانبه، وللمؤمنين من الله عزَّ وجلّ الوعد الذي لا خلف فيه بالنصر لو انتصروا له وكان جهادهم امتثالاً لأمره، وطبقاً لأحكام شريعته. 

السؤال التاسع: في رأيكم ما هي المنهجيّة التي ينبغي الاستناد إليها في دراسة التجربة الفكريّة والقياديّة والجهاديّة والأخلاقيّة للسيد الشهيد؟ 

هي منهجيّة العقل والدين والمنهج العلمي من الاستقراء الواسع الموضوعي الذي يطمح للاستيعاب ما أمكن لتفاصيل التجربة الجهاديّة الفكريّة والقياديّة العمليّة والأخلاقيّة للتوفّر على الصورة المقاربة لواقع تلك التجربة، واعتماد الوثائق المطمئنة التي لتلك الصورة، والإخلاص في الدراسة لحصيلة الاستقراء الموثق، ودراسة علميّة مقارنة ومحايدة وقادرة على الجمع العقلي والعقلائي بين أطرافها تحصيلاً لأوفق الصور التي تخدم الحقيقة، وتبيّن خصوصيات وامتيازات الإبداع الشخصي في تلك التجربة. 

السؤال العاشر: ما هو الأثر الذي سيتركه غياب سماحة السيد؟ 

مثله لابد أن يقارن غيابه فراغٌ يشعر به الخاصّة والعامّة، ويقلق له القريب ويطمح له العدو، ولكن هذا لا يعني أن تضطر المقاومة إلى الشلل، والأمّة إلى التراجع، ويضطر موقع القيادة أن يتعطل. 

دين الأمّة مقاوم لا إلى حدّ، وصحوة الأمّة قويّة وواسعة، وإيمانها بدينها شديد، ومجاهدوها مبدئيّون لا يردّهم عن نصرة دينهم رادّ، وفكرهم عميق، خبرتهم كبيرة، ولا أعزّ عليهم من دينهم، ولا شيء هم أحرص على سلامته من أمّتهم الحافظة لهذا الدين، تماسكهم فولاذي، تلاحمهم لا يقبل الانفكاك، عزيمتهم لا تهين. 

فقهاء الأمّة على معرفة راسخة بالله وحقّ الله، وعلى حماس لاهب من أجل الإسلام، بصيرتهم نافذة، وكذلك هم قادتها الآخرون من العلماء والمثقفين الإسلاميين الوعاة المخلصين. 

والقاعدة الجماهيريّة الشبابيّة الواسعة وغيرها لكلمة الفقهاء والقيادة الفقهيّة العليا في نفوسهم دليلُ الطريق الشرعي المأمون، والكلمة الحجّة بأمر الإمام المعصوم “عليه السلام”. 

وفي هذه الأمور كلّها وتوفيق الله ضمان استمرار الأمّة وتصاعد عزيمتها وإصرارها وبذل ما في وسعها وهو كثير على طريق الجهاد حتى النصر. 

السؤال الحادي عشر: ماذا تنصحون للاستفادة من البعد التربوي والمعنوي والروحي العميق في شخصيته خصوصاً بعد استشهاده؟

ترك السيد الشهيد التّقي في هذا المجال كنزاً بالغ الغنى والنفع الروحي الزّكي، ومصدراً من العطاء المعنوي المتدفق الذي تحتاجه صناعة الشخصيّة المتألقة إنسانيّاً وإسلامياًّ والتي لا تنجبها إلا المواهب الإلهيّة الكريمة، والتربيّة الإسلاميّة ومنهجها الإلهي الذي لا يرقى إليه منهج، ولا تجاري تربيته الرشيدة السامية تربية. 

ومن أجل أن يأخذ البعد الروحي والخلقي والمعنوي القويّ المضيء امتداده في أوساط الأمّة ومنها الجماهير الشبابيّة والناشئة، يأتي دور التبيين والنشر المتتبع للذخائر الجليلة للسيد الجليل ودروسه النظريّة والعمليّة التي زخرت بها حياته وسيرته في المجال محلّ الذكر،ويأتي في هذا السياق الندوات والمؤسسات التي تخدم هذه الغاية. 

السؤال الثاني عشر: ما هو رأيكم في الصورة الرمزيّة التي يجب حفظها في النفوس والعناية والتركيز عليها في تقديم سماحة السيد الشهيد؟ 

كما عاش سماحته رمزاً كبيراً للشخصيّة الإسلاميّة المتكاملة، والقدوة الصالحة من القدوات المتميّزة في حاضر الأمّة فله -لإيمانه ورشده وسموّه وجهاده ودوره التربوي الناجح، ودوره التبليغي المؤثر، وموقفه الحازم في حماية الإسلام وهداية الناس -أن يعيش معنوياً وبنفس القوّة والفاعليّة بعد رحيله إلى جوار ربّه الكريم ورحمته الواسعة. 

على الأمّة أن تقدّم شهيدها العظيم وعالمها الجليل، ورمزها الكبير، وقدوتها الصالح إيماناً وجهاداً وتضحيةً وبذلاً في سبيل الله، وخبرة، وفكراً وقّاداً، وقلباً عامراً بحب الخالق والمخلوقين من أهل طاعته، الناصح لله ورسوله وأهل ولايته والمؤمنين. 

السؤال الثالث عشر: كيف ترون الآثار التي ترتبت على شهادة السيد على مستوى مشروع المقاومة ومسيرة الإسلام المحمدي الأصيل وعلى مستوى مواجهة الأعداء؟

ما واجهته المقاومة من الصهيونيّة المارقة، واليهوديّة المحرّفة بدعمٍ بل مشاركة فعليّة ضخمة جائرة قذرة أمريكيّة وأوروبيّة وعميلة من ضربة قاسية بقصد القضاء على وجودها، وإضعاف الأمّة وتحطيم طموحها، كما أتى على الشخصيّة التي هزّت عالم الطغيان الغربي ومن معه، ومثّلت تهديداً جدّياً لغطرستهم وتماديهم في طغيانهم، وهي الشخصيّة القياديّة الفذّة العملاقة للسيد حسن نصر الله “رضوان الله عليه” أتت على النخبة القياديّة القادرة المتنوّعة معه. 

كانت الضربة موجعة جدّاً، ضارة ضرراً بليغاً، وخسارة كبرى، وعطّلت خططاً للمقاومة، وسدّت أبواب فرصٍ مهمّة. 

أمّا طريق المقاومة فلن ينقطع، وأبطالها وقادتها سيستمر تدفقهم، والعزائم لن تفتر، ومشاركة الأمّة على يد مخلصيها لن تتراجع. 

وسيرة الإسلام المحمدي للمقاومة والجهاد ومحاربة الباطل فلا تغيّرها الظروف الصعبة وهي دائماً عابرة لا تغيّرها صفاءَ ماهيّة، وغاية كليّة مقدّسة، وعدلاً وحكمة وقوة وصلابة، وهي سيرة أبديّة ما بقيت الإنسانيّة على الأرض، وبقي إنسان يظلم ويطغى، ويستضعف الآخرين، ويعيث في الأرض الفساد. 

إنّها المقاومة والجهاد حتى إحقاق الحقّ وإبطال الباطل وحاكميّة العدل الإلهي للأرض ومن عليها. 

ونداء الإسلام للأمّة بالجهاد الذي يحفظه ويعزّه، ويحفظها ويعزّها، ويضمن لها سعادة الدنيا والآخرة؛ قائم دائم، واستجابتها لندائه مستمرة متزايدة، كما تُعلنه لغة الواقع المعاش على مستوى جماهيرها الشبابيّة وغيرها، أمّا الذاهبون إلى التطبيع فلا يُنتظر النصر من الله توبتهم. 

السؤال الرابع عشر: في رأيكم كيف تقرأون فلسفة استشهاد القادة العظام في خضم المعركة بين الحق والباطل لا سيما في منطق السنن الإلهيّة وما يترتب على أتباعهم من الآلام والمعاناة والمسؤوليات؟ 

(أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون)

والقتال والاستشهاد من أشدّ ألوان الفتن، وإذا كان استشهاد الجند فتنة صعبة فإن استشهاد القادة أصعب وأقسى على الجيوش، وألمٌ للأمّة، وما أشدّه من بلاء. 

ويشتدّ الأمر بلاءً، ويعظم الامتحان باستشهاد القيادات الكبرى، وخاصّة رأس القيادة، وأكثر من ذلك أن يكون هذا القائد محلّ ثقة كبرى وإعجاب عظيم ممن يرأسهم، ومن هم خاصّة الأمّة وسائر جماهيرها، وكانت الحرب مصيريّة، وآثارها -فشلاً ونجاحاً- هائلة. 

والابتلاء مطلوبٌ لتبين صدق أو كذب دعوى الإيمان، وصلابة أو وهن الرجال، وتجربة تمكّن من حسن الاختيار للقيادات وإسناد الأمانات إلى من يحفظها حتى لا تقع الأمّة في كوارث قاضية. 

وهول ما يحدث لاستشهاد القادة العظماء مع ضرورتهم لسلامة الأمّة ووحدتها واجتماع كلمتها وعزّتها وانتصارها، يجعلها تسترخص الأرواح فداءً لها، وأن تعرف قيمة الالتفاف بها، لكون هذا الفداء فيه حفظ الأمّة، والالتفاف فيه نصرها، وصيانة كرامتها. 

واستشهاد القادة مع ضرورتهم لاستمرار وجود الأمّة، وشدّة شوكتها، وحفظ مقدّساتها وهيبتها لا يترك لها أن تتوانى وتتساهل في الإعداد الجدّي والاهتمام الشديد بالعمل على جهوزيّة القيادات المأمونة الكفوءة المستكملة لشروط القيادة الناجحة لملء المواقع القياديّة المطلوبة خاصّة ما كان استراتيجيّاً منها، والذي لا يصحّ أبداً أن يظلّ فارغاً ولو لوقت قصير لا تملأه الكفاءة القادرة لعدم أو تساهل.

زر الذهاب إلى الأعلى