مقال آية الله قاسم بمناسبة عيد الغدير الأغرّ «يوم الغدير يوم الولاية الكبرى»

بسم الله الرحمن الرحيم
يوم الغدير يوم الولاية الكبرى
يوم إكمال الدين بإعلانها فأخذ البيعة عليها.
بمناسبة ذكرى الغدير يجري الكلام عن الآية الكريمة 59 من سورة النساء
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)
1- ما هو الأمر المعني في قوله تعالى “أُولِي الْأَمْرِ”؟
هو الدين الحقّ من حيث تلقّي الوحي الإلهي به، ويحتاج إلى أطهر القلوب وأزكاها وأشدّها وعياً وإلهاماً، وتلقي العلم بتفاصيله ودقائقه وعمق مضامينه بحيث لا يجوز عليه خطأ، ولا يخالطه أدنى جهل واشتباه أو غفلة.
ويقول الكتاب الكريم عن هذا التلَّقي للوحي والعلم به (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ) – 2/12 – النجم.
2- الموحى له دين الله بكلّ حقائقه وشرائعه وأحكامه وأخلاقه هو رسول الله محمد بن عبد الله “صلَّى الله عليه وآله” وهو من علّمه وشرح له جبرئيل الأمين كلّ ذلك لا يشوبه كدر من المعلِّم والمُعلَّم.
3- وكلّ ما أوحي للنبي “صلَّى الله عليه وآله” مما هو القرآن، وما هو من خارجه، وعُلِّم إياه من مجموع الإسلام، انتقل إلى الإمام علي “عليه السلام” عن طريق رسول الله “صلَّى الله عليه وآله”ثم إلى الأئمة الأحد عشر المعصومين من أولاده عن طريقه “عليه السلام”.
فالنبي الأعظم وآله المعصومين “صلَّى الله عليهم أجمعين” هم وحدهم المرجع الحقّ الشرعي للأمة كلّها، عامّتها وفقهائها وعلمائها في فهم القرآن ومن أراد أن يحتكم إليه.
4- النزاع داخل الأمّة:
ما من أمّة أو مجتمع أو دولة إلاَّ وتتعرض للنزاع الداخلي في أمر من الأمور، أو قضيّة من القضايا مما يتصل بالحقوق والواجبات لفئات الأمّة، للحكومة والمحكومين.
وأمّتنا ومجتمعاتنا كسائر الأمم والمجتمعات في هذا الشأن، أمّتنا بعلمائها وفقهائها، وبحكوماتها وشعوبها، وبفئاتها المختلفة، يمكن أن يقوم فيها صراع وآخر، وتنازع يستوجب الرجوع في طلب حلّه إلى جهة محايدة عليمة حكيمة عادلة مُقدِّرة، قادرة على مجازاة المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته.
ولا محكمة عند أيّ مؤمن حقّاً أشدّ حياداً، أعلم، أعدل، أعظم حكمة، وقدرة واحتراماً وتقديراً وتقديساً وهيبة من محكمة العدل الإلهي غير المحدود.
وهذه المحكمة التي لا توازيها محكمة شأناً هي ما عيّنتها الآية الكريمة لرجوع الأمّة المؤمنة بكلّ مستوياتها من علماء وفقهاء وحكماء وحكّام وشعوب إليها في نزاعاتها العلميّة والاجتماعية والسياسيّة والحقوقيّة وشؤون الحرب والسلم وغيرها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)
والنزاع الذي يمكن أن يجري عند أبعاض الأمّة والمجتمع لا يدخل فيه النزاع مع أولي الأمر الذين عنتهم الآية كما سبق، والأئمة المعصومون داخلون فيهم لإطلاق الطاعة لهم، وهو إطلاق لا يستقيم إلاّ بثبوت عصمتهم، لأنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
5- الرد في النزاعات إلى الله والرسول، اقتصرت الآية الكريمة فيه على أن يكون إلى الله والرسول، ولم تذكر الأئمة المعصومين “عليهم السلام” لأنّه لا وجه للنزاع معهم مع وجوب طاعة الأمّة لهم، وفي الرجوع إلى الرسول “صلَّى الله عليه وآله” والردّ إليه رجوع وردّ إليهم لاشتراك الجميع في الإمامة المعصومة.
6- وهناك ابتداع في الدين، وعن عمد قد يصدر من مسلم عادي أو من عالم أو فقيه أو زعيم أو حاكم أو غني أو شهير، وهذا ما يجب على كلّ الأمّة إنكاره والوقوف في وجهه، فلا تحريم ولا إيجاب، ولا أيّ حكم من الأحكام التشريعيّة للرأي البشري على الإطلاق.
7- تفتقدُ الأمّةُ اليوم بركات الظهور للإمام المعصوم القائم “عليه السلام”، وهو خاتم الأئمة المعصومين من آل الرسول “صلَّى الله عليه وآله” لغيبته الكبرى الاضطراريّة. وانتظار المؤمنين لظهوره المبارك قائم حتى ارتفاع المانع، وتمام الإعداد، وتوفّر تمام الشروط ليوم مطلعه الشريف.
وفي زمن الغيبة الكبرى لمن يكون مرجع الأمّة في أمر دينها والطاعة فيه؟
في الأمّة علماء فهماء أتقياء كثر، وفقهاء قمّة في العلم، بارزون عدول وَرِعُون مشاهير، والمرجع في أمر الدّين والطاعة في غياب الإمام المعصوم هم المقدّمون عند أهل العلم والتقوى من الفقهاء العظام ممن دلّ عليهم رسول الله وآله المعصومون “عليهم أفضل الصلاة والسلام”، ومقامهم مقام الوكالة والنيابة عن الإمام المعصوم القائم المُغيَّب “عجَّل الله فرجه وسلام الله عليه”.
8- تقول الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ….) في ختامها مشيرة إلى قوله عزَّ وجلّ (..فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). نعم ردّ التنازع في الشيء من قول أو مسألة أو موقف عملي أو قرار من القرارات التي تخصّ الأمّة، وأيّ من مجتمعاتها إلى الله ورسوله ليُؤخذ بقضائهما هو الخير الخالص بلا شرّ، وفيه العاقبة الحميدة الرابحة السعيدة للجميع يقيناً بلا سوء.
والحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
ربّنا اهدنا طريقك القويم، وثبّتنا على صراطك المستقيم، ولا تفرّق بيننا وبينه يا أرحم الراحمين.
اللهم اجمع شمل هذه الأمّة ووحّد كلمتها على الهدى والحقّ إنّك سميع مجيب.
عيسى أحمد قاسم
١٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ
٤ يونيو ٢٠٢٦




