كلمة سماحة آية الله قاسم في جمع من خطباء المنبر الحسينيّ – 13 مارس 2019

كلمة سماحة آية الله الشّيخ عيسى أحمد قاسم حفظه الله في جمع من خطباء المنبر الحسينيّ بمجلسه في قم المقدسة – السّبت 30 مارس 2019 الموافق 23 رجب 1440هـ

النص:

أعوذُ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم، بِسْم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله ربّ العالمين، الصّلاة والسّلام على سيّد الأنبياء والمرسلين محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين.

[خطورةُ موقعِ الخطيبِ]

أشكركم كثيرًا، وأبارك لكم جهودكم، فالأمل المعلّقُ عليكم أمل الأمّة، وليس أملَ فردٍ أو قِطْرٍ من أقطارها، هذه الشَّريحةُ تعرف من نفسها مدى أهمّيّتها، ومدى مسؤوليِّتها، ومدى أجرها، مسؤوليّة ضخمة، ومهمِّة شريفة عاليةُ القدر، والثّواب لا يحصيه إلّا الله -تبارك وتعالى-.

ومثلُ هذه الأمور تغري الإنسان بأن يُعطيَ ما في وُسْعِه، وأن يبذلَ كلَّ ما في جُهده في سبيل:

أ-الارتفاع إلى مستوى هذه المهمّة.

ب-وتحمّل هذه المسؤوليّة.

ج-وصناعة الذّات في كلِّ أبعادها؛ من أجلِ أنْ تتوائم عِلمًا وعَملاً، مع مثل هذه المهمّة العالية والمسؤوليّة الضّخْمَة.

[المنبر الحسينيّ مربّي الأجيال]

المنبر الحسينيّ ربّى العاطفةَ الشّيعيّة لقرونٍ، وربط جمهور المؤمنين بأهل البيت^ وحقّهم،  وأقلّ ما يعرفه المستمعُ إلى المنبر -لا في هذا اليوم الّذي أحرز فيه المنبرُ تقدّمًا ملحوظًا، وإنّما في أيّام كان المنبرُ فيها أداؤه ضعيفًا، مادّته ضعيفة، أسلوبه ضعيفًا- أنّه أعطى وعيًا بأنّ أهل البيت× هم أصحاب الحقّ، وهم من يجب اِتّباعه من بعد رسول الله’، وألّا قدوة تعلو إلى مستواهم، وأنّهم حقيقون بأن يفدّوا؛ لأنّ التّفدية لهم تفدية للإسلام، هذا المستوى الإجماليّ من الوعي كان يعيشه من يحضر المنبرَ، برغم الوضع الضّعيف لتلك المنابر.

[مسؤوليّة المنبرِ اليوم]

اليومَ كَبُر العطاء، وكبرت المسؤوليّة، وكبر الأجر، والعطاء الكبير صغير بالقياس إلى ما تقتضيه المسؤوليّة اليوم، هناك تقدّم في نماذجَ كبيرةٍ من الخطباء، وفي بلدان كثيرة ممّن تعيش قضيّة الحسين×،  لكنّ هذا المستوى المتقدّم يعدّ بالقياس إلى ما عليه تحدّيات الزّمن شيئًا دون المفروض بكثيرٍ.

[ما تحتاجه المهمّة المنبريّة]

أ-وأوّل ما تحتاجه المهمّة المنبريّة هو (صناعة الذّات) ليس في بعدها العلميّ فقط، وإنّما في مختلَف أبعادها الإنسانيّة، فيحتاج الخطباء إلى الدّراسة الإسلاميّة المكثّفة الّتي لا تنقطع في يومٍ من الأيّام، ولا تعتمد على التّلقّي من الأستاذ، وإنّما تأخذ على نفسها أنْ تُواصل الدّراسة بالجهد الشّخصيّ، والمطالعة المستمرّة؛ ففنّ الخطابة أمرٌ يحتاج إلى دراسةٍ، وما يصونُ المنبرَ عن العطاء المضرِّ، والعطاء الّذي لا يقوم على وعيٍ تامٍّ بالإسلام، هو دراسةُ الإسلام قبل إتقان فنّ الخطابة.

ب-صوْغُ النّفسيّة، بأنْ تكون نفسيّةً رساليّةً، واعيةً لمهمّتِها.

ج-الإحاطة الموضوعيّة بالزّمان والمكان، بأن تكون عندنا إحاطة بشكْلٍ كافٍ بمقتضياتها، وألّا نكون على جهل في جنبةٍ مِن جنباتها.

[حالةُ النّقد بين الخطباءِ]

حالة النّقدِ بين الخطباء أنفسِهم بأن تُعقدَ جلسات نقديّة بنّاءَة -واللجوء إلى الكتابة، وإلى فنِّ الخطابة، وفي مقتضَيات الحالة الموضوعيّة لموضوع معيّن، وللمادّة المعيّنة- مطلوبٌ أيضًا؛ لاستكمال القدرة على العطاء الكافي للمنبر الحسينيّ.

[جامعيّةُ المنبر الحسينيّ ]

المنبر الحسينيّ اليوم مسابَق ليس من قِبل الأعداء فقط وإنّما من قِبل الأصدقاء، وسِباق الأصدقاء مكمِّل، فهناك: ندوات، محاضرات، إبداعات مختلفة عند الشّباب المثقَّف، حين يعملون في غير ساحة الخطابة، فحتّى يحافظ المنبر على موقعه ولا يقتصر على مساحة معيّنة، وإنّما يمتدّ في كلِّ المساحات، والفئات المجتمعة تحت المنبر مختلفة، فكما يستفيد من المجلس الإنسان العامّيّ -وهذه مهمّة صعبة- يستفيد منه العالم، إن لم يكن بعلمٍ جديد فبموعظةٍ، يحضر الطّبيب والمهندس وجميع الاختصاصات، نريد لهذا المنبر أن يحتضن كلّ ذلك، وهذه المهمّة صعبة، ولكن ولو يعطى لكلِّ فئة حظّها في المجلس الواحد أو في المجالس المتعدّدة، فهناك مادّة تناسب الجميع، وبعض المجالس تتميّز بعطاء يتناسب مع مستوى معيّن.

وكلّما كان الإلمام الثّقافيّ العامّ، والإسلاميّ العامّ، والموضوعيّ العامّ، ومعرفة النّاس، ومقتضيات الظّرف، وما يتطلّبه من علاجات، كلّما كانت الإحاطة أكبر كلّما جاء المجلس الحسينيّ أكثر عطاءً وثراءً للمؤمنين، وأكثر مقاومةً لما تعيشه السّاحات من شبهاتٍ، وانحرافاتٍ، وتخلّفاتٍ أخلاقيّة واجتماعيّة، وعدم رشد في كثير من الموارد، نحن نفتقرُ حتّى للاقتصاد، والرّشد المعيشيّ (كيف نتصرّف معيشيًّا؟)، كيف أُحافظ على مستواي وأندفع للعمل الّذي يغنيني عن الآخرين؟.

على كلّ حال، الاجتماعات التّخصّصيّة لا شكّ أنّها تُبلوِر، وتعطي مستوىً، وتبادلُ النّقد، والاحتكاك الفكريّ والخبرتيّ، كلّ ذلك من شأنه أن يقدّم من مستوى المنبر.

أنتم هنا تصنعون وجودًا حيًّا جديدًا وتلتحمون بالدّاخل، وكلّما صنعتم هنا كلّما قدّمتم خدمة كبيرة لدينكم ووطنكم.

******

الأسئلة:

[كيفيّة عرض المواضيع الحسّاسة]

1-بعض المواضيع الحسّاسة نجد أنّه ضروريّ طرحُها، ولكنّ الأوضاع الأمنيّة قد لا تساعد على طرحها، وقد تكون تاريخيّة وفكريّة مهمّة، فكيف نوازن؟

سماحة الشّيخ: الجانب التّاريخيّ له وجهان:

مرّةً أتكلّم عن أهل البيت^ وأقدِّمهم بمقدار ما أستطيع بالصّورة الأليق بهم، هذا الحدّ الآن لا توجد منه ممانعة كتقديم شخصيّة زينب× كما هي، وكما يريد الإسلام، وكما تعرف هي الإسلام، وكما عاشت، هذا لا يوجد حاجز عليك فيه، تكلّم عن الإمام الحسين×، واستعرض أهل البيت في القرآن والسّنّة وبيّن الموقف العمليّ، لا حظر عليك.

هذا المقدار لا عذر لي في التّقصير فيه، فهذا صفحة مفتوحة.

بدلاً عن الكلام عن فلان الحاضر أتكلّم عن يزيد من دون شتمه، أقول: التّاريخ الفلاني يقول عنه كذا، أقدّمه كما يطرحه التّاريخ.

أبو بكر لا يمكن الكلام عنه كثيرًا، لكنّي لما أعطي المقياس الصّحيح للإسلام والشّخصيّات القدوة، فمن عرف هذه النّماذج يطالع النّماذج المخالفة المباينة، فيقارن بينها فلن يجد شخصيّة كعليّ في بني أميّة، يتعرى بنو أمية والعباسيّون تعريًّا كبيرًا جدًّا أمام إنسان عرف شخصيّة أهل البيت^.

في الجانب السّياسيّ عندما أتكلّم عن نظريّة الإسلام، عن حكومة رسول الله’، عن حكومة أمير المؤمنين×، اِطرح هذا النّموذج فإنّه يفضح النّموذج الآخَر.

صحيحٌ أنّ النّاس تحتاج إلى وضع اليد عن موضع الجرح، لكن حيث لا يمكن ذلك لا ينقطع الطّريق عن بيان الحقّ، حينما أتكلّم عن الحقّ والعدل والمساواة عند النّبيّ’ أو أمير المؤمنين×، فإنّ النّاس يطبِّقون على الخارج بشكل صريح وواضح، >كلِّم النّاس ولو ببنت عمِّ الكلام([1])<.

أمّا أن نهرب من الموضوع كاملاً ونذهب لموضوعاتٍ تافهة صغيرة مكرّرة فهوغير صحيح، على المجموع العامّ للمجتمع أن يعمل بشكلٍ عامّ لخلق جوّ جديدٍ فيه فسحة أكبر، فنحن في هذه الفسحة إذا هربنا انغلق باب الوعي بالكامل، فعملنا بهذه الدرجة قد يسمح بدرجات أخرى لاحقًا، تقول: اليوم أنا ضعيف، اِبذل بما عندك.

لا بدّ أن أعمل على رفع مستوى الفرصة التي تمكّنني من الكلمة والموقف، فاعمل على القوّة الّتي تخدم الإسلام.

[بين المنبر والحوزة]

2-بعض القضايا المرتبطة بالمنبر والجوّ العامّ لها تأثير على المجتمع وعلى ثقة النّاس في العلماء، منها حالة التّجاذب بين المنبر والحوزة لا سيّما ما يكون بشكل علنيّ، كالتّعرّض إلى بعض الحالات كالأجرة، والّتي عبّر عنها بعضهم بأنّها تجارة.

سماحة الشّيخ: الدّوران تحتاجهما الأمّة، وكما يستوجب الثّناء على الطّرفين، يستوجب ملاحقة النّواقص عند الطّرفين، ويبقى أن نحافظ على أسلوب الأداء، فالفقهاء لا يجاملون بعضهم على حساب الحقّ، المجاملة على حساب الحقّ غير صحيحة، لا يسكت أحدنا عن الآخر فيما يضرّ بالإسلام، لكن لا ينجرّ الكلام إلى التّسقيط، وهذا شيء يتعهّد به سلامة الأسلوب.

فلا بدّ من وجود كتابات من الجميع للتّناصح، ربّما عندنا أخطاء فنتابع هل هي أخطاء واقعيّة، فالأسلوب إذًا له دور مهمّ جدًا.

[سرعة التعمّم]

3-ما هو رأيكم في سرعة تعمّم الخطيب، أو تعمّم من ليس أهلاً للعمامة؟

سماحة الشّيخ: هذه مشكلة منبعُها الحوزات الرّئيسيّة والفرعيّة، خطيب يحصل على شهادة، والحوزة تزكّيه بلبس العمامة، لا بدّ من إرشاد عامّ للمآتم إلّا يغترّوا بكلّ عمامة، فحالة النّقد قائمة، فلا نسكت على النّقد من أجل الحقّ، النّقد لا بدّ منه، ولكن لا بدّ أن نراعي المصلحة الإسلاميّة.

قبول الحوزات لأيّ شخص، فيأخذ اسمها، ويذهب في الاّتجاه الّذي يريده، هذه مشكلتنا نحن، كلّ الحكومات تحتاج إلى خطباء وعمائم، ولا بدّ أن تخرّج خطباء، ولبسَة عمامة، وتخرّجهم من حوزاتنا، وهنا مشكلة، فلا بدّ من الاحتراز، يريدون تخريج خطباء يخدمونهم، لا بدّ من نقد وتوجيه عامّ بألّا يُساوى بين العمائم.

مع ذلك، أقول: النّاس تفرق بين عمامة وعمامة، فكم من عمامة لها ثقلها، وكلمتها مسموعة؟، ليس كلّ العمائم كذلك.

[عرض الألحان على سماحة الشيخ]

4-الألحان العزائيّة هل كانت تعرض عليكم، وهل لا زالت تعرض؟

سماحة الشّيخ: بالنّسبة لي لا لم تعرض، وقد لا أجيد التّمييز، فلست بمغنٍ، وقد يطربني ما لا يطرب الآخرين، مجموع الّذين في المأتم ماذا يرون؟، لو استقرأت رأيهم على شيء، سيكون هذا العرف مقياسًا إذا كان يطربهم أو لا.

[أجرة الخطيب]

5-ماهو رأيكم في أخذ الخطيب للأجرة؟

على كلّ حال بشكل إجماليّ، الخطيب يريد أن يعيش، ولكن لا ينسى رساليّته، ولا تتحوّل العمليّة إلى عمليّة تجارية كما يقولون فإنّها تسقط بمستوى الكلمة، عندما يكون الخطيب لديه جدل على الأموال، ومساومة على الأجرة، بعد ذلك عندما يطرح الكلمة فإن الكلمة تفقد من وزنها، وعلى النّاس أن يعرفوا المعروف، والأجرة ينبغي أن تكون على الأبيات لا على الكلمة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطّاهرين


([1]) مثل يضرب عند إرادة الكناية وعدم التصريح.

زر الذهاب إلى الأعلى