كلمة آية الله قاسم في المجلس القرآني الدُّعائي الثاني – ليلة 7 رمضان 1445هـ

نص حديث سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم على هامش انعقاد المجلس القرآني الدُّعائي في منزل سماحته بمدينة قم المقدسة “شرح دعاء أبي حمزة الثمالي” – (الجلسة الثانية) الأحد 17 مارس 2024 / 6 رمضان 1445هـ: 

 

السلام عليكم أخوتي الكرام ورحمة الله وبركاته 

تقبل الله أعمالكم وشكر سعيكم وأعانكم على هذا الشهر في طاعاته المباركة الكثيرة.   

 

كان كوننا عدماً، وأخرجه الله عزَّ وجلّ من ظلمة العدم، لكنّه لم يكتسب الوجود اكتساباً يغنى به ذاتاً، وإنما يبقى على حاجته لأن يُعطى الوجود، وكما أن الوجود حدوثاً كان يحتاج إلى قدرة الله وفاعليته، وكذلك استمرار الوجود ولو للحظةٍ واحدة لا يستغني عن رفد الله وفيضه الكريم، فما من شيءٍ في هذا الكون كلّه يملك وجوده لحظة، أو يملك لنفسه خيراً أو شرّاً، نيل خيرٍ أو دفع شر، كلّ الأمر بيد الله عزَّ وجلّ.

فالإنسان في فقرٍ دائم ذاتاً، لا يخرج منه إلا بإذن الله القادر العليّ العظيم، والكون كلّه في قبضة الباري عزَّ وجلّ يُبقيه أو يمحوه.

إذن ليس من إنسانٍ على وجه الأرض إلا وهو يعيش حالة الفقر الدائم، لا يملك حيلةً من نفسه ولا حيلةً من غيره ومن غير الله تبارك وتعالى، ليبقى لحظةً واحدةً على قيد الحياة أو أصل الوجود.

هذا الفقر الدائم المحيط بالإنسان من كلّ جوانبه وفي كلّ أحواله وفي كلّ خليّةٍ من خلاياه وفي كلّ ذرّةٍ من ذرّاته يُبقيه دائماً محتاجاً إلى الدعاء.

الدعاء والتضرُّع والمسكنة والتذلُّل لله عزَّ وجلّ مالك المُلك كلّه، الدعاء ليس شيئاً عرضياً في حياتنا، الدعاء حاجة أصيلة متجذرة، وهو حالة تعيشها كلُّ ذرّةٍ من ذرّات هذا الموجود الذي قد يُصيبه الغرور إلى حدٍّ بعيد فينسى ذلّه بين يديّ الله وعظمة الله عزَّ وجلّ. 

 

الإنسان دائماً في دعاء إلى الله عزَّ وجلّ وفي تضرُّع، التفت أو لم يلتفت. 

هناك دعاءٌ على مستوى لسان الحال، ودعاءٌ على مستوى القلب المُدرِك، ودعاءٌ على مستوى اللسان، قد نصمت الدهر كلّه عن الدعاء، عن المجيء بلفظة دعاء واحدة على ألسنتنا، ولكن هذا لا يعني أنّنا انفصلنا عن الله عزَّ وجلّ في دعائنا ولجئنا. 

أصل وجودي يحتاج إلى تعلُّ بالله، تملُّق، تضرُّع، استمساك بالعروة الوثقى، تعويل على كرمه وفيضه الذي لا يُحدّ، هذا أصل وجودي، ومثلُ ذلك حياتي، ومثلُ ذلك كلّ جارحةٍ من جواري، وكلُّ جانحةٍ من جوانحي، كلّي نداءٌ من داخلي واستغاثة وانقطاع إلى الله عزَّ وجلّ لمقتضى حاجتي الواقعية الشاملة.

كلُّ محتاجٍ داعٍ، الدعاء فرعُ الحاجة، وما دامت الحاجة مقيمة ودائمة فالدعاء مقتضاها قائمٌ ودائم. 

وأنا نائم أنا أدعو الله عزَّ وجلّ، يعني كلّ خليّةٍ من خلاياي، كلّ ذرّة من ذرّات وجودي، كلُّ لحظة من لحظات حياتي، كلُّ حراسة أحتاجها في نومي، كلّ دفع كلّ منع أحتاج فيه لحمايتي؛ هو نداءٌ تكويني استغاثي لله عزَّ وجلّ لأنّه لا منقذ غيره، يعني لابد من لجأ هذا الإنسان المحتاج، يلجأ إلى من؟ 

لا يوجد إنسان ولا جان ولا مَلَك يُغيثه، لأنّ شأن كلّ أولئك هو شأني في الحاجة والفقر المدقع وفقد الحيلة للحصول على الخير. 

لا تقوم لي لحظة وجود، ولا تكون لي لحظة حياة، ولا لحظة استقرار نفسي، إلا بأن أجدَ الخير من الله تبارك وتعالى، فكلّي بكلِّ حاجاتي نداءات واستغاثات وتضرُّع وانقطاع إلى الله على مستوى تكويني وإنْ صمَتَ لساني عن ذكر الله تبارك وتعالى ونسيته عزَّ وجلّ على مستوى القلب واللسان. قلبي لاه، منصرف عن الله -لا سمح الله-، لساني منغلق عن ذكر الله، عن التوجُّه إليه بكلمة دعاء، لكن حالي في الدعاء التكويني لمقتضى حاجاتي الفعلية الضرورية قائمٌ ودائم. 

الكافر يدعو أو لا يدعو؟ الكافر يدعو. المشرك يدعو أو لا يدعو؟ بهذا اللسان ولسان الحال هو مشتغلٌ ليلاً ونهاراً بالدعاء، كما أنّ الحجر والشجر والطير والحيوان العادي، كلُّ موجودٍ في هذا الكون، سماوات، أرض، ملائكة، جنّ، وما إلى ذلك، كلّ أولئك مستغرقون في الدعاء بلسان الحال، بلسان حاجاتهم الضرورية الفعلية التي لا تقضى إلا من جانب الله تبارك وتعالى. 

هذا اللسان -لسان الحال الذي يشتغل بالدعاء ليلاً ونهاراً، يقظةً ونوماً- اشتغاله بالذكر ليس فيه ثواب، هو حُجّة ومنبّه للإنسان بحاجته لله عزَّ وجلّ، على اضطراره لله الذي يترتّب عليه وجوب الذكر القلبي والذكر اللفظي. 

الذكر القلبي -وهو أشرف ذكر- أنْ يعيش القلب حالة حضورٍ دائم في التعلُّق بعظمة الله عزَّ وجلّ، يعني لا ينقطع علمه بعظمة الله، بعزّة الله، بكبرياء الله، بغنى الله، برحمة الله، بلطف الله تبارك وتعالى. ومشتغل بحاجته المدقعة، وحاجة كلّ موجودٍ في الأرض أو في السماء ممن خلق الله إلى رحمة الله ولطفه وعنايته وحراسته تبارك وتعالى. هذا ذكر القلب. 

الذكر القلبي أن لا يرى عظمةً تُقارب بشيءٍ ما لعظمة الله عزَّ وجلّ، من ذكره أن لا يرى شيئاً في الكون إلا ورأى الله عزَّ وجلّ خلفه وأمامه، فالنظر إلى جود الأشياء بين المخلوقات من هذا القلب نظرٌ تابعٌ لنظر عظمة الله وقدرته وجلاله وجماله. 

ترى قوّةً أيّ قوّة. قوةً في حقّ أو قوّةً في باطل، هذه القوى لا ترى الاستقلالية أبداً جائت من كافرٍ أو من مؤمن، هذه قوّة الله، شيءٌ من قوّة الله، فلا تُقابل بين قوّة هذا العبد وقوّة الله، تقول هذه القوة من قوّة الله عزَّ وجلّ، وأعطيت هذا الاختبار وذاك الاختبار.

تنظر إلى علم لا تلتفت إليه كعلمٍ مستقلّ، كبُر أو صغُر، وإنما تنظر إليه كانعكاسٍ ضئيل لعلم الله تبارك وتعالى.

يعني هذا القلب يبقى مملوكاً مجذوباً منشدّاً إلى ذي الجلال والإكرام والفضل والإحسان. 

قلبٌ لا يدخله خوفٌ مع خوف الله، ولا رجاءٌ مع الرجاء في الله، ولا أملٌ مع الأمل في الله، ولا تنبتُ فيه ثقة إلا ثقةٌ ترجع إلى الثقة في الله تبارك وتعالى. هذا ذكرُ القلب. 

 

ذكرُ اللسان -وإنْ كان اللسان جارحةً، نعمةً من الجوارح التي أنعمها الله على هذا الإنسان ونعمه المفاضة عليه-، وبما أنّه جارحةٌ مملوكة لله لها وظيفتها عند الله ودورها في بناء الإنسان وفي تعليمه وفي الأخذ به قُدُماً إلى الكمال فإنّ ذكر الله والدعاء باللسان واجبٌ من الواجبات، وطُهر، وزكاة. 

الدعاء يُجدي هذا الإنسان إنقاذاً له من الله عزّ وجلّ من كلّ الشرور. الدعاء له وظيفة علاجية جذرية تتلخّص في كوني فقيراً، فاقداً لأيّ خيرٍ أحتاجه، لا حول ولا قوّة لي إلا بالله عزَّ وجلّ، لمُعطٍ غنيٍّ قويٍّ كريمٍ رحيمٍ عليم، أفتّشُ عمّن يكون إليه لجأي، لا أنا ولا أكبر منّي بمليون مرّة يستطيع أن يعتمد على نفسه وهو منغمرٌ في فقره الذاتي. الناس تبحث عن دعم ملك، رئيس جمهورية، تاجر، صاحب قلم، صاحب لسان، دولة ظالمة، دولة عادلة، إلاّ أنّ كلّ قدرات هؤلاء هي قدرات غير مملوكة لهم ذاتاً، ولا مشيئة ذاتية لهم، لا انعقاد الإرادة عند الإنسان هو مستقلٌّ فيها، ولا تنفيذها هو مستقلٌّ فيها، أو يستطيع أن يعتمد على نفسه أو غيره من دون الله عزَّ وجلّ، لأنّ كلّ من عدى الله عزَّ وجلّ لا يجدون قدرة على إنقاذٍ ولا دعمٍ ولا عطاءٍ ولا إفاضة خير. 

فالدعاء -وهو يعالج عقدة الفقر عند الإنسان حيث يشعره أنّه ينتمي إلى أقوى قويّ وإلى أغنى غنيّ، وأرحم رحيم- هو يفكّه مختلف العُقد. إذا توثّق هذا الأمر في نفسه، وجد نفسه قويّاً مدعوماً محروساً مكلوءاً، نَعَمْ هناك قَدَرُ الله الذي لابّد منه، وقدر الله ليس فيه ظلم العبد، وليس فيه كيدٌ بالعبيد، وأيّ خسارة تمرّ بهذا الإنسان في هذه الحياة في ظلّ إيمانه الأكيد الشديد الراسخ بالله هي خسارة مُعوّضة، ولذلك لا تمثل كارثةً في حياته.

 

غَفَرَ الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى