كلمة آية الله قاسم في المجلس القرآني الدُّعائي الأول – ليلة 5 رمضان 1445هـ

نص حديث سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم على هامش انعقاد المجلس القرآني الدُّعائي في مجلس سماحته بمدينة قم المقدسة “شرح دعاء أبي حمزة الثمالي” – الجمعة 15 مارس 2024 / 4 رمضان 1445هـ: 

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بارك الله لكم ولي وللمؤمنين والمؤمنات أجمعين هذا الشهر الكريم، شهر المغفرة والرحمة والرضوان، شهر الله الأعظم، الشهر الذي جاء من بين شهور السنة بميزاته الخاصّة وبركاته العامّة. 

 

يستوقفني قوله تبارك وتعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَمِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًا كَثِيرًا)

 

أيّ كتابٍ مما يكتبه الإنسان وإنْ عَظُمَ شأنه وجَلَّ قدره لقربه من كلمة السماء إلا أنّه لا يستغني عن دعاية وعن إعلامٍ مؤيِّد، وعن آراء تدعم مضامينه، إلا القرآن الكريم وهو لا يحتاج إلى أيّ درجةٍ من الإثبات من أيّ كتابٍ آخر، كفى به مثبتاً للحقّ ومصدراً للحقّ، وهذا يحتاج إلى تدبُّر، معرفة هذا القدر من القرآن يحتاج إلى تدبُّر، والذي يقول لك تدبّر فيَّ، استحضر كلّ فكرك، استحضر نقاء فطرتك، استحضر كلّ حاجاتك، وقِس القرآن إلى ما هو عليه من الحقانيّة، انظر في حقانيّة القرآن، في إعجاز القرآن، في حكمة القرآن، في علم القرآن، في العقيدة التي أشاد بها، انظر في مدى علمه، مدى رحمته، دقّة النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي وكلّ أنظمة الحياة من النظام العام إلى الأنظمة الخاصّة، قِس دقّة هذه الأنظمة في القرآن الكريم، ودقّة ما عليه هذه الأنظمة في المطروح البشري، اِدرس كلّ الكتب، ما أنتجته كلّ العبقريات البشرية، انظر في كلّ هذه الكتب، هل يسلم كلّ واحدٍ منها من ملاحظة؟ 

 

إذا علمنا وتدبرنا عن علم وعن حكمة وبصيرة وموضوعية، عن انصرافٍ للحقّ لا لغيره. العالم كلّه إذا وقف عند أيّ كتابٍ من الكتب التي أنتجتها الأرض فهو لا يملك إلا أن يُقرّ أنّ فيها صحيحاً وخطأ، شيئاً من كمال وقد يكون كثير من قصور، مؤلف الكتاب نفسه يؤلفه اليوم وكلّه قناعة به، وكله رضا بمستواه وقد يحسب أن ليس يأتي عليه نقد، أو قد لا تمر أيام، وقد لا تمر إلا ساعات على جفاف قلم هذا الكتاب فيأتي النقد من واضعه له، وتتبين له فيه أخطاء وقصورات، هذا يقدّمه القرآن دليلاً على أنّه كتابٌ من الله عزَّ وجلّ، تسأل ماذا يُثبت القرآن، يُثبت القرآن هذا المقطع من الآية الكريمة (وَلَوْ كَانَ مِنْعِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًا كَثِيرًا).

العقلية البشرية تتطور، العقلية البشرية للمجتمع، للأشخاص تتطور، تقيس مستواك الذهني في مدى ما عشت من عمر تجد فيه اختلافاً كثيراً وتشهد على نفسك بهذا، انظر إليك من بعد البلوغ وتمام الدراسة -أي دراسةٍ كانت وبأيّ مستوىً كان- امكث عشر سنوات قِس نفسك إلى انتهائك من هذه الدراسة وإلى ما صار عليه مستواك الذهني وقدرتك على التدبُّر ومدى سرعة الفهم ودقّة الفهم وسعة البصيرة والابتعاد بدرجةٍ وأخرى عن جهلٍ كنت وكان يلبس ثوبه هذا الناظر، كم من جهلٍ زال عنّا وإنْ كنّا لا نستطيع مفارقة الجهل بشكلٍ مطلق ودائم.

 

كتابٌ يمكث تنزّله ما مكثه تنزُّل القرآن، يأتي على يد نبيٍ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان في بيئةٍ بمستوىً ثم ارتفع مستوى البيئة علمياً وحكمةً ودقّةً وبصيرةً إلى آخره، هذه السنوات التي عاشها رسول الله في حدّ ذاته الشخصية وكبشر في حالة نمو وتغيُّر أو لا؟ طبعاً في حالة نمو وتغيُّر، أفكاره من شانها أن تتقدم أو لا؟ لا شك أنها تتقدم، وصار في حركة اجتماعية يقودها واغتنت بالعلماء والدارسين والفاهمين وفيهم من وجوه الصحابة العلمية من فيهم، وفيهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) على علمه الجمّ، وشخصيته المتميزة تميزاً لا جدال فيه في المستوى العلمي المتقدّم بالنسبة لكلّ الآخرين من دون رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، كان فقيراً وصار غنيّاً، كان في موقعٍ اجتماعي محدود وانتقل إلى موقعٍ اجتماعي واسع وكبير وباذخ ومتقدّم، كان في خوفٍ فصار في أمن، كان محكوماً وصار حاكماً، كان في ملكٍ ضيّق ثم صار في ملكٍ واسع وقويّ ويخافه العالم، حسبت له الأمم الجاهلية في الأرض كلّها حساباً بعدما تبيّن من شأنه، هذه الفروقات المختلفة في البُعد الاجتماعي والسياسي والعلمي والبُعد العسكري إلى آخره، تعطي نتاجاً واحداً في المعقول؟ أو نتاجات متعددة متمايزة؟ يشهد على فوارقها مرور الزمن، كما أنت وكما هو كلّ الناس لا يُقاس الرجل في أوائل حياته وفي أوّل حركته به وهو في آخر حركته ونشاطه ونموّه، نتاجه يختلف، الفكري وسلوكه الاجتماعي ونفسيته وغروره وانكساره واحساسه بالخوف واحساسه بالأمن، بالثقة، بالاهتزاز، هذا كلّه تطرأ تغيراته على الإنسان في مدى حياته حتى العشرين وأقل من عشرين سنة. 

رسول الله شخصية ثابتة كاملة لا ثلمة فيها، لم يُصبه الفقر بانكسار. القرآن الكريم ولغته إذا كان من نتاج الرسول فلازم انكسار الرسول ينعكس فيما جاء منه في هذا القرآن الكريم، لابد ينعكس غروره في أيام غروره، قوّته في أيام قوّته، ضعفه في أيام ضعفه، كلّ هذا ينعكس فيما يكتب، أنت تكتب مقالة الآن، كلمة الآن في ظرف، يأتي عليك ظرف آخر يقلب من نفسيتك، يدخل بتأثيره السلبي أو الإيجابي على داخلك فتختلف اللغة، وتختلف قوّة المقال. 

كتابٌ يمكث كلّ هذا المكث في تنزّله -كل حوادث الزمن وكلّ تقلبات الظروف- لم تغيّر نمط القرآن ومستوى القرآن، لا تقف عند سورةٍ فيها ضعفُ إنتاج، وسورة أخرى فيها قوّة إنتاج، هذا لا يصدر من أحدٍ إلا العالم بكلّ شيء، الكامل في كلّ شيء، فالقرآن يطلب منّا أن نتدبر في هذه الجنبة، أن نتدبر القرآن التدبر الشامل، ولكن من بين نقاط التدبر المهمة جدّاً هو أنّه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، عندي قرآن من الله؟ نعم.. بأيّ دليل؟ بدليل أنّه كتابٌ كامل من أوّل يوم وبقي على كماله إلى آخر تنزّله. 

 

غَفَرَ الله لي ولكم. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

 

زر الذهاب إلى الأعلى