كلمة آية الله قاسم في معرض الكتاب للجالية البحرانية في قم – 2022

كلمة سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم في معرض الكتاب للنتاج الحوزوي والطلابي للجالية البحرانية في مدينة قم المقدسة – ١٠ مارس ٢٠٢٢م

كلمة حول الكتابة والقلم

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين
الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا النبي الكريم، وآله الطيبين الطاهرين.
 
السلام عليكم أيُّها الأخوة الكرام القائمين على معرض الكتاب للجالية البحرانية في الحوزة العلمية في قم المشرّفة.
السلام على الأخوة الحضور ورحمة الله وبركاته.
 
هذه كلمةٌ مختصرة لهذه المناسبة الميمونة المباركة، أرجوا من الله قبولها وإنْ قلَّ شأنها:
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
دور القلم والكتاب في الأمم:
للقلم والكتاب دورٌ كبيرٌ فعّال في حركة الإصلاح والإفساد للشعوب والأمم، وغنى أيّ شعبٍ وأي أمةٍ بالقلم النافع غنىً عامٌ لهما، وفقر أيّ أمةٍ أو شعبٍ من الكتاب النافع والقلم فقرٌ عامٌ لهما. ولو توقفت حركة القلم القويمة النافعة لتوقّف التقدّم العلمي لهذا الشعب أو هذه الأمّة وأُصيب بالضحالة والاضمحلال.
القلم، وتعليم الجاهل، وإثراء المعرفة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا كلّه محلُّ إيجابٍ إسلامي، لأنّ هذه الأمور إذا جاءت على ما هو الحقّ، وعلى ما هو الطريق الصحيح، وبالهدف الإلهي الكريم، جاءت مثريةً بالخير والبركة والهدى والصلاح والتقدّم لأيّ شعبٍ وأيّ أمة.

أثرهما على الكاتب والقارئ:
والقراءة والكتابة وإنْ أجهدت المشتغل بهما إلاّ أنّهما تربيان دافع حبّ الاستطلاع، وفي ذلك تخفيفٌ كبير لثقل ما يبذله الكاتب والقارئ من جُهدٍ في ما يشتغل به.
وأكبر من ذلك أنّ الكتابة والقراءة الهادفتيْن يدفعُ لهما طلب الوصول إلى الحقيقة، وفي الوصول إلى الحقيقة راحة النفس واطمئنانها، وجلاء البصيرة، وهدوء الروح.
ثمّ إنّ الكتابة والقراءة وإنْ أجهدتا صاحبهما إلاّ أنّ الهدف الإلهي الذي يدفع إليهما في نفس الإنسان المؤمن -وهو طلب رضا الله تبارك وتعالى- يُنسي كلَّ تعب، ويُحدِث لذّة، ويُولِّد الشوق لمثل هذا العمل الشاقِّ المُجهِد.
وقلمُك يُنمّي علمك ومعرفتك قبل أن يُسهِم في علم الآخرين. تستطيع أن تتعلّم من خلال القراءة، ومن خلال سماع المحاضرة، وسماع الدرس، إلاّ أنّ إشتغال قلمك وتفكيرك وتأمّلك من أجل الوصول إلى ما هو أقرب إلى الصواب، وما يُريك الحقيقة بشكلٍ أوضح، هذا الأمر -أمر أن تشتغل بالكتابة والقراءة الذي يؤدي بك إلى نظرةٍ أعمق وأركز، وإلى قناعةٍ أكبر بالحقيقة التي تبحث عنها، ويوّفقك الله عزَّ وجلّ للوصول إليها- يُعطيك معرفةً أركز، وأوسع، ومعرفة تلتذّ لها كثيراً لأنّها قامت أو حصلت من خلال جُهدٍ جهيد، وهنا أنت لا تتلّقى القناعة بالحقيقة من الآخرين، إنّما جهدك وقد وصل بك إلى هذه الحقيقة يجعلك تشعر بأنّك قد اكتشفت الشيء الجديد المطلوب لنفسك، ويُعطيك ثقةً بأنّك قادرٌ على أنْ تسبح في إتجاه الحقيقة وتصل إليها.

الأقلام قويمة ومضلّة:
ومن سباقات الشعوب والأمم المُربِحة فيما بينها، سباقها في إنتاج الأقلام القويمة المبدعة الأمينة، وكم تخطئ أمم وشعوبٌ تتسابق في الإنتاج الذي يُحطُّ من قيمة الإنسان ويُفسد عليه دنياه وآخرته. القلم مطلوب ولكن من أجل الحقّ والحقيقة، ومن أجل بناء الإنسان البناء الصحيح، وبناء الحياة البناء الذي يرتفع بمستواها، أمّا أقلامٌ وكتبٌ وإنتاجاتٌ فكرية لنشر الفساد والضلال والإضلال والبدع وتخريب الحياة والإنسان فهذا الجُهد، وهذا الإنتاج يُحطُّ بقدر الإنسان وقيمته، إنما هو شقاءٌ وليس سعادة، وإنّما هو بُعدٌ عن إنسانية الإنسان لا إنسجامٌ مع مستواه الكبير.
 
دور الحوزات العلميّة في الكتابة:
حوزاتنا العلميّة ومسؤوليتها الدينية المُشدّدة في مسألة الكتابة واكتشاف ونشر معارف الإسلام وعلومه وتربيته؛ هي من أكثر الدوافع وأشدّ الأسباب للتأهيل للقيام بهذا الدور الضروري والكبير، وهو دور الإحياء لأمر الإسلام، والدفاع عنه. الدفاعُ عن الإسلام دفاعٌ عن إنسانية الإنسان، عن حاضره، عن مصيره. الطريق الإنساني أن يعرف الإنسان نفسه، وأنّ لهذه النفس قيمةً عالية، وأنّ قيمتها العالية مربوطةٌ بالتزام خطّ الله تبارك وتعالى، وبمعرفة الفكر السديد، والتوفّر على الرؤية النيّرة الصالحة، وكلُّ هذا مربوطٌ بتطوّر القلم والكتاب وإنتاجهما على طريق الحقّ، والمُلتزم بما هو حقّ.
وإنَّ تأخُّر حوزاتنا في مناهجها في مجال رعاية القلم قد سبّب تخلّفاً كبيراً في درجة انتاج الكتاب، وفي مستوياته المختلفة عند الطائفة بالقياس إلى امكاناتها، وتَأخّرَ بزمن هذا الإنتاج.
وإنَّ كلّ مجتمعاتنا الإسلامية لَكثيرةُ الحاجة إلى كتابة الرساليين التي لا تأتي تجارية، ولا تتبع هوى القارئ، وإنما هي لرشده وهداه وجلاء بصيرته، وشدّه إلى الحقّ، وإيصاله لرضا ربّه، وبناء شخصيته البناء الذي يُحقّق هذا الهدف العظيم.

هدف الكاتب في كتابته:
حين تسعى لـ أنْ تكون صاحب قلم ومُنتج كتاب، فضع أمامك أنّ هناك هدفين، هدفٌ خاسرٌ ساقط، وهدفٌ كبيرٌ عظيم، الأوّل أن تتبع هوى نفسك أو هوى الآخرين، والثاني أن تنشدَّ إلى خطّ الله عزَّ وجلّ، ولا تطلب إلاّ رضوانه.
وإنّه لو كانت الأمة لا تواجه هجةً شرسة معادية فكرية وروحية وأخلاقية، لما استغنت عن الإنتاج العلمي والتربوي لتحتفظ بخطّها وهويتها ونقائها، ومواصلة رقيّها، فكيف وهي مستهدفةٌ كلّ الاستهداف من كلّ القوى الشرّيرة والطاغوتية والمفسدة من الداخل والخارج. الحاجة بهذا تشتدّ وتعظُم، وتكون الأمة في معرض الهلاك من دون أن يكون هناك قلمٌ واعٍ مخلص، وكتابٌ نافعٌ مفيدٌ مُنقِذ، ومن دون أن يكون التدفُّق لهذا الكتاب وإنتاج هذا القلم مستمراً ومُغذياً لحاجة المجتمع والأمة.

أنحاء الكتابة:
وإنّ ركيزة ما يتوجّب على الكفاءات الحوزوية العالية، وكذلك طلاّب العلم في الحوزة العلمية هي:

  • الكتابة البحثيّة لترسيخ الحقائق الإسلامية، واكتشاف الجديد من الفكر الإسلامي الحقّ.
  • إلى جنب الالتفات إلى الحاجة الضرورية وهي رعاية الساحة الإسلامية العمليّة العامّة بإيصال الرؤية الإسلامية النقيّة لها، والمُبرهنة، ودرء الشبهات التي تملؤها ضد الإسلام، والقضاء على دعوات الباطل، والإدعاءات الكاذبة التي تنال من مكانة الإسلام في نفوس المسلمين وتهوّن من شأنه العظيم، وتُشكّك في قيمه الرفيعة.
    مُرادي أنَّ القلم والكتاب أمامه مسؤوليتان:
  1. مسؤولية اكتشاف الفكر الإسلامي الأصيل، والجديد منه، وسبر أغواء الكتاب والسُنّة بعقليّةٍ كفوءة وقادرة ومُتأمّلة من أجل مخاطبة الخاصّة، وإيجاد المستويات العلميّة الراقية، والدفع بحركة الاجتهاد الإسلامي العامّ، وليس الفقهي فقط، إلى أوجها.
    هذا إنتاجٌ يُطلب من القلم والكتاب.
  2. والإنتاج الآخر إنتاجٌ لعامّة الأمة، لمثقفيها، وحتّى للناشئ من أبناء الأمة. هذه الثقافة يجب أن لا تغيب عن إهتمامات الحوزة، لأنّ مسؤولية الحوزة تمتدُّ إلى تغطية حاجة الأمّة بكاملها، وهي مسؤوليةٌ عن تعليم هذه الأمّة، وعن تربيتها. ليس التعليم فقط هو المسؤولة عنه الحوزة، وإنّما مع ذلك لابد من التربية، والتربية تشمل الصغير والكبير وكلّ فصائل الأمة. فمطلوبٌ للحوزة إنتاجان، انتاجٌ يتحدّث إلى الخاصّة وإلى أصحاب التخصصات العالية، وإنتاجٌ آخر يتحدّث إلى شرائح الأمة المختلفة، وإلى مواجهة ما يجدُّ من شبهات، وما يدخل الساحة الإسلامية من انحرافاتٍ ضلالاتٍ وبِدع. فخطّان لابد من مواجهتمها، ومن الإنتاج الذي يقضي حاجة كلٍّ من هذين الخطّين ويعالج مشاكلهما.
     
    إنّها أمورٌ تحتاج إلى تذكّرها، هذه أمور آتية نحتاج إلى تذكّرها فيما نكتب، وفيما ننتج، لعلّنا نبلغ بذلك بالكتاب والموسوعة والمقالة ما يُغطّي حاجة الوسط التخصصي، والوسط الثقافي العام، من الرقي بالفكر، وتصحيح الرؤية، والرقي بالروح، وربطها بالخطّ الإلهي الذي تتنوّر من خلاله، وترقى من خلاله، وتتعالى في سموّها.
    نريد للحوزة أن ترقى، وأن تُنتج الكثير، وأن يكون إنتاجها من النافع المفيد الذي يرتفع بمستواها ويصل بها إلى رضوان الله.

ما يعين الكاتب أمام المثبطات:
هنا علينا أن نستعين ببعض الأمور:
 لا تهتم لعدد القراء الفعلي:

  • لا يصرفك عن الاشتغال بتجربة الكتابة أنّك لا تجدُ من يقرأ لك. قد تكتب ولا تجدُ من يقرأ ما تكتب، هذا الأمر لا يَعظُم عليك، ولا ينبغي أن يصرفك عن تجربة الاشتغال بتجربة الكتابة والإنتاج العلمي الذي تستطيعه، ذلك لأنّك تتعلّم من خلال ما تكتب، وتتعمّق في علمك، وتتوسّع من خلال تأمُّلك الذي تدفعك إليه تجربة الكتابة. هذا الربح والمكسب الذاتيُّ الكبير، وهو يُقرّبك إلى الله عزَّ وجلّ، ويُجلِّي لك الحقيقة، ويقترب بك إلى فهم الإسلام، فيه تعويضٌ كبيرٌ عن بقاء كتابتك بلا قارئ.
    أمّا إذا طلبنا أن يُقرأ لنا، ومن أوّل انتاجنا، وربطنا عملنا الكتابي والإنتاجي بأنْ نجد من يقرأ لنا، فقد لا نحصل على من يقرأ لنا، وفي ذلك خسارةٌ كبرى لنا. والبادئ بالكتابة يمكن أن يصطدم  بمثل هذا الأمر، وعليه أن يتوقّع هذا الأمر، فعليه أن يقبل بالواقع، ويتجاوز أن يُحدث هذا الواقع ردّة فعلٍ مُيئّسة.
     
    الكتابة المبكّرة:
  • أقولُ بَكِّر بتجربة القلم وإلاّ تأخّر عليك نضج هذه التجربة. أنت تطلب نضج تجربة الكتابة، لكن حين تطلبها بعد سنةٍ واحدة فقط من كتابتك فقد تكون قد استعجلت، وإذا ربطتَ اشتغالك بالكتابة بأن تبلُغ القمّة من بين الكتّاب والمؤلفين في زمنٍ قصير فإنّك قد طلبت الشيء الصعب. الكتابة ليست شيئاً سهلاً، ولا تكفي فيها التجربة السريعة ولا الاشتغال الضحل. العلماء العِظام أعطوا القراءة والبحث والكتابة عمراً طويلاً حتّى حلّقوا، منهم من يسبق في الظهور ومنهم من يتخلّف، والقدرات تختلف، والمستويات تتفاوت، ونضج تجربة الكتابة، والوصول إلى حدّ الابداع، بعد التغذّي على أفكار الآخرين يحتاج إلى وقت.
     
    البداية التدريجية:
  • قد توفّق إلى شيءٍ من الابداع، ومن الاضافات الفكرية لما هو قائم في زمنٍ يطول أو يقصر، ولكن بلوغك لقمّةٍ عالية في تجربة الكتابة يحتاجُ إلى وقتٍ مديد، وتوفيقٍ خاصّ.
     
    ليكن الطموح عاليًا:
  • كُن طموحاً فيما تستهدف الوصول إليه من مستوىً لكتابتك. قد تبدأ الكتابة وتبدأها بطموحِ أنْ تصل إلى مستوىً من هذه الكتابة، استهدف الشيء الرفيع، كُن طموحاً في استهدافك للمستوى الذي تكتب من أجل الوصول إليه، ولكن لا تُبالغ في مستوى طموحك في بدايات دخولك في التجربة. اِطمح ولكن لا تبالغ في طموحك، الذي قد تُسبّب به لك ردّة فعلٍ يائسة عند ما لا تجدُ أنّك بلغت هذا الطموح في بدايات إنتاجك. الطموح أن تبلغ القمّة في بدايات إنتاجك طموحٌ قد يقف بك عن الكتابة، ويصرفك عن الاشتغال بها يأساً ممّا أمّلته. الصحيح أن تُؤمِّل الكثير، وأن تطمح للبعيد، ولكن لا تبالغ المبالغة التي تعطي ردّة فعلٍ يائسة من مواصلة الطريق.
     
    تعدد المستويات يتطلب مستويات الكتابة:
  • فلنتذكّر أن تعدُّد المستوى للقرّاء يتطلّبُ تعدّد المستوى الكتابي للكاتب والكتاب، فلا زهد في الكتابة لمن لا يجد نفسه أن تبلغ القمّة من الكتاب ومن بين المؤلفين. قد تقيس نفسك إلى الكُتّاب الكبار الموجودين، وإلى الكتب التي في أعلى القمّة، فتجد امكاناتك لا تصلُ بك إلى ما هو عليه مستوى الآخرين. اذكُر هنا بأنّ الآخرين أُعطوا مستوىً يكتبون إلى الكبار من أصحاب الفكر، وعظماء العلماء، وأنّك رُزقت نصيباً ربما يكون أقلّ من ذلك، لكن له من يحتاجه من بين القُرّاء، ولو جاء المؤلفون وجاءت الأقلام كلّها على مستوىً رفيعٍ واحد لظلّت حركة الحياة العلمية في المجتمعات هامدة، وليس لأصحاب الذكاء المتوسط والقابليات المتوسطة، والقابليات الأولية من يرعامهم ويُنمّيهم. المجتمع فيه ناشئة، وفيه مثقفون متفاوتون في مستواهم الثقافي، وفيهم علماء دون القمّة، وكلُّ أولئك يحتاجون إلى من يكتب إليهم، يحتاجون إلى أقلامٍ تفهم وتُقدِّر لهم مستواهم، وتتحدّث باللغة الذي يفهمون، بالمستوى الذي يستطيعون استيعابه. لو كانت الأقلام كلّها على مستوىً واحد لكان لم يكن لجماهير الأمّة الغفيرة ولا إلى أجيالها المستجدّة من يأخذ بيدها على طريق العلم، ولذلك نَوّع الله القابليات، ونَوّع الله إتجاهات الأقلام الصالحة لتُغذّي كلّ حاجات الأمة. صحيحٌ نريدُ مؤلفين كباراً، وأصحاب قدرة فائقة على معالجة المعضلات الفكرية وردّ الشبهات الأكثر إغلاقاً والأكثر تضليلاً، ولكنّ وجود هؤلاء وحدهم من دون طبقات كتّاب أخرى لا يُنقِذ الأمّة.

كلّ كاتب يناسب مستوى من المستويات:

  • نريدُ لكلّ قارئٍ من أبناء الأمة بأيّ مستوىً أن يجد المائدة التي تُغذّي فكره وتنقذه من الشبهة وتصحّح له مساره وتأخذ بروحه وبأخلاقه وسيرته إلى الاتجاه الصحيح. قلمُك في أيّ مستوىً من المستويات -مع إستقامته، ومع تحرّيه للحقيقة، ومع إجادته للإنتاج الذي يُناسب الوسط الذي يُخاطبه- هذا القلم تحتاج إليه الأمّة، ولا تستغني عنه بقلم الفلاسفة الكبار والفقهاء العظام.

الكتابة خطاب للعقل والقلب:

  • الكتابة من أيّ مستوىً من المستويات هي لمخاطبة عقول الناس وقلوبهم ونفوسهم، وموضوعها ما يقول الناس، وما يكتبون، وما يعيشون من أوضاع، ويقيمون من علاقات، وما يتبنون من هذه العلاقات، وما يتبنون من أفكار، ولا يصحُّ أن تأتي الكتابة من جاهلٍ بمن يُخاطب. أنت تخاطب فئة خاصّة، حين تأتي كتابتك على غير معرفةٍ بهذه الفئة التي تُخاطبها، هذه الكتابة التي لا تعرف موضوعها أو لا تعرف مُخاطَبُها لا تأتي ناجحة. لا يمكن أن تأتي كتابتك للآخرين ناجحةً وأنت لا تعرف من تخاطب فكراً وروحاً وسلوكاً ومشاكل وما إلى ذلك. اِعرف من تُخاطب تكتسب عنصراً من عناصر نجاح كتابتك في مهمّتها، من دون ذلك ستأتي كتابتك في واد بينما من تخاطب هو في وادٍ آخر.
    ليس هذا فقط وإنما عليك أن تعرف في كتابتك، ومن أجل أن تصيب هذه الكتابة، مشاكل الوسط، المسائل الخارجية للوسط الذي تُخاطبه، ما يسوده من شبهات، ما هي البيئة التي يعيشها، ما هي المؤثرات السلبية لهذا الوسط، ما هي المؤثرات الإيجابية لهذا الوسط، حتى تكتب على بصيرةٍ في الموضوع الذي تكتب فيه، كما أنت على بصيرة بالنسبة للمُخاطب الذي تكتب له.
    لا نكتب في موضوعٍ مجهول، ولا نكتب لمُخاطبٍ مجهول. علينا أن نعرف مخاطبنا، وأن نعرف الموضوع الذي نكتب فيه لهذا المُخاطب.

الأسلوب مهم ويبقى المضمون أهم:

  • الأسلوب مهمٌّ جدّاً. الأسلوب يخدم المضمون، ويساعد على فتح الطريق إلى وصوله إلى ذهنية المخاطب ونفسيته وروحيته، ولكن الأسلوب خادمٌ للمضمون، والمضمون أهمُّ من الأسلوب، فلا يأتي أسلوبك على حساب مضمونك. لو صار قصورٌ ما في الاسلوب فهو أهون كثيراً من أن يكون خطأٌ في المضمون. الحرص على سلامة المضمون ودقّته وقربه من الحقيقة ينبغي أن يكون أكثر من الحرص على جمال الاسلوب، وإن كان جمال الأسلوب مطلوباً هو الآخر طلباً شديدا.

التقوى والإخلاص وأثرهما في التأثير:

  • لتكون التقوى حاضرةً فيما يُكتب، فليحاسب الكاتب نفسه فيما سيفعله قلمه في عقول الناس وقلوبهم وأخلاقهم وعلاقاتهم وأمر دينهم وُدنياهم. أنت تكتبُ لتؤثّر، وأثر كتابتك يحصل إمّا بتخريب العقول وإفساد القلوب وتحطيم الأخلاق وهدم العلاقات الجيدة وبناء علاقات سيّئة، وإفساد وتخريب لأمر الدين والدنيا. هذا كلّه يترتّب من وراء كتابٍ برّاقٍ في كلماته، مطبوع طباعة جيّدة، له اسلوبه الساحر.

لا تطلب هوى القراء:

  • لا تكُن تجارياً فيما تكتب، تطلب هوى القُرّاء من أجل أن يُشترى كتابك ويروج ذكرك في أوساط الناس. احترس من خلال تقوى الله عزَّ وجلّ وأنت تكتب أي كلمةٍ في كتابك أنْ تجرَّ هذه الكلمة إلى باطل، وأن تُفسِد خُلقاً، وأن تهدم مجتمعاً صالحاً. احرص على أن تكون كلّ جملة، وكلّ فكرة مما تُثبته في كتابك، ويؤدي إليه كتابك أن تكون هذه الفكرة صالحة صادقة بنّاءة هادية ترقى بمستوى مُخاطبِك، تصحّح مساره، تعلّي من همّة الخير عنده، تبعُد به عن الشرّ، تقرُب به إلى فعل الخير.
    كُن في كتابك مُحاسباً لنفسك لتكون النفس الحريصة على هداية الآخرين، وصلاح الآخرين، ومصلحة الآخرين، بعيدةً عن إحداث أيّ خللٍ وأيّ سوءٍ في نفس إنسانٍ أو عقليّته أو أيّ  شيءٍ من وجوده الكريم.

الكتابة الاستقلالية والمأجورة:

  • أيضاً في الأخير أقول، ما أكثر الكتابات والكُتّاب الذين لا تعرف أقلامهم ديناً أو مذهباً دينياً أو سياسياً محدّداً، ليس لهذا الكاتب أو ذاك من هذه الفئة دين مُحدّد، مذهب محدّد، سياسي أو ديني. قلمٌ مفتوحٌ على كلّ الأديان، وعلى كلّ المذاهب، وعلى كلّ المشارب والمناهج السياسية، لا يحكمه هذا أو ذاك من المذاهب والمشارب، يحكمه مذهبٌ واحد، ويحكمُ دينه وإنْ التحق بهذا الدين أو ذاك ظاهراً، ويحكمُ مذهبه وإنْ التحق بهذا المذهب أو ذاك ظاهراً، ويحكم انتمائه السياسي وإنْ أعلن هذا الإنتماء أو ذلك ظاهراً. هذا المذهب الحاكم لوجود هذا الإنسان، لأيّ مذهبٍ تبنّاه، ولأيّ دينٍ تبنّاه ظاهراً؛ هو الدينار والدرهم. هناك من يكتب للدينار والدرهم، وهو اليوم مع هذه الجبهة وغداً مع هذه الجبهة، يكتب لهذه الجبهة فيأتيه عطاءٌ أكبر من جبهةٍ أخرى فتتحوّل كتاباته كلّها إلى هذه الجبهة الجديدة التي صار ربحه الماديّ منها أكبر، ومستعدٌّ لـ أن يكون في كلّ يوم كاتباً جديداً، لفكرٍ جديد، وتوجّه جديد، ومنهج جديد إذا جاء اغراء الدينار والدرهم.
    هؤلاء كُتّابٌ موجودون، وهم في كثرةٍ مع الزمن، كلّما ساء الزمن كلّما كثُر هؤلاء الكُتّاب الذين يُميّعون الحقيقة، ويُضلّلون الناس، ولا يثبتون على كلمة.
    أمّا القلم الإسلامي الرسالي الحقّ فهو يعرف دينه ومذهبه ومنهجه في كلّ ما يُنتج، ولا يحيد عنه ولا تميل مسطرته عن مرضاة الله تبارك وتعالى.
    يفتقر صاحب هذا القلم ويغنى، وأمامه عطاءاتٌ دنيوية مغرية. مالٌ ومركز وشُهرة، تطلبُ منه أن يضلّ، أن تزلّ من قلمه الكلمة، أن يُقدّم خدمةً ولو صغيرةً للباطل، إلاّ أنّه يعيش كبريائه بالعزّة بالله، روح الاستغناء بالله، ويعرف قدر الارتباط بالدنيا وأنّه مُخسِّر، ويعرف قيمة الارتباط بالله وأنّ فيها الربح كلّ الربح ولا ربح من دونه.
    قلمٌ تشتدُّ المحنة على صاحبه بسبب ما يكتُب، إلا أنّ دينه الذي يراه حقّاً، مذهبه الذي يراه حقّاً، يفرض عليه أن يواصل الكتابة، يبقى مواصلاً كتابته برغم ما يتهدّده من خسائر ومن أتعابٍ ومن خوفٍ ومن موت.
    فيتعلّم الحوزوي المؤمن الرسالي منذ أوّل كتابته أن يكون هذا الكاتب، وأن يعرف بأنّ أمام استمراره في الكتابة، خاصةً إذا كانت تلامس باطل المجتمعات الحاضرة وتواجه هذا الباطل بقوّةٍ وشدّةٍ وإنكار، أقول عليه أن يعرف هذا من أوّل الطريق، وأن يبني العزم متوكلاً على الله عزَّ وجلّ بأن يواصل طريق الكتابة المرضية لله، وإنْ أسخطت أعداء الله، وإذا لم يكن قادراً على ذلك فليبحث عن سبيلٍ آخر لخدمة الإسلام لا يُحمِّله هذه الكُلفة. وإنْ يكُن العبقري الكبير ولا يكتب شيئاً في صالح الإسلام، ولا ينقلب على الإسلام بعد وقتٍ من أجل الدنيا، خيرٌ لكثيرٍ من أن يدخل التجربة ليهدم كلّ ما بناه من خدمةٍ للإسلام ويدخل النار بعد أن سلك طريق الجنة، ويكون داعية ضلالٍ بعد أن كان داعية هدى.
     
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
زر الذهاب إلى الأعلى