الحديث القرآني لسماحة آية الله قاسم – 21 سبتمبر 2015م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في

الزينة وجاذبيتها

21 سبتمبر 2015م

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم من بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

هدف خلق الزينة

هناك زينة مخلوقة من قبل الله تبارك وتعالى والآية الكريمة تقول “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”، فهناك خلق للزينة من قبل العليم الحكيم الذي لا تُتَوقع تربية للناس فوق تربيته ولا منهج يبلغ دقة منهجه وحكمته وهو يقول عز وجل ومن موقع عظمته “إِنَّا جَعَلْنَا”، ومن موقع العظمة والجلال والجمال والقدرة والحكمة والأسماء الحسنى المطلقة “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”، الأرض يحتاجها الإنسان في حياته وما لم تكن إلى المستوى الذي يجتذبه فلا يمكن له عليها الحياة وتكون كل أيام أيام ملل وسئم و نفور من شيئا ليس فيه جاذبية لنفسه وهذه جنبة لم تتعرض لها الآية الكريمة هنا وأن كان لها نجد تعرضا في آية أخره.

فنحن أمام زينة في الأرض من خلق الله عز وجل والهدف المذكور لهذه الزينة “لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”، وهذه الزينة لابد أن تكون مساعدة على أن يمارس الإنسان أحسن العمل واللا مع المفارقة بين ما عليه واقع هذه الزينة من كل الحيثات وبين صلاح الإنسان واستقامته وزوحسن عمله كيف تكون هنا اختبار للإنسان ليبلوه الله بلائه ليجد أفراده “أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”، لا ينسجم بين زينة ليس فيها ملائمة على الإطلاق مع حسن العمل ومع الاستقامة فهذه تكون عذابا لأنها تطلب المنافرة والاستقامة وتطلب مني الاستقامة وتجعلني في بيئة طاردة للعمل الصالح ولا تساعد على العمل الصالح، فلابد أن ندرك أن هذه الزينة مساعدة على الاستقامة.

وفيها جنبة تحدي على ما عليه طبيعة الإنسان المركبة من عقل وفطرة سديدة وما عليه تركيبه من شهوات، فيأتي دور الإرادة هنا فالزينة التي على الأرض لها جنبتان جنبة ترتبط بصلاح الإنسان واستقامته ويستطيع أن يستفيد من هذه الزينة في بناء حياة قويمة ومجتمع صالح ونيل آخرة سعيدة، والجهة الثانية تحتاج إلى نفسية وتحتاج إلى تربية لمواجهة إغرائها لأن فيها إغراء زهذا افغراء كما يشهد لحياة عليها والبناء يمكن مع التعامل الصحيح معه وعدم الاستعداد التربوي له يمكن أن يكون مدعاة ضلال وملهاة لهذا الإنسان عن هدف أكبر.

مقرر في الآية الكريمة أنها ليست هدف وإنما واقعة في طريق الهدف مع سلامة المنهج وصحة الإرادة من الإنسان ويمكن أنت تؤول بالإنسان إلى الشقاء حين يختط خطا آخر غير المنهج الصحيح أو يتساهل مع هذا المنهج ويهمل نفسه فحينئذ تكون هذه الزينة مدعاة ليس من طبيعتها وليس بدورها المنفرد وإنما بالإضافة إلى الدور الإرادي الذي يُسأل عنه الإنسان. “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”، تقول لي إن الله زيّن؟ نعم زيَّن وهدف الله عز وجل من هذا التزيين هو سداد الإنسان وتربية وصلاحه ونفعه وإن كان في هذا جنبة بلاء واختبار للإرداة هذا الإنسان وهل تستقيم على هذا الطريق أو لا تستقيم؟ وهل تعبد الله أو تعبد هذه الزينة المخلوقة من الله سبحانه وتعالى.

الآية الكريمة وهي تقرر جعل الله عز وجل ما على الأرض زينة لها تقف وقفة توعية وإيقاظ للإنسان فتقول الآية الكريمة الأخرى “إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”، إنضبط وارجع إلى عقلك وإلى فطرتك وفكر في مصلحتك ولا تتخذ هذه الزينة هدفا في حياتك وطلب هذه الزينة والإنصراف عن الهدف العظيم والوحيد وهو هدف نيل مرضاة الله عز وجل والوصول إلى رضوانه وجنته وهذا الهدف لا يضيع في ظل جاذبية الزينة وانجذابك لها؛ لأن هذه الزينة لا تصلح هدفا لحظة عندك ولحظة تفارقها وتفارقك “حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ”، هذه الأرض وما عليها من زينة لن تبقى وإذا طال أمد الأرض فأمدي وأمدك ليس طويلا عليها هي سنوات ثم نرحل، فهذا ليس هدف الحياة ولا يصلح أن تبيع حياتك الغالية من أجل مزرعة أو من أجل قصر أو من أجل ما يقوم على المال من متاع أو غيره، وإذا رجعت إلى عقلك وإلى فطرتك وإلى توعية الآية الكريمة فهي تقول لك أن هناك زينة ولكن إحذر من أن تتحول لك هذه الزينة ربا تعبده من دون الله أو تشركَ بالله عز وجل.

أنواع التزيين:

التزيين الكاذب الخادع ولا يصح أن يكون من خلق الله عز وجل وقبل ذلك هناك تزيين تشريعي، وتزيين بياني، وتزيين تكويني، والآية “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”، هذا جعل تكويني والزينة تكوينية وخلق مع الأرض يمتلك جاذبية الإنسان ومن ملَكَهُ هذه الجاذبية ومن أوجد هذه النفس التي تنجذب بطبيعتها لهذه الزينة ومن أوجد الجاذبية لهذه الزينة والإيجاد ليس بالكلام وإنما الفعل والخلق والتكوين وتلك زينة مخلوقة تكوينا من الله سبحانه وتعالى وهناك تزيين بياني فأطرح عليك ما يبعدك عن هذا الفعل وهناك تشريع لبعض الأمور ويزين هذا الأمر ويقبح ذلك الأمر.

هناك تزين كاذب مخادع ” وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ”، وهذا تزيين من الشيطان فكبر صورة القوم وضعَّفَ واقع القوم المقابلين وأغرى بالنتائج من خلال وسوسته وتأثيرة وحديثه للنفس الأمارة بالسوء وهذا تزيين كاذب وبينت النتيجة كذب هذا التزيين “لَا غَالِبَ لَكُمُ”، لا يمكن أن يغلبوا، فجبروتك وقوتك وبطشك ليست هي السبب الوحيد للنصر وإنما هناك عوامل أخرى مما يرى ومما قد لا يرى فهذا التزيين كان تزيينا كاذبا مخادعا.

التزيين من الشيطان ويشترك فيه الشيطان وجنوده من الجن والإنس وهذا التزيين الأول فيوجد إعلان ودعايات وإغراءات ويوجد مشاهد حسية وغير ذلك تزين وهذا التزيين كاذب والشيطان يزين لك المرأة القبيحة الأجنبية وكأنها أروع من زوجة فلان الجميلة هو لديه زوجة جميلة وقد تكون مثالا في الجمال إلا أن الشيطان يشده شدا قويا إلى إمراة هي في حظها الجمالي دون مستوى زوجه بمرات ومرات وهذا تزيين خادع كاذب واستطاع هذا التزيين أن يظهر الأدون بمنظر الأعلى والقبيح بمظهر الجميل وهذا كما يجري في هذا الجانب من الشيطان يظهر من غيره من جنوده من الإنس والجن.

التزيين الصادق

هناك تزيين صادق ناصح وهو تزيين من الله ورسله والهاديين من خلقه، الآية الكريمة في التزيين الصادق “وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ”، وما أجمل الإيمان وما أربح الإيمان في عطائه وما أحسن النتيجة التي يؤدي إليها الإيمان وتزيين الإيمان لا يأتي من الله فوق ما هو عليه من واقع، وإذا كره الله عز وجل شيئا لا يكرهه فوق واقع كرهه وإذا زيَّن شيئا فلا زينه فوق واقعه زينته، ولكن هذه الزينة الغائبة عن ذهن الإنسان والغائبة عن أفق وجدانه يحضرها الله سبحانه وتعالى في نفسها فبطبيعتها المخلوقة من الله عز وجل تجتذب هذه النفس إلى خطها والتزيين من الله يكون بما يؤدي إلى الصلاح والفلاح.

“وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ”، وهذا قد لا يكون بالكلمة فقط وإنما تزيين فيه درجة من العناية الغيبية بقلب الإنسان الذي يستحق هذا ويضع خطوه على طريق الهداية، ويأتي هذا التزيين الناشئ من عناية الله ولطفه الخاص بهذا العبد، “وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ”، النتيجة أن هذا التزيين يؤدي إلى الرشد والفلاح والنجاح.

تزيين الإضرار

وفي قبال هذا التزيين النافع يأتي تزيين الإضرار “وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ”، النتيجة إضرارية مؤذية على مستوى سقوط النفس واختلاط الأمر الديني وتشويه أمر الدين وخلق حاجز بينه وبين الرؤية الصحيحة للدين وواقع الدين وحقانية.

تزيين للإهتداء

“وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ “.

تزيين للإضلال

“وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا”، هناك دعات هداية وهناك دعات ضلال فهذا له أسلوب تزيينة وذاك له أسلوب تزيية دعوات مبنية ومأخوذ فيها أساليب فنية وأساليب راقية مؤثرة وتم العمل عليها بعناية من كلا الجبهتين والهدف من تزيين الشيطان هو الوصول بالإنسان إلى الضلال البعيد البعيد وعن الرؤية الصحيحة وعن الحق وعن الخط السليم وعن العاقبة الحميدة.

تزيين بزينة طاغية

هناك زينة تحتملها النفس وزينة لا تحتملها كما أن قدرتنا على الإبصار محدودة وتحملنا للنور محدود وحملنا للأثقال محدود وتفكيرنا ومشاعرنا فنحن محدودون في كل شيء وما يتناسب مع تفكيري قضايا من مستوى معين وقضايا لا يدركها إلا ملك فأنا لا أستطيع أن ادراكها وطبيعة الملك هي المناسبة لإدراك بعض الحقائق وهو كوجود روحي يستطيع إدراك تلك الحقائق والقضايا ولكن أنا كموجود طيني فيَّ جنبة من روح ولا أستطيع إدراك تلك القضايا لو كلفت بفهم أفكار وقضايا من مستوى فهم الملائكة وتختص بهم فهذا تكليف فوق الطاقة والله “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”، في كل شيء وفي كل التكاليف.

هناك تكليف فوق الطاقة ويطغى في مستواه على مستوى تحمل النفس البشرية وهذا لا يفعله الله سبحانه وتعالى حتى لو لم يصل إلى حد الجبرية ولكنه متعب كثيرا والوقوف أمامه والصبر على هذه الزينة وعدم الإندادك فيها وعدم الذوبان فيها هذا يحتاج إلى تحمل من درجة عالية عالية جدا، والشاهد على ذلك “وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ”، كل شيء أن يصنع من الفضة يكون فضة والذهب ذهب “وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ”، الناس يمكن أن تتحول كلها إلى أمة واحدة ضالة ومنحرفة عن الله عز وجل تعبد زينة الحياة الدنيا وتعبد الزخارف والبيوت بمستوى معين من البيوت يمكن أن يتحمله الإنسان وأما مستوى آخر الأمر يكون مشكلا فمن الممكن أن فقيرا يدخل بيت غني كبيرا لأول مرة ويشهد ما لم يشهده من قبل من حدائق وزخارف فيصعق ويتأذى نفسيا لماذا لا يكون كذلك ويدخل في طاعة ذلك الرجل عسى أن ينال من عنده شيئا.

نتفاوت في القدرة على الصمود وفي درجة الصبر أمام تحديات الزينة وأمام تحديات الخوف والإغراء ولكن هناك نصل إلى حد وتكاد الطاقة تقف عندنا إلا مع مجهود مضاعف مضاعف وتعب شديد، إن الجمال يستطيع الإنسان تحمل رؤيته ورؤية حصة من منه ومستوى منه ودرجة من الجمال لو وجدت على ظهر الأرض لما صمدت أمام إغرائها نفس فهذا لا يكون من الله سبحانه تعالى فالآية الكريمة نعرف منها أن هناك مستوى من الجمال ومستوى من الخير المادي ومستوى من عطاء الله عز وجل في هذا الجانب ومستوى من الزينة لو تيسر للإنسان في الأرض لضل الناس وهذا النوع والمستوى من الزينة لا يبتلي الله عز وجل الإنسان به.

في موارد أخرى من القرآن الكريم حينما تذكر الزينة وجاذبيتها وإغارئها تذيل ذلك بتحذير وتذكير وبموعظة وإلفات نظر وإيقاف فالآية الكريمة تقول هذا ولكن هذا المستوى من الزينة الذي لا تستطيعون أن تصمدون أمامه في الحياة الدنيا وتنار أنفسكم أمام إغرائه فهذا شيء بسيط “وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”، فهذا زهيد لا يقاس إلى خير الآخرة ومنقضي لا يدوم دوام خير الآخرة “وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ”، وأنت حتى مع هذا المستوى من الزينة المرهق جدا للنفس لكي تصبر عليه تذكر أن هناك شيء أعظم منه ستناله جزاء على صبرك “وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ”، فاتقِ الله عز وجل والآخرة أكبر وأعظم في خيرها من كل ما هو موجود في هذه الحياة.

جهات الزيين:

1. الزيين من الله سبحانه وتعالى وأنبيائه ورسله وقادة دينه المرضيين عنده والصالحين من عباده.

2. التزيين من الشيطان وجنده من الأنس والجن.

جهتان ينبعث منهما هذا التزيين أو ذلك التزيين، التزيين بالخير أو التزيين بالشر، الشيطان والإنسان مر ذكرها في آيات كثيرة سابقة تبين الإضلال والتزيين من قبل الشيطان والإنسان.

التزيين من الله سبحانه وتعالى:

مر الكلام حول الزيين الخلقي الذي بدأ به الحديث وهو من الله سبحانه وتعالى وهذا التزيين من الله عز وجل وهو خلق الزينة على الأرض هو أصل ومرجع كل تزيين يمكن أن يمارسه الإنسان المضل والإنسان المغوي فهو يستخدم في التزيين عقل وجاه يأتي به المال وقصر ومنتزه وجمال مال وجاذبية مال وجاذبية جنس وغيرهم وكل هذا أصوله الأولى من الله سبحانه وتعالى وهو من خلقه تبارك وتعالى، التزيين من الله عز وجل تزين مربٍ صالح “وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ”.

هناك تزيين إلهي تحتاجه الحياة ولا تقوم الحياة إلا به وهو في نفس الوقت امتحان “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ”، وجاء التعقيب الموقظ والمنهبة والذي يحمل التوعية لهذا الإنسان حتى لا ينجرف وراء الزينة.

والذين الشهوة وخلق الإنجذاب في نفسي لهذه الزينة أو تلك هو الله سبحانه وتعالى والله عز وجل قادر على أن يوجد هذه النفس لا إقبال لها على الإطلاق على مال ولا على نساء ولا على أي جمال من جمال الأرض فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق النفس ولكنه خلقها فيها استعداد للإنجذاب وتنجذب فعلا لكن هذا الإنجذاب بالمستوى الذي تحتاجه الحياة ولو جئنا لا نحب المال ولا نحب الطعام ولا نحب النساء والنساء ليس لهن حب الرجال فلا يمكن أن تقوم حياة على الأرض وإنما تعطل الأرض فلن تزرع ولن تبني ولن تتزوج وليس لديك ما يدفعك، فهذا تزيين ولكنه من تزيين مما تحتاجه الحياة وجاء بقدر ما تحتاجه الحياة وجاء بمقدار ما تطيقه النفس ويمكن أن تصبر عليه وليس فوق ما تصبر عليه والصبر فقط يحتاج إلى اتباع المنهج الصحيح والتربية الصالحة.

“الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا”، التعقيب موجود “وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ”، عندك ولد يمتلك جاذبية في نفسك ويمثل زينة في نفسك وأمامك مال له درجة من السلطان على نفسك وغير غالبة ودرجة من هوى والمال عنده جاذبية لهذا الهوى وهذا ليس عبثا وليس أذى للإنسان؟ لا فكيف للحياة أن تستقيم بلا مال وبلا ولد فحيث لا ولد لا استمرار للنسل معنى جيل انقضى وآدم انقضى وليس عنده ميل إلى الولد، واعتنائك بالولد لا يكون إلا عن حبك له ويمثل زينة في نفسك ولا تراه كما ترى الحجر العادي الملقى في الطريق فلن تعطيه العناية الكبيرة ولن تهتم به الاهتمام الكبير ولن توليه راعيتك وتتعب من أجله، فهذا تزيين لصالح الحياة ولبقاء الحياة ولاستمرارها.

هناك تزيين إلهي جزائي

أساسه عمل الإنسان الصالح أو عمله السيء وللعمل السيء أثره في النفس وللعمل الصالح أثره “إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ”، هذه مسؤوليتهم وسبيل الإيمان ميسرة والإيمان بالآخرة له أدلته وآياته وهذا الذي لا يؤمن بالآخرة تَزيْن لهم أمور فيها عماه والعمى عمى البصيرة فعدم الإيمان بالآخرة يؤول بنفسية الإنسان غير المؤمن إلى تَزينَ في نفسه الأعمال السيئة والأعمال التي لا تلتقي مع خط إنسانيته ولا تخدم مصلحته الحقيقة ولا تؤدي إلى به إلى النتيجة المطلوبة من هذه الحياة فهو نفس طبيعة الكفر وطبيعة عدم الإيمان بالآخرة تنتج سلوكا وبالارتباط بهذا السلوك من ممارسة ممارستين أو أكثر فيحصل انشداد وارتباط وأكثر من ألفه مع هذه الأفعال السيئة.

التزيين الإلهي أوجد لنا قانونا عادل وحكيم أن الكفر يعطي هذه النتيجة فلا تكفر حتى لا تصل لهذه النتيجة وإن لم تكفر تجنبت هذه النتيجة وأن تكفر تقع في هذه النتيجة فمن يتناول سما يموت ومن يتناو دواء شافيا يشفى فهذا هو الجزاء.

“مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ”، فهذا الإضلال مربوط “وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ”، هم عندهم طغيان وهذا يسبب عمى في البصيرة وجزائهم أن الله يذرهم ولا يمدهم بالتوفيق ولا ينقذونهم ويدعهم إلى ما اختاروا وهذا الترك من الله عز وجل للكافر ولمن طغى يكفي لعماه ويسمى من الله عز وجل إضلالا له، وهذا التزيين يمثل نتيجة طبيعة تستتبعها الأعمال غير الصالحة والأعمال الصالحة تستتبع تزييا فمن وضع قدمه على طريق الإيمان حبب الله عز وجل إليه الإيمان وكره الكفر.

يوجد تزيين معتدل وتزيين غير معتدل وهو تزيين بغير حق وفيه تضخيم كاذب “زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ”، والمزين هنا منسوب لنائب الفاعل في الآية الكريمة وهو غير مذكور ولكن يوجد إشارة في الآية الكريمة “زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا”، ويكفي بالكفر مزينا للسوء والله عز وجل لا يمكن أن يزين شيئا فوق زينته والله سبحانه وتعالى لا يربط تزينه الصالح النافع بحالة الكفر وهذا زيين ليس من فعل الله المباشر تبارك وتعالى إنما هو فمن فعل من الذين كفروا أو الشيطان أو القوى المضلة من الشيطان وجنده.

التزيين المعتدل العادل “وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ”، ونتبين منها التزيين المعتدل العادل وكل تزيين يفعله الله عز وجل هو كذلك سواء كان امتنانيا ابتدائا أو جزائيا بخير أو شر، والله عز وجل له هدايتان وله تزيينان: تزيين ابتدائي ابتدئه الله عز وجل من غير أن يسبقه فعل فاعل يستحق به هذا الامتنان من الله عز وجل بحسب وعده والله عز وجل يمن بهذا التزيين لهدايته.

والتزيين الجزائي يأتي في طول فعل صالح من العبد وفقه الله بمنه إليه، والتزيين الجزائي والامتناني إنما يأتي عادلا صالحا مما يلتقي مما تتحدث عنه الآيات “رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ”.

والحمد لله رب العالمين

زر الذهاب إلى الأعلى