المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني لسماحة آية الله قاسم – 07 سبتمبر 2015م

الحديث القرآني لسماحة آية الله قاسم – 07 سبتمبر 2015م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في

القرآن في مواجهة الهجمة على الإسلام

الموافق 07 سبتمبر 2015م

 

للإستماع :

 

اضغط على الصورة لمشاهدة الألبوم :

2P3B7887

 

للمشاهد :

 

وفيما يلي نص الحديث:

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

 

مقدمة

القرآن الذي تنزل بالإسلام خاض معارك مستمرة مع أعدائه فكرية ونفسية وعملية، معارك عقائدية وتشريعية وتربوية وهو يعلم بأنواع مواجهاتهم له وأساليبهم وأدوات في هذه المواجهات، ويعلم بمختلف جبهاتهم ما هي منطلقاتها في هذه المواجهة ويقدم بذلك للسائرين على هداه ثقافة واعية مستوعبة لهذه النواحي كلها وعليهم أن يلتفوا لها وأن يفتحوا البصيرة ليها وأن يتخذوا الموقف المناسب منها.

القرآن وخطه الإيماني والتوحيدي يعلم تماما بأن في الأرض خطا لطاغوتية والاستكبار الجاهلي ولا يمكن أن يسالم الإسلام ولا يكف ذلك الخط عن مواجهته ولذلك يقدم البصيرة الكافية للمؤمنين به في كل ما يتصل بالرد على هذه المواجهة وإفشالها، فدعوة الإيمان ودعوة الكفر المواجهة بينمها مستمرة ولكل دعوة منهما منطلقاتها وهدفها والأساليب والأدوات التي تتسم مع طبيعتها ومستواها وهي معركة يدرها في الأرض رجال كفر من جهة ورجال إيمان من جهة أخرى والمستهدف فيها للطرفين هو الإنسان مع اختلاف نوع الاستهداف وضرره أو نفعه.

يدير الكفر معركته مع الإيمان عبر عملية واسعة ومتعددة الأساليب والأدوات والصور ويسميها القرآن بالصد عن سبيل الله وذكره وهذا ما سيدور حوله الحديث القرآني وماذا يعني الصد عن الحق وسبيل الله وذكر الله؟

الصد يأتي بمعنى الإعراض والامتناع والصدوف كما يأتي بمعنى المنع والصرف فقد يصد الإنسان بنفسه عن الشيء بمعنى أنه يعرض عنه ويمتنع منه ولا يقبل عليه وقد يقوم بعملية الصد بمن سواه فيصد عن تلك القضية أو ذلك الاتجاه أو عن ذلك الانتماء وغير ذلك.

فصد فلان عن الكلام الفلاني أو الفكرة الفلانية بمعنى أعرض وصدف عن هذا أو ذاك، وصد فلان فلانا عن الحق بمعنى معنه وصرفه وحال بينه وبينه بأي وسيلة من الوسائل فهذا هو المعنى اللغوي للكلمة أما استعمالها في الكتاب الكريم فهو بالمعنى نفسه.

ومن الأول وهو ما كان بمعنى الإعراض عن الشيء يأتي قوله تعالى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا[2]، لأنهم لا يريدون أن يسمعوا شيئا تجدهم معرضون عنك وتظهر عليه عدم الرغبة وأكثر من ذلك وعن السماع لما تطرحه.

ومن الثاني قوله عز من قائل: “وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ” هنا جهة مزينة وجهة مزين لها وأمر مزين عنهم “وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ” فنتيجة هذا الصد أنهم لا يهتدون والمسؤولية هنا لا يتحملها الشيطان وحده في هذا الموضوع وإنما يتحمل مسؤولية دوره وهو أن زين لهم أعمالهم الشائنة القبيحة وأما إقدامهم على الأعمال نفسها واستجابتهم للشيطان ليست جبرية وإنما كانت طوعية وتحتاج إلى مجاهدة للنفس وحمل للنفس على طاعة الله والأخذ بها بعيدا عن طاعة الشيطان، والشيطان دوره في الناس ليس قهريا وجبريا فلا يحمل الناس قهرا وجبرا على الاستجابة وإنما هو زين بضاعة ويقبح، “وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ” فنتيجة عدم الاهتداء لدور الشيطان واستجابة الإنسان له بتقصيره.

ويقابل الصد على الحق على يد الشيطان وجنده من الجن والإنس الهداية والإرشاد على يد الرسل والأولياء والمؤمنين فهما جبهتان، “وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ[3]، “وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ[4] و”تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ[5].

تنتهي المعركة في الدنيا ويرحل هذا الفرسق وذلك الفريق منها تاركين لها لمن فيها إلى حين وتأتي النتيجة بفارقها الضخم العظيم، فينتهي تبرأ المضلين بهم إلى قوله تعالى “وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ[6]، كان الصد موجود وهو أمر مع تزيين ما يدعونهم إليه مع تحقير الإسلام والتقليل من قيمته ومع إثارة الشبهات في وجهة وبكل الأساليب كان المستكبرون يصرفون المستضعفين عن دين الله وعن الإلتزام به، فمرة يون صدرا عن الدين أساسا ومرة صد عن قضايا من قضايا الدين من أناس هو داخلون في الإسلام، “وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ۚ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[7]، هذه هي النهاية لمن قام بعملية الصد عن سبيل الله وعن ذكره وعن دينه وعمن شنَّ حربا من أي نوع على الإسلام.

 

 

 

المحور الأول: الجهات المتصدرة للصد عن دين الله:

الجهة الأولى

هناك عدد من الجهات تنتهي إلى منبع واحد ومصدر صديدي واحد ومصدر سيئ واحد يدير المعركة أساسا على يد هذه الفئة أو تلك الفئة من الناس وأول من يقوم هو المخطط والمثير ومصدر الصد عن سبيل الله أساسا هو الشيطان “وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ[8]، “وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ[9]، من أكبر جبهة على الأرض ومن أكبر فئة أو جهة على الأرض تقوم بعملية الصد إلى أصغر جهة فالكل يرأسه الشيطان وورائه ووسوسة الشيطان وجهده وتزينه وتقديره ودعوته، فالكل من أؤلئك  هم أتباع للشيطان، والآية الكريمة تقول: “نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ“، نقيض بمعنى نهيئ، وهناك قيظ وهي شدة الحر وصلب الصيف وأما قيض فهي بمعنى القشر الأعلى للبيضة حيث يستولي ويقبض ويسيطر على كل ما تحتويه البيضة، والشيطان المقيض للإنسان يفعل به ذلك فيحيط به ويغلق عليه المنافذ ولا يجعله يرى الخارج ولا يسمح بأي تأثير إيجابي كريم يأتي من الخارج ويدخل عليه أعمال السوء بالوسوسة فيستولي عليه وتصل العملية إلى حد الإستيلاء.

الآية الكريمة تقول “وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ[10]، فأولا هو سبب لنفسه العشى عن ذكر الرحمن والعشى هو عمى الليل وهناك من يرى ويبصر في النهار وفي النور وأما مع الليل فيفقد القدرة على الإبصار، “وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ” وهذا العشى نسب لهذا الإنسان أو ذلك الإنسان وليس للشيطان وهو عشى بتسبيبه وهذا العشى بصورة حتمية وبعلاقة السبب والمسبب يستتبع تقييض الشيطان له وبحسبب العلية والمعلولية وكتب الله عز وجل لهذا النظام أن يعطي نتائجه وأن العلة الخاصة تعطي نتيجتها من المعلول المسانخ والذي يتناسب مع طبيعتها.

فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ” الاقتران إذا كان بمستوى التهيئة التي تنتج قرينية كما قرينية قشر البيضة لمحتوى البيضة فالأمر صعب جدا وهذا بيد الإنسان فيسمح للشيطان أن يفتح نوافذه وقلبه ويتراخى معهم ويسمع وسوسته ويتخذ غشه نصحا فيتنتهي بالأمر إلى أن يكون الشيطان قرينه على مستوى التحكم والاستيلاء والسيطرة على الفكر والشعور والسلوك فيصل الأمر إلى حد العمى الكامل “وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ[11]، في حين أنه يصد عن السبيل وتُضيْع حياته ويضلل به ويرى أن هذا هو الطريق الناجح ةهذا هو الطريق الموصل.

وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ[12]، وآية أخرى “وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ[13]، فلا يكفي أن أستبصر وأن تستبصر ما لم أحافظ على بصيرتي وما أحرم هذه النعمة وما لم أعمل على إحاطتها وسلامتها “وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ” ولكن ما أن يسمعوا أو يرضوا بتزيين الشيطان لهم أعمالهم السيئة فيحدث عنك خطأ مثلا والإنسان معرض للخطأ فيزينه له ويغويه بالاستمرار عليه بخطأ ثاني وثالث ورابع “فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ” بدرجة وأخرى وقد ينتقل به من ضفة الإيمان إلى لجة الكفر.

فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ[14]، وليس من الناس إلا وهو يحمل بصيرة لا أقل من بصيرة الفطرة وما زلت قدم عن طريق الحق إلا بما فرط صاحبها في رصيده من الفطرة الهادية، ثم أناس يكسبون فوق بصيرة الفطرة بصيرة أخرى من الدين ولكن يحتاجون للحفاظ على بصيرتهم الأصلية والإضافية إلى دور جهاي مستمر في مواجهة النفس الآمرة بالسوء والشيطان الرجيم وإلا صارت انتكاسة وصار تراجع خطير وخسارة كبرى.

إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ[15]، يبدأ بتزيين الخمرة والميسر والغناء وأي معصية من المعاصي تهواها النفس بميولها الشهوية المادية فيستجاب لهذا التزيين وهذا الإغراء حتى تستغرق النفس فيه فيكون الصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهذا يحدث حاجزا في النفس عن الإقبال للصلاة وعن ادائها وعن ذكر الله تبارك وتعالى عموما، والقرآن الكريم يحذر ويذكر ويثير الانتباه “وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[16]، فهو أول أعدائكم في داخلكم نفس أمارة بالسوء وشيطان قريب جدا وفي الكثير من القلوب سهل عليه أن يفتحها، فعلينا أن نعرف أن الشيطان هو المرجع الأول والمحرك الأول لكل الجهات الجاهدة للصد عن سبيل الله الصارفة عن ذكره.

الجهة الثانية

يأتي دور فئات من الإنسان “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ[17]، هم كفار وا وهذا ضلال وهذا الضلال وهذا المستوى من الصد والإعراض عن سبيل الله له عقابه وله عذابه ولكن هؤلاء “زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ[18]، لدورهم الهدام الذي يتمثل في صد الآخرين عن سبيل الله وفي الأخذ بكل الوسائل من أجل أن لا يلتحق إنسان بركب الإيمان ومن أجل أن ينفصل من دخل في هذا الركب عنه وهذا دور ثاني وواسع وهدام وله أثره الكبير على فساد الناس فيأتي جزائه عذاب آخر يقول عنه تبارك وتعالى “زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ[19]، وهذا جزاء إفساد وهذا الدور بصد الآخرين عن سبيل الله في العادة يتصدره ويقوم به أئمة الكفر الذين يقودون عملية الإضلال عن سبيل الله ويبنون على ذلك مصالحهم المادية ويتخذون ذلك طريقا في ظهورهم في الأرض ولاستغلال المستضعفين.

يقول تعالى “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىٰ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ[20]، هذا الدور على نشاطه وسعته وما يمتلك من مختلف أدوات ومختلف الوسائل وما يمثله هذا الدور من جهود ضخمة وما وراء هذا الدور من أنواع من الجيوش العسكرية والفكرية والفنية وأهل التخطيط إلا أنه يواجه إرادة لا تغلب وقدرا لا يغير وما أراده الله عز وجل يكون وهذه التأثيرات وهذه الحرب في أصلها حرب الشيطان وحرب من يتبع الشيطان على الإسلام وما تمتلكه من أدوات وأرصدة مالية وغير مالية لا يمكن أن تحقق أثرا ما لم يأذن الله عز وجل فلو أراد الله عز وجل إيمانا للناس كلهم خالصا بلا كفر فهذا لا يستطيع بالإرادة التكوينة وإنما يريده تشريعا ولكن الإرادة التكوينة لله عز وجل لم تتجه لجبر الإنسان والقهر على الإيمان وإلا كيف استحق الجنة؟ فقد أراد الله عز وجل أن أصل الجنة عن طريق جهد وأرد هذه الحياة للاختبار والإبتلاء فالنظام الذي خلقه الله عز وجل يتيح لهذا الإنسان أن يسلك طريق الهدى أو أن يسلك طريق الضلال وأن يعمل على نشر الهدى وأن يعمل نشر الضلال وأتاح له اختبارا وإمتحانا ووراء هذا الإنسان جزاء مجانس لدوره.

الجهة الثالثة

فعملية الصد ترتبط بالشيطان ويأتي دور الكفار والطغات والمستكبرين على اختلاف مستويات الطغيان والاستكبار فيأتي في المسلمين من يطغى ويستكبر على الله عز وجل في مساحة كبيرة من حياته أو في مجال من المجالات التي تعالجها الشريعة فيستكبر على الله في هذا المجال ويقوم بعملية صد عن ذكر الله وعن سبيله بما يهمه من أمر الدنيا الذي دعاه للاستكبار على الله عز وجل في هذا المجال أو في غيره، الطغات والمستكبرون والمجرمون ووجهاء السوء واتباع الهوى يشكلون جبهة عريضة جدا جدا في العمل على إضلال الناس وإغوائهم وصدهم عن ذكر الله وهذا فرعون طاغية وكافر “وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ[21]، هو رأس كبير من رؤوس الطغات وهو كافر كذلك.

والآية الكريمة الأخرى تقول وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ”[22]، وصديق مسلم لأخيه المسلم يكون مجرما في حقه حين يصده عن القيام بهذا الواجب او ذلك الواجب أو الامتناع عن هذا المحرم أو ذك المحرم فهذا مجرم في حق أخيه وقد يكون أبا مجرما في حق أولده وقد يكون ولد في حق أبيه حين يقلل في نظره أهمية الإسلام أو يسبب له القعود عن واجب من واجبات الإسلام أو يغريه بمحرم من محرمات الإسلام أو بوظيفة حرام وهذا الأب يشتهي المال ويستطيع أن يحصل على حظ كبير من مال ولده وهو يريد أن يتخلص من مؤنة ولده وأمامه وظيفة حرام فيها إرتكاب أبشع الفضاعات فليس هناك من سبيل يا ولدي إلا هذا فأنت مضطر، فيسهل له الطريق ويخفف عليه حالة الإقدام على المحرم فيكون مجرما في حق ولده. ” وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ “[23]، فذلك الولد يقف يوم القيامة ويقول أبي أجرم في حقي فيآخذ الأب.

وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا[24]، وكل قوم فيهم سادة وكبراء بمستوى وآخر فالعشيرة فيها الكبراء والسادة والقرية فيها الكبراء والسادة بمستو والقطر وغير ذلك فيشتكي المستضعفون ممن تحت هؤلاء ويعتذرون لله عز وجل وهم غير معذورين. ” وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا[25]، وهذا النوع يرجع للنوع الأول الأول وهم الكفار.

والنبي شعيب عليه السلام يقول لقومه ويقول القرآن مفاد ما قاله “وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ[26]، أؤلئك مستكبرون، ويأتي في موضوع الاستكبار كذلك “قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا[27]، والاستكبار على درجات وهؤلاء من درجة عالية في الاستكبار فقد هددو شعيب والذين آمنوا معه بالإخراج من القرية “أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا[28]، صد عن ذكر الله عز وجل وعن سبيله.

والمضلون منهم أنس وجن “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ[29]، قد يضل الجن جنيا وقد يضل الجن إنسيا وشرار الأنس يضلون الإنس “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ[30]، فأنظر كيف تصل العدواة والحنق ولما لا يكون ذلك فقد خسروا الحياة على يد هؤلاء وخسروا الجنة واستحقوا العذاب الأليم على يد هؤلاء المضلين نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ[31]، ألم يكونوا من المستكبرين ومقابل استكبارهم في الدنيا يكونوا من الأسفلين في الآخرة وهذا الكلام من جهات يصدر منه الصد عن سبيل الله عز وجل وتصدر عملية التخريب الفكري والشعوري والسلوكي ويكون على يدها حرب شعواء لدين الله تبارك وتعالى.

الآية الكريمة “يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا[32]، المتبعون للشهوات وحتى لا يعيشوا الغربة وحتى لا يعيشوا الشذوذ وحتى لا يحرموا إلتفاف المجتمع وحتى لا يواجهوا علاقات متوترة مع الآخرين فهم “وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا[33]، وما يأمله من يكون ساقطا حين يكون من معه ساقطين ولكن حين يكونوا على استقامة وهو على شذوذ كبير سأطرد وسأقصى وسأعيش الوحشة والغربة ومن هنا يعمل على أن يميل الاخرون ميلا عظيما.

 

 

المحور الثاني: وسائل وأدوات معركة الصد عن سبيل الله

  • إغراق المجتمع في المحرمات

فهذا سبيل وطريق من طرق الصد عن سبيل الله فقد لا يتحدث معك وإنما يعرض صورة جذابة بالباطل ويعمل فنه ويخاطب فيك وفي أخيك الإنسان الدوافع المادية ويطرح المشروعات التي تثير شهوة هذا الإنسان ويستجب لها بضعفه وبذلك تتم عملية الصد عن سبيل الله عز وجل فإذا هو أبن ملاهي وأبن قمار وأبن غناء وأبن تفاهات منفصلا عن المسجد وعن محافل الخير ومجالس الذكر.

إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ[34]،والذي يعرض الخمر والميسر ليس الشيطان مباشرة وإنما عبر أدواته من الناس فينشر الخمرة ويروج لها وينشر دعاية لها يعرضها في قناني جميلة وفي واجهات جذابة وغير ذلك من الأساليب وكل ذلك لغة صامته تكون أقوى من اللغة الناطقة لكثير من الناس.

إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ[35]، فيجلب لك مغنية من أجمل المغنيات ومن أفتهن وبأصوات تسيطر على النفس ومع الموسيقى المختارة والأجواء وهذا عرض جذاب قد يدخل الداخل فيه أول مرة تجربة ثم لا يستطيع أن ينسحب ومرة ومرتين وينتهي عند الشخص ذكر الله وخوفه والحساب لله ولليوم الآخر.

وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ[36]، كانت من قوم كافرين وبيئة الكفر مرشحة لأن تنتج كفرا وحينما يجتذب قسم من المجتمع عن الطريق الثقافي أو عن طريق البعثات أو غير ذلك من الطرق الأخرى إلى أن يتقمص بقميص الكفر فتنتشر ظاهرة الكفر في المجتمع -لا سمح الله- وتبتدأ تجتذب وتؤثر على الفكر وتؤثر على الشعور وتنزل شبهات وتنزل دعايات عن إنجازات الكفر وتخلف المسلمين وتنسب ذلك للإسلام فينشأ لدينا فكر كافر وهذا من التأثير البيئي فإن كانت بيئة كافر أو بيئة تعيش حالة الفسق ومنتشر فيها فمرشحة أن تولد فسقا أكثر وبصورة أكثر إنتشارا وصناعة بيئة معينة من النوع المخالف لدين الله يعتبر وسيلة ناجحة جدا من الوسائل الصد عن ذكر الله تبارك وتعالى.

تقدم الحديث حول الخمر والميسر ويعتبر عموم الملهيات النفسية والفكرية وسيلة فعالة من وسائل الصد عن ذكر الله تبارك وتعالى وتأتي وسيلة المداهنة والتهديد والوعيد والحرب واستخدام المال للإضلال والضغط المعيشي والاقتصادي والضغط العاطفي وجاذبية الزينة.

 

والحمد لله رب العالمين

[1]  ألقيت المحاضرة في جمعية التوعية الإسلامية بتاريخ 7-9-2015.

[2]  سورة النساء، الاية 61.

[3]  سورة غافر، الآية 38.

[4]  سورة غافر، الآية 41

[5]  سورة غافر، الآية 42.

[6]  سورة سبأ، الآية 33.

[7]  سورة سبأ، الآية 33.

[8]  سورة الزخرف، الآية 36.

[9]  سورة الزخرف، الآية 37.

[10]  سورة الزخرف، الآية 36.

[11]  سورة الزخرف، الآية 37.

[12]  سورة الزخرف، الآية 37.

[13]  سورة العنكبوت، الآية 38.

[14]  سورة العنكبوت، الآية 38.

[15]  سورة المائدة، الآية 91.

[16]  سورة الزخرف، الآية 62.

[17]  سورة النحل، الآية 88.

[18]  سورة النحل، الآية 88.

[19]  سورة النحل، الآية 88.

[20]  سورة محمد، الآية 22.

[21]  سورة طه، الآية 79.

[22]  سور الشورى، الآية 99.

[23]  سور الشورى، الآية 99.

[24]  سورة الأحزاب، الآية 67.

[25]  سورة نوح، الآية 26.

[26]  سورة الأعراف، الآية 86.

[27]  سورة الأعراف، الآية 88.

[28]  سورة الأعراف، الآية 88.

[29]  سورة فصلت، الآية 29.

[30]  سورة فصلت، الآية 29.

[31]  سورة فصلت، الآية 29.

[32]  سورة النساء، الآيتين 26 و 27 .

[33]  سورة النساء، الآية 27.

[34]  سورة المائدة، الآية 91.

[35]  سورة المائدة، الآية 91.

[36]  سورة النمل، الآية 43.