المُقاوم
الرئيسية » مواقف وبيانات » آية الله قاسم : أهزؤٌ بالإسلام أم إهانة لأنفسنا ؟!

آية الله قاسم : أهزؤٌ بالإسلام أم إهانة لأنفسنا ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم
أهزؤٌ بالإسلام أم إهانة لأنفسنا ؟!

      نحن الأمَّة الإسلاميَّة… الدّعاة والمبلّغين للإسلام… الحكوماتِ المعلنةَ إسلامها حين ننكر تدخّل الإسلام في السّياسة، ونرفض حكم الإسلام، ونطالب بفصل الدّين فصلاً نهائيّاً عن السياسة، وبإعطائها الحريّة الكاملة في حكم الأمّة بعيداً عنه… ونسنُّ القوانين الصّارمة، والعقوبات المشدَّدة لكلّ من ينادي بالإصلاح السياسيّ والحقوقيّ وغيرهما انطلاقاً من الأمر الدّينيّ بذلك، ولكلّ من يصرّح بأنّ مع أنْ يحكم الإسلام الأمّة… وحين نعاقب إمام المسجد، والمسجدَ، وجماعةَ المسجد الذي يبدي رأياً في الشأن السياسيّ ممّا هو على خلاف الرأي القائم على السياسة، ونمنع صاحب الخطاب الدينيّ أنْ يتحدّث في السياسة، وأنْ تكون لأيّ مؤسّسة سياسيّة مرجعيّة مرجعها دين الله، ورأيها من رأيه لتكون مرجعيّاتنا في العمل السياسيّ بعيدةً كلّ البعد عن مرجعيّة الدين ورأيه وعقيدته وفقهه وحلاله وحرامه، على أنّه لم يكد يبقى شأن من شؤون الفرد والأسرة والمجتمع والأمّة إلّا وقد عدّته السياسة وقوانينها شأناً من شؤونها… وحين نعاقب عالم الدّين لو فكّر أنْ يتدخّل في السياسة من منطلق واجبه الدّيني وحقّه الوطنيّ التدخّل الذي لا يوافق هوى المتولّين للشأن السياسيّ من النّاحية الرّسميّة، ونمنع أنْ يطال الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر شيئاً من المساحة السياسيّة… وحين يكفينا لمحاربة أيّ مؤسّسةٍ دينيّة، أو ثقافيّةٍ أو غيرها، وغلقها ومصادرة ممتلكاتها، وتجريم المنتسبين لها بأنْ ننسب إليها الانتماء إلى فكر الإسلام السياسيّ.
      هذا من جهة، ومن جهة أخرى نحن أنفسنا أمّةً ودعاةً ومبلّغين وحكوماتٍ نعلن وبكلّ فخر ظاهريّ أنّ ديننا الإسلام، وعقيدتنا عقيدته، وتوحيدنا توحيده، وشريعتنا شريعته، وهدفنا عين هدفه، وننادي بأنّنا أهله وحماته، وأنصاره والمدافعون عنه.
      ونعلن أنّ القرآن حقٌّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنّ كلام الرّسول صلّى الله عليه وآله وفعله وإقراره حجّةٌ علينا، وأنّه الصّادق الأمين الذي لا يقول ولا يفصل ولا يقدّم ولا يؤخّر في أمر الدّين إلّا بإذن ربّه وأمره وفي مرضاته.

هذه هي الجهة الثانية.
      ومن جهة ثالثة لا يسع أحداً من مبلّغين ودعاة وحكومات من المسلمين أن ينكر أنّ الرّسول صلّى الله عليه وآله قد أشاد أمّة الإسلام، وأقام دولتها الإسلاميّة التي لم يكن لها في حياته الشريفة حاكمٌ غيره، ولا أساس ولا مرجع لها في الحكم إلّا شريعة الإسلام نفسه، وأنْ قد جاء من المسلمين أربعةٌ تولّى الواحد منهم بعد الآخر منصب الحكم في الأمّة باسم الإسلام، وعنوان الخلافة عن رسوله صلّى الله عليه وآله، وذلك بعد رحيله المبارك إلى جوار ربّه، وأنْ قد أداروا الشأن السياسيّ لأمّة الإسلام بكلّ أبعاده بهذا العنوان نفسه.

      فلو جئنا اليوم لما عليه وضع كثير من حكومات المسلمين من التجريم والمحاكمات والسجن وسنّ القوانين المشدّدة، وأنواع العقوبات المغلّظة لمن ينصح بأنْ ترجع الأمّة في شأنها السياسيّ للإسلام وتقيم أمرها عليه.

      وجئنا إلى الإصرار الرسميّ لهذه الحكومات على فصل المسجد نهائيّاً عن الخطاب السياسيّ، والمنع من أنْ يكون لصاحب الخطاب الدّينيّ رأيٌ يبديه في شأن السياسة، والتهديد، والسجن لإمام المسجد الذي تكون له كلمة في هذا الشأن على خلاف ما يراه المتولّون رسميّاً للسياسة.

      وجئنا إلى مصادرة أيّ مؤسّسة يظهر منها الذّهاب إلى رأي الإسلام من عدم الفصل المدّعى بين الدين والحقل السياسيّ، وأنّ على الأمّة من ناحية إسلامها أنْ لا تفكّك بين الأمرين، وأن تعود إلى حكم ربّها الذي يقضي به الدّين.

      فلو جئنا إلى كلّ هذا ممّا تأخذ به السياسة القائمة عند أغلب حكومات الأمّة فماذا يستلزم الأخذ به ؟

      يستلزم تخطئة الرسول المعصوم من الله في إقامته للحكومة الإسلاميّة، وفي تزعّمه لها وحتّى في ادّعاء شرعيّتها فضلاً عن إيجابها.

      يستلزم تجريمَ من نرتكبُ عظيماً عند الله نستحقُّ به عذابه لو جرّمناه بعد أنْ نزّههُ الله عن الخروج عن أمر ربّه ومخالفته له.

      وليس بعد أنْ يخطّىءُ مخطّىءٌ الرَّسول صلّى الله عليه وآله في ادّعائه وجوبَ الحكومةَ الإسلاميّة وإقامته لها، وترأسها أنْ يتوقّف أبداً عن إدانة كلّ من جاء بعده من المسلمين ليملأ كرسيّ الحكم وتولّى الشأن السياسيّ العام للأمّة باسم الإسلام وتحت رايته وبعنوان الخلافة عن رسوله صلّى الله عليه وآله.

فالأمر دائرٌ بين أمرين لا ثالث لهما إمّا التخلّي منّا دعاةً ومبلّغين وحكوماتٍ وأمّةً عن الملزوم وهو القول بوجوب الفصل بين الدّين والسياسة، والمسجد والخطاب السياسيّ، والعالم والكلام في السياسة، والمؤسّسة الدينيّة والخوض في السّياسة وعن الملاحقات والقوانين والعقوبات الخارجية ولو بعض الشيء على هذا الفصل، وإما أن يثبت في حقنا اللازم وهو ما لا يقبل به مسلم لنفسه من إدانة الرسول وتجريمه.

      والجمع بين الإصرار على الفصل بين الدين والسياسة والتسليم بأن الرسول صلى الله عليه وآله أقام فعلاً الحكومة الإسلامية في الأرض وحكم بنفسه باسم القرآن والإسلام والوجوب الإلهي، وأنّ حكومته شرعيَّة، وتلبّي إقامُتها، واحتضان الأمّة لها الوجوبَ الإلهي، وأنّ ذلك هو الصحيح والحقّ الذي لا ريب فيه فهو جمع غير ممكن عقلاً لما فيه من تناقض فاضح لا يحتاج إلى اكتشاف، وهو محاولة للتهرب مما لا يريد معلنٌ لإسلامه أن ينسب إليه من إدانة الرسول وحاشاه، وتجريمه، واستحقاقه للعقوبات المشرّعة قانوناً في زمننا للمخالفين للقول بالفصل بين السياسة والدين.

      إنّ الجمع المذكور هزؤٌ بالإسلام أو هو لتناقضه وسخفه إهانة لأنفسنا.

      ويبقى شيءٌ هل لمن لا يقول بالفصل للدين عن السياسة، ويخطئ من يقول بهذا الفصل أن يحكم بكفره الكفر المخرج عن الإسلام ؟

      الأمر ليس كذلك لأنه حتى مع اللازم الباطل للقول بالفصل، فإن هذا القول وإن كان استلزامه لتخطئة الرسول صلى الله عليه وآله وإدانته لإقامته الحكومة الإسلامية أمراً واضحاً جلياًّ لو كان عن اعتقاد إلّا أنّه قد تَرِدُ الشبهة في مورد البديهة فلا يلتفت المعتقد بالفصل وأنه هو الصحيح ديناً إلى لازمه الباطل وهو تلك التخطئة للرسول صلى الله عليه وآله وبالأخص في أمر الدين.

      على أنّ القائل بالفصل يجوز أن يكون محتفظاً باعتقاده بعصمة الرسول صلى الله عليه وآله ووجوب أن يكون حكم الأمة حكماً قائماً على الإسلام وخاضعاً له ومتقيّداً بشريعته، ولكنه ومن باب المعصية للتشريع بأن على الأخذ بالفصل وعامل على تحقيقه وتنفيذه. وهذا شيء عظيم إلّا أنه لا يتحقق به الكفر المخرج عن أصل الإسلام.

      وسؤالٌ آخر هل للقائل بعدم الفصل أن يشنّ الحروب الطاحنة في الأمّة ويمزّقها تمزيقاً ويجلب على الدّين الكوارث، ويستبيح الدماء من غير حساب، ولا يرعى حرمة لأحدٍ، ويقضي على ما تبقّى من وحدة هذه الأمّة ودينها، ويتيح لكلّ القوى الطامعة أن تستبيح حرمتها وتأتي عليها وعلى الدّين نفسه، وينفر من الإسلام الكثيرين ممن يؤمن به، ويجعل أبغض ما يبغض النّاس أن يذكر حكم الإسلام ؟

      والجواب الجازم أنّ ذلك لا يجوز، والإسلام دين التعقّل والحكمة والتقدير الموضوعي الدقيق، والبصيرة النافذة، والتصرف الرشيد، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.

      ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين صدق الإيمان، والنّأي عن المعصية، والجدّ في أمر الله، والحكمة والرّشد، ونفاذ البصيرة، وجمع الله كلمة المسلمين على التقوى.
عيسى أحمد قاسم

الثلاثاء 24 مايو 2016 م

17 شعبان 1437 هـ