السيرة المختصرة لسماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم
نبذة تاريخية عن حياة وسيرة القائد والفقيه الرباني، ومسيرته العلمية والجهادية والسياسية والاجتماعية في البحرين والأمة الإسلامية.

مقدمة: دور العلماء ومقام القيادة
لا يخفى ما لعلماء الدين من دورٍ رياديٍّ في حياة الأمم، فدورهم لا يقتصر على بعد من الأبعاد فحسب بل يتعدّى ليكون القيادة في جوانبها المختلفة، وهو مقام وراثة الأنبياء ونيابة الأئمة (عليهم السلام)، يضطلعون بمسؤولية الوعظ والإرشاد والقيادة في الذود عن حريم الدين وحياض المؤمنين وحفظ كيان الأمة وعزّتها وكرامتها، فالعلماء والمرجعية الدينية هم الحصون المنيعة للدين والسياج الحامي لصف المؤمنين وهم الملاذ الحاني للمستضعفين والمحرومين.. وحياتهم منهل يُستلهم منها وعين صافية يُستقى من معينها، بل غنية بالدروس ثريّة بالعِبر كمّاً وكيفاً وحريّة بالبحث والتحليل.
وإن تاريخ البلدان لا ينفصل عن تاريخ رجالاتها، ولا ينفك عن كتابة تاريخ البحرين بأمانة وصدق كتابة المنعطفات التاريخية وإبراز دور رجالاتها.
وهذه سطور قليلة تحوي نبذةً مختصرةً ونزراً يسيراً من سيرة عالمٍ رباني لعب دوراً محورياً في حركة شعب البحرين فكرياً وسياسياً واجتماعياً في نصف قرن خلت تركّز على البُعد السياسي والاجتماعي ألا وهو سماحة آية الله المجاهد الشيخ عيسى أحمد قاسم الاثني عشري المصلي البحراني كبير علماء البحرين، وصاحب أكبر قاعدة شعبية وجماهيرية في الخليج.
النشأة والتعليم الأكاديمي والبدايات
المولد والنشأة: ولد آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم في قرية الدراز من قرى البحرين في الأربعينات من القرن العشرين الميلادي على وجه التقريب.
اشتهر بحدة ذكائه وقدراته بين أقرانه منذ صباه أثناء دراسته في المدارس النظامية مضافاً إلى حرصه الشديد على الالتزام بحكم الشرع في تحركاته واهتمامه ببث الوعي الديني منذ ذلك الحين.
توفي والده وهو صغير السن لا يتجاوز الرابعة من عمره، ورعاه إخوته فعاش في كنفهم وتربى تربية إيمانية محاطاً بإخوته (رحمهم الله) وأمه المؤمنة الصبورة (رحمها الله).
تعلم القرآن الكريم في الكتاتيب منذ نعومة أظفاره.
1951م: دخل المدارس الحكومية إذ تتلمذ بمدرسة البديع الابتدائية للبنين، وتخرج منها وانتظم بثانوية المنامة وحصل على الشهادة الثانوية في عام 1958م، ويشهد له أقرانه بأنه من أفاضل التلاميذ خلقاً وديناً وتحصيلاً، وسجله الأكاديمي يدل على ذلك.
1959م: انخرط في سلك التدريس فصار معلماً لمادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية، وكانت علاقته بالتلاميذ علاقة الأب لصغيرهم والأخ فكان ناصحاً لهم باذلاً وقته لتقويم دينهم وأخلاقهم.
1962م: بدأ شيخنا يفكر بجدية في تجنيد نفسه لخدمة الدين الحنيف، فاتجه إلى جانب عمله كمعلم نحو تعلم الفقه على يد السيد علوي الغريفي، مصطحباً معه صديقه المرحوم سماحة الشيخ عباس الريس، وبعد أن أنهى المقدمات الفقهية مثل شرائع الإسلام فكر جدياً في الهجرة للتحصيل الديني، وما لبث حتى اتخذ قراره الحاسم بالاستقالة من مهنة التعليم ومن ثم الهجرة إلى خارج الوطن.
الهجرة الأولى: إلى النجف الأشرف (1962م - 1969م)
هاجر شيخنا إلى النجف الأشرف حيث كانت آنذاك حاضرة العلوم الدينية وبها أساطين العلماء والفقهاء والحوزات العلمية، فانتظم في كلية الفقه التي كانت آنذاك الكلية الأكاديمية الوحيدة في النجف الأشرف، وكان مثابراً باذلاً جل وقته في التحصيل العلمي.
وكان إلى جانب دراسته الحوزوية الأكاديمية يدرس في الحوزات العلمية، ويجالس الفقهاء فينهل من معين علومهم وأفكارهم.
1969م: عاد إلى وطنه بعد أن نال درجة الليسانس في العلوم الإسلامية والشرعية.
في نفس العام عاد شيخنا إلى مزاولة التعليم في المدارس الحكومية، وأخذ يدرس اللغة العربية والتربية الإسلامية في مدرسة الخميس الإعدادية ولمدة عام واحد فقط.
الهجرة الثانية: التتلمذ على يد الشهيد الصدر (1969م - 1971م)
1969م: أثناء مزاولته التعليم عنّ له من جديد أن يواصل الدرس في النجف الأشرف، وأن يكون في هذه الفترة طالباً حوزوياً، وأن ينتظم في البحث الخارج في دروس آية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) فهاجر بمعية السيد عبدالله الغريفي وانتظم في الدرس لمدة عام واحد، وقد كان شيخنا كما يُنقل من المجدين والمثابرين في الدرس.
العودة الأولى والمرحلة السياسية والدستورية (1971م - 1975م)
1971م: أُعلن استقلال البحرين بشرط أن يكون شكل الحكم دستورياً، وبعد التحضير لانتخابات المجلس التأسيسي لوضع دستور دولة البحرين بعث له جموع من الشخصيات والوجهاء والمؤمنين في البحرين للقدوم والترشح لهذا المجلس، فعزم على العودة إلى البحرين تقديراً منه لضرورة خوض العمل السياسي، واستشار بعض أساتذته فوافقوه، فخاض الانتخابات وحصل على أعلى الأصوات في كل الدوائر الانتخابية قاطبة. وكان دخوله المجلس إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في حياته الجهادية، حيث كان له مع الكتلة الإسلامية التأثير البارز في إدخال كثير من المواد الإسلامية في الدستور.
المجلس التأسيسي: كان لانتخابه دوي كبير وتمكن بمساعدة إخوانه من تثبيت النظم التي تعزز الهوية الإسلامية للمجتمع البحريني وتدفع عنه شرور التغريب.
المجلس الوطني (1973م - 1975م): انتُخب بأكثر الأصوات على الإطلاق لعضوية المجلس الوطني وبرز كأبرز رمز للكتلة الدينية المدافعة عن تطبيق أحكام الشرع وحماية المجتمع، حتى حُلّ المجلس عام 1975م بسبب معارضة أعضائه لقانون أمن الدولة السيئ الصيت.
تأسيس جمعية التوعية الإسلامية والإقامة الجبرية
1972م: أسس أكبر وأول جمعية إسلامية في الخليج وهي "جمعية التوعية الإسلامية" التي كان لها دور بارز ومشهود في مواجهة المد القومي واليساري وإرساء قواعد الالتزام والوعي الديني، وانتُخب لرئاستها ثلاث دورات (1972 - 1983م) وكان العلامة الجمري نائبه في إحداها.
1984م: أغلقت السلطات جمعية التوعية الإسلامية، وفُرضت على سماحته الإقامة الجبرية بعد جلسات استجواب وتحقيق وملاحقة يومية حتى بداية التسعينات، ولم تثنهِ الإجراءات عن أداء واجبه الشرعي.
خلال هذه الفترة اشتغل بتدريس السطوح والسطوح العليا والتصدي للتبليغ وإمامة الصلوات المركزية في المنامة والدراز ومدينة عيسى والمشاركة في مختلف المناسبات الدينية والسياسية.
الهجرة الثالثة إلى قم المقدسة والبحث الخارج (1992م - 2001م)
1992م: قرر الهجرة إلى مدينة قم المقدسة لتحصيل المزيد من المراتب العلمية، فحضر أبحاث كبار المراجع والآيات العظام: السيد كاظم الحائري، الشيخ محمد فاضل اللنكراني، والسيد محمود الهاشمي الشاهرودي، حتى نال مراده باعتراف أهل الخبرة.
1994م: كان من قادة الانتفاضة المطالبة بإرجاع الحقوق الدستورية وتفعيل الحياة البرلمانية، وكان لبياناته وخطاباته الصدى المسموع.
1999م: بدأ رسمياً بإلقاء دروس (البحث الخارج) في مسجد أمير المؤمنين (دورشهر) ثم في الحسينية البحرانية قرب حرم السيدة المعصومة (ع).
العودة التاريخية إلى أرض الوطن (2001م)
8 مارس 2001م (13 ذو الحجة 1421هـ): عاد سماحته إلى أرض الوطن بعد غياب استمر قرابة تسع سنوات، واستقبلته جموع غفيرة اصطفت على طول الشارع الممتد من مطار البحرين الدولي بالمحرق حتى قرية الدراز لمسافة 20 كيلومتراً في مشهد تاريخي مهيب استغرق 5 ساعات.
شعيرة إمامة الجمعة والمجلس الإسلامي العلمائي
أقام صلاة الجمعة والجماعة المركزية في جامع الإمام الصادق (عليه السلام) بالدراز وافتتح مكتب البيان للمراجعات الدينية.
2005م: أسس "المجلس الإسلامي العلمائي" ليكون الحصن الراعي للواقع الديني والتربوي والتبليغي والسياسي في البحرين، وترأسه في دورته الأولى.
2005م: دعا لأكبر مسيرة جماهيرية في تاريخ البحرين لإسقاط مشروع تقنين قانون الأحوال الشخصية الوضعي.
شهدت الساحة الشعبية مسيرات وفاء مليونية لسماحته عند كل استهداف رسمي، ومنها مسيرة "لبيك يا فقيه" (2009م) و"جمعة الفقيه" ومسيرة "لبيك يا وطني" (18 مايو 2012م).
قيادة الثورة والحراك الشعبي ومحطات الصمود (2011م)
في 11 فبراير 2011م أطلق كلمته التاريخية: «الطوفان بدأ لا ليهدأ ولا يقف عند حدود بلد...»، وقاد الحراك الشعبي بحكمة وشجاعة دفاعاً عن كرامة الشعب وحقوقه المشروعة ضد الاستبداد والظلم.
موقف الصمود التاريخي: إعلانه المدوّي: «لن نركع إلا لله، هذه دماؤنا هذه رقابنا فداء ديننا وعزتنا».
خطاب الغيرة والدفاع: خطابه المشهور لحماية الأعراض: «من وجدتموه يعتدي على عرض فتاة مؤمنة فاسحقوه، نعم اسحقوه».
مسيرة 9 مارس 2012 ("لبيك يا بحرين"): المسيرة المليونية الكبرى غير المسبوقة في تاريخ البحرين التي شاركت فيها كل أطياف المجتمع رداً على الإهانة الرسمية للشعب.
شهادة وثائق ويكيليكس: «إن قاسم عنيد بنحو لا يصدّق، فمنذ عودتهِ أصبح يشكل لغزاً لا يمكن حلّه لدى الأنظمة لما يمتلكه من وعي وحكمة وتريث في قيادة العملية السياسية والدينية والاجتماعية».
زهده وتقواه ومقامه الروحي
عُرف سماحة الشيخ بزهده البالغ في الدنيا، والتواضع التام مع الصغير والكبير، وإعراضه عن كل المكاسب والمناصب الزائلة لمرضاة الله سبحانه، وكان يردد دائماً: «ماذا بعد الحياة إلا الموت وماذا بعد الموت إلا الحساب!»، وكان متألماً ومهموماً دائماً بكل ما يمس الدين وعزة المؤمنين وحقوقهم.
السيرة المصورة لسماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم
للإطلاع على السيرة المصورة والإنفوجرافيك الكامل لمحطات حياة سماحة آية الله قاسم، اضغط هنا لمشاهدة السيرة المصورة.

