خطبة الجمعة (418) 17 شعبان 1431هـ – 30 يوليو 2010م

موضوع الخطبة:

*الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر *يوم
القائم عليه السلام *أسبوع التوبة *ساحة
تحتاج إلى تبريد *المفاوضات الفلسطينية العربية

صار ضرورياً جدّاً لسلامة الوطن وأبنائه
وأولُّهم مترفوه والمتصرِّفون بحرية واسعة في أرضه وثروته وسمائه أن تُعدِّلَ
السياسة من مسارها، وأن يأخذ ساسة البلد في حسابهم أنَّ معهم في هذا الوطن شركاء في
أرضه وثروته وسمائه، شُركاء ليسوا أجانب ولا عملاء، ولا متآمرين إنّما هم الشّعب
كلّ الشعب على اختلاف فئاته.

الخطبة الأولى

الحمد لله العدل الحكيم الذي لا يُجيز من أحدٍ ظلماً، ولا يرضى لأحدٍ سفهاً، العليم الخبير الذي لا يُقِرُّ دينَ عبدٍ عن جهل، ولا طاعة بلا دراية، الرؤوف الرَّحيم الذي يدعو إلى الرَّأفةِ بين عباده بحيث لا تُخرج عن حقٍّ، وإلى الرَّحمة بحيث لا تُوقِعُ في باطل، السّميعِ البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه غائب. تبارك وتعالى ربُّنا وهو أحسن الخالقين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الأمّارة بالسّوء بتقوى الله، وطلب ما فيه رضاه، واجتناب ما فيه سخطُه؛ فمن كان دليلُه في كلِّ قولٍ وفعلٍ، وأخذٍ أو تركٍ لفكرٍ وشعورٍ أو عمل مرضاةَ الرّبّ الكريم مع التعرُّف على موارد رِضى الله وسخطه فلن يُخطئ الغايةَ، ولن يَضِلّ الطريق، ولن يُسلمه الله لهوى أوعمى، ولن يتركه في تيه وضلال، ولن يأتي منه إلا الحسن الجميل النافع، وما فيه خيرُه وصلاحُه وفلاحُه ونجاحُه وصلاح النّاس.
وقد ضلَّ وغوى، وخسِر وهلك، وأتعب وأفسد من كان دليلُه غير ذلك.
أعذنا ربّنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين ومن نُحبّ ويعنينا أمره من هوى النَّفس، وضلال العقل، وعمى القلب، وفساد الرّوح، وأن يكون لنا دليل غير رضاك، وقصدٌ إلاَّ إليك، وأن نطلبَ رضاك بما فيه سخطك، وطاعتك على غير هدى من دينك، واغفر لنا ولوالدينا وأرحامنا وأزواجنا وقراباتنا وجيراننا ومن علّمنا أو تعلّمنا منه ما فيه صلاح ديننا أو دنيانا من أهل ملّتك، وكل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، واهدنا سواء السّبيل، وتُب علينا إنّك أنت التوّب الكريم الرّحيم.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وزدهم شرفاً وكرامة، واجعلهم أقرب المقرّبين إليك، وأخصّهم زُلفة، وأرفعهم منزلة لديك يا واسع الجود والكرم يا حنّان يا منّان يا عظيم.
أما بعد فالحديث في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
إنَّ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر يُطاردان تقصير الأفراد والجماعات والمؤسّسات في حياة المجتمع المسلم، وحركة الواقع وتخلفاتِهم عن الخط الإسلامي في عقيدته ومفاهيمه وأخلاقه وشريعته، وكلّ انحراف عن هذا الخط لأوّل ما يحدث الخطأ والتقصير والانحراف، ويُلاحقان أيَّ بادرةٍ من هذا النّوع بالتّوجيه والإرشاد، والدّفع إلى فعل الخير، والرَّدع عن فعل الشرّ، وتصحيح المسار، وردّ المنحرف قبل أن يضعف المعروف، وينتشي المنكر، وقبل أن يعلو صوت شيطانيّ نشاز في المجتمع، وتكون له كلمة مسموعة، وقوّة جذب للفساد، وقدرة تغريرٍ بالغافلين.
وبذلك يسدّ الإسلامُ منافذ الخلل، ومساربَ السوء، وكلّّ اختراق للوضع الإسلامي الرَّصين، ويحافظع على سلامته ونزاهته ورقيّه وصفائه ونقائه، ويحمي مجتمعَه من الداخل، ويَقِيه من حالات الاهتراء والذّوبان، وفقد الأصالة، ويدفع عن أجوائه كلَّ التسمُّمات التي قد تبدأ بمخالفات عقيدية وسلوكية أوليّة لتتفاقمَ بعد ذلك في جوّ الصّمت والتخاذل، وتُعكّر جوّ المجتمع والأمّة وتوبئه، وتُحدِث في الأمة الأسقام، وتتسبب في التصدّعات الخطيرة.
وبقيام المؤمنين في المجتمع المسلم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمتنع على الأعداء الداخليين فضلاً عن ضعاف النّفوس والمغلوبين لشهواتهم أن يُجاهروا بالمعصية، ويخترقوا حالةَ الالتزام على مرأى من العيون، وأكبر ما يُصيب المجتمعات المؤمنة في المقتل القاضي على هوّيتها هو إعلان المعصية من مرتكبها والتبجُّح بالقبيح.
عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: رسول الله صلّى الله عليه وآله:”إن المعصية إذا عمل بها العبد سرّاً لم تضرّ إلا عاملها، وإذا عَمِل بها علانية ولم يُعير عليه أضرّت العامة. قال جعفر بن محمد عليهما السلام(1): وذلك أنّه يُذل بعمله دين الله(2)، ويقتدي به أهل عداوة الله”(3).
فالمعصية ضررُها ثابت في كل الأحوال، ولكن ضررها يتسع إذا جاهر بها صاحبها من غير أن يواجِهَ إنكاراً كافياً، وزجراً رادعاً، ومواجهة تكفّه عن معصيته، أو تحمله على التواري بهاِ، حيث يبتدئ الإسلام عند ذلك يفقد مهابته في الصّدور بضعف حصانته الاجتماعية(4)، ويسهل على أصحاب الشهوات أن ينطلقوا بحرية وراء نزواتهم الساقطة، وتنفتح فرصةٌ ذهبية للذين يضمرون سوءاً بالإسلام(5)، أن يحوّلوا المعصية إلى ظاهرة اجتماعية واسعة، ويُسقطوا هيبة الإسلام نهائياً، ويعملوا على مطاردته(6).
ويتحدث الإمام الباقر عليه السلام عن أهمّية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحفاظ على الإسلام، وإقامة فرائضه، وحمايته من الثغرات، وسلامة المجتمع وأوضاعه من التردِّي، ووضعه على طريق الإنتاج المثمر، وتحقيق العدل والاستقامة والقوّة والازدهار فيقول في الخبر عنه عليه السلام:”… إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء(7)، ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب(8)، وتحل المكاسب، وتُرَدّ المظالم، وتعمُرُ الأرض، ويُنتصَف من الأعداء، ويستقيم الأمور”(9).
هذا أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن دونهما يكون التسيّب في الأوضاع، والتدهور في البنية الإسلامية، والمجتمع الصالح، والانفلات عن طريق الصواب.
وإذا كان الهدى والعدل والاستقامة والفلاح في الإسلام، وبقاء الإسلام قويّاً مُهاباً في مجتمعه مطبّقاً على يد أبنائه إذا كان كل ذلك مربوطاً بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء حقّها فإذاً لا هُدى ولا عدل ولا استقامة ولا فلاح إلاّ بالقيام بهذه لفريضة، والنّهوض بتكاليفها، وذلك ما نقرأه في الكلمة عن الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام:”اعتبروا أيّها الناس بما وعظ به أولياءه… – إلى أن قال – {َالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ…}(10) فبدء اللهُ تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن النكر فريضةً منه لعلمه بأنها إذا أدّيت وأقيمت استقامت الفرائض كلّها هيّنُها وصعبُها، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دُعاءٌ إلى الإسلام مع ردّ المظالم، ومخالفة الظّالم، وقسمة الفيء والغنائم، وأخذ الصّدقات من مواضعها ووضعها في حقّها”(11).
فالأمر بالمعروف دعوة ودفع للخير، وإشاعة له، وحماية لوجوده، والنهي عن المنكر زجر عن الشر، وردع عنه، ومحاربة له، وقضاء عليه، فالنتيجة أن يبقى الخير في المجتمع وينمو، ويندحر الشر ويخبو. والخير كلّ الخير في الدّين الحقّ، والالتزام به، والشّر كلّ الشرّ في مخالفته، ولُبُّ الدين هو شهادة أن لا إله إلا الله، ولهذه الشّهادة العظيمة، وتوحيد الخالق سبحانه تعبير عمليٌّ في حياة الأفراد والمجتمعات ما أُخِذَ به ترتّبت على هذه الشهادة بركاتها في الأنفس والحياة، ورَفَعت قدر الإنسان عند الله، وما عُطِّل هذا التعبير لم تترتّب هذه الآثار الكريمة الهائلة.
وهو تعبير يتمثّل في التزام التكاليف الإسلامية والتقيُّد بها، والنّهوض بأمانتها.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل تفعيل هذا التعبير، وإعطاء هذه الشهادة دورها الكبير غير المحدود في نفسه في إصلاح النفوس والأوضاع. فعن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها(12)، وتردُّ عنهم العذاب والنِّقْمَة، مالم يستخفوا بحقّها. قالوا يا رسول الله، وما الاستخفاف بحقّها؟ قال: يظهرُ العمل بمعاصي الله فلا يُنكر ولا يُغيّر”(13).
فالسكوت على المعاصي والمنكرات الظّاهرة وعدم الجدّية في شهادة التوحيد ممن يُعلنها على لسانه، استخفافٌ واستهانة بما لهذه الشهادة من وزن كبير، وحقّ عظيم.
اللهم صل وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعل أكبر جدّنا في دينك، وأعظم همّنا في رضاك، وأنشط ساعاتنا حين عبادتك، واجعلنا آخذين بالمعروف، آمرين به، متنزهين عن النمكر ناهين عنه، فاعلين للخير، داعين إليه، مجافين للشر، محذّرين منه، وارأف بنا يا رحمن، يا رحيم، يا رؤوف، يا كريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.

الخطبة الثانية

الحمد لله خالق كلّ مخلوق، ورازق كلّ مرزوق، مميت الأحياء، ومحييهم بعد الموت، وهو حيّ لا يموت، صاحب كلّ حسنة، ومنتهى كلّ رغبة، وهو على كلّ شيءٍ قدير.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحيَةً وبركةً وسلاما.
عباد الله علينا بتقوى الله، والانتفاع بما أنعم علينا به من هدى دينه، وعلوم كتابه وسنة رسوله وآله على النبي وآله السَّلام، فلا نسلُك طريقاً غير طريقهما، ولا نأخذ بغايةٍ غير غايتهما، ولا نأتي شيئاً تناوله نهيهما، ولا نترك ما أمرا به، ولا نقيم حياتنا إلا في ضوء ما أذِنا به، وأشارا إليه.
ولنأمرْ بالمعروف، وننهَ عن المنكر فقد جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”لا ينبغي لنفس مؤمنة ترى من يعصي الله فلا تُنكر عليه”(14).
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا ممن يأتمر بأمرك، وينتهي بنهيك، ومن المقيمين على طاعتك، المفارقين لمعصيتك، الذين لا يبتغون إلاّ رضوانك، وليس لهم قصد غيرَك، ولا معبود لهم سواك، ولا يدِّلُون إلا إليك، ولا يعتمدون إلا عليك، ولا تطمئن قلوبهم إلاّ لرحمتك يا أرحم من كل رحيم، ويا أكرم من كلّ كريم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله الصادق الأمين خاتم النبيين والمرسلين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الأئمة الهادين المعصومين حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرِّضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحُفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس يارب العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرا عزيزا مبينا ثابتا قائماً.
أما بعد فهذه بعض موضوعات:
أولاً: يوم الإمام القائم (عليه السلام):
للإمام القائم عليه السلام يومان؛ يوم ثورة، ويوم دولة. وكلٌّ من اليومين يحمل مهامّاً كبرى، ويحتاج إلى رجال.
يوم الثّورة يحتاج إلى رجال ذي بأسٍ شديد، وقوَّة هائلة، وقلوب كزُبر الحديد، وفنون قتال عالية، وآلة حربية قادرة، وإلى سَدادِ رأي، ونزاهة قصد، وسموّ هدف، وفقهٍ ووعيٍ ورشد، وخُلُقٍ إسلامي رفيع، وورع وتقوى(15) لكي تبرهن الثورة بمواقف رجالها على رقيٍّ، وصدق التزام بأخلاق السَّماء(16)، ورسالية عالية بما لم تعرفه الحروب الجاهلية القديمة والحديثة على الإطلاق، وعلى تميّز كبير في مستوى الرّسالية والأخلاق والتّقوى بالنّسبة لكلّ الحروب التي عرفها زمن الغيبة الكبرى حتّى لو كان هدفها ومنطلقها الإسلام، وتزيّنت بكثير من أخلاقه ورساليّته وتقواه.
وهؤلاء الرّجال مولدهم وإعدادهم وجهوزيتهم قبل يوم الثورة(17).
ويوم الدولة يوم حاكمية الإسلام، ويوم فخره، وعدله، وتجلِّيه، وبركاته، وأمنه وسلامه، وتمثيله لعدل السَّماء في الأرض، والعلم والحكمة والنَّزاهة، والروحانية المُشِعّة، والصِّدق، وسموّ النفس، وعمق الوعي الذي تحدّث عنه الرُّسل والرسالات، وهو اليوم الموعود فيه بغزارة خاصة متميزة من رحمة الله وألطافه العظيمة في الأرض(18).
وعلى دولة القائم عليه السلام أن تُبرهن على عطاءاتها الثرّة وهداها واستقامتها وعدلها وبركاتها من أوّل الأيام(19). فعلى يد من تكون كلُّ هذه الآثار والبركات والمعاجز بعد الله؟
ليس لذلك إلا رجال صنعتهم الرسالة علماء، حكماء، حلماء، وعاة مجاهدين، ينتصرون على السّيف والمال والشهوات والمناصب وكلِّ الدنيا(20) قبل يوم الظهور، وإن ازدادوا به عدداً وقوة ومكانة، وأمّة تهيّئت للصبر على عدل الإسلام، والأُنس لأحكامه، والتّسليم لله، وقبول الحق، وطاعة الإمام عليه السلام، والارتفاع إلى مستوى أُفُق الدولة على ارتفاعه وسموِّه. وكل ذلك إنما يكون الإعداد له والاستعداد قبل يوم الدّولة والثّورة(21).
ومن هنا تتحدَّد مسؤولية النُّخبة والجماهير المؤمنة بإمامة القائم عليه السلام، ويوم الظّهور، وهي مسؤولية البناء القويّ، والإعداد الجادّ، ورفع المستوى، وتنضيج الفكر، وتزكية النفس، وتنقية القلب، وتطهير الرّوح، وتعميق الوعي، وتوسُّع الخبرة، وتصحيح وتقوية الإرادة. (22)
ثانياً: أسبوع التوبة:
أسبوع نداءات التوبة هي أيامٌ لحشد الجهود، ومضاعفة العمل، واستنفار الطَّاقات الخيّرة الفاعلة في المجتمع من أجل تحريك العقل(23)، وإيقاظ القلب، وتنبيه النفس، واستنطاق الضمير، ومخاطبة الرّوح، واستشارة هِمَمِ الأفراد والجماعات لاستعادة وعي الذات(24)، والمبدأ والمصير، والحياة والموت، والدور والهدف، والموقع والواقع لنُدرك كلّ ذلك(25)، ونفهم ذاتنا وموقع عبوديتنا إلى الله عزّ وجل، وأين صرنا من هذا الموقع في حركة الفكر والنفس والواقع، وماذا علينا أن نفعل، وكيف نتدارك الخسارة، وكيف نعود إلى الله، ومتى يقبل الله عودتنا وتوبتنا؟
أسبوع نداءات التوبة لخوض معركة مع الشّيطان، مع ضعف النفس، مع أوضاع الانحراف، مع القصور، مع التقصير في أداء الواجب، مع الهزيمة أمام المغريات، مع التردُّد في العودة وإن توفّر وعيُ أهمّيتها، مع تهيُّب أمر الطاعة، مع استصعاب الإقلاع عن المعصية، مع غَلَبة الدنيا على النفس، مع كل ما يعيق عن الخروج من الظلمات إلى النور.
وهي معركة من كلّ شخص وتستهدف كلَّ نفس، وتعتمد كلّ جهد خيِّر، وتدخل في مواجهة مع كلّ نقص وكلّ تقصير وكلّ عيب وسيئة في كلّ النفوس، وتحاول أن تصل بخطابها المخلِص القويّ إلى كلّ عقل وقلب ونفس وضمير وروح، وتأخذ بكلّ الوسائل الشريفة التي تُنشّط الوعي، وتُذكي الوجدان، وتبعث الإرادة، وتلفت النظر، وتحيي التذكّر، وترفع الأغلفة عن البصيرة، والحُجُب عن الرؤية.
والجنود في هذه المعركة كلّ غيور على دينه، عارفٍ بحقّ ربّه، وكرامة نفسه، محبّ لمجتمعه وأمّته، ولكلّ النّاس مستعدٍّ للتضحية في سبيل الله.
جنود يخوضون معركة التصحيح، والعودة للاستقامة مع الذّات، وداخل الأسرة، وكلِّ محيط إنساني قريب أو بعيد تطاله القُدرة.
إنها معركة جادّة شاملة تقوم على تعظيم حقّ الله، والإخلاص للنّفس، وحبّ الخير للناس لابُدّ أن يعيش همّها كل مؤمن ومسلم، وأن يخوضها بجدٍّ وعزيمة ليُحقق لنفسه ولإخوانه المؤمنين والمسلمين الانتصار على الضّعف والكسل والانحراف. إنّها معركة التّوبة التي نخوضها بما لنا من عقلٍ حرّ، ووعيٍ ديني، ويقظة ضمير، وإحساسٍ وجدانيٍّ كريم، وإرادةٍ ناهضة مع هوى الدّاخل، والضغط الجاهلي في الخارج لتحقيق العودة إلى الله سبحانه، وتصحيح واقع النّفس.
ثالثاً: ساحة تحتاج إلى تبريد:
السَّاحة البحرينيَّة سياسيّاً وأمنيّاً في تصاعد حراري حرارتها تسابق حرارة صيف البحرين وتزيد. ملفّ المحاكمات في تزايد وتراكم، والمداهمات في استمرار وتوسُّع، والاستدعاءات والتوقيفات والتحقيقات لا تتوقف، وأحكام سياسية متشددة متصلّبة، وتراجع عن أيّ كلمة لِين، وكلمة تسامح، وحالة عفو، وأسباب التوتّر متوالية ومتنوّعة من فساد ماليٍّ وإداري، واختلاق أزمات، وتمييز طائفي، وتجنيس سياسي، ولغة سياسيّة يومية متشنِّجة، وكأن الساحة تُقاد قوداً جادّاً حثيثاً متعمّداً إلى الانفجار، وإلى أن تحترق بمن فيها وعليها.
ولا يُعقل لهذا المسار أن تسلم معه السفينة، وتصل إلى شاطئ الأمان. فهل من عزم السّياسة في البحرين أن تَخرِب البحرين؟ وأن تهدم السقف على رؤوس الجميع؟!
صار ضرورياً جدّاً لسلامة الوطن وأبنائه وأولُّهم مترفوه والمتصرِّفون بحرية واسعة في أرضه وثروته وسمائه أن تُعدِّلَ السياسة من مسارها، وأن يأخذ ساسة البلد في حسابهم أنَّ معهم في هذا الوطن شركاء في أرضه وثروته وسمائه، شُركاء ليسوا أجانب ولا عملاء، ولا متآمرين إنّما هم الشّعب كلّ الشعب على اختلاف فئاته، وأنَّهم يتطلّعون إلى أن يعيشوا على أرضهم عَيشاً مستقرّاً كريماً آمِناً مريحاً مطمئناً وأنّ من حقِّهم ذلك، وأن لهذا الشعب صوته وكرامته وإرادته واحترامه الذي لابُد من الاعتراف به وتقديره، وإعطائه وزنه الكبير الحقّ.
حتّى لا تحترقَ الساحة لابُد من تبريد جوّها الأمني والسّياسي، وتبريد هذا الجو يفرض على السّياسة القائمة أن تُصغي للنُّصح بلا استعلاء واهم؛ إذ القوَّة الحقّ المطلقة لله وحده، ولا إله دونه.
رابعاً: المفاوضات الفلسطينية العربية:-
أطرافها ثلاثة: الأول إسرائيل وهي ذات مواقف ثابتة متشدِّدة صارمة لا تتغير إلاّ إلى ما هو أشدّ منها. والثاني السلطة الفلسطينية وما يُسمّى بمحور الاعتدال العربي ووظيفته تنازلٌ بعد تنازل يصحبه تهديد وحسم بأنّه آخر تنازل ودخول في جولة جديدة من المفاوضات الفاشلة على يد إسرائيل، لتتوقف هذه بعض الوقت ثمّ يأتي دور التنازل التّالي وتهيئة الرّأي العام العربي لقبوله.
والطرف الثالث هو الطرف الأمريكي الذي لا يملك أو لا يريد أن يضغط على إسرائيل، وإذا مارس شيئاً من الضّغط على المستوى الإعلامي على إسرائيل استغفر من ذنبه وعاد ممتثِلاً للإرادة الإسرائيلية، وهو لا يكفّ عن ممارسة الضغط على الجانب الفلسطيني والعربي للعودة للمفاوضات، ولإعطاء تنازلات جديدة من هذا الجانب للعدوّ الإسرائيلي الغاصب.
والعرب لا يردّون رغبة لأمريكا حبّاً أو احتراماً أو رهبة أو لأمر غير ذلك.
والسلطة الفلسطينية لا تردّ رغبة للعرب، ولا تقاوم ضغطاً رغبةً أو رهبةً أو لتلاقٍ في الرأي والتوجّه.
هذا هو الشّيء المكشوف ولكن السؤال الذي لا جزم بجوابه الدّقيق هو هل هناك خارطة تنازلات متّفق عليها بين الأطراف كلها، وأدوار موزعة بينهم لا خلاف عليها، وفي كل مرة يبدو جزء من المخفي حتى يصل الأمر إلى نهايته الكارثية؟
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، إنك أنت التوّاب الرحيم.
اللهم إنا نعوذ بك من أن نَظلِم أو نُظلَم، أو نُضِلّ أو نضِل، أو نذِلّ أو نُذَلّ، أو نَجْهَل أو يُجهل علينا، أو أن نكون في الغافلين الخاسرين. اللهم انصر من نصر الدّين، واخذل من خذل الدّين، يا أقوى من كلّ قوي، ويا أعظم من كلّ عظيم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(26).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- الإمام هنا يفسّر كلمة رسول الله صلّى الله عليه وآله.
2- هذا الذي يجاهر بمعصيته يذل دين الله.
3- ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ص261 ط2.
4- المجاهرة بالمعصية، وعدم ردعها تجعل الإسلام يفقد هيبته.
5- هناك الكثير ممن يريد أن يحمل لواء الدعوة ضد الإسلام، وأن يخترق الحالة الإسلامية من داخل المجتمع الإسلامي، ولكن هؤلاء يجبنون، أما إذا جاهر بالمعصيه هذا وذاك، وكان السكوت عليها انقضّ هؤلاء على الإسلام بصراحة.
6- لا تعطوا أحدا فرصة أن يجاهر بمعصيته وأن يفتك بالإسلام في بلاد الإسلام.
7- ما أشرفها من وظيفة.
8- المذاهب: الطرق.
9- الكافي للشيخ الكليني ج5 ص56 ط3.
إن أردنا بقاءاً للإسلام فعلينا أن نبادر المعصية بالإنكار، والتخلف عن الواجب بالحثّ عليه والدفع إليه.
10- 71/ التوبة.
11- جواهر الكلام للشيخ الجواهري ج21 ص354 ط3.
12- فرداً كان أو أسرة أو مجتمعا، وتنفع في كل الجوانب.
13- ميزان الحكمة للريشهري ج3 ص1946 ط1.
كلمة لا إله إلا الله حينئذ تفقد فاعليتها في البناء، تبقى على اقتضائها، لكن الشرط مفقود.
14- كنز العمال للمتقي الهندي ج3 ص 85.
15- كل ذلك يحتاجُه يوم القائم في رجاله.
16- هذه الثورة ستأتي لتري الإنسان أخلاق السماء، وعدل السماء، وعلم السماء.
17- يوم الثورة للتنفيذ وليس يوم إعداد لرجال الثورة.
18- يومٌ تظهر فيه رحمة بصورة متميّزه.
19- هل تمضي عشر سنين يبني فيها الإمام عليه السلام الناس الأتقياء الذين يحملون الرسالة بكفاءة حتى تأتي البرهنة على عدالة هذه الدولة بعد عشر سنوات؟! تنتهي الدولة قبل ذلك، يكفر بها الناس، لا، العدل يُطبّق من أول يوم، النزاهة تظهر من أوّل يوم، انضباط الرّجال يظهر من أوّل يوم. هذا يحتاج إلى إعداد مسبق.
20- أما المنتصرون على السيف فقط فلا يصلحون رجالا لدولة القائم عليه السلام.
21- الإعداد لا يكون للصفوة والنخبة فقط، وإنما يكون للأمّة كذلك ولو على مستوى آخر.
22- ومسؤليه الاعداد العام بمستويات متفاوتة للأمة والعالم.
23- مشكلتنا أن عقلنا مغيَّب.
24- نحن لا نعي ذاتنا، مطلوب منا أن نعي ذاتنا.
25- أحدنا لا يُدرك موقعه؛ موقعنا موقع العبودية، وكثير منا يفرض نفسه إلهاً بصورة واسعة أو ضيّقة. موقعنا موقع العبودية لله ، والاعتزاز به وهي عبودية تقف بصاحبها شامخاً أمام كل الكون.
26 – 90/ النحل.

زر الذهاب إلى الأعلى