خطبة الجمعة (371) 4 جمادي الثاني 1430هـ 29 مايو 2009م

مواضيع الخطبة:

*استضاءة قرآنية *أولاً: لباسك عنوان لشخصيتك *ثانياً: جوّع كلبك يتبعك *ثالثاً: العراق قدوة

اللباس باب من أبواب الغزو الثقافي الهادئ غير المثير. إنّه غزو بلا ضجيج، ولا يثير حفيظة الآخر، ولا يقابل في أوساط الكثيرين بالمقاومة.

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي لا ظهور لشيء إلاَّ بإظهاره، ولا نور لشيء إلا من نوره، وكل الأشياء من دونه تصورات محدودة على تقدير المتصوِّر، ولا حقيقة لها في ذاتها، ولا تملك لنفسها وجوداً ولا عدماً، وهي في وجودها وعدمها تحت يده وأمره، ولا تحرُّرَ لها من قدرته وقبضته، وليس من غنيٍّ بذاته أحد سواه، وهو الغنيُّ الذي لا مبدأ ولا منتهى لغناه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي المقصِّرة بتقوى الله الذي لا إله إلا هو، ولا معبود بالحقّ سواه، ولا نفع ولا ضرّ إلا بإذنه. وما أعظم التقوى فإنّ من اتّقى لم يقترف إثماً، ولم يظلم أحداً، وكان النّاس منه في راحة، وإن كان منهم في تعب. وهو ماضٍ في رضى ربّه تبارك وتعالى لا ينظر إلى المخلوقين في إصحارٍ بقول أوجبه الله سبحانه، أو أخذ بموقف ألزم به دينه، وأولئك صفوة الخلق.
عباد الله لا يكن أحدنا كالأعمى والأصم أو كالأنعام لا يرى ولا يسمع من دروس الحياة وعظاتها وعبرها شيئاً. والحياة زاخرة بالدروس، مليئة بالعِظات، مزدحمة بالعِبر، وكلّ ما تقدّمه من ذلك يحتاجه إنسان هذه الحياة وإن بلغ من العلم ما بلغ، وإن كان له من مطالعة الكتب ما كان.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ومن أحسن إلينا من المؤمنين والمؤمنات وكل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين. اللهم صل على محمد وآل محمد واجعل لنا أبصاراً ناظرة، وأسماعاً واعية، وقلوباً فاقهة، وعقولاً هادية، وفهماً سديداً، ورأياً رشيداً، وحكمة عالية يا حنّان، يا منّان، يا كريم.

استضاءة قرآنية

أما بعد فإن عدل الله قاضٍ بأن النفس إذا أثمت كان إثمها عليها، ولا ينالُ من إثمها شيء نفساً أخرى، فهي التي أثمت، وهي التي تعاقب بما جاءت به من الإثم فلا يؤاخذ ولد بوالده، ولا مولود له بمن ولد. وهذا قانونٌ إلهي ثابت في باب الجزاء لا تغيّر منه كلّ المتغيّرات.
يقول سبحانه:{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}(1).
فالوازرة وهي النفس لا تتحمل في عدل الله وحكمه إثماً من إثم اقترفته نفس أخرى، ولا يصيبها من عقوبتها عقوبة. والوزر هو الثّقل، ولما كان الإثم مثقِلاً لظهر صاحبه بالمسؤولية والعقوبة سمي وزراً.
وما أبعد قوانين الظَّلَمَة من أهل الأرض وممارستَهم عن هذا القانون من قوانين العدل الإلهي؛ فكم عُذّب ويعذّب قريب بقريبه، وصديق بصديقه، وأبرياء كثيرون بمطلوب لم يثبت عليه ذنب؟!
وكما لا ينال النفس في عدل الله من إثم الغير شيء، فكذلك ليس لها من سعي الغير وجدِّه في الخير مما لم تشارك فيه نصيب من ثواب. فَجِدُّك لك، وما تأتيه من عمل صالح لا تُنازَع في ثوابه، ولا يؤخذ من رصيد لأحد ظلماً. وهذا قانون آخر من قوانين العدل الإلهي الصِّدق وهو مضيَّعٌ بين النّاس في الحياة الدنيا؛ فكثيراً ما يَسرق القويّ جُهدَ الضعيف، ويستولي عدواناً على ما أنجزه عرقُه، وما أثمرته أتعابُه.
والأيدي الظالمة التي تضع يدها غصباً على مكاسب الآخرين ممن يبلغون عشرات الألوف، ومئات الألوف، والملايين لا تعد في هذا العالم ولا تحصى، ولكن الله بكل شيء محيط.
وحصيلة عمر الإنسان ودنياه، وما يبقى له منهما، وما هو له حقّاً من كلّ جولته على ظهر الأرض، ورحلته في هذه الحياة هو عمل صالح يبني ذاته وينفعه، أو عمل طالح يهدم ذاته ويضرّه، ولن يلقى غداً بعد موت لابد أن يصيبه غير عمل صالح فيه فلاحُه، أو عمل سيء فيه عذابه.
أمّا مال الدنيا وزينتها وجاهها، وما فيها من نعم تزول فهي للاختبار، وتقوّم الحياة على الأرض التي كانت من أجله، وتمثّل فسحته.
وكل ذلك، إن هو إلا متاع، وما الحياة الدنيا إلا إلى حين.
يقول سبحانه:{وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}(2).
وإذا كان لا تزر وازرة أخرى من وزري شيئاً ولو قليلا، وأن ليس لي من سعي المحبين والمشفقين والمخلصين ما أنجو به، ويكفيني شرَّ العذاب، ويدفع عني غداً سوءاً، وأصيب به خيراً فما قيمة أن لو حفّ بأحدنا الملايين من الناس واختفَوا به، وكانوا على صدق مع الله، وكان هذا الواحد على كذب، وكانوا من أخلص المخلصين وكان هو غير ذلك؟! فلا يشغلن أحدنا هم العلاقة بالنّاس عن همّ العلاقة بالله، وطلبِ المكانة عنده. ولتخلص للناس، ولكن بأن يكون ذلك من الإخلاص أولاً وبالذات لله تبارك وتعالى. وليتنا نكون كذلك.
قضية أخرى تطرحها الآية الكريمة:{وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}(3).
السعي الذي به قيمة الإنسان ووزنه وفيه مصيره ودرجته سوف يُرى يوم يقوم الناس لرب العالمين. والله عز وجل عالم بسعيك وسعيي أزلاً علماً حضورياً ثابتاً. وأنا وأنت كل منّا سيرى ما كان من سعيه في الدنيا بخيره وشرّه يوم القيام {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}(4). هذا ثابت ولكن تعبير { يُرَى} في الآية الكريمة السابقة قد يُوحي بأكثر من ذلك، وأن رؤية سعي الإنسان بما فيه من قبائح مخجلة مخزية مذلّة قد تكون من خلق كثير، منهم ممن عرف هذا الإنسان في الدنيا بالتقوى والعمل الصالح، ورآه يتقدم صفوف المصلّين، ورآه يكثر الحجّ والصوم، ورأى منه الخير الكثير، وذلك في يوم أشد ما يكون فيه الحياء من مخالفة الحق.
ورؤية الإنسان سعيه الذي كان منه في الدنيا يوم الآخرة رؤية يقينية لا شوب فيها من شكّ، ولا مجال لمخالفةٍ منها للواقع، ومشاهدةُ الغير لذلك السعي مشاهدة لا تخلّف فيها عن الصدق بالنسبة للسعي والساعي معاً. وهل تكون الرؤية اليقينية، والمشاهدة غير المتخلّفة لتجسد الأعمال ومعاينتها حسّاً أو لانكشاف الغطاء عن العقول والقلوب وارتفاع حاجز المكان والزمان وكلّ الحواجز الأخرى المانعة؟ ذلك أمر آخر.
وإنما يذخر السعي، ويحفظ العمل، ويرى على حقيقته، وتشهده العيون أو القلوب ليوفّى كل واحد جزاءَ عمله، ويكون له تمام سعيه، ويأتي هو وجزاؤه في آخرته من جنس ووزن ما كسبته يداه، وما أحسن فيها لنفسه أو أساء وجنى عليها.
{ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى}(5).
وهكذا توقفنا الآيات الكريمة من الآية الثامنة والثلاثين إلى الآية 41 من سورة النجم أمام عدد من قوانين العدل الإلهي الشامل يتمثل في الآتي:
1. {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. فتقصير أي نفس وإسرافها على نفسها مسؤوليته مقصورة عليها، ولا ينال من ذنبها أخرى ذنب.
2. {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}. فلا تحريف لسعيه في مقام الحساب والجزاء، ولاتضييع، ولا يؤخذ له جزافاً من سعي غيره.
3. {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}. إن تطاول الآماد لا يَحدُثُ به ضياعٌ لشيء من عمل الإنسان، وأن عمله سوف يحضر له تماماً، ويتيقنه تيقناً كاملاً وأنه قد عمله حقّاً، كما قد يتيقنه كذلك غيره، ولا يشتبه في أمره مشتبه، ولا في نسبته إليه.
وهذه الرؤية اليقينية للعمل ولنسبته لعامله توفر يقينا تاما بعدل الجزاء المطابق له.
4. {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى}. وهذا هو القانون العادل الرابع الذي يأتي في هذا السياق. فبعد تيقّن العبد من جنس عمله، وحجمه، وانحفاظه، ودقة عده، ووزنه؛ يشاهد أنه يجزاه الجزاء الأوفى فلا يصاب بظلم في شيء من عمله ولا ضياع في أي مرحلة من المراحل الأربع، ولا يختلط له عمل بعمل الغير، ولا يُعطى محاباة من عمل آخر، ولا يؤخذ منه له ظلماً.
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم وفّقنا لصالح القول والعمل، وجنّبنا السيء منهما، وأخلص قصدنا إليك، وبرِّئنا من الشرك والنفاق والرياء والعجب، وكلّ ما يُفسدُ النيّة، أو يحبط العمل، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنّا يا أكرم من كل كريم، ويا أرحم من كل رحيم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا يملك أحد شيئاً إلاَّ بما ملَّكه، ولا يقدر قادر على شيء إلا بما أقدره، ولا سببيّة لسبب إلا بما أفاض عليه، ولا منتهى لشيء إلاّ إليه، ولا يغنى غنيّ، ولا يفتقر فقير، ولا يتبدل حال عن حال، ولا يكون قيام لحال إلا بإذنه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاماً.
عباد الله أفلا فلنتق الله الذي لا إله سواه، ولا ربّ غيره، ولا ملجأ منه إلا إليه. واختبار التقوى في طاعة الله فيما أمر، وتجنّب معصيته فيما نهى، وأن يترك العبد محبوبَ النفس ما أغضب الله، وأن يأخذ بما ثقُل عليها ما كان فيه رضاه.
اللهم اغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. ولا تجعل لنا حبّاً فيما أبغضت، ولا رغبة فيما كرهت، ولا زهداً فيما أحببت، ولا ميلاً عما رغّبت، واهدنا القصد، ويسّر لنا السبيل.
اللهم صل على محمد خاتم النبيين والمرسلين، الصادق الأمين، وصل على علي أمير المؤمنين، وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهداة الميامين المعصومين أئمة المسلمين: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المنتظر المهدي القائم.
اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحفه بملائكتك المقربين، وأيده بروح القدس يارب العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفقهم لمراضيك، وسدد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرا عزيزا مبينا مقيما ثابتا.
أما بعد فهذه كلمات:

أولاً: لباسك عنوان لشخصيتك:

لباس الناس متعدد، له ألوان، أشكال، وهو على أزياء مختلفة.
المهم ليس هذا، ولكن يُطرح هنا سؤال: أترى أن اختلاف اللباس عند الناس يقف عند حد المظهر، أو هو تعبير عن شيء آخر؟
وراء اختلاف اللباس مظهراً اختلافُ مخبر؛ اختلاف بيئي، قومي، ديني، ذوقي، مستوى نفسي، وقار نفس، أو خفّة نفس، ميل للصبيانية، أو تعلّق بالرجولة، ميل للذكورة للأنثى، أو ميل للأنوثة للذكر، التزام، ابتذال، تخلٍّ عن الضوابط، تمسّك بالضوابط، عناية، أو بعثرة، تكلّف أو اعتدال، أمور أخرى.
اللباس لغة عملية عن مكوّنات معنوية للشخصية، وعنوان خارجي على نوع الداخل. لباسك يتحدث عنك، ولباس كل شخص لغة تنقل شيئاً من داخل الرجل أو المرأة للآخرين.
من يريد الالتحاق بوظيفة، أو جامعة، وخاصة بالنسبة للمراكز العالية تُطلب مقابلته، ومن بين ما تدرسه المقابلة هندامه، للتعرف على شيء من مكوّنات شخصيته. وهذا المركز يهتم بربطة العنق، وأن يكون الهندام موافقاً للذوق الغربي، ومؤسسة أخرى تلاحظ غير ذلك، وتريد منك ذوقاً إسلاميّاً، واحتراماً لهويتك الإيمانية، وأن تدل بلباسك على ذوق من ذوق الرجولة، لا الصبيانية. وما كان حسنا هنا من الزيّ يكون قبيحاً هناك وبالعكس، ونحن مسلمون، والإسلام له بصماته الخاصة في حياة المسلم وشؤونه، وحتى في مثل موضوع اللباس.
الياباني يلاحظ كل مكوّنات بيئته وذوقها ويأتي لباسه من وحي ثقافته، وقوميّته، وتربيته، ومكوّنات بيئته. كل قومية وكل أهل دين ينعكس دينهم، وتنعكس قوميتهم، وتنعكس مقومات بيئتهم على ما يرضون من لباس وما لا يرضون. المسلم كيف؟ أليس له هوية خاصة؟ والإسلام له اهتمام بالزي أو ليس له اهتمام؟ الإسلام له اهتمامه بهذا الموضوع، وللباس الإسلامي طابعه الخاص، والإسلام حريص على الوقار، وحريص على تأصيل الشعور بالرجولة في نفس الرجل، وتأصيل الشعور بالأنوثة في نفس الأنثى، وله حكمة في اختيار ما للرجل من لباس، وما للمرأة. المسألة ليست مسألة سطحية مفصولة عن وحي الفكرة، وعن الطابع الخلقي، وعن درجة الوقار والالتزام.
قارنوا بين مسجدين؛ مسجد المصلون فيه بعشرات الألوف وكلهم من لباس قصير بقدر ما يستر العورة، ومنطقة الصدر والظهر يغطيها لباس خفيف، والنساء لباسهن وإن كان ساتراً ولكن يميل بلغته الخاصة إلى ما يكشف عن نفس تريد أن تغري الآخر. ومسجد آخر المصلون فيه عشرات الآلاف وكلهم يلبسون ما نسميه بـ(الغترة) والثياب والعباءة. قارنوا بين هذين المسجدين؛ هل اللغة التي يتحدث بهان أهل المسجد الأول من خلال زيّهم هي نفس اللغة التي يتحدث بها أهل المسجد الثاني؟ لا يتوقف أحدكم فيما أرى في أن يقول بالفرق بين الجماعتين.
إمام جماعة يصلي بنصف سروال، وبغطاء رأس غربي، وإمام جماعة يتزيّا بزي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هل ترون فرقا أو لا ترون؟ وهذا ليس في الصلاة والمسجد فحسب، وإنما اتخذت من المسجد والصلاة مثالاً لا غير.
واللباس باب من أبواب الغزو الثقافي الهادئ غير المثير. إنّه غزو بلا ضجيج، ولا يثير حفيظة الآخر، ولا يقابل في أوساط الكثيرين بالمقاومة. غزو السيف يوتّر أعصاب المقابل، ويستثيره، ويجعله على أكبر جهوزية ممكنة، أما مثل هذا الغزو فهو غزو يتسلل إلى أوساط أي أمة ليغيّرها وبصورة لا كُلفة فيها.
هناك أحكام للباس في الإسلام بصورة عامة، وفي خصوص الصلاة، وكلنا نعرف حرمة الحرير بالنسبة للرجل، وأنّه لا يجوز لبسه إلا عند الضرورة الشديدة كالبرد الشديد(6).

ثانياً: جوّع كلبك يتبعك:

كلمة قالوها، واتخذوا منها سياسة للشعوب والأمم من منطلق أن التجويع يسبب الضعف، الذل، الاستخذاء، الاستسلام. لكن رقي الشعوب وعياً وعزة وكرامة يسقط صدق هذه الكلمة والسياسة المترتبة عليها.
فكلما وعت الشعوب، واكتسبت شعورا بالعزة والكرامة والأصالة امتنع عليها أن يكسر التجويع إرادتها. وليس كدين الله يمكن أن يمد النفس بكل هذا، فمن تديّن ديناً بالدين الحقّ عن فهم ووعي كان عزيز النفس، عالي الكرامة، والشعوب التي يصنعها الدين الحق هي شعوب متمسّكة بكرامتها وعزتها في كل الظروف.
جوّع كلبك يتبعك مكانها في ظل الشعور بالعزة والكرامة والأصالة جوّع شعبك ينتفض عليك.
الساحة العالمية اليوم كلها تقدمت وعياً، ودخلها شعور من الشعور بالعزة، وشعور من الشعور بالكرامة، وإن تجارب الإسلاميين الجديدة لا تغذي العالم الإسلامي وحده بهذا وإنما يمتد عطاؤها إلى كل العالم.
الساحة العالمية اليوم بدأت تسقط عن كلمة “جوّع كلبك يتبعك” مصداقيتها.
جوّعوا الصومال، وأرادوا له الذل، وحاولوا أن يسحقوه سحقا، إلا أنه أعطى ردّة فعل معاند استمرّ عشرات السنين، وبدأ الصومالي يقاوم بأسلوب صحيح أو بأسلوب غير صحيح، عن ذاته، ويقاوم عن كرامته، ويواجه أساطيل العالم ليتوفر على لقمته وعزته.
كوريا الشمالية حوصرت، وأريد لها أن تتحول كلبا تابعا إلا أنها تمرّدت، واضطر العالم الاستكباري أن يتابع جلساته بحثا عن طريق لتهدئة الوضع.
وليس خوف المستكبرين من حرب كوريا الشمالية على جوع الشعب بدرجة أكبر، فالشعوب لا تهم المستكبرين، وإنما الخوف من أن جوعا بدرجة أكبر لكوريا الشمالية قد يدمّر العالم، وقد يقوّض أمن المستكبرين كلهم لأن الشعوب اليوم إذا جاعت لا تستسلم وإنما تستئسد، فلتتعلم الحكومات هذا الدرس، وأن تجويع الشعوب لا يخدّرها، ولا يذلّها، لا يترتب عليه استسلام بقدر وإنما هو الاستئساد(7).

ثالثاً: العراق قدوة:

في العراق فساد مالي وإداري مستشرٍ كما يقولون، وفي العراق لجنة للنزاهة تتابع الفساد المالي والإداري وتسمي أصحابه، وتصدر مذكرات توقيفية ومحاسبة بشأن من يفسد في المال.
وليس كل من اتُّهم فاتهامه صحيح، ولا ندخل في تفاصيل هذه النقطة، ولكن نتحدث عن أصل الظاهرتين.
ظاهرة الفساد المالي والإداري ليست ظاهرة مقصورة على العراق، إنما لكل البلاد الإسلامية منها نصيب كبير، لكن لجنة النزاهة لا توجد في الكثير من البلاد الإسلامية. مثلاً لم نسمع في هذا البلد ولا في يوم من الأيام من تاريخه، وبصورة علنية أن حوكم وزير، استُردّ منه المال الذي تحايل على أخذه الذي سرقه، لم نسمع عن كبير واحد من العائلة الحاكمة أو من الوزراء أنه سرق من مال الدولة شيئاً، لا أدري من أين جاءتنا هذه النظافة والنزاهة كلها. دولة المعصوم عليه السلام يحدث فيها مخالفات من ولاة ومتنفذين وإن عوقبوا، ودولتنا لا يحدث فيها شيء من هذا أبدا!! الحمد لله.
هل تُتخذ العراق في مبدأ التطهير قدوة؟ نسأل الله ذلك.
والحمد لله رب العالمين.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا من أهل الهدى والعدل، ولا تجعلنا من أهل الظلم والضلال، وانصر بنا الحق، واخذل بنا الباطل، واجعل لنا يداً في هزيمته، وقوِّ بنا شوكة الدِّين، وذد بنا عن حياض المؤمنين يا ناصر، يا معين، يا قوي يا شديد يا متين، يا أعظم من كل عظيم، يا مالك الأمر كله، ولا أمر إلا أمرُه.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – 36، 37، 38/ النجم.
2 – 39/ النجم.
3 – 40/ النجم.
4 – 7، 8/ الزلزلة.
5 – 41/ النجم.
6 – لا تجد عند الفقهاء أحكاماً بالكراهة أو الحرمة أو الاحتياط في موارد متعددة من موارد اللباس بصورة عامة أو في الصلاة منها: لباس الشهرة، والتشبه من الرجل بالمرأة، وبالعكس، الاتّزار فوق القميص، الألبسة المختصة بالكفار وأعداء الدين، ما يوجب التكبر والخيلاء، لبس الشيخ ملابس الشباب.
7 – هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة).

زر الذهاب إلى الأعلى