خطبة الجمعة (349) 27 ذو الحجة 1429هـ – 26 ديسمبر 2008م

مواضيع الخطبة:

*الاستشارة والمشورة *كلمة في الوضع المحلي

هذا الشعب يتعامل مع شرع الله على أنه أعظم شرع، وأدق شرع، وأعدل شرع، فإذا كان لأي جهة من الجهات رؤية أخرى فهي في اتجاه غير الاتجاه الشعبي.

الخطبة الأولى

الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ به، ونتوكل عليه. نحمده أتمّ حمد، وأكمل حمد، وأدوم حمد، وأعمَّ حمد، حمداً يتجاوز كلّ حمد، ولا يبلغه حمد.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله المؤمنين ونفسي بتقوى الله العليّ القدير، المحسن الوهَّاب، العزيز الجبّار، الذي لا تخفى عليه الأسرار، ولا يفوته حادث ليل أو نهار.
ولقد علمنا عباد الله أن الدُّنيا لا تبقى، وأن الموت آت، وأنّ بعده قياما وحياة، وهذه حقائق ثلاث لا يُهمل حسابها عاقل في المواقف والحركات والسكنات كيف وفي الحياة الأخرى حساب وعقاب وثواب، وخلود في جنّة أو نار، ونعيم دائم أو عذاب مقيم؟!
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم هنّئنا في هذه الحياة، وأسعدنا في الآخرة، واجعلها مقصدنا في النيّة والعمل، وأكبر ثوابنا فيها برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد فهذا حديث في موضوع الاستشارة والمشورة:
يقول الله سبحانه في كتابه المجيد:{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}(1).
فمن ملازمات المجتمع المسلم المؤمن الذي يستجيب لربّه ويقيم الصلاة أن يسوده – وخاصّة في الشأن العام – خلق الشورى، فالأمر العام ليس أمر فرد، وإذا كان الأمر أمر أمّة، أو أمر جماعة فهو مهمٌّ بالنسبة لكل واحد من الأمة أو الجماعة، وبمقدار ما هو مهمّ لكلّ واحد فهو من مسؤولية كلّ واحد.
فلا يجوز لفرد أن يتفرّد وأن يستبدّ بالرأي في شأن أمة أو جماعة، ولا يصحّ لمن وجد الرأي الصائب فيما يتصوّره أن يبخل برأيه في المسألة العامة.
ولا أكبر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أخذ بأمر الله عزّ وجلّ بأمر الاستشارة، على أنّه بعصمته غنيٌّ عنها، وإن لم يكن الرأي المشار عليه به صلى الله عليه وآله ملزماً له، ولا لمن بعده من إمام معصوم، وحتى غير معصوم، أما إذا رأى غير المعصوم أن المصلحة في الرأي الذي أشار به أصغر القوم وجب عليه أن يأخذ به ولا يستكبر، ولا نتصور في المعصوم أن يُخطِئ الرأي الصواب البتّة.
وهذا كلام في أهمية المشاورة عن الإمام علي عليه السلام:”شاور قبل أن تعزم، وفكّر قبل أن تقدم”(2).
يأتي هذا في الأمر الشخصي لتنضيج الرأي، والتوفّر على الإحاطة بدقائق الموضوع، والالتفات إلى مختلف الوجوه في المسألة، أما في الأمر العام فهو أبلغ أهميّة وأكبر. لا ارتجال في الرأي، ولا استبداد لمن كُلِّف أمر الجماعة.
“لا ظهير كالمشاورة”(3).
الموقع الاجتماعي لا ينهض به شخص واحد، وإنما يحتاج إلى أيدٍ كثيرة، وجهودٍ كثيرة، وهو كما يحتاج إلى هذا كلّه يحتاج إلى الوقوف على مختلف الوجوه والآراء التي تملك الخبرة، ولها المواصفات التي لا تهملها الأحاديث الشريفة.
عن الإمام الحسن عليه السلام:”ما تشاور قوم إلاّ هدوا إلى رشدهم”(4).
وهذا ضمان دين، فضمانة الإمام عليه السلام هي ضمانة دين، وضمانة عقل، ضمانة واقع.
من تشاور؟
صحيح أنّ هناك دفعاً حثيثاً وكبيراً للمشاورة، ولكنّ المشاورة غير مطلقة بلا قيود، فمن تشاور؟ الجواب من الأحاديث:
عن النبي صلى الله عليه وآله:”الحزم أن تستشير ذا الرأي وتطيع أمره”(5).
في مسألة تحتاج إلى معلومات خاصّة، وإلى رأي حصيف، وخبرة واسعة لا يُستشار طالب الابتدائي أو الثانوي، وإن كان يُرتقب فيه أن يكون أكبر القوم في الغد. صحيح أن هذا الطالب الثانوي يمكن أن يكون القائد الأكبر في الأمة، لكنّه اليوم له حساب، وغداً له حساب، ففي العادة – ولا أقول أن هناك ملازمة عقلية – طالب الثانوي على الطريق وينتظر نضجه بعض وقت.
إذن ليس الحزم في الاستشارة مطلقاً، وإنما الحزم أن تستشير ذا الرأي، وتطيع أمره ما دام هو ذا رأي، ورأي حصيف، ورأيه أشد سداداً من رأيك، فمن لم يطع هذا الرأي كان مفرّطاً في حقّ الأمة، بل في حقّ نفسه لو كانت المسألة مسألة شخصية.
عن علي عليه السلام:”أفضل من شاورت ذو التجارب”(6).
هذا له تجربة في الزراعة، وذاك له تجربة في الصناعة، وآخر له تجربة في الاجتماع، وهكذا، ولا يحلُّ أحد هؤلاء محل الآخر.
عن علي عليه السلام:”استشر أعداءك تعرف مقدار عداوتهم ومواضع مقاصدهم”(7).
ذلك لتحمي نفسك، وتحمي جماعتك وأمتك من الوقوع في الورطات. فإن العدو لن ينصحك، وإذا أشار عليك فإنما يشير عليك بما يضرك، فتتعرف من مشورته بعض مزالق الطريق.
عن الصادق عليه السلام:”لا تشاور من لا يصدّقه عقلك، وإن كان مشهوراً بالعقل والورع”(8).
في مشورتك أنت لا تستطيع أن تنسى تقديرك، وقناعتك، وما يمليه عليك محض عقلك، فإذا كان الشخص مشهوراً بالرأي، وحتى بالورع، ولكن إذا كنت وأنت المسؤول يقول عن الأمر يقول لك عقلك وتجربتك عنه شيئا آخر لا يكون من المنطق أن تركن إلى مشورته، فليس هناك أحد يستطيع أن ينسلخ من نفسه، وأن تحتلّ قناعات الغير محلّ قناعته بالكامل، فهو إذ يأخذ برأي شخصٍ لا يرى فيه ما يراه الآخرون لا يكون مخلصاً لقضيِّته.
عن الصادق عليه السلام:”إن المشورة لا تكون إلا بحدودها الأربعة فمن عرفها بحدودها وإلا كانت مضرتها على المستشير أكثر من منفعتها، فأولها أن يكون الذي تشاوره عاقلاً…” عقل فطنة، وعقل خبرة وتجربة.
“والثاني أن يكون حرّاً متديّناً…” نعرف معنى المتدين هنا، ولكن ما معنى الحرية هنا؟ رُبّ عبد مأسور تحت الخدمة له رأي أحصف من حر، فما شرط الحرية هنا؟ إنها الحرية من أسر الهوى، من أسر الانفعال، من أسر الغضب، من أسر الأنا، من أسر الارتجال.
“والثالث أن يكون صديقاً مؤاخياً…” تعرف أنّه يمحضك النصح.
والرابع أن تطلعه على سرِّك فيكونَ علمه به كعلمك…” معلوماتك تضعها كلّها بدقة بين يديه، والسرّ الذي فيه قتلك تضعه بين يديه، ثمّ يحفظ كلّ ذلك كما تحفظه، شرط ثقيل جدّاً يخرج الكثيرين من دائرة الاستشارة.
“ثمّ يسِرَّ ذلك ويكتَمَه”(9). هذا موقف المستشير.
فما هو موقف المُستَشار؟ ولا يسع التفصيل ولا الوقفة الطويلة.
عن الصادق عليه السلام:”لا تكونن أول مشير…” ربّما لاستجماع آراء الغير، والذي قد يعين على نضج رأيك بدرجة أكبر، وربما لوجوه أخرى يقتضيها مقام من المقامات أو أكثر.
“وإياك والرأي الفطير…” الذي لم يدرس، وأنت تشير لا ترتجل، لا تقدم الرأي غير المدروس، والمنضجّ بالتأمل والتفكير وتقليب الأمور.
“وتجنّب ارتجال الكلام، ولا تشر على مستبدِّ برأيه..” إذا لم يكن لرأيك قيمة عند المستشير فادّخر رأيك لك، ولماذا يعرفك، وتنكشف عليه بالكامل، وأنت تعرف منه أنه لا يصغي لرأيك وإن صح.
“ولا على وغد، ولا على متلوِّن، ولا على لجوج…” جدلي يستشير ويناقش للجدل فحسب لا استعداد عنده للاستفادة من الرأي الآخر وإن كان فيه الرشاد والحكمة.
“وخف الله في موافقة هوى المستشير، فإن التماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منه خيانة”(10).
أي مستشار لا يصح أن تقوم مشورته على مداراة المستشير فليس في ذلك نصح له. إذا كنت سأشير على صاحبي مراعيا مرضاته فقط، فربما جاء هذا الرأي الذي يرضيه على خلاف ما فيه المصلحة، فلا أفعلن ذلك، ثمّ لا يصح لي أن أطلب البرهنة على قوّتي في الرأي، ولا يصحّ لي إرضاء لغروري وإثباتاً للذات أن أنصح على خلاف وجهة نظر المستشير دائماً، وأمعن في الدفاع عن ذلك، ولأسلّم أنا المستشارَ إلى المستشير بصحة رأيه إذا كان ما في النفس هو هذا.
وعنه عليه السلام:”من استشار أخاه فلم ينصحه محض الرأي سلبه الله رأيه”(11).
كان صاحب حكمة، ورأي ناضج، وسداد رأي، ولكنه إذا خان من استشاره استحق من الله عزّ وجل أن يسلبه هذه النعمة.
عن علي عليه السلام:”خيانة المستسلم والمستشير من أفظع الأمور، وأعظم الشرور، وموجب عذاب السعير”(12).
عندما أُستشار فأخون فهذا – كما عن علي عليه السلام – من أفظع الأمور وأشدها قبحاً، وأعظم الشرور، وموجب عذاب السعير.
هذه باقة أحاديث عن المعصومين عليهم السلام تعطينا وعيا في هذا الموضوع، والحمد لله رب العالمين.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اللهم ارحمنا في الدنيا والآخرة، ولقّنا خيرهما، وجنّبنا شرّهما برحمتك يا أرحم الراحمين.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أنزل لعباده كتاباً هادياً لا عوج فيه، ودينا قيّما لا نقص يعتريه؛ أنزلهما على عبده الأكمل، ورسوله الخاتم الذي بشّر بما هو حقّ، وأنذر بما هو صدق، ودعا إلى خير الدُّنيا والآخرة بمتابعة الدّين، وحذّر من شرّهما بمخالفته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاماً.
عباد الله ألا فلنتّق الله فإنّ نِعَمَه تبعث على الحياء منه، وقدرته تثير الخوف من أخذه، وعلمه يحمل على تهيّب حسابه، وعدلَه يسبب الهلع من حكمه، ونقماته تزلزل النفس من عظيم بطشه، وجلاله وجماله لا يطاق معه هجرُه.
ولا تقوى لمن لم يكفّ يده ولسانه وكلّ جوارحه عمّا حرّم الله عليه، ويا ويلنا من حصائد الألسن ومصائد الشيطان فيها!! ويا ويلنا من الوقوع في أعراض وشرف المؤمنين!!
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين. اللهم لا تؤاخذنا بما أذنبنا دنيا ولا آخرة، وأنقذنا من ورطة الذنب، واجعل عمرنا بذلة في طاعتك، وسعينا في سبيلك، ومنقلبنا إلى رضوانك والجنة.
اللهم صل وسلم على خاتم النبيين والمرسلين حبيبك المصطفى الصادق الأمين محمد بن عبد الله، وعلى علي أمير المؤمنين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة.
وعلى الأئمة الهادين المعصومين حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المنتظر المهدي القائم.
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، وعجل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحفه بملائكتك المقربين، وأيده بروح القدس يارب العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، والممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والؤمنات أجمعين وفقهم لمراضيك، وسدد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرا عزيزا مبينا.
اللهم اجمع كلمة المسلمين على التقوى.
أما بعد فهذه كلمة في الوضع المحلي:
للعلماء خيار في وضع البلد، وخيارهم وضع آمن مستقر مستقل عادل، ومسيرة تعاونية صاعدة، وحرية نظيفة في الدين والدنيا.
وهناك تعامل محيّر من الحكومة. المطلوب هو الوضع الهادئ المستقر الآمن، ولهذا الطريق، ولغيره طريق، والمطلوب من الحكومة(13) أن تعمل جاهدة على التأسيس والترسيخ والتثبيت والاستمرار لوضع راقٍ آمن مستقر مستقل عادل، ولأن تكون المسيرة الوطنية مسيرة تعاونية صاعدة، ولأن تعمّ الحرية النظيفة مجال الدين والدنيا.
لكن من المؤسف الذي يشهد به الواقع أن خطوة واحدة في هذا الاتجاه مفقودة، وأن خطوات متلاحقة من النوع الاستفزازي يتلو بعضها بعضا في استمرار، والكلام الآن في مجال الدين.
تضييق على المساجد والحسينيات في مجال وظيفتها الرسالية، ووصل التضييق موضوعاً للتشييد والتعمير.
ملاحقة ما ارتبط بشعائر دينيَّة منذ زمن طويل، ولم يحدث هزّة اجتماعية، ولا آثارا سياسية سلبية على الحكم، نجد ذلك في مطاردة الأعلام واللافتات الدينية عامة، والحسينية خاصة.
هذا الإصرار المتواصل والذي يتجدد اشتداده بين الحين والآخر بالنسبة لتغريب أحكام الأسرة.
وهذه القضايا بقاؤها لا يمثل خطرا على الدولة، وملاحقتها لا تمثل ضرورة سياسية، وفي هذه الملاحقة استفزاز وإثارة، ولأنها تطال الضمير الديني، وتعذّبه، فهي مثار فتنة كبيرة.
من الغريب أن يكون هذا، وهو أمر مدهش جدّاً.
ما حجة التقنين؟ ولا أريد أن أقف طويلاً لأن الموضوع قد أُشبع كلاما، ولن نلاحق كل كلمة هزيلة هنا أو هناك في الموضوع.
مطلوب مرجع للقضاء منضبط يرجع إليه القضاة والخصماء والمحامون، وأن يكون هذا المرجع الشرعي أو القانوني متقدّماً وعادلاً غير متّهم. صحيح هذا مطلوب.
ماذا تقولون في شرع الله؟ مرة نواجه شرع الله بعقلية وضعية غير دينية، والعقلية الوضعية غير الدينية والعلمانية لها أن تتهم عدل الله، لها أن تتهم دين الله، لها أن تتخلّى عن دين الله التخلي عن دين الله في هذا المجال أو ذاك أمر ممكن جدّاً حسب هذه العقلية والرؤية؛ لكن التعامل مع شرع الله في هذا البلد ومن الحكومة هل هو بعقلية دينية أو بعقلية لا ترى للدين وزنا، وتشك في عدل الله، وتقدم تشريع الغرب على تشريع الله؟! في ظل عقلية دينية قام دينها على العلم بعظمة الله، وعلم الله، وعدل الله لا يصح أبداً في منطق العقل أن نواجه تشريعاً إلاهيّاً تقصر عقولنا عن إدراك حكمته بالإنكار والاستنكار، والرفض، ونقدم عليه تشريعاً آخر علماً وحكمة وعدلاً.
هذا الشعب يتعامل مع شرع الله على أنه أعظم شرع، وأدق شرع، وأعدل شرع، فإذا كان لأي جهة من الجهات رؤية أخرى فهي في اتجاه غير الاتجاه الشعبي.
قالوا بأن هناك ظلما مرعبا في القضاء، وإذا كان كذلك فهو من مسؤوليتهم، ولن يأتي في يوم من الأيام أن يكون تشريع الأرض حلا لمسألة الظلم في أي بقعة من الأرض، وفي أي مساحة من مساحات الحياة بما بمثل البديل الأصلح عن دين الله تبارك وتعالى.
الظلم في القضاء إذا قررتموه فهو مسؤوليتكم، مسؤولية تعيينكم لقضاة لا أريد أن أحكم عليهم بشيء، أنتم أعلم بهم، إذا كان ظلم فهو إما لجهل يعاني منه قضاة، أو تقصير، وإما لفقد عدالة، ولعدم خبرة، وما إلى ذلك، فهي مسؤوليتكم، وليست مسؤولية تشريع الله الأحق بالعدل والدقة والانضباط.
ونسأل ما هو الدافع للتقنين على خلاف التشريع؟ لأن الحجة الظاهرية شيء، والدافع النفسي شيء آخر.
قد يكون الدافع ضغط المحافل العالمية غير الإسلامية السياسية والحقوقية، ولسنا مسئولين، ولا مستعدين للتناول عن ديننا وعن هويتنا وانتمائنا ترضية للآخرين الذين يختلفون عنا دينا ورؤية، ومجاملاتكم على حساب الإسلام لا يقبلها الشعب أبداً.
ولماذا هذا الموقف الضعيف والذوبان في موقف الآخر، والاستسلام أمام طلب الآخر في مسألة الدين، بينما يقابل ذلك موقف متصلّب شديد مقاوم إذا جاء الضغط في المسألة السياسية؟
تُطالبون من الغرب بقانون لأحكام الأسرة على خلاف دين الله، وتُطالبون بديمقراطية، تقفون أشد المواقف في وجه الطلب بالديمقراطية وتحسين مستوى الحقوق، بينما تستسلمون للضغط في مسألة الدين، وهل هذا إلا هو الاستخفاف، والاسترخاص للدّين؟!
وقد يكون الدافع رغبة نفسية وقناعة ذاتية، وفي ذلك دلالة خطيرة جدّاً حيث يدل هذا على أن الشعب في وادٍ من ناحية القناعة الدينية والخضوع للشريعة، والحكومة في وادٍ آخر حيث تخطّط لنقض الحكم الشرعي وتغييبه.
طرح المشروع من جديد هل هو تجربة لفاعلية الحملات الإعلامية والاجتماعية وتوظيف المال، وتوظيف السياسة، وتوظيف كل شيء في هزّ القناعات الإسلامية، في مواجهة الارتباط الأكيد من الشعب بالدين؟! هل تأتي هذه التجربة الجديدة، المحاولة الجديدة لامتحان صلابة الشعب، وأنْ وهل أثّرت الحملات المضادة للوعي الديني للشعور الديني بالدرجة المطلوبة؟ هل تريدون من جديد أن تعرفوا صلابة الشعب في دينه؟(14)
كان لنا دور إعلامي دافع، وكلمة صارخة تستحث الجماهير على الموقف الصلب في التجربة الأولى، وأنا أجد اليوم أننا أغنياء عن هذه الصرخة لأن وعي الشعب وحرصه على دينه كاف، وإدراكه لخطورة المسألة وصل الدرجة الكافية(15).
جرّبوا مرة بعد أخرى الوعي الديني لهذا الشعب وصلابته في دينه، واستعداده للموقف الذائد عن حرمة الدين من خلال حملاتكم المضادَّة فإنكم ستجدون هذا الشعب أصيلا في إسلامه، قويا في إيمانه، لا يبخل بشيء على دينه(16).
الموقف العلمائي في المسألة ثابت لم يتحرك قيد أنملة، وليس فيه أي تراجع لا على مستوى الرأي والخيار المطروح، ولا على مستوى الموقف العملي(17).
هما خياران لا ثالث لهما، كانا ولا زالا: ضمان الشرعية الفقهية على مستوى المذهب الجعفري باعتماد المرجع الأعلى لمشروع القانون، ينضاف إلى ذلك مسألة إسباغ الصفة القانونية على المشروع وهو عمل المجلس النيابي. للمرجع وظيفة لا تمسّ شأن الدولة، ولا تعني تدخّلاً في سياستها. المرجع الأعلى وظيفته فقهية أن يقول هذا مطابق لرأيي الفقهي، أو غير مطابق، وهذا يصح التعبّد به أولا يصح، وهذا صحيح تترتب عليه آثاره، أو فاسد لا تترتب عليه آثاره. والمسألة مسألة أعراض، إما زواج وإما زنا، إما طلاق يصحّح زواج المرأة من غير زوجها الأول، وإما طلاق لغوي تبقى معه الزوجية كما كانت فإذا تزوجت المرأة بزوج آخر كان زواجها سفاحا، إلى غير ذلك، والموقف ليس موقف تفصيل.
أقول هناك فرق بين ضمان الناحية الفقهية، وبين إسباغ الصفة القانونية، دور الفقهية ليس إسباغ الصفة القانونية على المشروع، هذه وظيفة الدولة، ووظيفة المجلس النيابي في الدولة، أما الناحية الفقهية ومطابقة الأحكام لهذا المذهب أو ذاك فهذه ليست وظيفة الدولة ولا المجلس النيابي هذه وظيفة المرجع الأعلى للطائفة. وكما يهمّنا انضباط المسار الشرعي لقانون الأحكام الأسرية في الإطار المذهبي الجعفري فإنه يهمنا في إطار المذهب السني كذلك، وعدم كلامنا في هذا الإطار لتركنا المسألة لرأي العلماء في المذهب السني على أنّ أي عالم سني يريد أن يلتزم بالمذهب السني حقّاً فإنه لا يستطيع القول بجواز مثل هذا القانون الذي يضع مصير الحكم الشرعي بيد مسألة التصويت وتقلباتها، وتقلبات الأهواء السياسية والثقافية الحاضرة والمقبلة التي تتحكم فيها.
الخيار الثاني اعتماد القضاء الجعفري على رأي المرجع الأعلى للشيعة مباشرة بقرار صادر من مجلس القضاء الأعلى ابتداء ولمرة واحدة، ويكون هذا القرار ثابتا لا يغيّر من المجلس المذكور ولا من غيره.
والحمد لله رب العالمين.
اللهم صل وسلم على حبيبك المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين. واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اللهم إنا عبيدك المملوكون لك لا لسواك، ياربنا الذي لا تعويل لنا على غيرك، ولا ثقة بمن دونك ارحم ذلّنا بين يديك، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك، واحمنا واحفظنا بحفظك الذي لا يرام، وأعزّنا بعزّك الذي لا يضام، وسلّم لنا ديننا ودنيانا ما أحييتنا، وارحمنا برحمتك الواسعة إذا توفيتنا، وابعثنا مبعثا كريما آمنا يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(18).

____________________________
1 – 38/ الشورى.
2 – ميزان الحكمة ج2 ص1524.
3 – بحار الأنوار ج72 ص104.
4 – تحف العقول ص233.
5 – بحار الأنوار ج72 ص105.
6 – ميزان الحكمة ج2 ص1526.
7 – المصدر ص1527.
8 – بحار الأنوار ج72 ص103.
9 – مكارم الأخلاق ص318.
10 – الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة ص6.
11 – المحاسن ج2 ص602.
12 – ميزان الحكمة ج2 ص1527.
13 – أولاً ومن الشعب ثانياً وذلك حسب منزلة المسؤولية، وتولي الأمر، وملك الإمكانات. الترتيب جاء من هذه الجهة، وليس من أن الحكومة أو أي واحد بغض النظر عن أيِّ شيء أولى من الآخر في العمل على تصحيح الأمور.
14 – هتاف جموع المصلين بـ(بالروح بالدم نفديك يا إسلام) و(هيهات منا الذلة).
15 – هتاف جموع المصلين بـ(لبيك يا إسلام).
16 – هتاف جموع المصلين بـ(بالروح بالدم نفديك يا إسلام).
17 – هتاف جموع المصلين بـ(معكم معكم يا علماء).
18 – 90/ النحل.

زر الذهاب إلى الأعلى