خطبة الجمعة (270) 13محرم الحرام 1428هـ – 2 فبراير 2007م

مواضيع الخطبة:
تتمة موضوع التوحيد + وحدة وطنية وإسلامية جامعة

 

إن شعار الوحدة دعوة للمجتمع ولمؤسساته وأفراده بأن يقولوا القول الحسن وأن يفعلوا الفعل الحسن وأن يطرحوا المشاريع والبرامج الرشيدة والتي تغذي الشعور بواجب الوحدة وتفعّلها.

 

الخطبة الأولى

 

الحمد لله الذي لا يفي أهل الطاعة بحقّه، ولا يُخلّ أهل المعصية بقدرته، ولا حول ولا قوة للكل إلا بحوله وقوّته.
أشهد ألا إله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا كثيرا.
عباد الله علينا بتقوى الله، وأن نطلب الآخرة بالدّنيا كما فعل الصالحون والمصلحون، ولا نطلب الدنيا بالآخرة كما فعل الفاسدون والمفسدون، فإن طلب الآخرة بالدّنيا ليصلحهما ويسعد، وإن طلب الدنيا بالآخرة ليفسدهما ويُشقي.
اللهم صلّ وسلم على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين.
اللهم اجعل رغبتنا في ما رغّبت فيه عبادك الصالحين، وزهدنا في ما زهدتهم فيه، واصرفنا عمَّا صرفتهم عنه يارحيم ياكريم.
أما بعد فهذه متابعة لحديث التوحيد:
“فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها”(1) فالدين فطرة ومن صميم الخلق، فما دام انسان فالدين دائماً شيء من ضميره، وممتزج بفطرته. لا انفكاك بين هذا الانسان وبين فطرة الدين، والانسان إما أن ينقسم على نفسه فيكون داخله في اتجاه، وخارجه في اتجاه آخر، وإما أن يكون منسجماً مع نفسه فيكون خارجه كما هو داخله في تطابق، وعلى خطّ واحد. ولا يعيش الانسان حالة الانسجام إلا بأن تتسق مواقفه مع فطرته وقد فطر على دين الله تبارك وتعالى.
يشقي الانسان نفسه أيّ شقاء إذا انقسم على نفسه، وإذا عاش في داخله حالة الانشطار والتعارض، بين دوافع المادة والروح.
الأساس الذي أتيح للانسان أن يبني عليه أفكاره، ومشاعره، وأوضاع حياته هو أساس الفطرة والايمان وفي ذلك انسجام وفي ذلك توافق، وأما أن يقيم الانسان بناءه الفوقي من أفكار ومشاعر وأوضاع على خلاف ما عليه قاعدة البناء وهي الفطرة ففي ذلك كل الانشطار، وكل التهافت وكل الشقاء. فالآية الكريمة تأمر بإقامة الوجه حنيفاً بلا ميل لا إلى يسار ولا إلى يمين. الأمر أن يقام الوجه على خطّ الدين، خط الفطرة ، خط التوحيد… أن يتجه الوجدان، أن تتجه المشاعر، أن تتجه الأفكار، أن تنشط الجوارح على خطّ مستقيم واحد هو خط الله وتوحيده تبارك وتعالى بلا ميل الى اليمين أو الى الشمال فليس من دون الصراط إلا السقوط في الشقاء.
نعم إن الدين فطرة وليس من صنع الخارج، الدين لا تزرعه التربية في النفس، ولا الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولا عوامل الخوف والحزن وما إلى ذلك، الدين كما قرر القرآن الكريم فطرة، وأن الانسان لم يخلق الا على دين، ولم يخلق على دين متعدد، وإنما خلق على دين واحد وهو دين الله تبارك وتعالى دين التوحيد.
انظر إلى الانسان في كل وجوده، إنه يتجه دائما في كلّ وجوده وحياته الى الاستعطاء من مصدر واحد، مصدر يملك العطاء. الانسان مستقطب الى الله عزوجل ومتمحور حول الله عزوجل ومنشد الى الله عزوجل في كل خلية من خلاياه وفي كل ذرّة من ذرّاته. تطلب الخلية والذرة الوجود، وتطلب النظام، وتطلب الحركة، وتطلب الغاية، وتطلب المسار إلى الغاية، وليس من معط لأي شيء من ذلك إلا الله سبحانه وتعالى.
على المكشوف نحن نبحث عن الاكسجين، والاكسجين من عند الله، نبحث عن الشعاع والشعاع من عند الله، نبحث عن الطعام والطعام من عند الله، نبحث عن كل حاجاتنا وليس من مصدر لعطاء هذه الحاجات إلا الله.
هذا الانسان بكل حركته التكوينية متجه قهراً إلى الله عزوجل، ولو مال عن خط الله ميلا بسيطا ولو بمقدار شعرة هلك، حيث أنه لو عطل تعامله الإيجابي مع أي قانون من قوانين الله عزوجل في الحياة ولم يتفاعل معه التفاعل المطلوب لانتهت حياته المادية؛ فحياة الروح هي كذلك تنتهي بالميل عن الله عزوجل، ويسقط الانسان روحياً، ويسقط الانسان إرادياً اذا انحرفت إرادته ولو بمقدار يسير عن اتجاهه لله عزوجل.
هذا معنى الفطرة، فإذا كنت قد فطرت على أن لا تعيش إلا بطعام وشراب وأكسجين فأنت لا تستطيع ان تعيش بغير ذلك، وإذا كانت روحك قد فطرت على الدين فإن بقاء الروح حية حيوية متحركة نامية لا يمكن ان يحصل الا من خلال انشدادها الى الله عزوجل.
نقرأ في هذا السياق من القرآن الكريم {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ}(2) هي الفطرة والتي ليس فوق جمالها بالنسبة لهذا الانسان جمال، وليس فوق إحكامها إحكام، وليس فوق هادفيتها أيّ هادفية. {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى}(3) فطرتنا تقول بلى، وجداننا الطاهر يقول بلى، وعينا الباطني يقول بلى، حاجتنا الى الوجود، حاجتنا الى الحياة والتي لا يمكن استرفادها إلا من الله تقول بلى.
أصل احساس الانسان بوجوده وهو غير موجود بذاته كما في شعوره الباطني يشهد بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}(4) هناك جواب فوري، جواب لم تصنعه التربية، جواب يعيشه المؤمن والكافر ولو في باطنه {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} ليس هناك من يقول رئيس دولة صغيرة أو كبيرة، أو عالم صغير أو كبير وليس هناك من يقول أنا الذي خلقت السموات والأرض، وليس هناك من يقول بأن الذي خلق السموات والأرض ملك يملك طاقة هائلة جداً ولكنها محدودة وأنه يحتاج الى موجد. الذي تقوله الفطرة بأن هذا الموجود بموجد، وبموجد لا يحتاج من خارجه الى الوجود.
{حُنَفَاء لِلَّهِ}(5) متجهين لله بلا ميل، هذه هي الحياة الصحيحة، هذا هو الوعي، هذا هو الرشد، هذه هي الحكمة، هذه هي الإرادة الخيرة، هذه هي الهادفية والبصيرة {حُنَفَاء لِلَّهِ} متجهين لله لا يميل بهم عاصف.
ونقرأ من الحديث في هذا الصدد في قوله تعالى” فطرة الله” التوحيد”. فسّر الامام الصادق عليه السلام الفطرة بالتوحيد، وأن التوحيد في النفس من زراعة الله عزوجل في خلقه لها.
وأيضا عن الباقر عليه السلام في نفس المورد “فطره على معرفة أنه ربّهم ولولا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربهم ولا من رازقهم”(6).
وعن الرسول صلى الله عليه وآله “كل مولود يولد على الفطرة”(7) – يعني على المعرفة بأن الله عزوجل خالقه- فذلك قوله – أي قول الله عزوجل- {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} الآية الكريمة تقول بأن في داخلكم جوابا حاضرا فعليا، على سؤال من خلق السموات والأرض، وهو جواب النفس المعلن صريحاً ما لم يطرأ عليها الغبار والضلال والتضليل وأن خالق السموات والأرض الله تبارك وتعالى.
نفسك لو تركت لنفسك، فطرتك لو بقيت عليها، لم تأخذ بك الى عبادة صنم من حجر أو طين ولا انسان لا تأخذك الى عبادة أحجار ولا نار ولا شجر ولا بشر، إنما تأخذك لعبادة الواحد الأحد تبارك و تعالى.
في قوله تعالى {حُنَفَاء لِلَّهِ} سئل أي الإمام الباقرعليه السلام ما الحنيفية؟ قال:”هي الفطرة التي فطر الناس عليها”(8) فالحنيفية الاستقامة على خط الفطرة خط التوحيد لله الواحد الأحد بلا التفات إلى نعيق بيسار أو يمين. النصوص بالغة حدّ التواتر والمسألة بالغة حدّ اليقين وهي مسألة أن رؤية الاسلام في معرفة الله تبارك وتعالى أنها لا تحتاج في أصلها إلى تعليم، ولا تحتاج الى بناء فلسفي من الخارج يدلل عليها. نعم للفلسفة دور للبلورة بدرجة أكبر، التركيز بدرجة أكبر ،دفع الشبهات. أما أن أصل معرفة الله عزوجل فهو مختمر في داخل النفس البشرية فما أن يصل الانسان الى حدّ التمييز حتى تتفتح مشاعره وتنطلق روحه في اتجاه الله تبارك وتعالى إذا لم يقف في وجهه المفسدون والمضللون.
الآية الكريمة تقول:{وإذا مسّ الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائما} الانسان في حالة الأزمات والورطات الشديدة جدا كافرا او مؤمنا تبحث روحه عن منقذ لايراه مثله محدودا، عاجزاً أمام الأسباب. والمتصور أن له هنا ثلاث حالات:-
1- إما أن روحه، حسه الباطني، وجدانه العميق في هذا الفرض يعيش حالة اليأس بعد تقطع الأسباب الظاهرية لأن نفسه في أصلها تبني على أن الحياة قائمة على الأسباب الظاهرية فحسب، إذ لو كان الانسان يعيش في عمقه الفطري بأن الوجود والحياة معتمد على هذه الأسباب الظاهرية لكان في حال الورطات الشديدة وانقطاع الأسباب الظاهرية بالكامل يصاب باليأس والقنوط ولا يستغيث ولا يلجأ إلى شيء، والوجدان شاهد بغير ذلك؛ ففي حال تعرض الطائرة للسقوط تتطلع نفوس ركابها إلى مخلِّص لا تحكمه الأسباب.
2- أن يلجأ إلى أحد من الناس أو أي قوة تحكمها الأسباب والكل يعرف أن هذا غير حاصل.
3- أنه وهو في ورطة، وليس هناك أي سبب من الأسباب يمكن أن ينقذه، لا يستغيث واعيا بأي شيء من الأشياء من دون الله عزوجل. وإنما يستغيث إذا كان مؤمنا ويصرخ حالاً يا الله، وإذا لم يكن مؤمناً فهو يتجه بروحه إلى منقذ قادر على إنقاذه، يشعر في باطنه بأنه قادر على إنقاذه برغم خذلان كل الأسباب. وهذه هي الحالة الوجدانية التي ينبه عليها القرآن الكريم إذ يقول:”وإذا مسّ الانسان الضرّ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً”(9).
وهذا قد يفلسف في الكلام الجاحد، والفكر الكافر بأن حالة الخوف وحالة الهلع تخلق واهمة أن هناك منقذاً للانسان، والجواب على هذا أن لو كانت المسألة بهذا المستوى لما عمّت الحالة كل الناس؛ كان ذلك الانسان انسان صحراء أو كان انسان حاضرة، كان جاهلاً أو متعلماً،كان أكبر الفلاسفة ولو كان أكبر الملحدين.
{وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً}(10) الآيات الكريمة تنبه هذا الانسان على أنّه يعيش فطرة التوحيد التي تبرز بوضوح في مثل هذه الحالات التي يصاب فيها باليأس الكامل الموضوعي من انقاذ الأسباب له فهو هنا لا يعيش حالة اليأس المطلق ولا يتشبث بالأسباب إنما تتجه روحه إلى مسبب الأسباب والقادر على كل سبب، متطلعة للإنقاذ.
اللّهم صلّ على محمد وآل محمد واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين وتب علينا إنك انت التواب الرحيم.
اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك تباركت وتعاليت والحمد كله لك، ومصير الخلائق إليك.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد }

 

الخطبة الثانية

 

الحمدلله ذي النعم الجليلة، والآلاء السابغة، والأيادي الفاضلة، بنعمته تقوم السماوات والأرض، ويحي الأحياء، وتتم الصالحات، وتمحى السيئات، وتضاعف الحسنات.
أشهد ألا إله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا كثيرا.
عباد الله علينا جميعاً بتقوى الله، والاتعاظ بالموت، وكفى بالموت واعظا، فلم الظلم والموت آت، ولم الغرور والموت آت، ولم الاصرار على الذنب والموت آت، ولم تشترى الدنيا بالآخرة والموت آت، ولابدّ من الفراق؟! وفي الدنيا نفسها عبرة فإنها دار آلام وأمراض وأسقام وعاهات وآفات، وفتن، ومحن، ورعب، وبلايا، وحسرات. إن الدنيا ما أغرتك إلا و حذَّرتك، ولئن كان كان في الدنيا إغراء، فإن فيها دروساً للتحذير لا تعدّ ولا تحصى.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين يا رحيم يا كريم.
اللهم اجعلنا ممن تفكّر وتدبر وتبصّر، وبغيره اعتبر، ولآخرته نظر، وكان آخر أيامه وهو يوم يلقاك أفضل أيامه وأبركها وأكثرها مسرة وغبطة، يا أكرم من كل كريم ويا أرحم من كل رحيم.
اللهم صل وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الأئمة الهادين المعصومين: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحفَّه بملائكتك المقربين، وأيده بروح القدس يارب العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفقهم لمراضيك وسدد خطاهم على طريقك.
أما بعد أيها الاعزاء فهذا كلام مختصر:
المجلس العلمائي رفع شعار الوحدة لهذا العام وهو “وحدة وطنية وإسلامية جامعة”. لماذا هذا الشعار؟ هذا الشعار يستهدف ثلاثة أمور:
1- لقد وصلنا إلى أسوأ حالة من حالات الفرقة والشتات وهي حالة التأصيل للفرقة والشتات، والتأصيل للاحتراب، حتى أصبح الاحتراب بين المسلمين ديناً، وصار قتل المؤمن للمؤمن، المسلم للمسلم سبباً لدخول الجنة، ولم تصل الأمة في يوم من الأيام الى حالة اخطر من هذه الحالة. أمام هذا التأصيل لحال الفرقة والشتات والاحتراب لابدّ من تأصيل للوحدة بين أبناء أمة الإسلام وهو جاهز قرآنا وجاهز سنة وجاهز تأريخاً للمسلمين. وواضح أن الوحدة الاسلامية دين، وأن الدين ناقص بلا اعتقاد وجوب الوحدة الاسلامية والعمل من أجلها.
فالهدف الأول لطرح هذا الشعار أن نشتغل بحالة من التأصيل للوحدة الاسلامية الجامعة ليتحول الايمان بها في ذهن الانسان المسلم وفي نفسيته إلى إيمان حيّ فاعل متحرك على الأرض. الحالة الاسلامية في هذا الاتجاه تتعرض لتشويه خطير جدا، يعادي القرآن والسنة وتاريخ المسلمين ويخالف ذلك كله تماما وذلك من خلال واقع التأصيل للفرقة والشتات و الاحتراب.
2- أن تأخذ حالة الايمان الفكري بضرورة الوحدة من ناحية دينية حالة شعور يملأ على النفس أقطارها، ويعطي الانسان القدرة على الفاعلية والحركة في اتجاه التضحية من اجل قيم الوحدة، ومن أجل واجب الوحدة، ومقتضياتها.
3- أن نعيش نوعاً مشروع الوحدة في كل مجتمعنا بمعنى ان تعيش هذه الفئة مشروعاً وحدوياً معينا، والفئة الأخرى تعيش مشروعاً آخر مثلاً، وتلك المؤسسة تطرح مشروعاً ثالثا ونفعله. يتحرك الشعار من أجل أن تطرح مشاريع وحدوية تستقطب اهتمام الساحة، ولعلها تصل بالساحة إلى درجة من الاقتراب من هذا الواجب العظيم وهو واجب الوحدة.
نحن نعلم تماما بأن المشكلة اكبر بكثير لمعالجتها من أن يطرح شعار، وينشط لهذا الشعار ويأخذ تمحورا كبيرا من المسلمين لسنة او سنتين او ثلاث حتى على مستوى الأمة فضلا عن مستوى بلد صغير أو مؤسسة محدودة، ولكن لابد من الاسهام. نحن لا نطمع بهذا الشعار في حل المشكلة، بقدر ما نطمع في الاسهام في هذا الحل، والقيام بالامتثال الواجب الالهي في هذا الاتجاه.
وبمناسبة طرح هذا الشعار يكون على المجلس الاسلامي العلمائي الذي تبناه ان يطرح برنامجه العملي الذي يعبئ الحالة الفكرية والنفسية والعملية في اتجاه مصلحة هذا الشعار.
على المجلس الاسلامي العلمائي أن لا يطرح شعارا من دون أن يطرح برنامجه العملي الذي يعطي الفاعلية لهذا الشعار ويترجمه على المستوى العملي. والمسؤولية ليست مسؤولية المجلس العلمائي وحده، سواء وفَّى بواجبه أو قصر فإن المسؤولية مسؤولية الجميع.
الشعار دعوة لكل المجتمع، لكل أبناء الوطن، ولكل مؤسساته أن يتعاونوا على الخير وأن يدخلوا في مشاريع وحدوية وأن تكون لهم خطواتهم العملية التي تترجم شعورهم بالحاجة الى الوحدة وايمانهم بما دعا اليه القرآن الكريم والسنة المطهرة من هذا التعليم الضروري الكبير.
الشعار دعوة للمجتمع ولمؤسساته وأفراده بأن يقولوا القول الحسن وأن يفعلوا الفعل الحسن وأن يطرحوا المشاريع والبرامج الرشيدة والتي تغذي الشعور بواجب الوحدة وتفعّلها.
وهنا تتحمل الحكومة بخصوصها ومن بعد ذلك المجلس النيابي واجباً خاصا في هذا الاتجاه. سبق أن قلت بأن مشكلة الفرقة والتمزق والشتات في هذا الوطن أكبر أسبابها الموقف الحكومي والخلاف على المسألة السياسية، الخلاف والنزاع في المسألة السياسية ينعكس بآثار سلبية مدمرة على المجتمع كله، ويخلق خلخلة كبيرة في الصف الاسلامي سنيّه وشيعيّه، وسنيّه سنيّه، وشيعيّه شيعيّه، ويخلق مواجهات حادة لا مبرر لها وإنما هي مواجهات موهومة. كل ذلك مسؤولية يتحملها الخلاف السياسي المنطلق من موقف الحكومة. الحكومة والمجلس النيابي مسؤولان ان يعملا بروح تعاونية ووحدوية، ونية صالحة، وجهد مضاعف لصالح هذا الشعب ووحدته وإخائه وتقدمه.
وبهذه المناسبة يأتي الأسف الشديد، والاستياء البالغ لحكم المحكمة في اليوم الحادي عشر من المحرم وفي عقب إحياء عشرة عاشوراء مباشرة وهو حكم غير متوقع على الأخوين المؤمنين الكريمين محمد سعيد وحسين.. ذلك لسبب لا يعبأ به في أي بلد يحاول أن يأخذ بسياسة الاصلاح والانفتاح، ولا أدري هل الحكومة قد أمنت الوضع الأمني بالكامل وخرجنا من كل حالة الفوضى وحالة الانفلات الأمني وحالة التمزق والشتات بسبب حكم هذين المؤمنين لأنهما سبب كل الشتات وكل الفتنة وكل التمزق؟ أترى الحكومة أنها بهذا سدّت باب النزاعات وباب الخلافات وباب المطالبات وباب المظاهرات والمسيرات! إن ذهبت إلى هذا فهي واقعة تحت أشدّ الوهم. لا أدري هل ترى الحكومة أن إطلاق الأخوين الكريمين سيخلق حالة من الفوضى وسيقودان الساحة الى المجهول؟ كل التهمة انهما أرادا أن ينشرا مادة منشورة في الانترنت وربما قنوات فضائية متعددة. حالة الانفتاح وحالة الاصلاح التي يتحدث عنها تتنافى جداً جداً مع الحكم بالسجن لمثل هذا الحدث البسيط.
أما عن عاشوراء، فشكر الله سعي المؤمنين أن بذلوا ويبذلون جهودا كبيرة جبارة في إحياء هذه الشعيرة شعيرة يوم الطف.
كل ما بذل من جهود ومن أموال ومن أوقات لا يستكثر على عبدالله عليه السلام ولا أحد على الاطلاق يطالب بتقليل الجهد أو البذل وإنما يطالب بالترشيد وأن تكون النتائج متوازية مع كل هذا الجهد وكل هذا البذل.
العطاء على المستوى الشكلي وعلى المستوى الحقيقي كثير لكن النتائج والاستفادة والاقتباس والاستنارة من دروس كربلاء شيء قليل لا يوازي كل ذلك البذل.
المشكلة الاخلاقية التي تتوسع وتفسد الاجواء الروحانية المباركة في عاشوراء وأجواء الحماس والرجولة والارادة الحية تمثل أزمة حقيقة وتحدياً كبيرا لكل المؤمنين والحلول موجودة وكلما يتطلب الحل هو إرادة جدية في هذا المجال.
يطلب من كل الاخوة أن يقدموا اقتراحاتهم لاصلاح وضع الموكب ومعالجة المسألة الاخلاقية، فيه والمجلس العلمائي مستعد لتلقي كل هذه الاقتراحات. وخطوة اخرى انه يطلب من كل المؤسسات الحسينية وخاصة في العاصمة أن تتساند وتتعاون بعد تدارس الحل وبعد الوصول الى حل مرضي في هذا المجال؛ تتساند وتتعاون مشتركة في تطبيق الاقتراح المتبني.
مالم نتحرك اليوم يصعب علينا ان نتحرك غداً ونحن بلا شك معاقبون أمام الله مادام يوجد منكر أمام أعيننا ونحن نقف مكتوفي اليد أمامه. وإذا كانت هناك منكرات كبيرة يدنا قاصرة عن تصحيحها وعن الغائها فمثل هذا المنكر لا يستحيل على المعفيين في هذا البلد أن يتخلصوا منه.
مسألة التطويرللإحياء، يجب أن تتحرك في إطار المستحب والمباح بالمعنى الخاص، ولكن حتى مع تأطر أساليب الاحياء المتجددة لا نرضى الارتجالية والانطلاقة المفتوحة. يجب ان تخضع عملية تجديد الأساليب الى تدارس والى قرار واع وإلى نظر مرجعية علمائية في هذا البلد. أما ان يستجد عند هذا رأي فيطبقه، وذاك يتراءى له اسلوب فيأخذ به، والآخر كذلك، والرابع مثله، فهذا قد يوصلنا لحالة من حالات الانفلات التي يصعب معالجتها.
هناك أساليب تعتبر أساسا في الاحياء وأساليب مساندة وثانوية فالأئمة عليهم السلام بعد أن نصوا على أساليب معينة فيجب أن تكون هي الاساسَ والمرتكزَ في عملية الإحياء.
المنبر الحسيني هو أسلوب من الأساليب التي ينبغي أن تكون خالدة والتي نعتبرها محورية والا نقدم عليها أسلوباً أخر، المنبر منبع للتغذية الفكرية والنفسية والروحية وبناء الاجيال بناء ايمانيا صلباً وأهميته عندكم واضحة لا تحتاج الى شرح.
الموكب وهو يأتي في الدرجة الثانية وله وظيفة أخرى وهي ان الموكب هو الأقدر على استيعاب كل الشرائح، ولكنه صار اليوم يحتاج الى ترشيد كبير كبير جدا، فقد دخله السيئ ليس من ناحية المزاحمة اللا أخلاقية فحسب وإنما من ناحية اخواننا المنشدين فهذه الأصوات والحركات التي تقتل الرجولة وتقتل الارادة وتنعكس بأثر سلبي كبير على المناسبة وتخسّرنا أجيالا بعد أجيال يجب ان نتدارك أمرها، وأن نرجع الى طرح آخر يغذي حالة الرجولة وحالة الارادة القوية.
يكفي ترديد حسين حسين وفي حالة رجولية صارمة جدية لطرد كل اللا اخلاقيات ولتخليص الناس من فتيات مبتلاة بالميوعة، ويمكن أن تطرح المعاني الرسالية الكبيرة بالصورة اللائقة لتكون مربيّة. إما أن يتحول الرادود إلى ممثل سينمائي في نسيان لرجولته، أو إلى شبه مغنّ فحرام علينا أن نلتف حوله، ونعطيه الفرصة لتشويه هذه المناسبة الدينية وإساءة الاستفادة منها، والانحراف بها عن خطِّها.
إنها عملية امتصاص لجهود المؤمنين، وامتصاص لميزانيات ضخمة، وتعدٍ على قدسية المناسبة وسرقة لها.
يجب أن تعالج هذه المشكلة، يجب ان نقف بكل صرامة أمام هذا المدّ غير الواعي والرشيد.
اللهم صلّ وسلم على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اكشف كروبنا، وفرج همومنا، واستر عيوبنا، وشافنا وشاف مرضانا، وأذهب عنا كل سوء، وامنع عنّا كل أذى، وألطف بنا يالطيف يارحيم ياكريم. اللهم اكشف هذه الغمّة عن هذه الأمة ووحّد كلمتها على التقوى.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – الروم 30
2 – البقرة 138
3 – الاعراف 172
4 – الزمر 38
5 – الحج 31
6 – ميزان الحكمة ج3 ص277
7 – ميزان الحكمة ج3 ص279
8 – ميزان الحكمة ج3 ص279
9 – يونس 13
10 – الزمر 8

 

زر الذهاب إلى الأعلى