خطبة الجمعة رقم (245) 5 جمادى الأول 1427هـ – 2 يونيو 2006م

مواضيع الخطبة:

 

– حديث في الهمّة + أرأيت بيتاً؟ +  الخلاف الرسمي مع معهد (NDI) + هل بدأت الديموقراطية في البحرين؟! +  توحيد إدارتي الأوقاف +  النظام الوظيفي لأئمة الجماعة والجمعة

 

 كوني أُمكِّن للسياسة من تعيين الإمام وفصله ووضع شروط الإمامة وإملاء وظائفها هذا التمكين والإقرار لوظيفة التعيين و الفصل ووضع الشروط وتحديد الوظيفة حرام في نفسه قابله أجر أو لم يقابله أجر، سمّيته عقدا أو لم تسمِّه، سمّيته أجرا أو رزقاً، سمِّه ما شئت فإن هذا التمكين في نفسه وعارياً عن كل شيء آخر حرام بيِّن.


الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جعل من الرزق الحلال ما يقوم بحاجة العباد، ولم يُنقِص من رزقه بما يُشقي خلقه، ولم يزده بما يطغيهم، وقد جعل من تكامل التّكوين والتشريع تفاوتات الرزق موزونة، ولم يجعلها مُبطِرةً ملهية، ومفتنة مغوية. وفي تفاوتات الرزق في ميزان التكوين والتشريع مجتمعَين ابتلاءٌ مقدور، وحكمةُ تربيةٍ، وفائدةُ تعاون وتكامل.
عباد الله ألا فلنتّقِ الله، والتقوى درجات ومن أوضحها ترك الشبهات صيانةً للدين، ومرضاةً لربّ العالمين؛ فقد جاء عن علي عليه السلام:”لا وردع كالوقوف عند الشّبهة”(1) والوقوف عند الشبهات يقي ويُباعد من المحرَّمات، ومن تقحَّم الشبهة وغشاها كثيراً لم يكدْ يبقى بينه وبين الحرام حاجز؛ فمن الوارد عن الرسول (ص):”دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فمن رعى حول الحِمى يوشك أن يقع فيه”(2)، وعن عليٍّ عليه السلام:”إيّاك والوقوع في الشّبهات، والولوع بالشّهوات، فإنّهما يقتادانك إلى الوقوع في الحرام، وركوبِ كثير من الآثام”(3).
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وذُدنا عن موارد الحرمة والشبهة في عافية، ووفِّقنا للأخذ بالطاعة في رغبة، واكفنا على طريق طاعتك من الفتور والسأمة، وامنحنا الهداية والمعرفة برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد فهذا حديث في الهمَّة وتفاوت قدرها، ومتعلَّقها، وأثرها في نوع السلوك، ومستوى الحركة عند صاحبها، والخلفية الفكرية التي تتحدد في ضوئها، وقيمة الشخصية الناتجة عنها. والحديث يقف عند بعض المختارات من النصوص في هذه الشؤون.
والِهمَّةُ تطلّعٌ نفسي لشيء مادي أو معنوي ترى النفسُ سعادتها فيه، ولتمكّنه فيها يخلق عندها إرادته ويحركها في اتجاهه، ويولّد فيها الاندفاعة والنشاط من أجله، ويصبِّر على طريقها، ويسهِّل تحمّل الصعاب من أجل الوصول إليها.
وهذه بعض المختارات من النصوص الواردة في الموضوع لم يراع فيها ترتيب معيّن:
نقرأ مما ورد عن علي عليه السلام:”خير الهمم أعلاها”(4) فالناس يتفاوتون همما، وبتفاوتهم في الهمم يتفاوتون أقداراً.
همة هابطة وهمة عالية، همة تتعلق بالماديات، وهمة تتعلّق بالمعنويات، همة لا تدفع صاحبها إلى ذراع من الطريق، وهمة تأخذ بصاحبها إلى آخر الشوط حتى تتحقق الأمنية.
“لا شرف كَبُعْدِ الهمّة”(5) وبُعد الهمّة يُنتج موقعاً متقدِّماً، ويُعطي شرفاً عاليا، فشرف مع هبوط الهمّة طلبه من باب الوهم. من طلب الشرف والعزة والكرامة والتقدّم وهو لا يملك الهمة العالية فقد طلب المستحيل في العادة.
“أتعب النّاس قلباً من علت همّته، وكثرت مروّته، وقلّت مقدرته”(6).
إذا كان المرء صاحب همّة عالية إلا أنه ضعيف البدن في ما يتطلب قوة بدن، قليل الحيلة في الخارج، يطرق أبواباً عدة ولا تتوفر له القدرة عليها، كُتب عليه وضع معيّن لا يساعد على بلوغه مقتضى همّته، فهنا يحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى تسليم، ورضى بقدر الله، وإلا فإن نفسه ستذوب حسرات.
احترس من أن تكون لك همّة عالية من غير أن يكون لك رضا بقضاء الله، وتسليم بما كتب، فليس كلّ ما نطمح إليه، وينشدُّ إليه شعورنا يكون بالمستطاع، صحيح أن الهمة تدفع في اتجاه الهدف، وتنشِّط النفس، وتضاعف الجهد، ولكن كل ذلك لا يُمثّل علة تامة لبلوغ الهدف؛ فحيث تكون الهمة عالية، ويرتبط في الشعور المصير ببلوغ ما تبنّته النفس من هدف من غير أن يسلِّم المرء أمره لله فإنه يهلك حيث لا يبلغ الهدف.
“ألمرءُ بهمّته لا بقُنيته”(7).
المرء بما هو عليه من همّة، من عزم، من تصميم، من هدفٍ عال، وليس بما امتلك من متاعٍ وأثاثٍ ورياش. كل شيء عدم الهمّة يمكن أن يفقده صاحبَه، والهمة وحدها مع توفيق من الله تبلغ بالمرء مبالغ عالية.
وحين ننظر إلى شرف الذّات، وإلى كرامة النفس فإننا نجدها في سموّ الهدف، وعلوّ الهمّة، وبُعد الرؤية لا في ما ملكت يدا المرء.
“ما رفع امرءاً كهمَّته، ولا وضعه كشهوته”(8).
ابن الشهوات ساقط، ابن الشهوات حقير، ابن الشهوات دوني، الشهوات لا تتقدم بصاحبها على طريق الإنسانية الرفيع شبراً واحداً، والهمّة الكبيرة هي مركب الإنسان إلى المراتب العالية والمواقع الرفيعة(9).
“اجعل همّك لآخرتك، وحزنك على نفسك، فكم من حزين وفد به حزنه على سرور الأَبد، وكم من مهموم أدرك أمله”(10).
الأهداف في الدنيا متفاوتة، منها هدف طويل القامة، ومنها قصير القامة، ولكن كل أهداف الدنيا قصيرة قامتها إذا قِيست بهدف الآخرة، وأكبر الناس وأسماهم من كان همُّه همّاً أخروياً. وما تقدم الأنبياء والمرسلون والأئمة عليهم السلام كل القوافل البشرية إلا لأن همّتهم لم تكن في الدنيا وإنما كانت في الآخرة. وصاحب الآخرة بناؤه لنفسه، وصاحب الدنيا بناؤه لبيته، وزرعه لحقله.
صاحب الآخرة طريقه إليها سموٌّ في النفس، وطهارة في القلب، وتربية عالية للذّات، ومن هذا يتخرّج نموذجاً إنسانياً رفيعاً، وقدوةً صالحةً لكل الأجيال.
حين يكون همُّ المرء رضوان الله، وبلوغ الدرجات العالية عنده في الجنّة ينصبُّ اهتمامه على صناعة ذاته الصناعة التي تُرضي الله وليس من صناعة أرقى وأروع من صناعةٍ للذات تأتي في ضوء أسماء الله، وعلى أساس طلب رضوانه.
والهمم العالية تتطلّب جهدا متواصلاً، وجهادا مخلصا مستمرّاً، وليس من جهاد بنّاء، وليس من جهاد يصفّي الذات وينقّيها ويعليها كما هو الجهاد في الله تبارك وتعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا….}(11).
وعلى هذا الطريق؛ طريق الانسجام مع الهمّة العالية من حيث الجهد والجهاد نقرأ “مَن أسهر عين فكرته بلغ كنه همّته”(12).
أن تكون الهمّةُ عالية، والتفكير متّجهٌ إلى أمر آخر، أو أن يُعطِّل الإنسان تفكيره، ولا يشحذ فكره فإنّه غير بالغ ما تقضي به همّته. يتطلّب بلوغ الهمم العالية التفكير، والتدقيق، والتأمُّل، ونشاط الحركة الفكرية. الفرد، المجتمع، الأمة إذا كانت لهم همّة عالية فإنهم واهمون أن يبلغوا همّتهم من دون أن يُنشِّطوا تفكيرهم، ومن دون أن يُسابقوا في العلم، ويجاهدوا على طريقه، فإن طريق العلم طريق موصل، وطريق الجهل طريق منقطع.
ومع الجهد الفكري لا بد من جهد عملي “مَن بذل جهد طاقته بلغ كنه إرادته”(13).
ونقف أمام هذه الكلمة المروية عن زين العابدين عليه السلام:”وهب لي جسماً روحانياً، وقلباً سماويّاً، وهمّة متّصلة بك، ويقيناً صادقاً في حبّك”(14).
الجسم من لحم ودم، فكيف يكون جسما روحانيا؟! ذلك حيث يكون الهدف الذي يكدُّ من أجله الجسم، ويجهَد من أجله الجسم هدفا إلهياً. الهدف الروحاني يجعل البدن بدناً روحانياً.
والقلب السماويُّ قلب معلق بالسماء بهدف السماء، بأخلاق السماء، بمنهج السماء، بقيم السماء. القلب الذي يعيش صاحبه في الأرض، ولكنه هو معلّق بالسماء بقيمها ومنهجها قلبٌ سماوي. البدن مع الناس، والقلب في الملأ الأعلى ذلك هو الإنسان الكامل.
و”همّة متصلة بك” أعلى الهمم هي همة تتصل بالله، تطلب رضوانه، تسعى للتقرّب إليه.
“ألحلم والأَناة توأَمان ينتجهما علوّ الهمّة”(15).
علو الهدف ووضوحه يعطيان الصبر على كثير من جهل الناس، على كثير من سفه الأوضاع، على كثير من كلمات وتصرّفات من الآخرين لا يتحمّلها إلا الكبار، فعلوّ الهمّة يتجاوز بك الوقوف عند كل الأهداف الصغيرة وعند كل الغايات القصيرة.
والأناة هنا أناة في تصميم، أناة عقل، وليست عن عجز في النفس، ولا غفلة، ولا تكاسل، إنما هي أناة التصميم، وأناة الحكمة، وأناة البصيرة.
“على قدر الهمم تكون الهموم”(16).
شخصٌ يضيع عنده دينار وهو يملك المليون يُصاب بالهمّ الكبير، شخصٌ يملك الدينار لا غيره، يسقط الدينار من يده، لا يجده؛ لا يدخل ضياع الدينار على نفسه بدرجة من الهمّ. شخصٌ يفقد الولد فيفقد كل الحياة، ويفقد اتّزانه، ويفقد هادفيته في الحياة، شخصٌ يفقد كل وِلده، ثم يبقى هو الإنسان الهادف، هو الإنسان الرزين، هو الإنسان المؤمن، هو الإنسان الجاهد في سبيل الله تبارك وتعالى.
الفرق في كل ذلك هو الهدف والهمّة اللذان يعيشهما الإنسان. فالهدف الكبير والهمّة العالية يهوِّنان كثيراً من الخسائر والمصائب والنكبات.
شخصٌ يسقط في امتحان وظيفة فتنخسف في وجهه الحياة، وشخص يطرق أبواب الوظائف أياماً وليالي ولا تهتزّ نفسه لما هو عليه.
الشخص الذي ترتبط همّته بالهدف العالي، خسارة الأهداف الصغيرة لا تؤثّر عليه، لا تسلبه راحته، الشخص الذي يتحول الهدف الصغير هدفا كبيرا في نفسه يتحطّم عندما يخسر ذلك الهدف.
اصعد بهمّتك لله تبارك وتعالى تهن عليك خسائر الدنيا، ولا تبطر لنجاحاتها.
النفس التي لا تبطر لنجاحات الدنيا، ولا تنهزم أمام تحدياتها، ولا تندكُّ لخسائرها هي نفس علت همّتها، ورضيت بالله ربّاً، واستغنت برضاه عن كل هدف آخر.
كلمة عن الإمام علي عليه السلام تصف لنا نوعا من الناس:”… مادُّ القامة قصير الهمّة”(17).
هناك عمالقة أجسام، أبطال عضلات، ولكن لا همّة لهم فيضأل دورهم في الحياة، ولا يثيرون فيها جديدا صالحا، ووزنٌ ضئيل للجسم، وشخص واهنٌ في قِوى البدن له من علوّ الهمة ما يميّزه تجده يُثير الجديد الكثير من الأوضاع الصالحة، ومن التغييرات الإيجابية في ساحة المجتمع أو ساحة الحياة.
وهذه كلمة واضحة ولكنها مربّية جداً.
“ما أبعد الخير ممّن همّته بطنه وفرجه”(18).
مجتمع همّته بطنه وفرجه مجتمع حشرات، مجتمع ديدان. مجتمع الإنسان له هدفه البعيد، له قيمه العالية، له دوره الرسالي، ومن هنا قارن بين مجتمعٍ يعيش الإسلام، وبين مجتمع يعيش الكفر.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين مغفرة جزما حتما برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم صحِّح معرفتنا، وأحسن اختيارنا، وأعلِ هممنا، وأحي في الخير فكرتنا، ونشِّط على طريق طاعتك عملنا، وبلّغنا كريم آمالنا، واجعل رضاك أكبر غايةٍ لنا، وأنِلنا رضاك، فإنه لا غاية فوقه، ولا أحبَّ لعاقل منه، وقنا سخطك فإنه لا طاقة لنا به، ولا صبر يحتمله يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) }


الخطبة الثانية

الحمد لله ربّ العالمين، لا خارج من ربوبيته، ولا مُستغنيَ عنها، ولا مُعطِّل ولا مُبدِّل لها.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاماً.
أُوصيكم عباد الله ونفسي الأمَّارة بالسوء بتقوى الله، والاعتصام والانقطاع إليه دون الاعتصامِ بمن سواه والانقطاع إلى غيره؛ ففي الحديث قال الجواد عليه السلام:”من انقطع إلى غير الله وكله الله إليه”(19)، وأنت تقول: اللهم لا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك، لأن في ذلك الهلاك الحتمي. وفيه:”قال رسول الله – صلَّى الله عليه وآله – يقول الله عزّ وجلّ: ما من مخلوق يعتصم بمخلوقٍ دوني إلا قطعت أبواب السَّماوات والأرض دونه، فإن دعاني لم أُجبه، وإن سألني لم أُعطِه”(20). وهل يفتح أحد باباً أغلقه الله، وهل يُغلق أحد باباً فتحه؟!
اللهم إنَّا نعوذ بك من أن يخدعنا الشيطان فيكبُرَ في نفوسنا غنىً أمام غناك، أو تعظُم عندنا قدرة أمام قدرتك، أو نهاب شيئاً كهيبتك، أو نطمع في شيء كثوابك، أو نخافَ شيئاً كعقابك. سبحانك وتعاليت ولا إله إلا أنت، ولا ربّ سواك.
اللهم اغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين. اللهم اهدنا سواء السبيل، وأعذنا من مضلات الفتن، وارزقنا البصيرة في كل مفرق حقٍّ وباطل، واجعلنا من أهل الحق الذين لا يفارقونه، ولا يغريهم ثمن مما يطمع أهل الدنيا بالميل عنه يا رحمن يا رحيم يا كريم.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين، وعلى عليٍّ أمير المؤمنين وإمام المتّقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة.
وعلى الأئمة الهادين المعصومين: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجّل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحُفَّه بملائكتك المقرَّبين، وأيِّده بروح القدس يا رب العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وذُد عنهم كل سوء ومكروه.
أما بعد أيها الإخوة والأخوات في الإيمان فيبدأ حديث اليوم بهذه الملاحظة:
أرأيت بيتاً؟
أرأيت بيتاً زاويةٌ منه تعجُّ بالغناء الماجن، والرقص الفاجر، والاستهتار والعربدة، والعُهْر الحرام، وفي زاوية أخرى قريبة يرتفع صوتُ أذان وتلاوة آيات قرآنية كريمة، وفي نقطة ثالثة مجاورة واعظٌ يعظ، وآخر في جنبه يهزأ بالإسلام، وعلى بُعْدِ أذرع يسيرة تجد من يسوِّق للخمر ويُرغِّب في الربا والزنا ومعه من يجمع الصدقات والزكوات، وينادي بالآخرة. هذا والبيت خاضعٌ لإدارة واحدة ومركز توجيه واحد، وكل هذه الممارسات منطلقة من تخطيط مشترك لا تعدُّد فيه؟!
بعيدٌ أن تكون قد رأيت بيتاً كذلك وإدارته واحدة، ويبعد أن تجده في واقع الحياة لكنك تجد اليوم من هذا النوع دولاً إسلامية كثيرة.
الحكومة واحدة لا متعددة في هذا البلد أو ذاك، والإدارة متناسقة لا متعارضة، وبإزاء المسجد مرقص ومخمرة وفنادق تضيق بأنواع الفُحش والمحرَّمات، ومراكز لتعميم الفساد في الأحياء السكنية للقاطنين، استقدامٌ لقرّاء القرآن وللغانيات المغنيات، والفاتنات الراقصات، ومؤتمراتٌ إسلامية وأخرى لترويج الثقافة الغربية، حفلات مِثليّين وحفلات دينية، معاهد للفندقيات من النوع الذي يرضي ذوق الزبائن من الكفر الشرقي والغربي، ومعاهد لتخريج أئمة الجماعة والجمعة، وتحفيظ القرآن.
مشاريع متناقضة، وواقع منقسم على نفسه إلى حدِّ الإرباك والفوضى والمهزلة. والعنوان (انفتاح وتمازج حضاري، وتنوع ثقافات وتعايشها).
والحقيقة: انعدام رؤية، وخلل بوصلة، وضياع هوية، وسخريةٌ بالقيم والمقدّرات، هزؤ بالإنسان، استغفال للعقول، تلهية لفريق المرقص، تسلية لفريق المسجد، لعبٌ سياسي، توظيف خاص للدين يضر به، ويهزّ الثقة فيه، ويسطِّحه، ويحمِّله مسؤولية أوضاع فاسدة مهترئة لا ذنب له فيها.
ثم هذه بعض قضايا وملاحظات:
1. الخلاف الرسمي مع معهد (
NDI) بغض النظر عن جدّيته وشكليته ليس لسواد عين الدين، ولا صلة له بالحفاظ على سلامة الفكر الإسلامي، والتوجُّه الديني الشبابي والوضعية الأخلاقية.
إنه خلاف ذو دوافع سياسية مُتَّفق عليها أو مختلف بشأنها بين الطرفين، وعلى كل التقادير فإن المسألة لا تصل إلى حدِّ القطيعة ولا التمرُّد من الطرف الضعيف، والخلاف لن يستمرَّ كثيراً، وأجله محدود بأن يحقق أهدافه السياسيَّة المعيّنة.
والدور التخريبي للحالة الإسلامية مستمرٌّ تقوم به دوائر ومؤسسات ومشاريع على كل المستويات وهي ملء السَّاحة، فإذا كان المنظور في الخلاف مع (
NDI) هو مصلحة الدين والخلق والاستقلالية الحضارية فإن الأولى أن تتوقف مواجهة الدين والعملية التغريبية في المشاريع التي تنطلق من سياسة الدولة مباشرة.
2. لو كانت الديموقراطية قد بدأت في البحرين جدّاً فإنها بحق قد انقلبت ديكتاتورية.
قانون الجمعيات، قانون التجمعات، قانون الصحافة في جانبه السياسي، النظام الوظيفي للأئمة والهيمنة الرسمية المرادة على المسجد، منع جمع التبرعات الخيرية، وضع الأوقاف في خدمة السياسة، إعفاء الوزراء من المساءلة والاستجواب العلني، التلاعب في مسألة إقرار الميزانية، فتح أبواب السجون على مصراعيها، سدُّ باب الحوار، مشروع قانون التجنيس الذي يُحرِّر المسألة من قيود القانون، فقد المجلس النيابي للصلاحيات التشريعية، كون توزيع الدوائر الانتخابية تابعاً للرغبة المحضة للدولة.
هذا كلُّه هل يُبقي للديموقراطية حقيقة على الأرض؟ قولوا للشعب صراحة قد أردناها ديكتاتورية لا ديموقراطية، من رضي فليرض، ومن غضِب فليغضب، وإننا لآسفون عندما رفعنا شعار الديموقراطية من قبل.
3. توحيد إدارتي الأوقاف وجعلها إدارة واحدة بيد وزير الشؤون الإسلامية لوحدث فإنه يمثِّل إلغاء مذهبيّاً، ومعنى خطيراً، واستيلاء ظالماً على الأوقاف، ولا يُجدي تعيين قضاة شرعيين موظّفين في هذه الدائرة لإعطاء وجهة النظر الفقهية في هذا المجال إذ الكلمة والتصرف لمن بيده الإدارة وليس للموظف من أيِّ نوعٍ كان. والكلام ليس عن وزير معيّن للشؤون الإسلامية وإنما عن طبيعة الإجراء في نفسه.
ومسألة توحيد الأوقافين المذكورة بما تُمثِّله من إلغاء مذهبي واستخفاف، وتصرف منافٍ لإرادة الواقفين، وتسييس ظالم لهذه المسألة لا يصحُّ لمن يهمه أمر الأوقاف السكوت عليها لو حدثت في يوم من الأيام. وكون الأمر لم يُبحث عنه في جلسات الوزارة لا ينفي التوجُّه من أساسه.
4. النظام الوظيفي لأئمة الجماعة والجمعة:-
تحويل أئمة الجماعة والجمعة إلى موظفين تعيينهم وفصلهم بعد الدولة وهي التي تضع شروط الإمامة وتُملي على الإمام وظائفه التي منها مراقبة الإعلانات ومطابقتها للقوانين الدنيوية، هذا كله يعني التمكين للسياسة الوضعية من وظيفة المسجد والتصرف فيها بما يُطابق مصالح السياسة. وكوني أُمكِّن للسياسة من تعيين الإمام وفصله ووضع شروط الإمامة وإملاء وظائفها هذا التمكين والإقرار لوظيفة التعيين و الفصل ووضع الشروط وتحديد الوظيفة حرام في نفسه قابله أجر أو لم يقابله أجر، سمّيته عقدا أو لم تسمِّه، سمّيته أجرا أو رزقاً، سمِّه ما شئت فإن هذا التمكين في نفسه عارياً عن كل شيء آخر حرام بيِّن.
وإني لأحكم على نفسي في هذه المسألة بالحق، وليس لأحدٍ أن يمنعني من أن أحكم على نفسي كذلك؛ أحكم عليها بأني سأكون مضرّاً باستقلالية الدين ومصلحته يوم أن ألتحق بكادر الأئمة، أسأت النية أو أحسنتها، فلا يصلّين أحدٌ خلفي عند ذاك.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم لا تجعل للباطل حبّاً في قلوبنا، ولا لأهله سلطاناً علينا، واجعلنا على الحق مقبلين، وبه عاملين، وله منتصرين. أعذنا ربنا من خزي الدنيا والآخرة، وعارِ الدنيا والآخرة وهوانهما وعذابهما، واجعلنا من سعداء الدارين برحمتك يا أرحم الراحمين.
{ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – ميزان الحكمة ج5 ص14.
2 – المصدر ص15.
3 – المصدر ص15.
4 – ميزان الحكمة ج10 ص362.
5 – المصدر نفسه.
6 – المصدر ص363.
7 – المصدر ص363.
8 – المصدر ص363.
9 – ولا تسمو الهمة إلا بسموِّ متعلّقها.
10 – المصدر ص363.
11 – 69/ العنكبوت. مأخوذة من كتاب ميزان الحكمة ج10 ص364.
12 – ميزان الحكمة ج 10 ص364.
13 – المصدر ص364.
14 – المصدر ص 365.
15- المصدر ص365.
16 – المصدر 366.
17 – المصدر ص 367.
18 – المصدر ص 370.
19 – ميزان الحكمة ج10 ص689.
20 – المصدر نفسه.

 

زر الذهاب إلى الأعلى