خطبة الجمعة (6) 17 صفر 1422 هـ – 11-5-2001 م

مواضيع الخطبة:

ألهاكم التكاثر..شهادة الإمام الرضا(ع )- نظم الأمر – الولاية التكوينية

أن نعمل لهذه الحياة وأن نتقدم
بمستوى هذه الحياة وأن نفجر طاقاتنا من أجل بناء هذه الحياة ، لكن لا لنقف بهذا
البناء عند حد ذاته ، ولا لأن نطلب بذخاً في هذه الحياة ،و علواًَ وفساداً في هذه
الحي

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي ما من شئ قائمٌ إلا بقدرته ، وكل شئ خاضع لإرادته ، منساق لمشيئته ، منقاد لأمره ، مقهور لعزته ، كل تدبير دون تدبيره ،وكل تقدير محكوم لتقديره ، وكل حركة ، إن في سماء أو في ارض إلا وتنتهي إليه وتتعلق بقدرته ، لا يخفى عليه شئٌ في سرٍ أو علن ، أو ظلمة أو نور ، وكيف يخفى عليه ما هو به ، وقوامه من عنده ، وبمدد دائم من فيضه ؟ الأشياء كلها ناطقة بعظمته ، مسبحة له ، حاملة جماله ، متعلقةٌ بكرمة ، منشدة لعطائه .
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، لا راد لما كتب ، ولا مخلف لما وعد ، ولا مؤخر لما عجل ، ولا معجل لما أخر ،بيده الأمر كله وهو على كل شئ قدير.
وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله انتجبه بعلمه ، واصطفاه بحكمته ، وأتم عليه نعمه ، وأنزل عليه هداه ، وأقامه في الناس برهاناً وللحق تبياناً ، وعلى الخير دليلاً ، ومن الضلال أماناً ، وإلى النجاة قائداً ، وللجنة هادياً ، وعصمه من الجهل والهوى ، ومن كل ضلالة وغوى ، وزينه بالحكمة والنهى وكريم المحامد والحلم والتقى ، وحباه من أنوار الإيمان أتمها ، ومن مراتب المعرفة أسناها ، ومن حلل الكرامة أروعها . اللهم صل وسلم عليه وعلى آله سفن النجاة وحملة الكتاب وأمناء السنة وورثة علم النبيين والمرسلين . اللهم انا نستغفرك ونسترحمك ونستهديك ونستشفع بك إليك ، ونرفع أكفنا ضارعة لرحمة وجودك وكرمك فاغفر لنا وارحمنا واهدنا ، وأعذنا من أن تتفرق بنا السبل عن سبيلك وأن تتوزعنا الأهواء عن هداك ، وأن نضل طريق دينك ، ونتيه مع المضيعين لدروب معرفتك وطاعتك .
أيها المؤمنون والمؤمنات للإسلام دعوة بل ثلاث دعوات في موقفنا من حياتنا الدنيا :
بسم الله الرحمن الرحيم
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)
الدعوة هنا وبصورة مختصرة هي دعوة لئلا تستغرقنا الدنيا حتى بمباحاتها ، المؤمن هنا صاحب رسالة يتحمل دوره ، آخذ على نفسه استجابة لنداء ربه أن يقوم بدور خلافيٍ في الأرض ، يستمد كل حركة وسكون في هذا الدور من إرادة الله سبحانه وتعالى ، الإرادة التشريعية ، إرادة الأمر والنهي لله سبحانه وتعالى ، هذا الدور يأبى للإنسان المؤمن أن يذوب في الدنيا، أن تستغرقه مشاغلها ، أن تستوعب حياته ، فكره ، قابلياته ، طاقاته ، لذ ائذها ، وشهواتها .
لا يكفي للمؤمن أن يترفع على الحرام ، ثم يتحول عبداً للشهوات المحلله بحيث تتلخص حياته كلها في أن يعيش اللذة وإن كانت هذه اللذة من الطريق الحلال ، المؤمن مسؤول أن يكون له دور في هذه الحياة ، أن يكون له تأثير أن يشهد هذا العالم منه تغييراً نافعاً ، وتحويلاً للصيغة التي يعيشها إلى خطاً اكثر تقدماً وأكثر عطاءاً وأكثر هدى وإشعاعاً ، دعوة أن لا يذوب المؤمن في هذه الحياة الدنيا ، ويتحول إلى هباءةٍ ضائعة أمام مشاغلها ، دعوة قرآنية جادة ثابتة على مر الأجيال وهي من صلب التربية الإسلامية وصياغة الإسلام لفكر الإنسان المسلم ونفسية هذا الإنسان ،
( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) لا شك في أن الانصراف وراء اللذة المباحة والمحرمة ملهاة ، تصرف عن الهدف ، والهدف أن يصنع الإنسان نفسه صنعاً يرضي الله وأن يصنع هذه الحياة على خط مرضٍ لله وأن يغير ما استطاع مما في نفس الغير وهو يغير مما في نفسه بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، هذا الهدف اللذة المحرمة تصرف عنه وتنتهب حياة الإنسان وتغتصبها دونه ، فيخرج من هذه الحياة من غير أن يحقق هدفها بل تمثل هذه الحياة في وجوده على أهميتها تراجعاً في مستواه وتقهقراً في إنسانيته ، ليس هذا فقط ،ليس مما يحول الإنسان قطعاً عن مساره الصحيح هو اللذة المحرمة فقط ، اللذة المحللة الاستغراق في المساكن ، في الأزواج ، في الأموال ، في الممتلكات ، في الشهرة الاجتماعية ، في طلب المناصب السياسة ، هذا كله يستهلك الإنسان وكله يصرفه عن هدفه ويحوله إلى العوبة بكف الأهواء من بعد حين ، فما يرفض في الإسلام ليس أن يستغرق أحدنا مشتهياته ولذائذه في الحياة على الخط الحرام إننا لو استغرق أحدنا خط الشهوات وخط اللذائذ المحللة المباحة لكان في ذلك خسران مبين وهو ما يأباه الإسلام لهذا الإنسان ، الذي هو محل عنايته ، محل تربيته ، ومن اجله لا من أجل اعمار الأرض في الأساس ، جاءت الرسل ونزلت الكتب وكانت الدعوة ، دعوة الإسلام من أول يوم حتى ما شاء الله ، هذه أساسية .(وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ( سبأ 11 )
() وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) ( سبأ 12-13 )
هنا نواجه دعوة أخرى ، نواجه خطاً آخر يتحمل مسئوليته الإنسان ، أن لا يجمد أن لا يكسل أن لا يتواكل ، أن ينتج أن يعمر الأرض أن تتقدم الزراعة والصناعة والتجارة على يديه ، أن تقوم الدنيا عريضة سامقة من بنائه ، هذه قضية ثانية ، قضية أن لا تكون الأمة أمة الإسلام أمة الإيمان ، في أي مكان وفي أي زمان ، أمة تنتظر قوتها من عدوها ، وتنتظر ثوبها ، وكل شئ تحتاجه في هذه الدنيا ، ممن يخطط للاستحواذ على مقدراتها ومقدوراتها ، ليس مسموح للأمة في إسلامها إلا أن تكون في مقدمة الأمم آخرة ودنيا وأن تكون الأمة الأقوى وأن تكون الأمة الأغنى ، وأن تكون الأمة الأكثر تماسكاً وأن تكون الأمة الأقدر على اتخاذ القرار العالمي ، والأمة الإسلامية وأي أمة لا يمكن أن يكون لها دور في القرار العالمي ، فضلاً عن أن تتزعم موقع هذا القرار ، من دون أن تكون هي الأقوى ومن دون أن تكون هي الأغنى ، ومن دون تكون هي الأكثر قوة عسكرية ضاربة ، وأن تكون أكثر علماً وأكثر خبرة وتجارب وتماسكاً اجتماعياً والتفافاً حول قيادتها الواعية ، اعمار الدنيا مسؤولية الإنسان المؤمن ، وتنشيط حركة الاقتصاد والحركة الاجتماعية ، والحركة السياسية على خط الله مسؤولية من مسؤوليات الإنسان المؤمن والأمة المؤمنة .
هذه دعوة أخرى وتجدون في الآيات الكريمة امتنان على داود وسليمان ، أن فتح الله لهما سبحانه وتعالى ولأمتهما أبواب الصناعة والتقدم الصناعي بما يطيقه العصر يوم ذاك ، وتجدون من خلال الآيات الأخيرة ربطاً حكيماً دقيقاً محكماً متقناً هو أن لا تنفصل الحركة في الحياة الدنيا ، النشاط الاقتصادي ، النشاط السياسي ، النشاط الاجتماعي ، النشاط الصناعي ، النشاط الزراعي ، على يد الأمة المؤمنة عن دورها الرئيس عن دورها في الخلافة لله سبحانه وتعالى وصناعة النفس وصناعة الآخر واسلمة الحضارة الإسلامية وإظهار عدل الله في الأرض ، وقدرة تشريعه على إبراز شئ من عظمة الله سبحانه وتعالى وعلى أن يكون الانعكاس الصادق عن أسماء الله سبحانه وتعالى بمقدار ما تتجلى في تشريعه وبمقدار ما يكون تطبيق الشريعة على يد الإنسان له من قدرة على إعطاء هذا الانعكاس موقعه العملي وامتداده التطبيقي ، الآيات الكريمة (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) ، هذه الإلانة قد تكون بصورة غيبية , أو قد تكون بصورة غيبية وعلى أساس علمي هدي إليه داود ، والإلانة إلانة الحديد كما لله عز وجل أن يمتنّ بها على عباده لو قدمها إليهم بصورة علمية مكشوفة خاضعة للقوانين العلمية المعروفة ، (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) ، هنا مطلوب أن يعمل سابغات –ضرورة- ضافية ، ضرورة وسيعة حربية (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) وأن تأتي هذه الدروع متقنة وأن تأتي صناعتها متفوقة ، تحمل طابع الدقة وطابع الجد وطابع الإخلاص ، (وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) انظروا الربط بين عمل السابغات والتقدير في السرد وبين عمل الصالحات ، وليس من صالح إلا ما التقى مع إرادة الله سبحانه وتعالى وكان مؤهلاً إلى أن يصعد إليه ولا يصعد لله عمل إلا بالتقوى ، وأن يقوم على قاعدة إسلامية وأن ينطلق من الحكم الإسلامي ، والهدف الإسلامي في النفس فتجدون هنا ربطاً واضحاً بين الحركة الإيجابية الجادة العامرة للحياة ، وبين هدف الإسلام الأكبر المتمثل في أن يرتقي هذا الإنسان في أن يُأهل نفسه إلى درجة من القرب الإلهي ليستمطر بدرجة أكبر من رحمة الله ومن فيض الله ومن ألطاف الله ، (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) ، عمل وتذكر أن هذا العمل و قابليات هذا العمل التوفيق لهذا العمل لإتقان هذا العمل للتغلب على الأسباب المضادة على المعاندات والمضادات كل ذلك بتوفيق الله ومرجع كل حركة وسكون إلى الله فلا بد من الشكر ولا بد من توجه القلوب إلى بارئها وهي تشتغل في أعمال الدنيا من طاعة وصناعة وبناء وغير ذلك .
فهنا ثلاث قضايا : قضية ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) ليس مسموحاً للأمة لأفراد الأمة أن تستوعبهم أن تستهلكهم ، أن تستغرقهم ، حركة الحياة الدنيا ، سواء جاءت في صورة اقتصاد في صورة عمل سياسي ، في صورة عمل اجتماعي ، في أي صورة من الصور .
الأمر الأخر هو أن نعمل لهذه الحياة وأن نتقدم بمستوى هذه الحياة وأن نفجر طاقاتنا من أجل بناء هذه الحياة ، لكن لا لنقف بهذا البناء عند حد ذاته ، ولا لأن نطلب بذخاً في هذه الحياة ،و علواًَ وفساداً في هذه الحياة ، إنما لنوظف حركة الحياة المتقدمة وناتج هذه الحركة من أجل القيم ، من أجل خط الله ، من أجل صناعة الإنسان ، من أجل أن يصعد الإنسان في مستواه ليقرب من رحمة ربه ولطف ربه .
اللهم وفقنا للجّد في العمل واجعل عملنا صالحاً ، وسعينا مشكوراً ، واجعل صالح ما نقول نيةً في قلوبنا ، وحركة على أيدينا وناتج خير وبركة لديننا ودنيانا ، واخرج المسلمين والمؤمنين من ذل الحاجة إلى أعدائك ، واجعلهم الأكثر سبقاً لما دعوة إليه من الخير للدنيا والآخرة ومن القوة التي ُينتصر فيها لدينك ، والغنى الذي يستعان به على عدوك ، ومن أسباب العزة والمنعة التي يظهر بها دينك ، ويعز في الناس شأن أوليائك .
استغفر الله لي ولكم ولوالديّ ووالديكم و لإخواننا المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ،فانه لا غافر سواه ، ولا يطلب الخير إلا منه .

بسم الله الرحمن الرحيم
تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)

استغفر الله لي ولكم ،،،،،،، اللهم صلي على محمد وآل محمد ،،،،،،،

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي من رحمته بعباده أرسل الرسل مبلغين ومبشرين ومنذرين وجعلهم أدّلاء على معرفته ، وهداة إلى طريق طاعته بما أنزل عليهم من كلمة الوحي الصادقة ، والمنهج الحق المبين ، تكميلا للعقول ، وتقويما للنفوس ، وإحياء للقلوب ، وتثبيتا للعدل ، واستثمارا صالحا للحياة ، وذودا عن الضياع ، وحماية عن السقوط ، وتمهيدا للجنة وإنقاذا من النار .
اشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وحده ،وله الحمد دون سواه ،وله الحكم والأمر والنهي ، ولا حكم لأحد من دونه إلا من بعد إذنه لأنه الملك الحق المبين . واشهد أن محمدا عبده ورسوله جاء من عنده بالنهج الأقوم ،والشريعة الأتم ، والنظام الخاتم ، والنور الذي لا يخبو ، والهدى الذي لا يحول.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على أمينك على وحيك ، والحافظ لعلم كتابك والأخذ بنهجك ، ومنقذ الأمم برحمتك ، وهادي الناس إلى موائد كرامتك ، عبدك الذي أخلصته لطاعتك ، ورسولك الذي أكرمته برسالتك محمد النبي الأمي وعلى آله الأطهار الأبرار.
اللهم صلي وسلم وزد وبارك على أمينك على وحيك ، والحافظ لعلم كتابك ، والآخذ بنهجك ، ومنقذ الأمم برحمتك ، وهادي الناس إلى موائد كرامتك ، عبدك الذي أخلصته لطاعتك ، ورسولك الذي أكرمته برسالتك محمد النبي الأمي وعلى آله الأطهار الأبرار .
اللهم صلي وسلم على مشكاة الهدى ، والطاهرة النوراء والصديقة المعصومة فاطمة الزهراء ، اللهم صلي وسلم على المصلي إلى المصلي إلى القبلتين ، الضارب بالسيفين ، الطاعن بالرمحين ، عبك وابن عبيدك ، وليك وخليفتك بعد رسولك بلا فصل أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب أبي الحسن والحسين .
اللهم صل وسلم على أئمة المسلمين ، والهداة المهديين ،والقادة الميامين الذين ارتضيتهم خلفاء لرسولك ، وأمناء على دينك ،وأوصياء على عبادك ،وأدلاء على طريقك ،ومنقذين من النار : الحسن بن علي الزكي والحسين بن علي الشهيد ومحمد بن علي زين العابدين ومحمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق وموسى بن جعفر الكاظم وعلي بن موسى الرضا ومحمد بن علي الجواد وعلي بن محمد الهادي والحسن بن علي العسكري عليهم منك الصلوات المتواليات والتسليمات المتتاليات والتحيات الزاكيات المباركات ، اللهم صل وسلم على الإمام الثاني عشر ، وبدر الإسلام القائم المنتظر ، ومنقذ الأنام من بغي الطغاة والفساد والشر ، والموعود بالظفر الأتم والنصر المؤزر محمد بن الحسن المهدي المنتظر الأزهر .
اللهم اجعل فرجه قريبا ، ويوم طلعته الغراء لنا شهودا ، واجعلنا له على أعدائه نارا ووقودا ، واجعل نصرنا له متصلا غيبة وشهودا ، اللهم انصر من يمهد لظهوره بتحكيم كلمتك في الأرض تمهيدا ، ويعد ليوم مقدمه الشريف بنشر دينك أنصارا وجنودا ، اللهم انصر المجاهدين المسلمين والمؤمنين في فلسطين ولبنان وبنغلادش والشيشان وفي كل مكان على الكفرة المردة من أعداء دينك ، والساعين بالفساد في بلادك ، والطاغين المناوئين لأوليائك ، اللهم انزل من نقمتك على شراذم اليهود الباغين في الأرض ، المناهضين للحق ، المبدلين للكتاب ، الناشرين للخراب ما يكفي الأرض شرهم وفسادهم ، ويبددهم تبديدا ، وينكل بهم تنكيلا .
عباد الله اتقوا الله ، ولا تظلموا أنفسكم بمفارقة سبل رضوانه والميل إلى طرائق غضبه ونيرانه ، إن في مفارقة درب الله خراب الدنيا ، وفيها خزي يوم الآخرة وعذاب وسعير . فما ربحت دنيا قوم قام أمرهم على النسيان لذكر الله ، والإعراض عن مناهجه وأحكامه، ولكم في الأمم الكافرة الغنية القوية ، وما يفرقها من المآسي ، ويؤرق الإنسان فيها من الضياع رغم القوة والثروة ، أبلغ عظة وأصرح عبرة ، أما من هان عليه الله العزيز القوي العظيم الجبار في هذه الحياة فهو أهون على الله سبحانه يوم يقوم الحساب ، وما له من مقام بما كسبت يداه من سوء إلا مقام عذاب وخزي وهوان .
اللهم أعذنا من أن نكون في الناسين لذكرك ، المولين عن رحمتك ، المستغنين عنك بمن سواك ، وهل يغني ربا عبدا عن ربه من سواه ؟! وهل يحمي أحد من سخط الله أو يرد نقمته ؟!
تمر علينا في هذا اليوم ذكرى استشهاد العبد لله من بين بريته الإمام الثامن علي بن موسى الرضا (ع) وأنه لعظيم والعظيم تشهد حياته اليومية من عظمته الكثير ، وكل موقف من يومياته هو موقف عظيم ويبرهن على عظمته وان لم يبن للناس ، المواقف الكبيرة في الأزمات لا تأتي ارتجالا أيها الاخوة ، ولا تتولد طفرة عند صاحبها إنما هي ناتج عمل يومي وسيرة دائبة ومجاهدة دائمة وصناعة صبور للذات، في الامتحانات الكبرى إنما يكون نجاح الشخصيات الإنسانية الكبيرة برهان على عظمة هذه الشخصية قبل موقفها ، وعلى أن العظمة تفرض نفسها على مواقف هذا الإنسان بصورة يومية .
الإمام الرضا عليه السلام هو واحد من الأئمة الأطهار عظماء من سلسلة عظماء كبار ، تتمثل هذه السلسلة في أنبياء الله ورسله وأوصياء رسله ، تنظرون إبراهيم عليه السلام وان النار والتهديد بها لم يلوه عن توجهه بالله عن ثقته بالله ، عن تعلقه بالله ، حتى العرض عليه بأن يتدخل ملك في أن يحول النار بردا أو ينقذه من النار ، هذا العرض لم يغري إبراهيم عليه السلام ولم يأخذ من التفاتاته شيئا ، هذه عظمة ، هذه العظمة وليدة روحية آمنة ، وليدة وعي جديد ، هذا الموقف الصامد هذا الموقف الإيجابي الصاعد ، موقف إيماني يعرفه إبراهيم عليه السلام في كل واحدة من يومياته ، في كل قضية من قضاياه ، كان الحكم في كل قضاياه في كل أيامه هو رضا الله وغضب الله ،، ما كان فيه رضا لله فيه رضاه ، وما كان فيه غضب الله ففيه غضبه وزهده .
يوسف عليه السلام والسجن والإغراء الجنسي ، أيوب عليه السلام والمرض الشديد والبلاء العظيم ، نوح عليه السلام وكل نبي وكل رسول له مواقف صعبة
تنهار أمامها أصلب الارادات إذا لم تكن مصنوعة صنعا تاما على خط الله سبحانه وتعالى ، وما لم تكن تستمد عصمتها من الله سبحانه وتعالى ، هذه المواقف والتي منها موقف الإمام الرضاء عليه السلام أريد أن اقتبس منها شيئا واحدا هو أن أي موقف صارخ بالتحدي مليء بالضغط ثقيل جدا جدا على النفس لا يمكن أن يضيع في أولياء الله روحانياتهم أصلا ، يمكن أن يحطم فيهم قوتهم الجسدية ، يمكن أن يذلهم ذلا دنيويا ، يمكن أن يهزمهم هزيمة مادية ، لكن موقفا أي موقف ومهما تصورت من هذا الموقف من شدة وثقل لا يمكن أبدا أن يهزم نبيا أو يهزم رسولا أو يهزم إماما في روحه ، وفي ارتباطه بالله سبحانه وتعالى ، لا يمكن لأي موقف مهما كانت صعوبته أن يسجل على قائد من القادة اللذين ارتضاهم الله قادة لعباده وعمارا لبلاده ، لا يمكن لموقف من هذا النوع أن يسجل وهنا نفسيا روحيا إيمانيا عند أي نبي وعند أي إمام وعند أي رسول ، إلا ما جاء من لمم المواقف التي لا تخدش العصمة ولا تتعاكس مها ،لان من بعد العصمة درجات ، والخط إلى الله سبحانه لا ينقطع ، ولا يمكن لأي نفس بشرية أن تقطع كل الخط في سيرها إلى الله سبحانه وتعالى ، إنما كل نفس تقطع بما تطيقها قدرتها الإنسانية .
أما خط الكمال الإلهي والدرب للكمال الإلهي فيبقى مفتوحا دائما .
مسالة أخرى أيها الاخوة هي ما تلقيناه في الوصية عن أمير المؤمنين عليه السلام من نظم الأمر ، وان علينا أن نطلب نظم امرنا وماذا يعني نظم الأمر ، توزيع الوظائف بحسب للاختصاص ، مما يعنيه نظم الأمر الخروج من حالة الفردية ، ومن حالة العشوائية ومن حالة الابتسار إلى حالة الجماعة التي تتلقى توجيها من مركز يتوفر على الخبرة الأكثر ويتوفر على العقل الأكثر ، يجمع كل العقول خبرات العقول يتلقاها ، كل تجارب الآخرين يتلقاها ليس هو كل شيء ، ومن المستحيل أن يكون إنسان واحد أو جماعة معينة هي كل شيء ، لكن بما أن هذه الجماعة وبما أن هذه القيادة تتلقى من مختلف العقول ، تتلقى من مختلف التجارب ، يكون مركز يجمع الخبرات ، يجمع التجارب ، يجمع عطاءات الأفكار تكون اقدم على معرفة الساحة ، تكون رؤيتها اصدق من رؤية الآخرين ، تكون أقدر على التوجيه هذا منضما إلى ما تتميز به هذه القيادة دائما بالحكمة والحنكة ، والقابليات الذاتية ، فيما يفرض أن تختاره الشعوب والأمم ، من نظم الأمر أن لا تكون هناك جماعة ، وتكون هناك قيادة ، ثم تتحرك الجماعة على غير خط القيادة ، وان تتلقى أوامرها من قيادات أخرى ، أو تستغلها أي دعوة أو تستجيب لأي نداء ، المطلوب ولأي جماعة أن لا تتحرك التحرك الجماعي ، وان لا تعطي رد فعل لأي نداء إلا بعد أن تتأكد من أن هذا النداء من قيادتها التي تؤمن بها .
الواجب على المسلمين أن يحموا أي ذرة من ذرات الأرض الفلسطينية ، ومن ذرات أي وطن من الأوطان الإسلامية ، والأوطان الإسلامية والأوطان الإسلامية كلها وطن واحد ، وان يترجم اهتمام المسلمين بفلسطين عمليا في صورة بذل مالي ، في صورة مظاهرات ، في صورة مسيرات ، في صورة اجتماعات ، في صورة حمل البندقية وبذل الدم إلى ما ذلك ، لكن كل هذا لا يصح أن يأتي عشوائيا ، ولا يصح أن يتلقى من جهة مجهولة أبدا ، وإنما الصحيح للمؤمنين في كل مكان أن يخدموا قضاياهم من خلال خط الوعي ومن خلال خط البصيرة ،ومن خلال خط الارتباط بالقيادة التي يؤمنون بها .
النقطة الثالثة : أتناولها باختصار شديد ، هي أنه قد تحدثنا في الولاية التكوينية في أصلها وفرعها وأن القرآن الكريم يربط بين الولاية التشريعية والولاية التكوينية ، وأن من له الملك له الحكم ، لا تحكم ما لا تملك ، الملك لغيرك والحكم لك ، قضية غير عقلية ، ولا عقلائية ولا قانونية ،
(قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ
مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ ) ( الأنعام 14 )
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(البقرة 21)
أكتفي بهاتين الآيتين تجدون ربطا واضحا في الآيتين الكريمتين ، بينما يقرره العقل والبرهان والوجدان وتعيشه الفطرة في داخلنا ، من أن المرجعية لهذا الكون على مستوى الخلق والتدبير والرزق والإرادة إنما هي لله سبحانه وتعالى ، لأي قدرة يرجع هذا الكون حدوثا وهذا الكون بقاء ، لأي قدرة ترجع قيام السماوات والأرض الآن ، بأي قدرة يعيش العالم حياته ووجوده في هذه اللحظة ، الوجدان والبرهان والفطرة ، كل ذلك تقول أن المرجعية في هذا الأمر للقدرة التي ليس فوقها قدرة ، للوجود الذي ليس قبله وجود ، للوجود الذي لا يفتقر إلى غيره ،فهذه ولاية تكوينية ، إذا قال العقل أن هذا الكون كله يقوم بإرادة الله ومدد الله ورفد الله ، فهل يقول بعد ذلك أن تعزل الله عز وجل عن الأمر والنهي لعباده ، وان نتلقى الشريعة من غيره ، أو أن العقل يقول من يتلقى الكون منه وجوده ، من يتلقى الإنسان منه حياته وأسباب حياته وبقاءه ، لا بد أن يتلقى منه توجيهاته وأوامره ونواهيه ، أختصر بهذا المقدار الشديد لئلا يطول المقام وغفر الله لي ولكم .
اللهم اجعل لنا من مغفرتك مغفرة لا تبقى لنا معها ذنبا ، وتوبة لا نقارف بعدها إثما ، وكرامة تعزنا بها عزا وتدنينا منك درجة رفيعة وقربا .
اللهم مكن لدينك ولعبادك المؤمنين ، ونهج كتابك القويم ، وسنة نبيك الأمين . اللهم اجعل إيماننا بنهجك تاما ، وسعينا للتمكين له جادا ، ودعوتنا للاجتماع على هداه مخلصة ، وعملنا في سبيل ذلك مفلحا ، ومحاولتنا ناجحة طاعة لك وإسعادا لعبادك ، واعمارا لبلادك ، وابتغاء لرضاك من غير أن نبتغي في الأرض علوا ولا فسادا ، ولا ظلما ولا فحشاء ولا منكر ولا سوءا يا علي يا عظيم يا أكرم الأكرمين ويا أجود الاجودين .

إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين .

زر الذهاب إلى الأعلى