خطبة الجمعة (4) 2 صفر 1422 هـ – 27-4-2001 م

مواضيع الخطبة:

التقوى(2) –
المسألة
السياسية في الإسلام ( 3 )

تبتدئ
المسألة السياسية في الإسلام ، من النظر إلى الولاية التكوينية لله سبحانه وتعالى
ومعنى الولاية التكوينية لله عز وجل : هو ان خلق كل شيء من عطائه ، وأن شيئاً ما
كبر أو صغر ، لا يمكن أن يأتي من غير الله ومن غير عطائه

الخطبة الأولى

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي غلب قهره ، وظهر أمره ، وجرت قدرته على كل شيء ، وحسُن تدبيره ، ودق صنعه ، وجل شأنه .اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ن وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره المشركون .
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وآله النجباء ، اللهم إنا نستغفرك ونستهديك ونسترشدك ونتوب إليك ن ونضرع بأكفٍ خاوية خاليةٍ آثمةٍ إليك نستمطر رحمتك ، ونستجديك رأفتك .
أيها الأخوة المؤمنون ، والأخوات المؤمنات ، أوصيكم بعد نفسي بتقوى الله ، والرغبة في ثوابه ، وطلب مرضاته ، والفرار من معصيته ..
أما بعد ، فالحديث عن ثمرات التقوى ، وقد تقدم من ذكر هذه الثمرات عدد منها ، ويضاف أن التقوى تعقب معية الله عز وجل للعبد ، وهي معية خاصة لأن معية الله العامة ترافق كل شيء ،ويقوم بها كل شيء ولو لا مدد الله وعطاؤه لما كان شيء ولما دام شيء . فحينما تتحدث الآية الكريمة هذه عمّا تعقبه التقوى من معية الله عز وجل للمتقين ، هي إنما تعني معيةً خاصةً متميزةً وافرة دائمةً غير منقطعة ، وتوفيقاً يسدد المرء ويقوده إلى الخير ويدله إلى الهدى ، ويأخذ بيده دائماً إلى النجاة ، تنضاف هذه المعية الخاصة إلى المعية العامة التي بها يقوم بها كل شيء من خلق الله سبحانه وتعالى .
((إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ))، مرقاةٌ ما أرفعها ومنـزلةٌ ما أكثر سموقها..أن يكون الله معك في يقضتك ونومك ، في حركاتك وسكناتك ، في حال بأساك ، في حال رخائك ، في حال النصر والهزيمة ، فتكون بالله عز وجل قوياً ، وتكون بالله عز وجل دائماً مستقيماً ، وتكون بالله عز وجل دائماً مهدياً ، وتكون بالله عز وجل دائماً موفقاً ، وتكون بالله عز وجل في داخلك دائماً قوياً عملاقا ، وتكون بالله عز وجل دائماً مطمئناً واثقاً مؤملاً ،هذه المعية التي لا يمكن أن تجدها في كنف أحد غير الله ، ولا يمكن أن تتلقى منها شيئاً من عدوٍ من أعداء الله سبحانه وتعالى .غريبُ كل الغرابة ان يبيع أمرؤٌ نفسه إلى أعداء الله ، يطلب شيئاً من مالٍ ، أو يطلب شيئاً من أمنٍ ، والأمن كله بيد الله ، والخير كله بيد الله ، ولا دافع لشرٍ دون الله ، ولا محقق لنفعٍ سواه .
والتقوى تورث سعادة الأبد (( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) آل عمران- للذين اتقوا جزاءات وافرة ، وكرامات رفيعة ، ومنازل عند الله ، على عظمتها وعلى جلالها ، تُشترى ببعض من الصبر في قليل من الحياة ، تُشترى ببعض الصمود في هذه المدة القصيرة من وجود المرء ، إن وجودنا لمستطيل ، إن وجودنا الكوني لا ينقطع ، ونحن في هذه المرحلة من وجودنا مرحلة ما نسميه بالحياة الدنيا ، هذه المرحلة قصيرةٌ جداً في عمر الأبد ، ووجودنا ممتدٌ مع الأبد ونستطيع أن نشتري سعادة الأبد بهذه الفاصلة الصغيرة ، والمسافة القصيرة ، بصبرٍ فيها ، بمجاهدة فيها ، بطاعةٍ لله سبحانه تعالى ، وجهادٍ في سبيله ، بهذا تستطيع أن تشتري سعادة الأبد التي لا انقطاع لها ولا توقف .
((قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) هذه واحدة ، أنت هنا تصرف نصف العمر ، وأكثر من نصف العمر ، لتبني بيتاً تفارقه ، بيتاً من حجارة وأسمنت أو طين ، لا يدري الإنسان أيسعد فيه أم يشقى ، وبالتقوى تشتري جناتٍ تجري من تحتها الأنهار ، هنا تصرف نصف العمر وقد يكون العمر كله في بناء بيتٍ يعقبه انقطاع ، يأتي عليه خسف ، تأتي عليه زلزلة ، يأتي عليه قصف ، يعيش فيه الإنسان مريضاً أو سقيماً ، وقد يغادره قبل تمامه ، وقد يسكنه بعد تمامه أياماً ليعيش حسرة فراقه ، إن كان له توجه حينذاك بعد مشغوليته بما يرى من أهوال الآخرة ، إن كان له توجهٌ والتفاتُ إلى الدنيا.
أما التقوى فتورثك جنات تجري من تحتها الأنهار ، لا نعرف من حقيقتها إلا العنوان ، أما حقيقتها فهي فوق ما نتصور ، وفوق خيالنا ، فوق إداركنا .
أكثر من هذا أنهم خالدون فيها لا يتهددهم فناء ، ولا يعتريهم سقم ،ولا يكدر حياتهم كدر .
وأزواجٌ مطهرة ، مطهرةٌ قلباً ، مطهرةٌ فكر اً ، مطهرةٌ على جميع المستويات ، لا يشوب حبها لك شائب ، وليس لها من تطلعٍ من بعد تطلعها لله سبحانه تعالى إلا التطلع إليك ، مطهرة لا يعتريها أذى ، لا يعتريها فتور ، ولا يعتريها شك ، تشعر بأن تغمرك بالسعادة وتغمرك بالطمأنينة ، تشعر بأنها منك وأنت منها ، الشيء الذي لا تبلغه علاقةُ زوجيةُ في هذه الدنيا ، لأن الدنيا ليست ظرف القلوب الصافية تماما ، صفاء القلوب والأنفس من كل شوب إنما ظرفه الآخرة ، أما الدنيا فعلاقة الأب بابنه ، الابن بابيه ، والزوج بزوجه ، وا لاخ بأخيه ، لا بد ان تشوبها شائبة ويعترضها كدر . علاقات الصفاء المطلق ، المحبة المفتوحة ، الثقة الكاملة ، الود الطاهر هي علاقات الآخرة ، وذلك نمطُ من السعادة لا يمكن ان يجده أحدُ في الحياة الدنيا .
ورضوانٌ من الله ، وذلك أجلّ ، بعد رضوان الله ، بعد ان تشعر النفس برضوان الله ، وتعيش حالة الرضا بالله ، وتعلو يقيناً أنها في موقع الرضا الإلهي ، تكمل السعادة التي ليست بعدها سعادة ، سعادة لا تغادر ولا تفارق لحظةُ واحدة ،وهي أجلّ السعادات طعماً وارفعها ذوقاً ، ولك برهان على هذا من الحياة الدنيا : لو أحسنت ركعتين ، ستشعر بالغبطة ، وستشعر بالسعادة ،التي دونها سعادة المال ، وسعادة الجاه ، سعادة كل شيء في الحياة الدنيا ..قال قائلهم : أين الملوك وابناء الملوك من هذه اللذة ، لذة ذكر الله في الأسحار ، لذة التهجد ، وتعفير الجبين والخد لجلال الله و جمال الله سبحانه وتعالى . حين تشعر النفس بأن الله عز و جل رضي عنها ، فهي تشعر بالسمو وتشعر بالرفعة ، وتشعر بالكمال الإنساني ، وتشعر بأنها في المأمن ، أنها إلى غنى ، وأنها محروسةٌ مصونةٌ محصنة ، ونفسٌ تشعر بكل ذلك هي نفسٌ سعيدة وليس فوق سعادةٍ من هذا النوع .
((وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)) يمكن ان يحسن أحدنا لصاحبه ، لكن صاحبه ولملابساتٍ خاصة يسوء ظنه فيه ، فيحمل إحسانه على الإساءة ، ويقابل ذلك الإحسان بما هو على خلافه ، وقد يسعى الساعون مخلصين لكبار الناس ، وللسلاطين في الناس ، للدول في الأرض ، قد يسعون مخلصين من اجل هذه العلاقة من اجل ما تدره من ربحٍ في نظرهم ، إلا ان السلطان لا يعلم الغيب ، والغني لا يعلم الغيب ، وصاحب الجاه لا يعلم الغيب ، وقد تنعكس صورة هذا الإنسان المخلص في نفس معبوده إلى الخلاف ،إلى العكس ، فتأتيه الضربة قاسيةً موجعةً لا تبقي عليه خيرا .
أما الله عز وجل ، فإن الآية تقول ((وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)) لأنك إذا اتقيت فتقواك محفوظة ، إذا أحسنت إحسانك محفوظ (( فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره )) ، (( للذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين احسنوا منهم واتقوا اجرٌ عظيم )) ..ما حدود هذا الأجر العظيم ؟ …مسكوتُ عنه ، أهذه العظمة تقدير بشر ؟ تقدير نبي ؟ تقدير ملك ؟ ..لا بل هذه العظمة تقدير الله ، الله عز وجل يصف هذا الأجر بأنه أجرُ عظيم ، وهو أكر م الأكرمين . ليست له حدود نعرفها ، ليس له مستوى يمكن أن ندركه …لمن ، ((للذين احسنوا واتقوا )).
ثم أن التقوى تورث رضوان الله – كما سبق – وتوصل إلى معرفته ، وكل المعرفة توصليةُ كما يقولون ، يعني إنما تطلب من أجل غرضٍ آخر ، أي معرفة من المعارف عند البشر يعتبرونها طريقة توصلية ، بمعنى أنها تؤخذ وصلةً لغرضٍ آخر هو المنظور إليه أساسا وفي ذاته ، أما هذه المعرفة فليست مطلوبة جِسرا ، ومطلوبة وصلةً ، إذ أن ومعرفة الله ليس من بعدها غرضُ يطلب ، فهي غرضُ في نفسه ،وهي أجلّ المعارف ،وأجلّ ما في حياة الإنسان، وكمال الإنسان يقاس بمدى معرفته بالله سبحانه وتعالى ، معرفةً يعيشها العقل ويحتضنها الوجدان ، وتتنور بها النفس ، وتترقى بها الذات على مسار الكمال .
(( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكنه يناله التقوى منكم )) انتم لو اتخذتم الأعمال الظاهرية التي هي من أعمال الخير في ظاهرها جسراً إلى معرفة الله لن تبلغوا هذه المعرفة ، لو بنيتم المساجد ، وأحييتموها ، وأطعمتم الفقراء و، وناوأتم الظلم ، وفعلتم كل معروف وعاديتم كل منكر ، وبقيتم عند مستوى هذه الممارسات في نفسها ، فهذا كله لا يمثل الطريق إلى الله ومعرفته ..هذه كلها لحوم ودماء …كما يذبح الذابح الأضحية فيكون في الظاهر قد قدم دماً ولحماً ليس في محل قبول الله ، ولا يمكن ان يرقى الدم واللحم إلى نيل رضوان ، ولا يمكن للحم و للدم أن يحقق معرفةً بالله ، فكذلك بناء المسجد ، وكذلك الجهاد في سوح الكفاح والمواجهة الدموية ، وكذلك كل عمل صغر أم كبر هو في نفسه ليس مؤهلاً لأن ينال رضا الله أو ان يوصل إلى معرفته ، ما يوصل إلى معرفة الله وما يلقى رضاه أن تكمل ذاتك ، ان تشف ذاتك ، ان ترقى ذاتك ، ان تتلألأ بانعكاسات أسماء الله الحسنى ، وهذا لا يكون إلا بالتقوى .
فالتقوى هي التي تبلغك رضوان الله عز وجل ، والتقوى هي الطريق المفتوح على معرفة الله سبحانه ، وكيف ننال التقوى ..؟؟((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ))أنت مكلف بأن تجاهد النفس وأن تجاهد نقاط الضعف في الداخل ، وان تجاهد مغريات الخارج ، وان تستحضر عقلك وفطرتك ودينك في معركة الجهاد مع النفس ،ومعركة الجهاد مع الشيطان ، معركة النفس مع إغراء الشيطان مع تلويح الشيطان ، مع تزيين الشيطان ، مع زخرفة الشيطان . مطلوبُ منك أن تستحضر ذاتك الإنسانية بكنوزها الثرة ،ويمكنونها الكبير مع عملية الجهاد ، وان تستحضر موروث التربية الإسلامية في ذاتك ، وما تعطيه آيات الله عز وجل في الأنفس وما علمتك الحياة من تفاهة الدنيا ، ومن عظمة صانع الدنيا ، وان دورك دور عابر ، ان تستحضر كل هذا زاداً وعدةً في عملية الكفاح والمواجهة وضعف الذات وللضغوط التي تماس على الذات ، وهي كبيرة ومخطط لها ، وأول ما تستهدف منك دينك ، وأول ما تستهدف منك إنسانيتك ، لأنك ما دمت على الدين الحق ، وما دمت على إنسانيتك ، فإن دول الكفر العالمي لن تستطيع شراءك ، ولن تستطيع ان تحولك إلى إنسان يستهلك بضائعها الساقطة ، فمن اجل التسويق ،ومن أجل الاستغلال ، ومن اجل التهميش ، ومن اجل ان تقدم أقدام مردة الأرض ، وان يكونوا قبلتك ومعبوديك ، لا بد ان تخسف فيك إنسانيتك ،ولا بد ان تجفف فيك منابع دينك ، فمن اجل هذا ، تكثر الضغوط على الإنسان الملتـزم ، على الإنسان المسلم ، من أجل ان لا يكون حجر عثرة أمام أطماع الكفر العالمي .
ولقد أودع الله فيك آيات وأودع فيك زادا ،وأودع فيك قدرة المقاومة ، وبث من الآيات والدروس في الحياة ، ما يجعلك تتعقل ، وما يجعلك تنضبط ، وما يجعلك تواجه بقوة وصلابة ، فليس عليك إلا ان تكتشف ذاتك ،وترجع دائماً إلى مكنون ذاتك ، وان تفتح عين البصيرة إلى آيات الخارج ودروس الخارج .
((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين )) لا تعمى عينٌ تتجه إلى رؤية الله ، لاينغلق على نفس أن تعرف الله عز وجل وهي تتشوف إلى معرفته وتطمح إلى معرفته ، فمن تقدم لله ذراعا تقد الله عز وجل إليه على غناه وعلى جلاله وعلى جماله باعا.
عباد الله اطلبوا مرضاة الله ،واصنعوا أنفسكم الصناعة التي يرضاها الله سبحانه وتعالى ..
استغفر الله لي ولكم ولوالدي ولوالديكم وللمؤمئنين والمؤمنات أجمعين ..اللهم انصر الإسلام أهله ، وأذل النفاق وأهله ، اللهم انصر حماة الدين في كل مكان يا ارحم الراحمين .
بسم الله الرحمن الرحيم ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4))

الخطبة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم
، الحمد لله الظاهر في بطونه ، الله عز وجل الظاهر في كل شيء ، لا تراه عينٌ ولا يدك ذاته عقلٌ ، ولا يناله وهمٌ ولا خيال ، فهو باطنٌ في ظهوره ، وهو ظاهرٌ في بطونه ، على خفاء ذاته ، على ما احتجب به من احتجب به من العزة والكبرياء والعظمة ،فإنه ظاهرٌ في كل شيء ، حاضرٌ مع كل شيء ، قائمٌ به كل شي ، ومن قام به كلٌ شيٌ فهو ظاهر لكل شيء.
أشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، واشهد ان محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، لقد جاهد في الله عز وجل حق جهاده ،وبَلّغَ ما بُلّغَ ، ووفى الأمانة وأدى الرسالة كما كلف بذلك .
اللهم صل وسلم على حبيبك المصطفى وعلى آله النجباء ، اللهم صل وسلم على فاطمة الزهراء التقية النقية الصديقة الطاهرة المعصومة ، اللهم صل على عبدك الطاهر النقي الصادق الأمين عليٍ أمير المؤمنين ، اللهم صل على الحسنين الهاديين المهديَيَن من عندك الحسن والحسن ، اللهم صل وسلم على وليك وعبدك علي بن الحسين زين العابدين ، و على محمد بن علي الباقر ، وجعفر بن محمد الصادق ، وموسى بن جعفر الكاظم ، وعلي بن موسى الرضا ومحمد بن علي الجواد ، وعلي بن محمد الهادي والحسن بن علي العسكري عليهم أفضل الصلاة والسلام.
اللهم صل وسلم على مذخورك المنتظر ، باعث الرسالة من جديد ، الإمام القائم محمد بن الحسن عليه افضل الصلاة والسلام ، اللهم عجل فرجه وسهل مخرجه وانصرنا به ، وانتصر له بنا إنك ارحم الراحمين .
عباد الله أوصيكم بتقوى الله وان تكونوا لله قانتين ، ولمرضاته طالبين ، ولأوليائه موالين ، ولأعدائه معادين .
أستغفر الله استغفاراً عظيمًا ، أستغفر الله استغفاراً يمحو الذنوب ، يقرّب إليه ، ويعلي المنـزلة عنده ، ويرفع الدرجة في علمه .اللهم اغفر لنا ، وتب علينا ، وانصرنا وانتصر لنا ، أعززنا واجعل عزنا بك ، ونصرتنا لك ، وجهادنا في سبيلك ، وطلبتنا مرضاتك ، واجعلنا فوق ما يريده أهل الدنيا من زخرفها ، اللهم اجعل همنا لا ينقطع إلا عندك ، وتطلعنا لا يقف عند سواك ، فإنك بغية الباغين من المتقين والمهتدين .
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون ، فنعود جميعاً لاستكمال 0حديثنا الذي كان موضوعه ( المسألة السياسية في الإسلام ) ، وهنا اطرح هذا السؤال : هل يمتلك الدين تأصيلاً للمسألة السياسية ؟ أم ان المسألة السياسية مأخوذة في الإسلام ليس لها جذورُ من فكر ولا تأصّلُ في الكون ، ولا أرضية من رؤيةٍ واسعةٍ تحكم الحياة ؟
المسألة السياسية في الإسلام – كما سبق في ما قد يُتذكر – هي مسألة جزءٌ من نظامٍ كونيٍ كامل ، خيطٌ من نسيجٍ متكامل ، من نسيجٍ هو من صنع الله ، وهو نظامٌ أبدعته يد القدرة الإلهية ، علم الله ، حكمة الله ، لطف الله ، رأفة الله ورحمته .
تبتدئ المسألة السياسية في الإسلام ، من النظر إلى الولاية التكوينية لله سبحانه وتعالى ومعنى الولاية التكوينية لله عز وجل : هو ان خلق كل شيء من عطائه ، وأن شيئاً ما كبر أو صغر ، لا يمكن أن يأتي من غير الله ومن غير عطائه ، وان ديمومة كل شيء واستمراريته ، في اصل وجوده ، وفي صورة نظامه الداخلي ، وفي ما يربطه من نظامٍ جزئيٍ أو شاملٍ كاملٍ ، كل ذلك إنما يكون بديمومة العطاء من الله عز وجل ، وباستمرارية الفيض من الله سبحانه وتعالى ، فكوننا كله لو انقطع عنه المدد الإلهي لحظة لغرق في بحر ظلام العدم ، هذا الكون بأراضيه وبما في السموات والأرض وما بينهن إنما يعيش في كل لحظةٍ من لحظاته بفيضٍ من عطاء الله عز وجل ، الذي لا ينقطع و لا ينضب ، لا نضب من مَعين والله مَعينه .
قلبك ينبض بالله ، عينك تطرف بالله ، لسانك ينطق بالله ، كل خليةٍ من خلاياك ، وكل ذرةٍ من ذرات وجودك ، تستمر في نظامها الخاص بفيضٍ من الله بعطاءٍ من الله ، يتدفق آناً بعد آن .هذا من ولاية الله التكوينية .
هذا الوجود ، هذا الكون ، اصل وجوده وديمومته ، إنما بفيض الله سبحانه وتعالى وبعطائه ، فالكون كله ممسوكٌ في قبضة الله ، الكون كله محكومٌ بقدر الله ، يقدر وجوده ويقدر حجمه ،ويقدر وقته ويقدر منه كل شيء .
تقول الآيات الكريمة ..(( ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض وما لكم من دون الله من وليٍ ولا نصير)) لو ارتفعت يد القدرة الإلهية عن الكون ، هذا الكون لا وليّ له ولا نصير ، هذا الكون لا تدبره أمريكا ولا تدبره روسيا ، ولا يدبره مَلَك ، اكبرمَلََكٍ لا يدبر الكون أساسا وأصلاً ، إنما هو تدبير الله سبحانه وتعالى ، فحينما ترى وجوداً ، وحينما ترى نظاماً ، وحين ما ترى دقةً في النظام ،فأنت تنظر الله عز وجل ، تنظر يد القدرة الإلهية ، ويد التنظيم الإلهي ، ويد الحكمة الإلهية ، ويد العناية الإلهية .
(( ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض..)) اسألوا أنفسكم ، تنطق أنفسكم بهذا العلم أو لا تنطق ؟ وانتم مسلمون ، وأنا لا احصر السؤال في المسلم ..فالآية الكريمة تطرح السؤال على الناس قبل أن تتلوث فطرتهم ،وتطرحه عليهم حتى بعد ان تتلوث فطرتهم إذا حاولوا أن يغوصوا ببعض العناء إلى داخل ذواتهم … ما من نفسٍ تستنطق ذاتها الأصل إلا وتجد في تلك الذات شهادة أن لا لإله إلا الله وحده لا شريك .
((ألم تعلم )) هذا السؤال يأتي يوم القيامة ، جعلت في نفوسكم رسولا ، أودعت في نفوسكم معرفتي ، معرفتي ربو بيتي وجلالي وعظمتي – هكذا يقول سبحانه وتعالى – فلم عبدتم غيري ؟ ألكم شهادة من داخلكم ..أن فلاناً أو ان الدولة الفلانية هي ربكم ؟
..(( ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض وما لكم من دون الله من وليٍ ولا نصير)) فتشوا .. أعطوا لخيالكم ان يمتد ، ولإدراكاتكم أن تتحرك ، ولخيالكم ان يسرح ، فإنه لن يعثركم شيءٌ من ذلك على وليٍ لا نصيرٍ من دون الله سبحانه وتعالى (( قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمةً ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً )) ..ولاية تكوينية …لماذا ؟ ..لأنك مملوكٌ بالكامل لله عز وجل ، وغيرك الذي يريد ان يتولّى أمرك أيضا هو مملوكٌ بالكامل لله سبحانه وتعالى ، السماوات والأرض وكل الملائكة والرسل وكل عظيمٌ هو مملوكٌ لله سبحانه وتعالى ، فمن أين يأتيك مدد النصرة من دون الله ، وكل شيءٍ مملوكٌ لله ..
الفطرة تقرر هذه المسألة أو لا؟ تبدأ بمسألة طاعة الله وعدم طاعة غيره من هذه النقطة ، النفوس تشهد بهذه الولاية تنطق بها ؟ تجدها شهادةً قائمةً في داخلها أو لا؟ ..إذا كانت تعيش هذا الشهادة فهنا تبدأ نقطة الانطلاق على ضوء العقل والمنطق ، وأن لا إله في مجال التشريع ، وفي مجال الحكم ، وفي مجال متابعة إرادة الغير إلا لله ، لا ألوهية إلا لله سبحانه وتعالى . مادام لا ألوهية إلا لله سبحانه وتعالى ، فهذا يقود عقلاً إلى انحصار الولاية التشريعية ، وولاية الحكم ، وولاية سياسة العالم ليس بالمعني الضيق للسياسة ، سياسة الحياة ، أي صناعة الحياة ، توجيه الحياة ، بالمساحة الإرادية ، هذا هو نطاق السياسة الذي تحدث عنه الإسلام صناعة المجتمعات .
وقد آل أمر الحكومات الوضعية أيضاً ان تضع يدها على ضمير الإنسان ، علي وجدان ، على مقدارت الإنسان ، لتدخل فيها صنعا ًيخسف، صنعا يشوّه ، صنعاً يخرّب داخل الإنسان .
(( قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيرا )) ، (( وإذا أراد الله بقومٍ سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال )) ، (( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ له ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليٌ من الذل وكبره تكبيرا))، لا توجد ولاية مستقلة لشيء في هذا الكون لأحد غير الله سبحانه وتعالى ، وأيضا لا توجد شركة في ولاية الله ، لا توجد شركة في ولاية الله من أحد على أي شيء من هذا الكون ، فالمنفي قضيتان ، قضية ان تكون هناك ولاية مستقلةٌ من دون الله على شيء بحيث يخرج هذا الشيء عن ملك الله ، وتدبير الله ، وتصرّف الله ، ثم لا توجد أي مشاركة في ولاية الله على أي شيء فله الولاية وحده .
لا توجد ولن توجد قوة ممكن أن تفرض نفسها على الله وكل شيء عدمٌ من دونه ، وليس من قِبل الله سبحانه وتعالى بأن يتخذ ولداً ولا صاحبةً ولا شريكاً ، فالولاية خالصة لله ..وهذه قضية يعرضها القرآن ،وهو لا يتفكه مع الناس ، فالآيات كثيرة في القرآن الدلالة على الولاية التكوينية لماذا ؟ لأن هذا هو الأساس وهذه هي القاعدة وهذا هو التأسيس والتأصيل الفكري لعبودية الخلق لله سبحانه وتعال.
فتجدون ان القرآن الكريم مليئاً بآيات الولاية التكوينية ، الله يُقنع بولايته ، هو المالك الحق وعلى ذلك يقنع بولايته ، البشر لا يقنعون بولايتهم ، وإنما تعمل العصا والسيف لفرض ولايتهم .
الله المالك الحق يقود العباد قوداً عقلياً ،وعلى مستوى تفكيرهم الحر ، وعلى مستوى إرادتهم، يقودهم قوداً سلساً هادئاً رفيقاً ليناً إلى أن يؤمنوا به سبحانه وتعالى ، وإلى ان يتقبلوا ولايته في التشريع والحكم ، فيطرح هذا الأساس ، يستنطق فطرهم وعقولهم ، ألا تشهد عقولكم وفطركم بأن الولاية الحق لله وحده ؟ يوقفهم على هذه القضية الأم الأساس ، لينقادوا بعد ذلك في ضوء عقلهم وتفكيرهم الحر ، ينقادوا مسلمين وعارفين المصير الرابح ..
(( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ له ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليٌ من الذل وكبره تكبيرا)) والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا وحبيب قلوبنا النبي الكريم وآله الطيبين الطاهرين .
اللهم اغفر لنا وتب علينا وتوفنا مسلمين ، اللهم اجعلنا دعاةً للحق وقادةً في سبيلك ، ارزقنا كرامة خدمة الإسلام والمسلمين ، واجعل قلوبنا مليئةً بالإخلاص لك ولأوليائك إنك أرحم الراحمين .
إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين .

زر الذهاب إلى الأعلى