المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (602) 16 رجب 1435هـ – 16 مايو 2014م
تعليق 5

خطبة الجمعة (602) 16 رجب 1435هـ – 16 مايو 2014م

مواضيع الخطبة :

الخطبة الاولى : سنّة الابتلاء

الخطبة الثانية : شهادة الأحداث – الحراك الشعبي ثابته ومتحركه – بهذه المناسبة 

 

الخطبة الأولى

       الحمد لله الذي ما تلقّى عقلٌ وما عقل وما أنتج، وما صنع صانعٌ نافعًا، وما بنى بانٍ بناءً صالحًا، وما هدى هادٍ إلى خير، وما نَصَحَ ناصحٌ إلى صلاح إلّا بإلهامه وتوفيقه وإقداره.

       وما انزاح كَرْب، وما انفرج همّ، وما انكشفت غمّة، وما جرى نصر إلّا بعلمه وقدرته وتيسيره.

       وما جرى إحسان، وما تمّ فضل، ولا وصلت أحدًا نعمةٌ إلّا ومن وراء ذلك تفضّله وإحسانه.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

عبادَ الله أيامُنا محدودة، وأنفاسُنا معدودة، وأعمالُنا مرصودة، وآجالُنا محتَّمة، ويومُ القيام آت، وكلّ ملاقٍ عملَه، وكلّ محاسب على نيّته، فليس من بعد ذلك إلّا أن نُحسِنَ النيّة، ونُتقِنَ العمل، ونجِدّ في السَّعي قبل أن يسبق الأجل.

ولن ينفع غدًا أحدًا أبدًا ما عمل لغير الله، وما لم يرتضِ دينَه، ولم يسلُك طريق تقواه.

فعلينا بطاعة الله وملازمة تقواه، وأن لا نبتغي عن ذلك بَدَلًا.

اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم.

يا من هو أقربُ إلى العبد من حبل الوريد، يا من يحول بين المرء وقلبه حُلْ بيننا وبين كلّ ما يأخذ بالقلب عن طاعتك، ويميل به إلى معصيتك، وما يُنسيه خشيتك، ويصرفه عن ذكرك وشكرك يا مالك القلوب يا رؤوف يا رحمان يا رحيم.

أما بعد أيّها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فموضوع الحديث:

سنّة الابتلاء:

  1. الابتلاء لغة:

هناك ثلاث كلمات متقاربة في معناها، وكثيرًا ما يُستعمل بعضها مكان بعض، ومع ذلك لا تخلو معانيها من فرقٍ فيما بينها.

       والكلمات الثلاث هي الابتلاء والاختبار وتنضمّ إليهما كلمة الفتنة كذلك.

       هذا ما تذكره موسوعة معارف الكتاب والسنّة اعتمادًا على كلمات الّلغويّين.

       وأنت تقول بلوتُ الرجل بلاءً بمعنى اختبرته. وتقولُ بَلي الثوبُ بِلًى إذا قدُم وخلُق وأصابه التقطُّع. وقال الراغب في مفردات ألفاظ القرآن: وبلوتُه اختبرته كأنّي أخلقتُه من كثرة اختباري له.

  1. الابتلاء من الله ومن غيره:

قد يبتلي الإنسان الواحدَ أو الجماعةَ من النّاس يريد أن يتبيَّن ما يجهله منهم، ولا عجب في ذلك من الإنسان حيث إنه يجهل من غيره الكثير.

       وقد يعرف الأب من ابنه أو المربّي ممن يتكفّل بتربيته الاستعداد العقليّ والنفسيّ والبدنيّ الذي يمكن أن يبلغ به إلى مستوى موقع علميٍّ أو عمليٍّ متقدّم([1]).

       لكن لأنه لا تُسند المواقع، لمن كان له الاستعداد لتبوّئها من غير أن يكون كفؤًا لها فعلًا([2])، ولا يُرتَّب جزاء بالمثوبة أو العقوبة لمحض القابلية لأن يفعل المرء فعلًا حسنًا أو قبيحًا، ولأن الكفاءة الفعلية لا تتحقق طفرةً في السُنّة التي تحكم حياة الإنسان عادة، وإنما طريقها تفعيل ما لَهُ الاستعداد عبر التجربة بعد التجربة، والمكابدة من أجل النجاح في الامتحان بعد الامتحان لذلك يعمَدُ الأبُ والمربّي إلى تصميم التجارب المناسبة، وإدخال المستهدف في الامتحان تلو الامتحان ليتدرّج به نحو درجةِ الكفاءة المطلوبة حتّى بلوغها.

       والإنسان فيه استعدادُ الخير والشر، والتكاليف والابتلاءات الإلهية للعباد وقد صُمِّمت عن علم وحكمة وقدرة ورحمة إنّما هي لتبلغ بهم فعلًا أن يفعلوا الخير، ويتوفّروا فعلًا على ما أُعطوا من قابلية النضج والكمال([3]).

       أما انحدارهم عن المستوى الإنساني العام وتسافُل المتسافل منهم فذلك بسوء تفريطه، وعدم تقديره عملًا وبإرادته لما وُهِبَه من قابليةٍ واستعدادٍ للخير والنُّضج والنمو على طريقه، وتعامله الظالم مع المنهج الإلهيّ القويم لتربية الإنسان.

       تُستفاد هذه المعاني من النصوص الإسلاميَّة التالية:

       {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا…}([4]).([5])

       {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}([6]).

       {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً…}([7]).

       الحياة والزينة وخّلْق السماوات والأرض والابتلاءات بالخير والشر([8]) كل ذلك ليتحقق حسن العمل الذي أُعِدَّ له الإنسان، وحسن العمل نتيجة حتمية لصلاح المَلَكَات، وكمال الصفات، ونضج العقل، وطهر القلب، واستقامة النفس وصفاء الروح.

       {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}([9]).

       {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}([10]).

       {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا…}([11]).

       {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}([12]).

       {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}([13]).

       هذه عدّة قضايا يثبتها كتاب الله العزيز الحكيم:

  1. أنَّ الابتلاء وقد يكون بالخير والحسنات، وقد يكون بالشرِّ([14]) والتأديبات بدرجة مربّية له غاية هي أن يبلغ الإنسان أن يفعل أحسن عمل يمكن له فعله.
  2. أنَّ الله تبارك وتعالى هداه النَّجدين نجدَ الاعتقاد الصحيح والطاعة والعمل الصالح والطريق المقابل وزوَّده بالإرادة والاستعداد([15]).
  3. أنَّ التكليف الإلهيّ مما تتسع له قدرة المكلفين([16]).
  4. أنَّ الابتلاء بالخير والشر منه الكثير المؤدِّب للإنسان الذي يُعيده إلى صوابه، ويُصحِّح سيرته، ويضيف إلى الحجة عليه حجة أخرى. وإذا لم يستفد من الدرس فتلك مسؤوليّته. ولا يأتي شيءٌ من الابتلاء الإلهيّ لعباد الله استعلامًا لشيء من حالهم لأن الله عزّ وجلّ لا يجهل من حال أحد ولا شيء شيئًا أبدًا.
  5. ويأتي الابتلاء الإلهي للعبد لإظهاره على حقيقته ولتتجسَّدَ الاستقامة أو الانحراف صفاتٍ فعليَّة في داخله، وأفعالًا ظاهرة تأتيها جوارحه ليكون ثوابه وعقابه على ما كسبه باختياره لا على قابليّته حسب خلقته للخير أو الشر لأنه لا صُنع له في أصل استعداده وقابليّته، ولم يكن شيء منهما بإرادته. والجزاء إنما يحقُّ على ما هو بالإرادة ثوابًا كان أو عقابًا.

وتجد هذا المعنى في التفسير الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى:{وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}([17]) الذي منه قوله:“أنَّهُ يَختَبِرُهُم بِالأَموالِ وَالأَولادِ؛ لِيَتَبَيَّنَ السّاخِطَ لِرِزقِهِ وَالرّاضِيَ بِقِسمِهِ، وإن كانَ سُبحانَهُ أعلَمَ بِهِم مِن أنفُسِهِم، ولكِن لِتَظهَرَ الأَفعالُ الَّتي بِها يُستَحَقُّ الثَّوابُ وَالعِقابُ”([18]).

وفي خطبة من الخطب الواردة عنه عليه السلام:“ألا إنَّ اللّهَ تَعالى قَد كَشَفَ الخَلقَ كَشفَةً، لا أنَّهُ جَهِلَ ما أخفَوهُ مِن مَصونِ أسرارِهِم ومَكنونِ ضَمائِرِهِم، ولكِن لِيَبلُوَهُم أيُّهُم أحسَنُ عَمَلاً، فَيَكونَ الثَّوابُ جَزاءً، وَالعِقابُ بَواءً”([19]) البواء المكافأة.

اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم لا تؤاخذنا بما أسرفنا على أنفسنا، وأسأنا إليها، وصبِّرنا على ما ابتليتنا به، ولا تجعلنا نبطر للنعمة، ونسخط للبليَّة، وارزقنا العافية عافية الدنيا والآخرة يا محسن يا متفضّل يا رحمان يا رحيم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}([20]).

الخطبة الثانية

       الحمد لله بادئ الخلق ومعيدِه ووليِّه والقائمِ عليه، والذي لا حافظ له غيرُه، ولا عارض عليه إلّا بإذنه، ولا طارئَ عليه إلّا من تقديره، ولا مالك لشيء من أمره سواه.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله لا يمرُّ يوم من حياة العبد وقد كُلِّف إلا بربحٍ يلقاه يوم قيامه أو خسارة يوافيها، ونَدَمٍ مقيم. ولا ربح يبقى إلا من عمل صالح مُتقرّب به إلى الله، وكم من ربح دنيًا وافى فرِحٌ به خسارًا وندمًا يومَ تكثر الحسرات، وتشتدّ كربات العباد إلا من قدَّم عملًا صالحًا ورحمه الله.

       فلا نفرح لدنيًا فيها خسارة الآخرة، ولا نسخط لخسارة من خسائرها فيها نجاتنا في الآخرة.

       التقوى التقوى من الله فهي طريق الفوز والنجاح.

       اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين.

اللهم صلّ على محمد الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين: حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصّادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن عليّ العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرَّبين، وأيّده بروح القُدُس ياربّ العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا.

       أما بعد أيّها الإخوة والأخوات الأحبّة في الله فهذه كلمات ثلاث:

  1. شهادة الأحداث:

إنّ أوضاع العالم العمليَّة اليوم وأحداثه الجارية على يد الإنسان، وما تُنتجه السياسة في دول الاستكبار العالمي والدول التابعة له لَتؤدّي شهادةً صريحةً على الانحراف الخطير الذي آلت إليه البشرية في وضعها الحاضر والانحدار البيِّن الذي تعاني منه إنسانية الإنسان الذي تسبَّبت فيه حضارته المادية، وقِيَمه الأرضيّة.

الإنسان يُعادي الإنسان، يسعى إلى إضعافه، شعوبٌ بكاملها تعيش الشقاء بسبب التسلّط الظالم من طغاة الأرض ومصّاصي دماء الشعوب وأصحاب الجشع المادي، دُول يكيد بعضها ببعض، وأنواع الفساد تغزو كلَّ العالم، وتدهورٌ خُلُقيٌّ يعمّ أكثر سكان الأرض، وحروب طاحنة لا تفتر بدافع البغي والنهب والاستغلال، وتحالفات عدوانية وراءها نفوسٌ شريرة وأهداف من طبيعتها، وعِلْمٌ ودين خاضع لإرادة الطواغيت وموظَّف لخدمة بغيهم وعدوانيتهم. وهكذا يغرق العالم اليوم في بحرٍ من الضلالات والفتن والشرور المهلِكة والكذب والتزوير.

هذا الانحراف الخطير الذي تعيشه البشرية اليوم والذي ينطق الواقع المتردي بشهادة صارخة عليه يأتي نتيجة حتميّة لروح الحضارة المادية التي سرت في العالم، وهيمنت على الإنسان فكرًا وشعورًا ومسلكًا.

والإسلام العظيم الذي يُعلَّق عليه أمل إنقاذ العالم من محنته، وتصحيح مساره، وإرجاعه إلى رُشده وإنسانيته يتعرَّض إلى تزوير عمليٍّ فظيع لابد لأصحاب الدّين والرُّشد والحكمة من أبناء هذه الأمّة من كلِّ المذاهب من المبادرة لمواجهته قبل أن تفلت الأمور، وتصير إلى ما هو أسوأ وأفتك بالإسلام والأمَّة.

وما يجري من مذابح ومجازر بشعة في صورة حيوانية شرسة، وما يحصل من اختطاف الأبرياء، وتعدٍّ على الأعراض، واستباحة للأموال، وحرق للثروة العامة، ومباهاة وتفاخر بأبشع الجرائم مما يجري باسم الإسلام، وتحت رايات وعلى يد قيادات تنتسب له لَيُمثّل أكبر عملية تزوير للإسلام وتعدٍّ على قداسته، وتشويه لصورته الرائعة.

هل خطف أكثر من مائتي طالبة والتهديد ببيعهن، وهنَّ لا دور لهن في حرب ولا مواجهة بمن فيهن من مسلمات ومسيحيات هو من إسلام القرآن والسنة؟([21])

هل التفجير في المساجد والكنائب وحصدُ الأرواح البشرية بلا حساب لجموع المصلين والعابدين لله مما يدخل في الإسلام أو يليق بعظمته؟([22])

هل استباحة دماء المسلمين لمجرَّد المخالفة في المذهب واستباحةُ أموالهم وأعراضهم مما يلتقي مع آيةٍ من آيات الذكر الحكيم أو حديث من الحديث الشريف؟

الخطر على الأمة والدين والإنسانية أكبر من أن يُنتظر بمعالجته وإيقاف تياره الجارف المجنون.

على كلِّ الغيارى في الأمة ومخلصيها من كلِّ المذاهب والتوجهات أن تجتمع كلمتهم لإنقاذ مستقبلها من خطرٍ أعظم من الخطر الذي تعيشه اليوم على شدّته بمحاصرة أسباب موجة التكفير المندفعة لتفريق الأمة أكثر مما هي متفرِّقة في الوقت الحاضر واقتتالها أشدَّ مما يحصد من أبنائها ظلمًا وعدوانًا وجاهليّة مَقيتة الاقتتال اليوم.

من ذلك أن تنتشر الفتاوى المضادة لفتاوى التكفير التي أفسدت كثيرًا من العقول والنفوس وبَلَغَ حريقها في أمة القرآن والإسلام ما بلغ.

على الحوزات والمراكز العلمية الدينية الرئيسة في كلِّ البلاد الإسلامية ومن كلّ المذاهب أن تصدر الفتاوى الصريحة المبطلة لفتاوى التكفير المخالفة لما عليه إسلام القرآن المجيد والسنة المطهرة.

وعلى كل المساجد المستقيمة على خط الإسلام أن توصل إلى جماهير الأمة رأي الإسلام المضاد لفتاوى التكفير، وتوضّح جاهلية ومكر وعداء هذه الفتاوى لسلامته وسلامة الأمة.

وإنَّ على الأمة ودعاتها المخلصين وشبابها الغيور من كلِّ المذاهب وعيَ المنطلقات السياسيَّة والخلفيَّة السياسيَّة، والأهداف السيئة للسياسة الدنيوية وراء هذه الفتاوى التي تُكفّر أبناء الأمة، ومن يُفتي بها خدمةً لتلك الأهداف.

  1. الحراك الشعبي ثابته ومتحركه:

انطلق الحراك الشعبيُّ بهدف التغيير والإصلاح وهو هدف ثابت لا تغيُّر فيه، ولا يصحّ أن يتغيّر، أو يُتنازل عنه فالتنازل عنه سفهٌ وبلاهة وجنون من المخلص، وخيانة كبرى للدماء والشهداء والأعراض والأموال من غير المخلص، وإخلالٌ عظيم لو صدر من أي طرف بسلامة الوطن، ونقض واضح لمصلحة الحاضر والمستقبل.

وانطلق الحراك الشعبي سلميًّا وبقي سلميًّا، وعليه أن يبقى كذلك، ولا عدول عن سلميته اليوم ولا غدًا.

       وانطلق الحراك الشعبي بقصد سقف من الإصلاح يضع أوضاع الوطن وعلاقة الحكم بالشعب على السِّكّة الصحيحة، وبحيث يعطي حالة من الاستقرار الذي لا يحوج الشعب إلى أن يدخل بعد بضع سنوات في مواجهة جديدة حادّة مع السلطة.

       وهذا السقف لابد منه، ولا يوجد حلٌّ آخر أقلّ منه يحلّ محلّه، ويؤدّي وظيفته، ويعطي لهذا الوطن الراحة المطلوبة والأمن المنشود للجميع.

       وانطلق الحراك الشعبيّ يطلب العزّة والاستقلال للوطن وقراره السياسيّ بعيدًا عن روح التبعية ولا يزال يصر على ذلك، ويجب أن يستمر على إصراره هذا، ويتجنب كل تبعية ناظرًا إلى مصلحة الوطن أولًا وقبل كل شيء في إطارٍ من الدّين الذي آمن به هذا الشعب ورضا الله سبحانه وهو الربّ الذي لا معبود لنا سواه.

       كلُّ هذه ثوابت للحراك ولا رفع لليد عن شيء منها.

       ومما ينبغي أن يُلاقي تغيُّرًا هو تنوُّع الأساليب وتجديدها وتعدُّدها في إطار السلمية ورفض العنف والإرهاب.

       وأمرٌ آخر ينبغي أن يتطور إلى درجة من الزيادة والكثافة والإصرار وهو المشاركة الجماهيرية الواسعة في الأنشطة السِّلمية التي يعتمدها الحراك وتُمثِّل الأداة الفعّالة في يده من دون يأسٍ ولا شكوى من تعب ولا ملل([23]).

  1. بهذه المناسبة:

يقام الموسم القرآني الثالث تحت عنوان: بالقرآن نتلاحم.

وبهذه المناسبة لابد أن تتذكّر الأمة أنه من أجل أن تتلاقى وتتلاحم صفوفُها، وتتكامل طاقاتها وتجتمع على الخير جهود أبنائها لابد لها من الالتفاف بمحور فكري وتربوي واحد قادر على توحيدها، وليس أقدر من القرآن على تحقيق هذا الهدف وهو قادر على أن يُوحِّد الإنسانية كلَّها على ما بين أبنائها من فوارق وتبايُنات.

       ومن أجل أن يكون التلاحم من أجل الحقِّ والعدل وعلى طريق الهدى والرَّشاد، ومن أجل الوحدة الإنسانية الكبرى ومصلحةِ إنسانية الإنسان وتحقيق الغاية السامية التي خُلِقَ من أجلها فلا بد أن يكون بالالتفاف بالقرآن والتمحور حوله وفي ضوء تربيته وقيادته.

       فعلينا ونحن نُفكّر ونطمح في أن تكون من هذه الأمة أمّةٌ جديدة مجيدة تكبر ما نحن عليه من قوّة وهدى ورشد واستقامة وفاعلية ونشاط وعزة نفسية قويمة وعملية وأن تكون سباّقة في كلّ الميادين الصالحة وتتقدم كلّ الأمم في ما هو إيجابي ونافع أن نُهيء لذلك بما يأتي([24]):

1)أن نبذل كل جهد ممكن في تصحيح واقع هذا الجيل برجاله ونسائه وشبابه وشاباته في ضوء الوعي القرآني المنير، وتربيته الرَّشيدة، وأن تقبل الأمّة بالقيادة الهادية بما يعني ذلك من محاولةٍ لفهم أكبر للقرآن، وطلب التتلمذ على ثقافته، وترويض النفس على نهجه لأنَّ مستوى الجيل القادم الذي نطمح أن يتطوَّر على يده واقع الأمة إنما يتم التحضير له على يدنا([25]).

2)أن تبدأ الصناعة الإسلامية الرشيدة المخطّط لها لجيل المستقبل من مرحلة الصِّبا والطفولة([26]).

3)أن يكون الاهتمام بالجيل الجديد على ضوء حركة قرآنية صاعدة، ونشاطٍ تربوي مكثّف مخطَّط له في ضوء القرآن شاملًا للبُعد الفكريّ والشّعوريّ والسّلوكيّ، ولا نكتفي بالتركيز على بُعدٍ دون بُعد.

4)إيجاد المؤسسات القرآنية والحديثيَّة الحاضنة للجيل المستهدَف في جميع مراحل نموّه([27])، والقادرة على مجاراة هذا النمو والدفع به طوال مسيرته التربوية الصاعدة، والتجاوب مع متطلباته المعرفية المتطورة.

5)أن لا يكون تخطيطنا لمشاريعنا التربوية والفكرية والثقافية في صورة محاولات من كيانات صغيرة متفرِّقة قد تقع في محذور التكرار وعدم النضج والتكامل، وإنما يكون التخطيط خاضعًا لنظرة مركزية دارسة جامعة ويكون تطبيق مُخرَجاته متناسقًا ومتكاملًا ومتناصرًا.

والحمد لله، وغفر الله لي ولكم، وللمؤمنين والمؤمنات أجمعين.

اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم اجعل قلوبنا عامرةً بذكرك، وحياتنا مبذولةً في طاعتك، ونيّتنا صادقةً وسعينا مفلحًا برحمتك يا أرحم الرّاحمين.

اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وفك أسرانا وسجناءنا، وردّ غرباءنا سالمين غانمين في عزٍّ وكرامة وأمن وسلام، والحمد لله رب العالمين.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([28]).

 

[1]– هنا وجه آخر للاختبار.

[2]– وإلا فالطفل يمكن أن يحتلّ منصبا من أكبر المناصب، ولكنه لا يُمكّن الآن من هذه المناصب، عنده استعداد، وليس هو بالفعل على التأهل المطلوب.

[3]– امتحاناتنا، اختباراتنا، ابتلاءاتنا، والتكاليف كلها من أجل أن ننضج، من أجل أن نكمُل، من أجل أن يصدر منا الخير، من أجل أن يمتنع منا الشر.

[4]– 2/ الملك.

[5]– فمن أجل أن نصل إلى درجة أحسن العمل خُلِق الموت والحياة.

[6]– 7/ الكهف.

[7]– 7/ هود.

[8]– الشر من مثل الأمراض والفقر والمصائب، الشر من هذا النوع.

[9]– 10/ البلد.

[10]– 3/ الإنسان.

[11]– 152/ الأنعام.

[12]– 168/ الأعراف.

[13]– 21/ السجدة.

[14]– أي بالمصائب.

[15]– فهداية على مستوى الفكر وإقدار إرادي على الصحيح وسلوك طريق الخير.

[16]– ولا يأتي من التكليف ما يفوق قدرةَ الإنسان.

[17]– 28/ الأنفال.

[18]– نهج البلاغة ج4 ص21 ط1.

[19]– شرح نهج البلاغة ج9 ص84.

لما يظهر حسن العمل يكون الجزاء ثوابا، ولما يتحقق سوء العمل فعلًا يكون العقاب بواءًا.

[20]– سورة التوحيد.

[21]– وهذا يُرتكب باسم القرآن والسنة.

[22]– والحال أنه يُباشر باسم الإسلام.

[23]– وإن يَحصَلْ انحسار عن هذا التواجد لابد أن يحصل انحسار بالنسبة للمطالب.

[24]– حتى ننتقل إلى أمة جديدة بتلك المواصفات علينا أن نُهيّء إلى ذلك بما يأتي:

[25]– إذا بقي هذا الجيل متخلِّفًا ومقصّرًا جدًّا في وظائفه لم يستطع أن ينتج الجيل الذي نطمح إليه.

[26]– وليس من مرحلة الرجولة والشباب.

[27]– لا تُرعى مرحلة الطفولة فقط، ولا مرحلة الشباب، ولا يكون تحضيرنا للمؤسسات القرآنية والحديثية والإسلامية للجيل القادم لمرحلة طفولته فقط، وإنما علينا أن نعدّ ما استطعنا من هذه المؤسسات للجيل القادم في كل مراحل نموّه.

[28]– 90/ النحل.