المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (592) 5 جمادى الأول 1435هـ – 7 مارس 2014م

خطبة الجمعة (592) 5 جمادى الأول 1435هـ – 7 مارس 2014م

مواضيع الخطبة :

الخطبة الاولى : معرفة الله

الخطبة الثانية : الإصلاح وتدهور الأوضاع 

 

الخطبة الأولى

       الحمد لله العالم بكلِّ نفسٍ وهو خالقها، الخبيرِ بما يُصلِحها ويفسدُها، وما فيه هُداها وضلالها، وخيرها وشرّها، وما تؤول إليه، وما يحدث لها، وما تأتيه وما تَدَعُه، وما كانت عليه. ولا يضيع من أمرِ نفسٍ ولا مما أضمرت، أو أعلنت، وما كَسَبَت من خيرٍ أو شرّ في ظاهر أمرها وباطنه شيءٌ من علمه، ولا مهربَ لأحد من عدله إلا باللجأ إلى عفوه ومغفرته، ولا ينال أحدٌ جنّته بمحض عمله ولولا إحسانه وتفضّله.

أشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

عبادَ الله من عَرَف الدّنيا كَفَتْهُ معرفتُها للاحتراس من غرورها، وَوَقْتَهُ من الانخداع بها بتوفيق الله. ومن لم يعرفها كفاه لمعرفتها أنْ ينظر فيما تنتهي إليه لذّةُ مطعمِها ومشربِها مما تنفِر منه نفسُه، ولو لم يُمكنه التخلُّص منه لَقَتَلَه، وما يصير إليه له مما يأكل من ريح طيِّب جاذب إلى ريح نَتِنٍ طارد، وما كان له من تفاخر به([1]) إلى توارٍ به عن أعين النّاظرين، وما كان منه من تنافُسٍ عليه إلى استقذاره، والتخلّص منه([2]). والدّنيا التي هذا شأنها لا تكون معبودًا لعاقل أمامه الآخرة بطُهرها ونقائها وطيبها، وطُهرِ ونقاءِ وطيبِ كلّ ما فيها.

اللهم اغفر لنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اغفر لنا ربّنا ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا يا توّاب يا رحمان يا رحيم.

اللهم ارزقنا سلامة العقل والدّين، وصدقَ اليقين، وعمل المتّقين يا خبير يا عليم يا رحمان يا رحيم.

اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، وارحم محمدًا وآلَ محمد أفضل ما صلّيت وباركت وترحّمتَ على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وصلّ على جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد أيّها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فالحديث لا زال في موضوع:

معرفة الله سبحانه:

تقدَّم أن أصل معرفة العبد لربّه سبحانه من صنع الله عزّ وجلّ في نفسِ العبد وأنّه قد فطرها بقدرته في هذه النفس.

وهذه الفطرة روحيَّة قلبية لا تحتاج إلى استدلال ولا لأكثر من شعور الرّوح بنفسها، والقلبِ بنفسه مع صفائهما ونقائهما وانعدام الحواجب المكتسَبَة من النفس([3]). فما شَعَرت روحٌ بنفسها، وقلبٌ بنفسه والحال هذه إلا وعرفا الله، وسلّما أمرهما إليه. فمعرفة الله تبارك وتعالى لا تحجبها عن النفس، ولا تُنسيها إياها إلَّا الذنوب، وإلّا كفى لها أن تلتفت النفس إلى ذلّتها لتلتفت إلى الله.

وهناك المعرفة الفطرية العقلية وهذه يكفي في حضورها عند العقل أن يتوجَّه إلى الكون وما عليه نظامُ الكون من دِقّة ورصانةٍ وبناء حكيم متين من غير دخولٍ في عملية استدلال معقّدة أو بسيطة، وبلا حاجة إلى مقدّمات من غير هذا التوجّه.

فالمعرفة الأولى وجدانية بدرجة أكبر على أنَّ الثانية ميسَّرة لكلّ نفس إنسانية ولا تحتاج إلى شيء غير التوجّه لما عليه الكون العظيم.

2. العقل الاستدلالي:

أعطى الله بكرمه الإنسان وبتشريفه له العقل الاستدلالي الذي يأخذ به في مسار علمي برهاني طويل يبني له به معرفةً متراكمة متنامية تقوم عليها بصيرة واسعة وسعادته في آخرته ودنياه. وهو نور يمشي به في هذه الحياة، ويسلك به طريقَه إلى الحياة الأخرى مبصرًا راشدًا.

وليس معنى ذلك استغناءَ الإنسان بعقله في بلوغ أهدافه، وإنما لأنَّ العقل مع عطائه للإنسان ودلالاته الرَّاشدة له، له دلالةٌ كبرى، وإراءةٌ واضحة للإنسان في حاجته لأخذ منهج حياته الكامل المصيب في دائرة الفرد والمجتمع من الله([4])، والرجوع في ذلك لرسالاته فلا بُدَّ للإنسان إذًا من طلب العلم بمنهج الله، والأخذ به حتى يمكن له أن يبلغ أهدافه الكريمة فيها، وأن تتحقَّق له الغاية التي كانت من أجلها هذه الحياة.

عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل:

“قيلَ لَهُ – أي لأبي عبد الله عليه السلام -: فَهَل يَكتَفِي العِبادُ بِالعَقلِ دونَ غَيرِهِ ؟ قالَ: إِنَّ العاقِلَ – لِدَلالَةِ عَقلِهِ الَّذي جَعَلَهُ اللّهُ قِوامَهُ وزينَتَهُ وهِدايَتَهُ – عَلِمَ أنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ، وأنَّهُ هُوَ رَبُّهُ، وعَلِمَ أنَّ لِخالِقِهِ مَحَبَّةً، وأنَّ لَهُ كَراهِيَةً، وأنَّ لَهُ طاعَةً، وأنَّ لَهُ مَعصِيَةً، فَلَم يَجِد عَقلَهُ يَدُلُّهُ عَلى ذلِكَ([5])، وعَلِمَ أنَّهُ لا يوصَلُ إِلَيهِ إِلّا بِالعِلمِ وطَلَبِهِ، وأنَّهُ لا يَنتَفِعُ بِعقلِهِ، إِن لَم يُصِب ذلِكَ بِعِلمِهِ، فَوَجَبَ عَلَى العاقِلِ طَلَبُ العِلمِ وَالأَدَبِ الَّذي لا قِوامَ لَهُ إِلّا بِهِ”([6]).

ولنقف عند الحديث الشريف الذي يرينا ما يفتينا به العقل وهو هبة من الله لنا، وما نحتاج إليه معه بلوغًا للغاية.

أ- قوام الإنسان في حياته، وما به استقامة هذه الحياة ورشدها بالعقل وهو زينته وميزته من بين سائر ما على الأرض من أنواع جمادٍ وحيوانٍ مسخّرات له.

ب- علّم العقلُ العبادَ أن الله هو الحقُّ وهو أصل الوجود كلّه، وأن لا ربّ لهم وللكون سواه.

ج- أفاد العقلُ العبادَ بأن الله عزّ وجلّ محبّ للحقّ والخير، كارِهٌ مبغض للباطل والشرّ، وأنَّ لله عزّ وجلّ حقَّ الأمر والنهي لعباده وأنّ من رحمته بهم أن يأمرهم وينهاهم، وأنَّ ما أمر به عليهم أن يأخذوا به، وما نهى عنه عليهم أن ينتهوا عنه ويدعوه.

د- مع ذلك ليس للعباد من عقلهم ولا لأيِّ شيء من ذواتهم ما يعرّفهم بكلّ ما هو متعلّق لأمر الله ونهيه.

هـ- عندئذ يكون التطلُّع إلى منهج الحياة المتمثّل في الشريعة العليمة السديدة من وحي الله وتبليغ الرسل المصطَفَين. وعليهم أن يسعوا السعي العلمي لتلقّي هذه الشريعة وفهمها، وأن يُقيموا كلّ حياتهم على أساسها، وطِبقًا لأحكامها فهذا هو الطريق الوحيد المضمون للبلوغ بالإنسان نضجَه وتحقيق فلاحه وسعادته.

ومن حَجَبَت قلبَه الذنوب، وأعمت عقلَه الآثام فصار به ذلك إلى أن لا يرى الله سبحانه، ولا يعرفه وَقَعَ في الشّكِّ المغرق دون أن يملك من عقله وقلبه ما يجعله يُنكر الله، ويُوفّر له على إنكاره الدليل([7]).

والشّاك في مثل هذا الأمر العظيم الأعظم من بين كلِّ الأمور العقل إنما يقول له أنّ عليك الاحتياط.

وعن عدم القدرة على إنكار الله ممن سدّ على نفسه قدرة التصديق به لسوء ما كسبت يده تقول الكلمة عن الإمام عليّ عليه السلام:“الحَمدُ للّهِ… الَّذي بَطَنَ مِن خَفِيّاتِ الأُمورِ، وظَهَرَ فِي العُقولِ بِما يُرى في خَلقِهِ مِن عَلاماتِ التَّدبيرِ، الَّذي سُئِلَتِ الأَنبِياءُ عَنهُ فَلَم تَصِفهُ بِحَدٍّ ولا بِبَعضٍ، بَل وَصَفَتهُ بِفِعالِهِ، ودَلَّت عَلَيهِ بِآياتِهِ، لا تَستَطيعُ عُقولُ المُتَفَكِّرينَ جَحدَهُ؛ لِأَنَّ مَن كانَتِ السَّماواتُ وَالأَرضُ فِطرَتَهُ، وما فيهِنَّ وما بَينَهُنَّ، وهُوَ الصَّانِعُ لَهُنَّ؛ فَلا مَدفَعَ لِقُدرَتِهِ”([8]).

ومعرفة القلب لله معرفته له جليلًا لا يُحدّ جلاله، جميلًا لا يتناهى جماله، كاملًا لا أُفُقَ لكماله، ممتنعًا أن يُدرك أي عقل وأي قلب حقيقة ذاته، أو صفةٍ من صفاته فلا عقلَ ولا قلبَ على الإطلاق يمكن من بعد ذلك أن يدنو من ذلك فضلا عن أن يناله حقيقة ذات الله أو حقيقة صفة من صفاته.

اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم كما أنّه بك عرفناك، فإنه لا مزيد لنا من معرفتك، ولا ثبات لنا عليها إلا بك، فثبّتنا ربّنا على معرفتك، وزدنا من معرفتك، واجعل لنا عملًا يُقرّبنا إليك، وننال به مرضاتك يا أحسن المحسنين، ويا من هو على كلّ شيء قدير.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}([9]).

الخطبة الثانية

       الحمد لله الذي ما خَلَقَ من دابّة إلّا تكفّلَ برزقها، وأوصلَ إليها ما به قوامها حتى منتهى أجلها، وانقضاء مدّتها، وسَلَكَ بها طريقها إلى غايتها، وهَداها سبيلها إلى ما خلقها، وكان هو العليمَ بكلِّ ما يُصلحها ويفسدها، ولا تقوم قدرةٌ مقام قدرته في حفظها ورعايتها.

       برحمته تقوم السماوات والأرض، وبقدرته يحفظ نظامَهما، وبعلمه يستمرّ لهما الوجود. لا خير إلّا منه، ولا دفع لشرّ إلّا به، ولا قضاء إلّا ما قضى، ولا قَدَرَ إلا ما قدّر.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله من استهوته المعصية فصار إليها هوت به، وأنهته إلى أعظم الخسارة، وأفظع الفضيحة، وأذل الذّل.

       ومن نال توفيق الطاعة كان حظّه الرّفعةَ والسموَّ والنجاة والنجاح.

       طاعةُ الله سبحانه تصنع العقول والقلوب والنفوس وتبلورها وتأخذ بها على الطريق السويّ، والصّراط المستقيم، وتبلغ بها فعلاً غاية ما تطيق استعدادًا من كمال.

       ومن عصى الله عزّ وجلّ كانت معاصيه هادمة لعقله وقلبه ونفسه حتى يخسرَ كلَّ شيء من هُداه ونور داخله، وإنسانيّته، ويهبط إلى منزلة الحيوان والجماد، لأنّه في انحدارٍ دائم، وكلّ معصية من معاصيه تقترب منه من هاويته حتى يصل إلى المنحدر السّحيق.

       فأيُّ عاقل، وأيُّ متمعنٍ، وأيّ حريص على نفسه ومصلحته، مشفقٍ على مصيره يختار نتيجة المعصية على نتيجة الطاعة؟!

       فلنجاهد النفسَ حملًا لها على تقوى الله، والثبات على طريق طاعته، وعدمِ تضييع لحظة من لحظات الحياة خارج هذا الطريق، وأن لا تصير أبدًا إلى مسلك المعصية الذي يُعقِب الهلاك.

       اللهم أكرمنا بطاعتك ولا تُهِنّا بمعصيتك، وألزمنا التقوى، وجنّبنا الفسوق والفجور والعصيان، ولا تكِلنا إلى أنفسنا ولا لأحد من خلقك طرفة عين يا رؤوف بالعباد، يا أرحم الراحمين.

اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم صل على محمد خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحفه بملائكتك المقربين، وأيّده بروح القدس يارب  العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفقهم لمراضيك، وسدّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا.

       أما بعد يا أبناء وبنات الإيمان، أيها الأحبّة في الله فالموضوع عنوانه:

       الإصلاح وتدهور الأوضاع:

       إنّ ما يساوق غيابَ الإصلاح، أو تأخيرَه هو تدهور الأوضاع كلِّ الأوضاع، وما الوضع الأمنيّ إلا واحدٌ منها، ولا يمكن أن يستقلّ وحده عنها، ولا أنْ يتمّ له الاستقرار ولا الوقوف عند حدٍّ معيّن من الخطر ما غاب أو تأخّر الإصلاح. ذلك ما تُحتّمه طبيعة الأمر علينا جميعًا؛ رضينا أو لم نرض، وبما لا يقبل الجدال.

       ومردّ أي تدهور في الناحية الأمنية كأيّ تدهور آخر في الأوضاع إنما هو هذا التأخّر في الإصلاح، وما يحصل من مستجدّات مؤلة لتفجير أو غيره لا يُعالجه شيء كالإصلاح وجدّيته، وكفايته، والتسريع به وصدقه وتطبيقه.

       وفي أيّ تفجير وما ماثله مصيبتان فإنّه في نفسه مصيبةٌ لما فيه من خسائر بشرية أو مادية من طرف أو آخر، وكذلك فيما تتعامل به الجهة الأمنيّة الرَّسمية معه بصورة دائمة.

       مصيبةٌ أنَّ الجانب الرّسمي وحالما يحدث تفجير أو ما يشبهه لا يتوجّه بنظره وإتهامه وقبل مُضيّ وقت على الحادث، وقبل أيّ تحقيق إلَّا إلى جهة أو أخرى من جهات المعارضة، والمطالبين بالإصلاح، مُغْفِلًا تمامًا أنّ هناك من يناوئ الإصلاح، وتزعجه أيّ خطوة صغيرة أوّليةٍ على مستوى مقدّمة من مقدّماته ولو من نوع دعوة جادّة أو غير جادّة للحوار، ويهبُّ في العادة لإجهاضها، ولو بدأت تتحرّك فعلًا واتّخذت خطوة على المستوى التطبيقي لضاعف جهده وكثّفه واشتدّت مقاومته لهذه الخطوة.

       وفي كلّ مرة تكون دعوة من أي مستوى للحوار تهبُّ على الساحة رياح عاتية تزلزل أمنها، وتكثر من الإعلام الرسمي المرئي والمسموع والمقروء([10])، تكثر الشتائم والتهديدات العلنية التي تتهدَّد مؤسسات أهلية بعينها، وشخوصًا معيّنين ممن يدعون للإصلاح، وحتى شخصيات رسمية رفيعة قد تُتّهَم عند هذا الاتجاه بميلها لتهدئة الأمور.

       وأصحاب هذا التوجه خارجون دائمًا من دائرة التحقيق والاتهام ولا يحوم حولهم شكّ من الجهة الرسمية الأمنية عند أيِّ حادث مؤلِم يلمُّ بالسَّاحة، فلا تُتّهم به إلا جهة من الجهات المطالبة بالإصلاح بغضّ النظر عمن تكون.

       وفي كلّ حادث سيء تشتدّ حملةٌ عامة قاسية تُغطّي الشوارع والمناطق والأزقّة التي تتواجد فيها المعارضة، ويتكثّف أبناؤها في صورة عقاب جماعي لا يستنثي أحدًا ولا يرحم.

       عند كلِّ حادث سيء يتصاعد أعداد الموقوفين والمطلوبين للأمن بلا انتظار وما يترتب على ذلك من وجبات تحقيق وتعذيب وتثبيت الاتهام ومحاكمات معروفة، وارتفاعٍ في أعداد السجناء، واكتظاظ للسجون.

       وفي كلّ حادث تفجيري وما ماثل أو شابه المستفيدُ طرفان، والخاسر هو الشعب وصفوفه من أبناء المعارضة.

       تجد الموالاة ربحًا هائلًا في أيِّ حادثٍ من هذا النوع، وفرصة ضخمة للتملّق والتسلُّق وفرض الشّروط، أو الظهور بمظهر الحكمة والحنكة السياسية الفائقة فيما كانت توصي به من جانبها السلطةَ بالتشديد في القبضة الأمنية، وزيادة القمع والفتك([11]).

       ولا تجد جوًّا أكثر ملاءمة من الجوّ الذي يثيره أي عمل من أعمال التخريب التي لا تُنسب إلّا إلى المعارضة لتعميم العقاب، وفرض السيطرة بالقوة على كلِّ الشوارع والمداخل والمخارج والمناطق، وتثبيت الاتهام على من تنوي اتهامه، وهو فرصة سانحة لإظهار الهيبة من قبل الجانب الرسمي.

       أما المعارضة فتدفع عند أي حادث من النوع الذي تجد فيه السلطة مبرّرًا للمزيد من القمع والممارسة القاسية ضرائب باهظة مكلفة على مستويات وأبعاد عدّة([12]).

       وهذاما ينبغي أن يكون له حسابه في أي عملية تحقيق وتدقيق منصف تريد السلطةُ أن تجريه.

       والذي نقوله هنا هو أنّ كلّ حكومة تجري تحقيقاتها فيما يجري في ساحة بلدها لكن ما يقضي به الحقّ ألا يُصَبَّ النظر دائمًا على طرف، ويُهمل طرف آخر لا تقل قرائن احتماله عن قرائن احتمال الطرف الآخر على الأقلّ خاصَّةً مع هذا الارتباط المتكرِّر بين أيّ دعوة للحوار وما يُسبّبه أي حادث مؤلم من قَلْب الصفحة وإثارة موجة عالية من التوتر، والرُّعب، تحمل معها الكثير من الآلام والخسائر للمطالبين بالإصلاح مما يُغري الطرف المعادي للإصلاح لأن يستمرَّ في تفجير الأوضاع كلَّما أطلّت بادرة حوار برأسها على الساحة([13]).

       كل حكومة تجري تحقيقها في ما يجري لساحتها من حوادث ترى ضررًا فيها، وما يقضي به الحقّ والعدل والدّين ألا تُهدر حرمة الناس عند أي حادث، ولا تُعمَّم العقوبة، ولا يُسرع بتثبيت الاتهام، ولا يكون تثبيته عن طريق الإكراه، وبالأساليب الضاغطة التي تكاد تُفقِد الإرادة، ولا يُخضع للتعذيب كلُّ من تحوم حوله شبهة ولو ضعيفة جدًّا، ولا تُتّهم فئات واسعة وطوائف عامة بكاملها، ولا تكون المناسبة منطلقًا لتنفيس كل حاقد عن حقده، وتعبير كل جاهل عن جهله وبرعاية رسمية، ودفع رسمي، ولا فرصة سانحة تفتح أبوابها الحكومات لتسلُّق كلّ متسلّق إلى مطمعه.

       والحقُّ ومقتضاه هنا مغيَّبٌ بالكامل عند كل حادث من حوادث هذه الساحة وكل عين من عيون المواطنين تشهد على هذا وكلُّ أُذُن لا تشكّ فيه.

       ولستُ هنا بصدد تشخيص هذه الحادثة أو تلك، أو الانتهاء إلى ما هو الواقع وراءها([14]).

       والتحقيق مرة يتعلّق بمسألة تخصّ فردًا أو جهة وله أن يستقلّ بالتحقيق فيها أو يشرك طرفًا آخر في تحقيقه ثم يبني على ما أدى إليه ذلك التحقيق من استمراره على موقفه العملي أو العدول عنه وتغييره.

       وأخرى يتعلّق التحقيق بأمرٍ بينه وبين طرفٍ آخر يرى فيه أنّه خصمُه، ويريد أن يصل إلى الحكم العادل المترتب على نتيجة التحقيق العادل والذي يُسكت الخصم، ولا يترك له حجة يحتجّ بها.

       والتحقيق في هذا الفرض له مُقوِّمه، وشروطه ومما يجعله مختلفًا عن التحقيق في مسألةٍ تخصّ المحقق نفسه([15]).

       والمقوّم في هذا الفرض هو أن يكون التحقيق إمّا مشتركًا بين طرفي النزاع، أو من طرف ثالث شرطُه الحياديّة وعدم ارتباط مصلحةٍ له بهذا الطرف أو ذاك، والخبرة والدِّقة والعدالة والنزاهة.

       فحيث يكون التحقيق على يدٍ من هذا النوع وبهذه المواصفات يكون التحقيق مقبولًا، ومنصِفًا، وقاطعًا للحجّة حتّى مع احتمال الخطأ، وفيما دون ذلك إذا كان هناك اقتناع فإنما هو اقتناعُ صاحب التحقيق أو من كلَّفه بالتحقيق.

       هذا هو كلام الدين والعقل بعيدًا عن كلّ انفعال والتواءٍ ومغالطات.

ومن مقتضى الحقّ والعدل الذي لا يجوز تجاوزه هو أن لا يقلّ شأن القتيل من أبناء الشعب فيضيع دمه، ويختفيَ ذكره، ولا يستحقّ أمره تحقيقًا صادقًا. يجب أن لا يقِلَّ شأنُ أيُّ مواطن من المواطنين يُقتل فيضيع دمه، ويُنسى ذكره عن شأن شرطيٍّ، رجل تابع للأمن، ونحن نحرص على سلامة الجميع، ونُحرّم القتل الظلم لأي شخص، وندين العنف والإرهاب، لكن يجب أن لا يقلّ شأن المواطن عن شأن أي شرطي يُقتل، عن شأن أيّ رجل أمن بفارق بشع جدًّا جدًّا حيث تقوم الدنيا ولا تقعد عند قتل شرطي وهذا حقّ الدولة، وحقّ حرمة الدم، بينما يُقتل القتيل، والقتيلان، والثلاثة، وتذهب العشرات، وتذهب المئات من أبناء المعارضة ثم لا ذكر ولا تحقيق يصل إلى نتيجة([16]).

وغياب هذه المساواة شكوى مؤلمة من شكاوى هذا الشعب فكم هُدِرت من دماء أبنائه وكم ضاعت واستُخِفّ بها وشُمِتَ لذلك؟!

 أغلقوا أبواب الفتن وخسائر الوطن بفتح باب الإصلاح. أسرِعُوا بفتح بابَه تُسرعوا بإنقاذ الوطن. انسوا مطامع الدّنيا ولو لبعض الوقت رحمةً بوطنكم، وإن لم يكن بالغير فبالنفس، فما ربِحت نفس بخير من خير الدنيا بظلم الآخر إلا خَسرت من الخير الأعظم أضعافًا([17]). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات أجمعين، اللهمّ تب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم صلّ على محمد وآل محمد، اللهم ارزق عبادك المؤمنين أمن الدّنيا والآخرة، وغنى الدّنيا والآخرة، وعزّ الدّنيا والآخرة، وكرامتهما يا من هو على كلّ شيء قدير، وبالإجابة حقيق جدير.

       اللهم ارحم شداءنا وموتانا، وفك أسرانا وسجناءنا، واشف جرحانا ومرضانا، وردّ غرباءنا إلى أوطانهم سالمين غانمين في عزّ وكرامة برحمتك يا أرحم الراحمين.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([18]).

 

 

[1]– وهو الأكل الذي نأكله، وهو الشرب الذي نشربه.

[2]– فرق بين لحظة تناول الطعام، وإقبال النفس عليه، وبين لحظة التخلّص من فضلاته. هذه هي الدنيا.

[3]– التي تحول بينهما وبين معرفة الله عزّ وجلّ.

[4]– العقل يشعر بالحاجة إلى أخذ منهجه الكامل للحياة من الربّ سبحانه وتعالى، وهذا ما يكمّل له معرفته ويجعلها مثرية لحياته، بالغة به هدف هذه الحياة.

[5]– يعني على تفاصيل ما هو طاعة، وتفاصيل ما هو معصية، العقل لا يملك هذا، لا يملك أن يشخّص ما هو أمر الله هذا في كل مورد مورد، وما هو نهيه.

[6]– الكافي ج1 ص29 ط5.

[7]– ليس من عقل على الإطلاق يمكن أن يملك دليلا على نفي ألوهية الله سبحانه وتعالى. العقل يقع في الشك، القلب يقع في الشك لسوء ما كسبت اليد، لكن أن يكون لأحد دليل على نفي الوجُودِ إلهي فذلك مما هو مستحيل تمامًا.

[8]– الكافي ج1 ص141 ط5.

[9]– سورة التوحيد.

[10]– تكثر الهجمات الشرسة اللا أخلاقية على طائفة بكاملها، وعلى شخوص يُسمَّون في الإعلام بأسمائهم الصريحة.

[11]– ويجد ممن يشعرون بالجريمة، وبغضب الدولة عليهم فرصة من هذا الحادث لغسل ما هم عليه من جرم وذلك بالسبّ والشتم لصفوف المعارضة.

[12]– المعارضة تدفع أثمانًا باهظة، كُلُفًا غالية عند كل حادث تخريبي، ولذا لا يكون شيء من هذا في مصلحتها على الإطلاق.

[13]– هذا يستفيد، هذا يستغل، هذا يتعملق، هذا يتسلّق من وراء أي حادث تفجير يقع. وهذا يتوقع عقوبة مؤلمة جدًّا للمطالبين بالإصلاح، فلِمَ لا يغريه كل ذلك لأن يكرّر حادثا تفجيريّا وعملا تخريبيا آخر!

[14]– أنا لست قادرا على تشخيص هذا الأمر، ولا أملك أدوات التحقيق فيه لأنسبه لهذه الجهة أو تلك الجهة، فحينما أتحدث عن أناس يطمعهم أن يحدث حادث تفجيري أو غيره لا أجزم بأن هذا الطرف الفاعل، ليس لي ذلك، لا يسمح لي ديني، لا يسمح لي عقلي بذلك.

[15]– الحوادث العامة هل تخص الجهة الرسمية فقط، أو تخصّ الجهة الرسمية التي تريد أن تقوم بالتحقيق والمتَّهم منها هو الشعب؟

[16]– هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).

[17]– إن كنت مطمئنًّا وآمنًا من أن يصيبك سوء بظلمك في الدنيا فأنت وأنت مسلم لابد أن تخاف عِظَم عقاب الآخرة.

[18]– 90/ النحل.