المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (591) 28 ربيع الآخر 1435هـ – 28 فبراير 2014م

خطبة الجمعة (591) 28 ربيع الآخر 1435هـ – 28 فبراير 2014م

مواضيع الخطبة :

الخطبة الاولى : معرفة الله

الخطبة الثانية : السياسة الغربيّة – معركة المساجد – الجهود إمّا هنا وإمّا هناك – في ملأ السُّعداء

 

الخطبة الأولى

       الحمد لله الذي لا غِنى لأحدٍ عنه على الإطلاق، ولا حاجةَ منه لأحدٍ أبدًا، والذي لا تنفد خزائنه، ولا ينقطع من ضيقٍ ولا بُخل، ولا غيابِ علم بحاجةِ محتاجٍ، أو غيابِ شيء من خلقه عن علمه عطاؤُه، ولا يُعطي ولا يمنع إلا بحكمة، ولا يخاف من نقص، ولا يأتي على قدرته عجزٌ، ولا يطرأ عليها طارئ.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله من لم يهمَّهُ أمرُ الآخرة كان محكومًا لسفهه ومن أغفل الغافلين وأخسر الخاسرين. وكذب من رأى نفسه أنه ممن يهمُّه أمرُ الآخرة وهو لا يعمل لها، فلنتدبّر الأمر أعظم التدبّر لنوقن بأهمية ما يستقبلنا من أمر آخرتنا من مثوبة وعقوبة وأنْ لا شيءَ مما في الدّنيا من خير أو شرٍّ يدنو من عِظَمِهما، ولنأخذ النفس باللّين والشدّة على طريق التوقّي من ذلك الشرّ المفزِع والعذاب الأليم، وطَلَبِ ذلك الخير المطمِعِ، والنعيم المقيم.

       ألا فالتقوى التقوى والاستعداد أكبر الاستعداد ليومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون.

       اللهم صل وسل وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واعفُ عنّا واغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم.

       اللهم إنّك كلَّفتنا بطاعتك، وبصّرتنا بطريقك، وأقمت علينا الحجّة، ووفّرت لنا آلة الطّاعة، ولكن لا غنى لنا عن توفيقك، وعونك وهدايتك وتسديدك، فمُنّ علينا بما يُيسِّر على أنفسنا التعلّقَ بطاعتك، والشوقَ للمسارعة لعبادتك، والعزوف عن معصيتك والنفور منها إنّك الفعّال لما تريد، وإنك أرحم الراحمين.

       أما بعد أيّها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فالحديث في معرفة الله سبحانه:

       من أين تبدأ المعرفة؟

       لا وجود على الإطلاق إلَّا واللهُ مبدؤه ومنتهاه، ولا معرفةَ لأيّ مخلوق من الإنسان وغيره من غير إلهامٍ منه عزّ وجلّ، ومن غيرِ منافذَ تُوصِلُ إليها موهبة من عطائه إذ كلّ شيء من دونه فقير ذاتًا في وجوده، وكلِّ ما لَه، وكلّ أَثَرٍ من آثاره، ونعمة من نِعَمِه، وخطوةِ رقيّ تتحقّق له.

فالإنسان وهو يخضع لهذا الفقر الشَّامل كسائر خَلْق الله غير مكلَّف بأن يوجد منابع معرفته ومنها معرفتُه لربّه تبارك وتعالى، أو أن يؤسّس من نفسه لنفسه أيَّ معرفةٍ لا يملك لها منبعًا ولا آلة توصله إليها.

ومن هنا كان لابد كي يعرفَ الإنسان([1]) أن يُوجِد الله سبحانه له المعرفة أو أن يمدّه بوسائل توصله إليها.

وقد تكفّلت العناية الإلهية بمنح الإنسان درجة من المعرفة، وبوسائل تمكِّنه من المزيد من المعرفة، وتبلوُرِ المعرفة.

وقد غَرَسَ سبحانه معرفته في نفوس عباده، وأعطاهم من أدواتها ما يُصحِّح تكليفهم بالتوسُّع فيها وطلب المزيد حسب ما وَهَبَ لكلّ عبد من ذلك على أنه لا معرفة لأحد من خلق الله عزّ وجلّ يمكن أن تُحيط به علمًا، أو تُدرك حقيقة ذاته أو صفةٍ من صفاته.

وكيف تبدأ معرفةُ الإنسان لربّه العظيم الجليل، وماذا وَهَبَ ربُّه له من وسائل تركّزها ونموّها وتوسُّعها؟

المبدأ الفطرة:

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}([2]).

{صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}([3]).

{وَ لَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ…}([4]).

والفطرةُ لغة الخلقُ والإيجاد.

والآية الأولى تتحدّث عن أنَّ الدّين وأولُه معرفة الله سبحانه مفطور عليه الإنسان وداخلٌ خَلْقةً في عجينة إنسانيته.

أصلُ الدين، والمنطلق الأوّلُ، والأساسُ الذي يقوم عليه بُنيانه من معرفة الله عزّ وجلّ وتوحيده شيء من تكوين الإنسان، وبُعْدٌ أصيل خَلْقةً من أبعاد إنسانيته لا سعي له فيه([5])، ولم يُكلَّف بطلبه([6])، وإن كان استكمال فهم الدّين محتاجًا إلى السعي العلميّ من الإنسان الذي رزقه الله وسيلة من العقل المدرِك المستدِلِّ الذي وهبه له.

فمن مواهب الله الكبرى لهذا المخلوق قوّةُ الإدراك والاستدلالِ والانتقالِ بالتفكير المنطقيّ من المقدّمات إلى النتائج، ومن حاصل العلم إلى جديده، وكذلك بديهيات العقل من مثل حاجة المعلول إلى العلّة، وعدم تأخُّر المعلول عن علّته، وعدم اجتماع النقيضين مما يُمثّل الأصول التي يعتمد عليها السعيُ العلميُ عند الإنسان وبناءُ معرفته.

أضف إلى ذلك أصول السّلوك الصّحيح، والأخلاق الكريمة عنده، وكذلك دوافعَه المعنوية الرفيعة، وشوقه الذي لا ينقطع إلى الكمال.

والآية الثانية تتحدث عن صبغة الله، وأنَّ الإنسان قد صبغه ربُّه الخالق المبدع بصبغة الدّين والتوحيد، ووفّر له هذا النّور في أصل خلقه.

وتلك الصبغة بها طُهْر الإنسان وجماله وروعته ورفعته، فإنْ ضيّعها وتخلّى في سير حياته عنها تخلّى عن كلّ طُهْره وجماله وهداه.

ولا صِبْغةَ يمكن أن تأخذ مكان هذه الصبغة وتقوم مقامها وتعطي ما لها من عطاء.

ولا يمكن فرض صبغة أحسنَ من صبغةٍ من صنع الله تبارك وتعالى.

هذه الصبغة العظيمة كما في الحديث هي الإسلام. ففي صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عزّ وجلّ {صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} قال: الصبغة هي الإسلام([7]).

والمسيحيون يغسلون المولود في يومه السابع بماءٍ عمودية، وبذلك يعطونه الطهارة كما يقولون ولكن أين هذا من طهارة عقل وقلب وروح من خَلْقِ الله في عجينة إنسانية الإنسانية؟!

طهارةُ بدن خارجية عابرة تزول بأدنى سبب أينها من تلك الطهارة الثابتة في باطن الإنسان ولا تنفكُّ عن خلقته وإن حاول أن يطمسها الأشقياء من أبناء الإنسان ويطفئوا نورها لتكون عليهم بسوءِ اختيارهم حُجّةً من دون أن ينتفعوا بها؟!

ومن وحي فطرة التوحيد ومعرفة الله عزّ وجلّ في الإنسان تجده لا يتخلَّف ولا يتردّد في الإجابة على سؤال من خَلَقَ السماوات والأرض وحيث يتخلّى عن جحوده وعناده ولا يخضع لجاهليّته منطلِقًا من محض الفطرة عن الجواب بأنه الله، وهو إذا عاند مكابرًا أجاب داخله([8]) أنّه الله لا شريك له.

والحديث عن الرسول وآله صلَّى الله عليه وعليهم أجمعين غنيٌّ ببيان فطرة الدّين الحقّ والتّوحيد في كيان الإنسان كما أثبت ذلك القرآن.

عن الإمام الباقر عليه السلام:“قال رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه وآله: كُلُّ مَولودٍ يولَدُ عَلَى الفِطرَةِ؛ يَعني عَلَى المَعرِفَةِ بِأَنَّ اللّهَ عز وجل خالِقُهُ، كَذلِكَ قَولُهُ:{وَ لَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}([9]).

فهذا الجواب جواب الفطرة، وهذا ما تنطق به على لسان الطفل عندما يرده هذا السؤال ما لم تتدخّل التربية الفاسدة في التشويش عليه وحرفه([10]).

وعن زرارة:سَأَلتُ أبا جَعفَرٍ عليه السلام عَن قَولِ اللّهِ عز وجل:{فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}([11])قالَ:”فَطَرَهُم عَلى مَعرِفَتِهِ أنَّهُ رَبُّهُم، ولَولا ذلِكَ لَم يَعلَموا إِذا سُئِلوا مَن رَبُّهُم، ولا مَن رازِقُهُم”([12]).

وعن الإمام علي عليه السلام:“اللّهُمَّ خَلَقتَ القُلوبَ عَلى إِرادَتِكَ، وفَطَرتَ العُقولَ عَلى مَعرِفَتِكَ، فَتَمَلمَلَتِ الأَفئِدَةُ مِن مَخافَتِكَ، وصَرَخَتِ القُلوبُ بِالوَلَهِ، وتَقاصَرَ وُسعُ قَدرِ العُقولِ عَنِ الثَّناءِ عَلَيكَ..”([13]).

وعن الإمام الرضا عليه السلام:“بِصُنعِ اللّهِ يُستَدَلُّ عَلَيهِ([14])، وبِالعُقولِ تُعتَقَدُ مَعرِفَتُهُ، وبِالفِطرَةِ تَثبُتُ حُجَّتُهُ”([15]).

فالعقول مشدودة شدًّا لا ينفكُّ ومن خلقتها – وتبقى على ما خلقت – بمعرفة بارئها سبحانه، فكلّما حَضَرَ العقلُ حضرت معه معرفته لله الذي أودعه معرفته([16]).

ومهما جحد الجاحدون بالله فإنَّ معرفتهم الفطريّة به، والتي أودعها في كيانهم وأصمّ عن ندائها الأكثر منهم سوءُ ما كسب على نفسه، وما شوّهت التربيةُ المنحرفة من داخله ناطقةٌ عند الوقوع في الشدّة التي لا يجدون مَخلَصًا منها من كلّ الأسباب، وفي كلّ الحِيَل حيث يثور عندئذ في النفس الجاحدة قبل ذلك تطلُّعٌ صادق إلى القادر الذي لا تحكمه الأسباب، ولا يمتنع عليه شيء([17])، وهو مطّلع على جميع الخلق، ولا يغيب عن علمه شيء. وليس من هو هكذا إلا الله سبحانه وتبارك وتعالى([18]).

عن الإمام العسكريّ عليه السلام:“(اللّهُ) هُوَ الّذي يَتَأَلَّهُ إِلَيهِ عِندَ الحَوائِجِ وَالشَّدائِدِ كُلُّ مَخلوقٍ عِندَ انقِطاعِ الرَّجاءِ مِن كُلِّ مَن هُوَ دونَهُ، وتَقَطُّعِ الأسبابِ مِن جَميعِ ما سِواهُ”([19]). والتألّه التعبّد.

وتألُّه العبد إلى الربّ العزيز العليم الرحيم عند الشدّة([20]) بالانقطاع إليه، والاستعانة به، والتوكّل عليه([21]).

اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم لا تطفئ في داخلنا نور الفطرة الهادية التي وهبتنا، وزد نورها لنا نورًا، ولئلاءها لئلاءً، واجعل كلّ حياتنا على خطّها وهداها، واجعلها منتهية بنا إلى رضاك، وبوّأنا بالاستقامة على صراطها جنّتك ومنازل الكرامة الرفيعة التي اذّخرتها لصالحي عبادك يا كريم يا جواد يا رحمان يا رحيم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}([22]).

الخطبة الثانية

       الحمد لله الخالق لما وُجِد وما يوُجد، المقدِّر لما كان ويكون، العالمِ بما أتى وما لم يأتِ، السابق بذاته على كلّ شيء، ولم يأتِ عليه عدم، فلا سبق له من عدم أو وجود، ولا ينقطع وجوده، ولا يحدُّه أمد، وهو الحيُّ القيوم الذي لا يموت.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عباد الله من أحسن فإنما أحسن لنفسه، ومن أساء فإنما أساء عليها، ومن شكر المنعم الحقّ فشُكْرُه لمزيد خيره، وجزيل عطائه، ومن كَفَرَ فإنّ الله لغنيّ عن العالمين.

       وشُكْر المنعم واجب في العقل والدّين، وجحود نِعَمِه خُلُقٌ لئيم.

       وشُكْر كلّ محسن لإحسانه من خلق الإسلام، ومن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق لأن الخُلُقَ اللئيم إذا غزى النفس تنامى فيها حتّى يستولي عليها، وإذا ذاقت النفسُ حلاوة الخلق الكريم أخذت به في كل المواقف.

       فلنشكر أيّها المؤمنون كلّ محسن على إحسانه، ولا إحسان كإحسان الخالق العظيم، ولا خير يجري على يدِ مخلوق إلّا من فضله، فما شَكَرَ العاقلُ أحدًا على صُنعه إلّا وكان شكره لله تبارك وتعالى قبله.

       فليكن شكرنا لله دائمًا أبدًا وفي كل حال.

       ومن حقيقة شُكْره سبحانه الرّضا بما أعطى، ووضعُ نِعَمِه على طريق طاعته، والتزام تقواه.

       اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم اجعلنا من أذكر الذاكرين، المعترفين بنعمائك، الشاكرين لآلائك، المسبّحين بحمدك، المقرّين بالتقصير، الرّاجين منك المغفرة يا محسن يا متفضّل، يا متحنّن يا غفّار الذنوب.

اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وعلى أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحفه بملائكتك المقربين، وأيّده بروح القدس يارب  العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفقهم لمراضيك، وسدّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا.

       أما بعد أيّها الأحبّة في الله فهذه كلمات:

       السياسة الغربيّة:

       السياسة الغربيّة سياسة منسجمة مع نفسها، ومع تطلّعاتها، ومع خلفيتها الحضارية، وعُمْق الرؤية الكونية التي تنطلق منها، وحتى التهافت والكيل بمكيالين مما يقال عنها منسجمة فيه مع ذلك كلّه.

       التطلُّع لهذه السياسة نفعيٌّ ماديٌّ من مال وشهرة وسيطرة ونفوذ واستعلاء واستكبار.

       الرؤية الكونية جاحدة لله سبحانه أو لا تعترف له سبحانه بحقّ التشريع لحياة عباده، ولا بحاكميته عليهم، وترى أنّ الإنسان حرّ في تصرّفاته لا تتوقّف هذه الحرية عند حاجز من الحواجز، وليس عليها إلّا أنْ لا تتغوّل على حرية شركائها في الحرية.

       وهذا الأمر الأخير لا تلتزم به، وإذا التزمت به فإنماتلتزم به لمصلحتها وذلك عندما يخاف المتغوِّلُ على حرية الآخرين من إلغاء حرّيته.

       فهي تُذلّ وتستعبد شعوبًا وأممًا من المستضعفين في العالم، ولا تعترف لمسلمة بلبس ما يستر شعرها في بلاد الغرب([23])، وبدأت تمنع عن المسلم في بعض بلدانها ما هو من الذبح الحلال.

       الحضارة التي تنطلق منها السياسة الغربية أوربية كانت أو أمريكية حضارة أرضية طينية تُقدِّس المادة وتكفر بالقيم، وتصبغ الدّين بصبغتها.

       ليس هناك آخرة في نظر هذه السياسة، ولو كانت فلا شأن لها بأمور الشأن السياسي وإدارة الحياة العامة الحاضرة للناس، وكل ما له من تأثير فيها هو الجانب التعبدي الفردي الانعزالي فمن اعتقد ذلك فلا ضير في ممارسته لهذا الجانب الذي يخص حياته الشخصية ولا تعلُّق له بالسياسة العامّة.

       وبهذا كله تكون السياسة الغربية منسجمة مع نفسها وكل خلفيّاها وفلسفتها في الحياة والكون والإنسان وعلاقته بربه أباحت ما أباحت وحرَّمت ما حرّمت مما ترى، وفيما تسرق وتنهب وتُثير من حروب ظالمة، ومن فتن داخلية في الأمم والمجتمعات الأخرى، وفيما تعيث في الأرض من فساد، وما ترتكبه من اغتيالات غامضة وتصفيات واسعة مكشوفة واستغلال حرام وإذلال واستعباد، وفيما تأخذ به من تعدُّد المكاييل في الموضوع الواحد، وفميا ترفعه من شعار الديموقراطية وتخالفه على الأرض في البلدان الأخرى، وتناصر الديكتاتورية والسلطوية ضد طالبي الديموقراطية والسَّاعين إليها، وفي انتصارها لهذه الدولة الاستكبارية المعادية لحقوق الإنسان ومحاربتها لتلك الدولة المطبقة للديموقراطية.

       نعم تكون منسجمة في كل ذلك وفي كل تناقضاتها ما دام ذلك يحقّق المصلحة الماديّة، ويؤدي إلى المنافع الدنيوية المنشودة.

       وإذا سألت عن موقف السياسة الغربية من هذه الحكومة أو من تلك الحكومة، من هذا الشعب وحراكه أو ذلك الشعب وحراكه فلا تتحيَّر في الإجابة فهي واضحة ومكشوفة وجاهزة. وكلُّ ما في الأمر عليك أن تعرف أنّه من الذي سيدفع الثمن الماديّ، ومن سيُعطي ثمنًا ماديًّا أكبر، من سيقدّم وطنه وثروات وطنه، ودينَه، وشرفَ أمّته وعزّتها، وحريّة بلده بدرجة أعظم وأعظم هذا الطرف أو ذاك. من كانت تبعيّته هي الأكبر كان الموقف الغربي معه([24]).

       هذا هو المورد الرئيس لانتصار السياسة الغربية لهذا الطرف أو ذاك الطرف من طرفي أو أطراف أيّ صراع.

       وكمثال: انظر الموقف العملي الأوربي والأمريكي من الثورات والحكومات ومنها هذا المثل القريب جدًّا مثل أوكرانيا، والطرفين فيها، وأن الانتصار لمن كان، وما خلفية هذا الانتصار([25]).

       ([26])وفي مورد أن التابع والأسخى في العطاء للغرب بدأ يتضعضع ولم يَفِد معه الدعم، وأخذ وجوده يترنّح ويميل إلى السّقوط يبدأ ابتعاد الغرب عنه، والاقتراب من الطرف الآخر الصاعد إلى مركز السلطة والنفوذ وإن كان لا يتمنّى له الغربُ سلطة ولا نفوذًا.

       ولا تقف السياسة الغربية مع المنادين بالحرية والديموقراطية إلا في هذه الحالة.

 ومن قبل التباشير الجديّة بانتصارهم يمكن للسياسة الغربية أن تُقدّم لهم الابتسامة الصفراء، والكلمات الناعمة الخادعة، والوعود المكذوبة. كلّ ذلك لِتُظهر الانسجام الظاهري بين شعاراتها وسلوكها الخارجيّ ولو بصورة شكليّة بعيدة عن الحالة الجديَّة.

       ولو واجهت السياسة الغربية ضغطًا جدّيًا داخليًّا من المنظمات الحقوقيَّة والمحافل الدولية في صالح الوقوف مع حركة من حركات التحرُّر وضد دكتاتورية فاحشة جاء منها دور المجاملة بمقدار ودور المراوغة والالتفاف.

       هذا هو واقع السياسة الغربية ولا تغيير.

       وكلُّ من لا يأخذ بالدين، ولا يحترم منهجه في الحياة ولا يُعظم شأن الآخرة فهو لا يختلف في موقفه عن موقف الغرب في كلّ مجال([27]).

       أمّا قضيّة الضمير الإنساني([28]) الفطريّ فليست له فاعلية الدين في الردع عن الظلم والفساد، ثم إنه تنتهي فاعليته كلّيًا تحت التأثير للتراكمات الجاهلية والاستخفاف بالدين في نفس صاحبه فيكون مع وجوده كعدمه.

       والضمير ولو بقي على مستواه الفطري يصعبُ أن نقول بأنه يدفع للتضحية من غير ثمن جاهز منظور في الحياة الدنيا بالمصالح الكبيرة وبما فيه مشقة وأذى وحرج شديد على أنه لا يمكن أن يبقى كذلك في ظلّ التمسُّك بقيم المادة وشهواتها.

       معركة المساجد:

       لا زالت الحكومة تخوض معركتها المقدَّسة الحامية والشجاعة مع المساجد المهدَّمة، ومن يُصلّي فيها، ومن يقترب منها.

       هذه الحرب اختارتها السلطةُ وجدَّت فيها وأخلصت لها، ويظهر أنها لا تنوي التراجع عنها ما لم تُحقِّق نصرًا حاسمًا كاسحًا لا يُبقي لهذه المساجد ما استطاعت أثرًا ولا ذكرًا.

       وكأنّها ترى أنَّ الانتصار في هذه المعركة من الانتصارات الضخمة والأمجاد العظيمة التي لا يمكن أن تفوّت.

       وهل ترى أن معركة تُعطى كل هذا البذل وكلّ هذا الجهد، وتنال كل الاهتمام والإصرار والصمود من قِبل السلطة هي معركة على مبنى من المباني الصغيرة يُسيطر عليه لِيُسوَّى مع الأرض، وتُحوَّل أرضه إلى حديقة عامة أو خاصة أو ما ماثل؟!

       لا يمكن التصديق بهذا الأمر وأنه  الهدف لمعركة تفتح على صاحبها باب نقد واسع ومؤاخذة واضحة في الداخل والخارج وفي المدى الطويل من التاريخ.

       الظاهر أنها معركة مع تاريخ، ومع دين([29]).

       وإذا كانت النية غير ذلك فواقع الموقف الخارجي لا يناسب تلك النية المُحتملة.

       إذًا في ظلّ هذه السياسة البلد بخير، والإسلام فيه بخير، وكلُّ القيم الرفيعة على أرضه بخير، وحاضره، ومستقبله بخير، وكلّ شيء هنا على يد السلطة بخير([30]).

       الجهود إمّا هنا وإمّا هناك:

       حالان حال الإصلاح، وحال بقاء الإفساد والفساد.

       الحال الأولى تجمع كلّ الجهود، جهودِ الحكومة والشعب وتَحْشُدُها على طريق البناء، والارتقاء بالوطن كلّ الوطن وأهله وما فيه.

       والثانية تُوظِّف الجهود المكثّفة من الحكومة ضدَّ الشعب، ومن الشّعب ضدّ الحكومة، وتزيد في التأزُّم، وتعلي من حصيلة الخسائر، وتسدّ منافذ الحل، وتؤدي إلى الدمار.

       ماذا تريد السلطة وبيدها أمر الإصلاح وتركه من نتيجتين؟

       لحدّ الآن نرى أن الاختيار يتّجه إلى الحالة الثانية حسب لسان الواقع العملِيّ الذي يُمارَسُ على الأرض من قِبَل السلطة.

       ويُرجى لمصلحة هذا الوطن أن تكون مراجعة السُّلطة([31]) لنفسها سريعة في هذا الأمر، وأن يتّجه خيارها للبديل الصَّالح المتمثل في الإصلاح الجدّي والسريع.

       في ملأ السُّعداء:

       امضِ فيمن مضى من المرحومين السُعداء من أبناء هذا الوطن المنكوب، مغادرين لهذه الحياة من ظلم وقسوة السُّلطة في البحرين على هذا الشعب المضطهد الكريم. امضِ كذلك جعفرُ الدرازي إن شاء الله وأنت آخر هذا الظلم لحدّ الآن([32]).

       وكيف لا يكون مظلومًا من اشتدَّت حاجته للدواء والعلاج، وكان الحبسُ يحولُ بينه وبينهما، ولا يجد العناية اللازمة التي تتطلّبها آلامه ومرضه المهدِّد له بالموت؟!

       إذا حبس شخصٌ أو جهةٌ شخصًا ومنعه من الطعام والشراب أو من الدواء والعلاج وهو مُهدّد بخطر الموت حتّى مات فقد قَتَله، ويتحمّل مسؤولية قتله.

       وتكثُرُ أخبار السجون والسُّجناء في البحرين بالمنع من الدواء والعلاج وتعطيلهما إلى مدد طويلة.

       ولكن الأمر عند السلطة هو أنَّ من أُخرجوا من السجن جثثًا هامدة تُزفّ إلى المقابر إنما ماتوا بأمراضهم المزمنة، أمَّا ما تشهد آثار التعذيب بأنَّ قتلهم بسببه فإنْ أمكنت المكابرة أُخِذ بها، ومن ألزم تقرير لجنة التقصّي السلطةَ بأنه قُتِل تحت التعذيب جاء الجواب بأنَّ موته كان خطأً ولم يكن شيئًا مقصودًا، وأنّ عقاب هذا الخطأ لا يزيد على سجن ستة أشهر أو ثلاثة أشهر ولا يعلم إلا الله أن هذه العقوبة تُنفَّذ أو لا تُنفّذ.

       وانتهت بهذا قصة وفاءة 130 أو 150 مواطنًا كما تذكره أرقام المتتبعين.

       وفي الجانب الآخر ما من قطرة دم تسيل من رجل أمن – ونحن لا نسترخص حياة النّاس، ولا نرضى بقتل أحد ظلما – فلا بد أن يكون وراء ذلك عند السلطة سبق إصرار، ويتطلّب أمرها أشدّ العقوبات.

       والحجة دائما للقويّ، والمغلوب في الحجة الضعيف وإن كانت حجته دامغة.

       اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم أصلح أوضاع المسلمين، وأخرجهم من شرّ الفتن، واعدل بهم عن كلّ ظلم وجهل وفساد، واهدهم إلى سواء السبيل، وأن يقيموا للإسلام وزنه ولا يقدّموا عليه هوى نفس، ومشتهى دنيا، وضلال شيطان رجيم.

       اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، وفك أسرانا وسجناءنا، واشف جرحانا ومرضانا، وردّ غرباءنا إلى أوطاننا سالمين غانمين في عزّ وكرامة برحمتك يا أرحم الراحمين.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([33]).

 

[1]- أي كي يقدر على المعرفة.

[2]- 30/ الروم.

[3]- 138/ البقرة.

[4]- 38/ الزمر، 25/ لقمان.

[5]- الإنسان لم يسع لإيجاد هذا الأصل وإنبات هذه المعرفة وغرسها.

[6]- نحن نُكلَّف بمثل الصلاة والصوم، ولم نُكلّف بأصل معرفة الله عزّ وجلّ. نعم أُعطينا القدرة على التوسُّع في معرفته، والتركيز الأكبر لمعرفته في قلوبنا فنكون مكلفين بذلك.

[7]- الكافي ج2 ص14 ط4.

[8]- رغمًا عليه.

[9]- التوحيد للشيخ الصدوق ص331.

[10]- وهو حين يسألك من خالق هذا الكون؟ فهو يؤمنُ في داخله وبكلّه بأن هذا الكون لابد له من خالق.

[11]- ما هو معناها؟

[12]- بحار الأنوار ج3 ص279 ط2 المصححة.

[13]- بحار الأنوار ج92 ص403 ط3 المصححة.

[14]- هذا طريق آخر.

[15]- عيون أخبار الرضا (ع) ج2 ص 136.

فأصلُ الحجة على الإنسان في معرفة الله هو ما وهبه الله عز وجل من هذه الفطرة خلقا.

[16]- لا معرفة لي بالله عز وجل معناه لا حضور للعقل عندي.

[17]- وهو يحكم الأسباب، وهو خالق الأسباب.

[18]- هو لا يُسمّيه الله عز وجل، لكن يتطلّع قلبه، وتنشدّ نفسه إلى ذلك القادر العليم الذي لا يمتنع شيء، ومن هو ذلك الذي يشير إليه أو الذي ينادي به قلبه وتعجّ إليه نفسه في تلك اللحظة الحرجة الحاسمة؟

[19]- التوحيد للشيخ الصدوق ص231.

[20]- ما هذا التألُّه؟ يُصلّي؟ يصوم؟ لا.

[21]- وهذه هي حقيقة ولبّ التعبُّد.

[22]– سورة التوحيد.

[23]- هذا عن حرية الآخر، هل تلتزم بحرية الآخر؟ حتى هذه المفردة لا تلتزم بها في الحقيقة.

[24]- أعطِ تبعيّة أكبر ممن تواجهه ستكون نصرة الغرب لك.

[25]- من الاستكبار العالمي لهذا الطرف أو ذاك.

[26]- هذا استثناء وتدارك.

[27]- سمّيته كافرًا أو سمّيته مسلما.

[28]- هل انقضى الضمير الإنساني في الأرض؟ لِمَ يقف الانسان مع الباطل ضد الحق؟ لِمَ يقف مع المستكبر ضد المستضعف؟

[29]- أنها معركة ذات أبعاد أكبر.

[30]- ومبروك وألف مبروك للسلطة على انتصاراتها في هذه المعارك ولها المجد والخلود.

[31]- نحن لا نرجو السلطة وإنما نرجو لمصلحة الوطن حتى تكون مصلحة للوطن أن تراجع السلطة نفسها…

[32]- هتاف جموع المصلين (بالروح بالدم نفديك يا شهيد).

[33]– 90/ النحل.