المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (546) 25 2 جمادى الأولى 1434 هـ ـ 15 مارس 2013م

خطبة الجمعة (546) 25 2 جمادى الأولى 1434 هـ ـ 15 مارس 2013م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: تكملة لموضوع: الإنسان خَلقا وطريقا ونتيجة

الخطبة الثانية: كان يوما سيئا – أوقفوا النزيف

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي علا كلَّ شيء، ولا يعلو علوَّه شيء، لا يشبه جلالَه جلال، ولا يدنو من جماله جمال، ولا كمالَ إلَّا له وحده، عظمتُه لا تتناهى فلا تصِلُ إليها العقول، وكمالُه لا يُحدّ فتقصُرُ عنه التخيّلات، ولا يبلغه إدراك.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عبادَ الله ألا إنّ أحدنا لو أصلح كلّ ما حوله، وترك نفسه يأكلها الفساد، ويغزوها السوء، ويقطنها الشرّ، وترك لها أن تسقط وتتدهور، وتضِلّ وتغوى لما انتفع بكلِّ ما أصلح إذ لن تبقى له إلّا نفسُه، ولن يجدَ من كلّ ما بناه وأصلحه وأقامه شيئًا أقربَ له منها، ولا أدخلَ في سعادته وشقائه مما هي عليه من حقٍّ أو باطل، وصلاحٍ أو فساد.
لا يُنقذ طبيبًا يترك للمرض الخطير يستفحِلُ داخل جسمه أن عالج أمراض الآخرين، وأن برئ من برئ على يديه.
إصلاح الأوضاع مسؤولية دينية وإنسانية، ولكن أول ما على المرء أنْ يُصلِح نفسه ويُقوِّمها.
ولا مُقوِّم للنفس ولا مهذّبَ لها ولا مصلح كمعرفة الله وتقواه، ولا إصلاح بحقّ لأي وضع من أوضاع الحياة بعيدًا عن هدى الدِّين ومنهجه، فلنأخذ بمنهج الله وتقواه في تقويم أنفسنا، وإصلاح أوضاع الحياة.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا هادين مهديّين، عاملين مُجاهدين، صالحين مُصلحين، أوفياء صادقين، وبرِّئنا من الفساد والإفساد، ومظلمة العباد يا أرحم الرَّاحمين، وأكرم الأكرمين.
أمَّا بعد أيّها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى هذه التتمّة من الموضوع السابق:

الإنسان خَلقًا وطريقًا ونتيجة:

الإنسان خَلقًا يتنازعه كما تقدّم ضعف وقوّة، مؤهِّلات سموّ ورِفعة، وعوامل سقوط وضِعة، يهتدي النجدين، وله تمييز بين الخير والشر، واستعداد لتمييزٍ أوسعَ وأعمق يتلقّاه من كسب العقل، وعطاء الوحي، وله إرادة واختيار في الطريق الذي يسلكه في حياته، والغاية التي ينتهي إليها.
والإنسان طريقًا:
1.علم أو جهل:
{… قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}(1).
{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(2).
في الحياة طريقان أمام الإنسان أن يأخذ بأحدهما ويدع الآخر وهما متباينان لا يلتقيان طبيعة ولا نتيجة.
ومن الناس من يأخذ بطريق العلم ويبني حياته عليه، ومنهم من يلازم جهله، ويتخلّى عمّا وهبه الله من الهدى وفُرصه، ويردّ الآيات التي تُنير نفسه وحياته.
قد يختار الإنسان أن يُعطِّل قوى الإدراك في وجوده، ويحجب ما بينه وبين معرفة الحقّ ورؤية الحقيقة ويكون كمن لا عقلَ له، ولا نافذة تَطُلّ به على معرفة، ولا طريق ينتهي به إلى علم {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا…}(3).
هؤلاء زُوِّدوا بما زُوِّد به غيرهم من أدوات المعرفة، وكسب العلم، وتوسُّع البصيرة، والتوفّر على حقائق جمّة، وهدى عظيم إلّا أنّهم عطّلوا هذه المواهب بإرادتهم فصاروا لا يفقهون وقد هُيِّئوا لأن يفقهوا، ولا يبصرون بعد أن أعطوا أن يبصروا، ولا يسمعون وهم الذين خُلِقوا لكي يسمعوا.

2.إيمان وكفر:
{… وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ…}(4).
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً}(5).
خياران يجدهما الإنسان أمامه يأخذ بأحدهما غير مجبور، ويضع حياته على طريق الكفر أو طريق الإيمان ليؤدّيَ كلٌّ منهما إلى نتيجته المتوافِقة مع جنسه، والمتولِّدة من رحمه.

3. مجاهدة واستسلام:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا }(6).
{قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى}(7).
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}(8).
{… وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطا}(9).
في الإنسان هوى، ميل للباطل، للعب، للرّاحة، للاسترخاء، للشهوات، للظّلم، للاستكبار.
وللإنسان قدرةٌ على النهوض، ومواجهة هوى النفس، وإعمال إرادته على خطّ الاستقامة والصّمود أمام تحدّيات الداخل والخارج التي من شأنها أن تُعيقه عن حركة الصعود.
له قدرة وهبها له خالِقُه على التفلُّت من المعوّقات، وعوامل الشدّ إلى الأرض، وتربية نفسه وتزكيتها، وتفعيل مواهبه الثمينة وتنميتها.
فإذا جاهد النفسَ وروّضها أوصله الله إلى المراقي العالية والآفاق المجيدة البعيدة {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا…}(10).
واتّباع الهوى يحطّ القدر، ويهبط بالمستوى، ويقود إلى الضّلال، ويعاكس في نتيجته وهو نأيٌ شديد عن الحقّ ماينتهي إليه الحق بصاحبه من نتيجة، فنتيجة الحقّ حقٌّ وفوزٌ ونجاح، ونتيجة الهوى باطلٌ وفشلٌ وخسار.

دَوْرَان:
{فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}(11).
{مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}(12).
{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً…}(13).
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً…}(14).
من الناس من يعمل عملًا صالحًا وآخر سيّئًا، ومن الناس من يجد كلَّ الجِدّ، ويُجاهد كلَّ المجاهدة في العمل الصّالح مُحاوِلًا أن لا تغلبه نفسُه ولا تتعثّر قدمُه، ولا يأتي عملًا سيّئًا، وإنْ حَدَثَت منه الزّلة، وحصلت له السّقطة. ومنهم من يكاد يتمحّض للعمل السّيء ويصرّ عليه، ويتمادى فيه مُستفرِغًا حياته على طريقه. والجزاء من جنس العمل، والنتيجة تُفرزها طبيعته.

الإنسان نتيجة:
الإنسان فيه من أسباب القوّة والضعف، والكمال والنقص، ولكنْ بما يختاره في هذه الحياة، وما يرتبط به من منطلق هُدى أو ضلال، ويكون عليه من إيمانٍ أو كفر، وبما يأتيه من عملٍ صالحٍ أو سيء، وما يأخذ به من أسباب القوّة والضّعف ينتهي في إنسانيّته فِعلًا إلى قوّةٍ أو ضعف، وسموٍّ أو انحدار، ونورٍ أو ظُلمة، ووجودٍ يسبق وجود الملائكة كما في أكثر من حديث أو إلى وجود ضالٍّ عن غايةِ إنسانيته على حدّ ضلال الأنعام بل يكون أضلّ سبيلًا {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}(15).
ينتهي إلى أن يكونَ وقودًا للنار في مستوى واحد مع الحجارة بلا قيمة ولا كرامة وفي أشدّ العذاب {… فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}(16)، أو إلى أن يكون من أهل هذه البشرى {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(17). ومن أهل هذا الوعد الكريم {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ(18)، هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ، ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ، لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}(19).
وأيّ مستوى ذلك المستوى الإنساني الرَّفيع الذي من شفافيّته وطهره ورقيّه ونزاهته مما يتحقّق للمعنيّين في الآيات الكريمة هذه حتى لا يرِدّ الله لهم مشتهى، ويُنَفِّذ بكرمه لهم كلّ مشيئة شاؤوها لأنه لا يكون لهم مشتهى لا يرضي الله، ولا مشيئة لا تلتقي مع مشيئته؟!!(20)
إنها مشيئة لا تشذّ عن العلم والحق والعدل والحكمة، ومستوى كهذا أعلى مستوى يمكن أن يصل إليه إنسان، وقِمّة كهذه لا تُدانيها قمّة يحلم بها هذا المخلوق خارج منهج الله، وتربية دينه.
بهذا يصل الحديث في موضوع (الرؤية الإسلامية للإنسان) إلى نهايته، والحمد لله ربّ العالمين.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم.
اللهم اجعل ما بقي لنا في علمك من فُسحةِ هذه الحياة وفرصة العمل على طريق الغاية التي خَلَقْتَنا من أجلها، والكرامة التي أعددتها للمخلَصين من عبادك، ولا تجعل منها شيئًا خارج طاعتك برحمتك يا أرحم الرّاحمين، وأكرم الأكرمين.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(21). 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي يتعلّق كلُّ شيء بقدرته، ولا ينقطع استجداؤه منه، واسترفادُه من فضله، ولا يملك استكبارًا لحظةً عن عطائه، ولا يجد من رافدٍ غيرَه، ولا يستغني في أيّ أثرٍ من آثاره عنه، ولا مُنقذ له مما أراده به، ولا رادَّ لخير قدَّره له. ما من شيءٍ إلّا وهو مُلكُه، وتحت قهره، وطوعُ إرادته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عباد الله ألا فلنُحسِن لأنفسنا بطاعته، ولا نُسِء لها بمعصيته؛ فلا إحسان يقدمه امرؤ لنفسه خارج طاعة الله، ولا إساءةَ لها إلَّا وهي داخلةٌ في معصيته.
طاعةُ الله ترقى بالنفس وتبنيها، ومعصيته تسفُلُ بها وتهدمها، وكلّ تكاليف دينه لتفعيل استعدادات الخير والكمال في الإنسان، وما خالف دينَ الله من أمرٍ أو نهي فَلِشَدِّ الإنسان إلى الأرض، وإلصاقه بالطّين، وحجب قلبه عن ربّه، وحِرمانه من هُداه، وقطع حركته إليه.
وليس في ذلك إلَّا الظلمةُ، والوضاعة، والجمود، وتجفيف منابع الخير في الذّات، وسدّ منافذ النور.
من اتّقى الله بنى نفسًا عليّةً مشرقةً بالأنوار، ومن طغى استكبر وجدتَه ضالًّا لا يهتدي السبيل، ولا يصير إلى خير.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
ربّنا أعذنا من أن تهونَ علينا أنفسُنا فنرضى لها معصيتك، وأن نُخطئ الغايةَ فنطلب غير رضاك، وأن نضِلَّ الطريق فنسلك غير صراطك، ونتبع غير من نصّبتهم أعلام هدى من رسلك وأنبيائك وأوليائك.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وعلى عليٍّ أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصّديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ وسلِّم على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القُدُس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا. ربّنا انصر عبادك المؤمنين على كلّ من أراد بهم سوءًا.
أما بعد أيّها الأحبّة في الله فإلى عنوانين:

كان يومًا سيّئًا:

في كلّ المقاييس الدينية، والعقلية، والعُقلائية، والإنسانية، والقانونية لم يكن شعبُ البحرين في علاقته مع السّلطة ظالمًا ولكن كان مظلومًا، وما زال أمره معها كذلك. وما كان حراكه السياسيُّ الإصلاحيّ عن بغي، ولا غرور ولا بَطَرٍ ولا إفساد، ولكن كان ولا زال عن معاناةٍ قاسية، وتهميش، وتمييز، وابتزاز، ومصادرة حقوق، وأوضاع فساد سياسي، واقتصادي، وإداري، وأخلاقي، وضغط ديني وغير ذلك من وجوه الفساد. كان – أي الحراك الشعبي – ولا زال عن حاجة ملحّة وضرورة بالغة. كان لطلب الإصلاح، وإنقاذ الوطن، وإيقاف التدهور، وتدارك الأمور قبل الانهيار.
ولو كان الشعب هو الظالم، ولو كان حراكه عن بغي وإفساد لكان هناك وجه لتدخّل الجيوش الخليجية يوم أن دخلت البحرين لمواجهة الشعب، ولكان كذلك لبقائها في مواجهته إلى اليوم وجه(22).
ولكن ولأنَّ الأمر على العكس، ولأن الإنكار في الفهم الإسلامي، وفي لغة الضمير، والعرف العُقلائي بعد العقل، وفي كلِّ السنن الصالحة، وفي لغة الحقوق إنما هو على الظالم، ولأن النُّصرة في كلِّ هذه المصادر إنما هي للمظلوم فقد كان الواجب على السياسة الخليجيّة وجيوشها أن تُنكِر على السلطة ظلمها للشعب، وأن تكون نُصرتها له بنصيحتها للسلطة، وبكلمة معروف كان المقدَّر أن تُسمَع فتردَّها عما كانت عليه من تنكيل وإيذاءٍ وتهميش له لتنقذ بذلك هذا الوطن كلّه بكل مكوّناته مما جرى عليه ويجري من ويلات، ومن خسارة عمّت الجميع، وتُنقذ المنطقة من كلِّ الامتدادات السّيئة للصِّراع المشتعل على أرض البحرين، والفتنة التي تغرق فيها.
ولكنَّ الموقف السياسيَّ الخليجي جاء على العكس، وجاء تدخُّل الجيوش الخليجية داعِمًا للموقف الظالم الذي تقِفه السّلطة من الشّعب قبل حراكه السياسيّ وبعده لذا كان يوم هذا التدخل بما مثّله من مصادمة مع مقاييس الدّين والعقل والعرف والقوانين العادِلة، وصدمةٍ للضّمير الإنساني، والضّمير العربيّ، وبما تسبّب فيه من طول عمر الأزمة في هذا البلد المسلم، ومضاعفةٍ للخسائر التي أضرّت به، يومًا سيّئًا أسود كالحًا في تاريخ البحرين، وتاريخ المنطقة، بل تاريخ الأمّة. يومٌ سيبقى شاهدَ إدانةٍ مُسجِّلًا على السّياسة في المنطقة خطأً في التقدير، وجورًا في الموقف، وتوافُقًا على الظلم، وخَللًا في القصد، وبُعدًا عن كلّ المقاييس والقِيَم التي ينبغي أن تحكُمَ كلّ الأمور في هذه المنطقة المسلِمة.
يومٌ يستوجب سرعة التراجع عن خطئه وعاره وخطيئته، وفي التراجع خيرٌ وصلاح وإصلاح، وهذا ما يفرضه دينُنا القويم، ويُطالب به هذا الشعب، وتقضي به مصلحة الجميع.

أوقفوا النزيف:

كفى هذا الوطنَ جراحًا ونزيفًا، ومحنة طالت، وخسائر تتمدّد وتتوسّع كلَّ يوم. كفاه فتنة سوداء مغرقة، ونارًا لاهبة مُهلِكة. كفاه أوجاعًا وآلامًا عمّت وتعمّقت، وأحقادًا تُنذر بأشدّ الأخطار.
لن يزيد استمرار الظلم، وخيارِ لُغة البطش، والإصرار على الاستئثار، ومحاولة القهر للصوت العادل والحرّ الأوضاع إلّا سوءًا، والجوّ إلّا التهابًا، والبيتَ إلا انهدامًا، والسفينة إلّا غرقًا.
كُلَّما جاء يوم على بقاء الظلم والبطش والاستئثار ومجابهة نداءات الحقّ، ودعوات العدل كُلَّما شطّت السفينة عن شاطئ الأمان، واقتربت من غمرة الهلاك، وساعة الغرق.
لا مُنقِذ في حوارٍ شكليّ، ولا مراوغات سياسية حاذقة، ولا التفاف، ولا حلول صُوَريَّة، ولا وعود معسولة، ولا تهديدات مكشوفة أو مبطّنة، ولا بممارسة للعنف على الأرض، ولا سقوط شهداء، ولا زيادة مرتفعة في عدد السُّجناء.
لا حلَّ في أنْ حرّك النّاسَ التهميشُ فتزيدَ السياسة في تهميشها للنّاس، وأنْ اشتكى الشعب من الإقصاء فتُضاعِف السياسة من إقصائها له، في أن أغاضه التمييز فتُمعِن السياسة وتتوسع وتتعمق في التمييز، أن يضج الناس من الضغط الديني والفساد الخلقي فتُضاعف السياسة من هذا الضغط، وتكبر الانطلاقة لهذا الفساد، أن يُطالب الخائفون بالأمن فتزيد خوفهم خوفًا، والمهانون بكرامتهم فيزدادون إهانة، والفقراء بالخروج من ذلّ الفقر فتُغرِقهم السياسة في الفقر(23).
كان حراك الشعب للخروج من المشاكل الخانقة، لتصحيح الأوضاع السّيئة، للتخلّص من مظالم طاغية، من ذُلٍّ ضاقت به الصدور، من تهميش وتحكّم سَلَبَ المواطن قيمته، وحوّل الإنسان إلى سائمة أو مربوطة. وكان الجواب على حراك الشعب السجنَ والقتل والتشريد والطرد من الوظائف والجامعات والمدارس والإمعان في الإهانة الدينية والإنسانية، والتعديَ على المقدّسات، ومصادرة الحريات الكريمة وتعميم الخوف، أجواءَ الرعب، وألوانًا متعدّدة من العذاب والعقوبة.
كان هذا هو الحلّ في نظر السُّلطة ولا يُدرى بالضبط هل وصلتها لحدّ الآن رسالة من صمود هذا الشعب وتضحياته وصبره ورباطة جأشه وإيمانه بحقّانية مطالبه وعدالة قضيته تُقنعها بخطأ ما اختارته من حلٍّ وعدم قدرته على الحسم بالطريقة الظالمة التي ارتضتها أم لا؟(24)
وكم ستتعب السلطة، وكم سيتعب الشعب، وكم سيخسر الوطن ما لم تصل السياسة الرَّسمية إلى هذه القناعة وإلى ضرورة الحل الإصلاحي الذي يرضى به الشّعب!!(25)
الحلُّ لا يحتاج إلى تفكير عميق، ولا إلى فلسفة صعبة، ولا إلى حوارات، ولا استيراد خبراء، ولا تجارب يُتتلمذ عليها لِتُعلِّم الحل(26).
وكل الحل يملكه طرف واحد وهو السلطة ويتوقف على نية صالحة تُنتج إرادة سياسية إصلاحية جادّة، تُفضي إلى صيغة إصلاحية تتوافق مع إرادة الشعب وتنال موافقته في استفتاءٍ شعبي حرٍّ نزيه له ما يضمن حرّيته ونزاهته.
وإذا كان الحوار طريقًا من طرق التخريج السياسيّ للحلّ الإصلاحيّ الحقيقيّ فهو أمرٌ مُتعقّل لو كانت وظيفته كذلك مع توفُّر الشروط الكافية لأدائه لهذه الوظيفة. وهذا على خلاف ما يُشير إليه مخطّط الحوار، وتركيبته، ومساره.
لا نتمنى لهذا الوطن أن يبقى يومًا واحدًا في محنته، وفرقته، وعذابه، وتمزُّقه، وتباعد المسافة بين أبنائه، ولا يُجيز لمسلم إسلامُه، ولا لصاحب حسٍّ إنسانيّ حِسُّه، ولا لذي غَيرة وطنيّة غيرتُه أن يقِفَ موقفًا، أن يخطو خطوة، أن يقول كلمة مما فيه تعطيل للحلِّ، وإبقاءٌ للمأساة، وخسارة للوطن، وشقاء لأهل هذه الأرض.
ونقول بكلّ جدّ ومن خلال نظرة دينية وإنسانية ووطنية أوقفوا نزيف الدَّم، ونزيف المال، ونزيف الدِّين، ونزيفَ العلاقات، ونزيفَ الكرامة، ونزيف كلِّ القيم الرفيعة، وخذوا بالإصلاح الجدّي الذي يلبّي ضرورات المرحلة، وينال مرضاة الشعب، فإنَّ هذا الإصلاح هو الحلُّ ولا حلَّ غيرُه.
هناك ثلاثة مسارات يسودها السوء، والظلم، والانتهاك وكلّها تصبُّ في أذى الشّعب وإيلامه، واستفزازه، وتقود الوطن إلى كارثة عظمى وهي المسار السياسيّ، والأمني، والحقوقي، والحشد الهائل الرَّسميّ العمليّ والتشريعيّ والإعلاميّ الظالم الذي يُغذّي الظلم في هذه المسارات كلّها، ويُركّزه ويُفعِّله.
الحاجة إلى الإصلاح في المسارات الثلاثة مُلِحّة، ولا تقبل التأجيل، وأيّ تأجيل وتسويف وتحايل على الإصلاح الحقيقي فيها فيه تضحية كبيرة بالوطن ومكوِّناته، وفيه تعجيل وتسريع لنتائج أشدّ إيلامًا وكارثية لهذا الوطن العزيز وأهله الشيء الذي يجب أن يحذر منه الجميع، وتُوضع دونه السّدود والحواجز التي لا تقبل الاختراق.
والإصلاح للمسارات الثلاثة مسؤولية تتحملها السلطة، ويعتمد على أن تغير نظرتها للشعب، وأن تعترف له كلِّه بإنسانيته وكرامته وحرّيته ومواطنته، وتأخذ بما نصّ عليه الميثاق من كونه مصدرًا للسلطات.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أنقذ هذا البلد المسلم وكل بلاد المسلمين مما يترصَّدها من شرّ، وما يُبيِّت لها الظالمون من سوء، وما يُريدونها بها من فرقة وضعف وهلاك، ومكِّن ربّنا لدعوة الحقّ والعدل والدّين والهدى في الأرض كلّ الأرض برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، وفك أسرانا وسجناءنا، واشف جرحانا ومرضانا، ورد غرباءنا سالمين غانمين في عزٍّ وكرامة يا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون (27).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – 9/ الزمر.
2 – 5/ الجمعة.
3 – 179/ الأعراف.
4 – 11/ التغابن.
5 – 89/ الإسراء.
6 – 7-10/ الشمس.
7 – 14/ الأعلى.
8 – 175، 176/ الأعراف.
9 – 28/ الكهف.
10 – 69/ العنكبوت.
11 – 34/ النحل.
12 – 40/ غافر.
13 – 102/ التوبة.
14 – 2/ الملك.
15 – 44/ الفرقان.
16 – 24/ البقرة.
هذا الإنسان بعقله، بإرادته، بروحه الشفّافة أصلًا، بكبريائه، بأنفته، بعزّته، بدوره الكبير المؤهّل له في هذه الحياة وإذا به على صعيد واحد مع حجارة النار، هذا منتهى.
17 – 25/ البقرة.
18 – تأتي لهم مرحِّبة، تدنو إليهم تكريما، تتقدم إليهم في تحيّة وإجلال.
19 – سورة ق 31-35.
20 – فأيّ مشيئة للعبد تلك التي تلتزم دائمًا خط مشيئة الله ولا تنحرف عنه، وراءها أي نفس، وراءها أي عقل، وراءها أي روح، وراءها أي سعادة، أي هدى؟!
21 – سورة التوحيد.
22 – ونقول لمواجهة الشعب ذلك أنّ سبب مجيء هذه الجيوش إنما هو الحراك الشعبي السياسي، وبدأت تتدفّق قطعات الجيش الخليجي على البحرين مع بداية هذا الحراك وأحداثه.
هتاف جموع المصلين (لن نركع إلا لله).
23 – كلّ ردود الفعل هي مضاعفات لمشاكل حرّكت الشعب وأوجعته.
24 – هتاف جموع المصلين (طال الزمن أو قصر، الشعب سوف ينتصر).
25 – وليس أيّ حل يُسمّى بالإصلاح.
26 – كلُّ ذلك ليس محلّ حاجة يحتاجها الإصلاح.
27 – 90/ النحل.