المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (536) 21 صفر 1434 هـ ـ 4 يناير 2013م

خطبة الجمعة (536) 21 صفر 1434 هـ ـ 4 يناير 2013م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: مواصلة الحديث في موضوع : الأمانة

الخطبة الثانية: الإمام الحسين عليه السلام وقيادة الحاضر – توديع عام واستقبال عام – من عام إلى عام والمعادلة واحدة

الخطبة الأولى

الحمد لله الباقي الدائم الذي لا يفنى، العزيز الذي لا يُذلّ، الملك الذي لا يزول، القائم الذي لا يعيى، العالم الذي الذي لا يرتاب، البصير الذي لا يضل، الحليم الذي لا يجهل.
نحمده حمدا يرضاه، ويقربنا إليه، ويدنينا من رحمته، ويشفع لنا عنده، ويُنيلُنا به كرامته، أتم حمد، وأكمل حمد، وأدوم حمد.أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عباد الله حياتنا الكل يقضيها في حلو ومرّ، وما يُهنئ، وما يُضير، ومنّا من يمضيها في طاعة الله عز وجل، ونفع الناس، ومنا من يقضيها في معصية الرب، ومضرة الخلق، وكلّ راجعٌ إلى الله سبحانه، وموافٍ ما كسب، وجزاء كل نيةٍ، وقولٍ، وفعلٍ، وحركة وسكون من جنسه، ولا يفوت محسنا ما أحسن، ولا مفرّ لمسيء مما أساء.
فلنتق الله، ونخشَ على النفس، وننظر في قضاء العقل والفطرة والمصلحة في هذا الأمر فنأخذَ به. ولا شيء من ذلك بقاضٍ بمعصية الخالق الرازق العالم القادر، واختيار الافساد على الاصلاح، والاضرار بالخلق بدل النفع، والاقدام على ما توعّد به الله العُصاةَ من عباده، والزهد في ما وعد به أهل طاعته.
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا أنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا من أهل المسارعة لما تحب وترضى، والمبادرةِ للخيرات، واصرفنا عن السيئات، واصرف عنا الضُرّ، والشرّ والبلاء وفتنة السوء، وانصرنا على أنفسنا ووسوسة الشيطان الرجيم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات الكرام، فهذه مواصلة للحديث في موضوع الأمانة:

عطاءات الأمانة:

ليس من خلق رفيع، أو وضيع إلا وله أثاره في الدّنيا والآخرة، وأثر كل خُلق من جنسه، فالخلق الخبيث لا ينتج إلا خبيثا سيئا، والخلق الكريم لا يثمر إلا حميدا طيّبا.
والأمانة بما هي خلق كريم تأتي أثارها نافعة طيّبة، وهذا من أثارها:-
1. محبة الله ورسوله:
عن رسول الله صلى الله عليه وآله:” من سرّه أن يحبَ الله ورسوله، أو يحبّه الله ورسوله فليُصْدق حديثه إذا حدّث، وليؤد أمانته إذا ائتُمن، وليحسن جوار من جاوره”.
عن الإمام الصادق عليه السلام في وصيته لعبدالله بن يعفور: ” انظر ما بلغ به عليٌّ عليه السلام عند رسول الله صلى الله عليه وآله فالزمه، فإنّ عليا عليه السلام إنما بلغ ما بلغ به عند رسول الله صلى الله عليه وآله بصدق الحديث وأداء الأمانة”.
وقد ضمن طيب ذاته، وخير حاضره ومستقبله من أحب الله ورسوله، وأحبه الله ورسوله.
وكل جهاد العبد الصالح في هذه الحياة أن يتحقق له هذا الأمل؛ أمل أن يستقر في قلبه حبُّ الله ورسوله، وأن يطهر في ذاته حتى يحبَّه الله ورسوله (1).
وكلّ ما يأتي من عطاءات الأمانة واقع على طريق هذا الأمل النهائي، أو من النتائج المترتبة على تحققه.

2. الصدق:
الأمانة تنتج الصدق فهي تدفع للاعتذار من الخطأ، والاعتراف بالتقصير، والتخلي عن الموقع الذي يُفقد المرء كفاءته.
عن الإمام علي عليه السلام: “الأمانة تؤدي إلى الصدق”.
وعنه عليه السلام: “إذا قويت الأمانة كثر الصدق”.

3. خير الدنيا والآخرة:
يقول القرآن الكريم: “قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)” (2).
وعن الرسول صلى الله عليه وآله: “الأمانة عز”.
وعن الإمام علي عليه السلام: “الأمانة صيانة”.

4. الشِركةُ في أموال الناس:
الكافي عن عبدالرحمان بن سيابة عن أبي عبدالله عليه السلام في قصة جرت لعبدالرحمن ينقلها الكافي: قال لي: “ألا أوصيك؟ قلت بلى جُعلت فداك. فقال: عليك بصدق الحديث، وأداء الأمانة تشْرَك الناس في أموالهم هكذا -وجمع بين أصابعه- قال فحفِظت ذلك عنه (3)، فزكيت ثلاثمائة ألف درهم” (4).
ولأن الأمانة تورث الثقة في المتصف بها فإن ذلك يسهّل عليه تدفق رؤوس الأموال التي تمكنه من استثمارها، والمشاركةِ في أرباحها، وحتى لتستطيع أن تطلقها كلمة صادقة: الثقة من أكبر رؤوس أموال التجار، ورأسمال لمن لا رأسمالَ له.
ومن هنا جاء عن الرسول صلى الله عليه وآله مثل هذه الكلمات الشريفة: “الأمانةُ تجلبُ الغنى، والخيانة تجلبُ الفقر”، “استعمال الأمانة يزيد في الرزق”.
ويبدو من الأحاديث الواردة في هذا المجال ما يفيد أن جعل الله من مكافأة الأمين أن يزيد الله في رزقه ولو لم يكن عن طريق التجارة والاستثمار.

5. دخول الجنة:
عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “حافتا الصراط يوم القيامة الرحم والأمانة؛ فإذا مرَّ الوَصول للرحم المؤدي للأمانة نفذَ إلى الجنّة. وإذا مر الخائن للأمانة، القطوع للرّحم لم ينفعه معهما عمل، وتكفّأ به الصراط في النار” (5).
وعنه صلى الله عليه وآله: “تقبَّلوا لي بست أتقبَّل لكم بالجنة: إذا حدثتم فلا تكذبوا، وإذا وعدتم فلا تُخلفوا، وإذا ائتمنتم فلا تخونوا، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا أيديكم وألسنتكم” (6).
وهذه الست إنما تجتمع لمؤمن صادق الايمان، آخذ بحدود الدين وأحكامه. ومن كان كذلك فمآلهه حتما الجنة برحمة الله تبارك وتعالى.
وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “التاجر الصدوق الأمين مع النبين والصدّيقين والشهداء” (7).
والتمسك الشديد بالصدق، والمحافظة على الأمانة من التاجر تجعله يضحِّي بأكبر الصفقات التجارية تقديما لدينه وصدقه وأمانته، وهذا إنما يكون مع صدق الإيمان، وشدة الالتزام.
ولا ننسى أن مساحة الأمانة هي مساحة الحياة، وأن الإخلال بها في أيّ نقطة من هذه المساحة يفسد تلك المساحة، ويفسد النفس، ويسبب إخلالا بمصلحة المجتمع، ويضادُّ مسار الوجود والحياة (8). وكل ذلك على خلاف ما يهدف إليه الدين الحقّ، وتبتغيه شريعته الغراء.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولأخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم ارحمنا، واغفر لوالدينا وأرحامنا وقرباتنا وأصحابنا من المؤمنين والمؤمنات.
اللهم أرزقنا خُلقَ الصدق والأمانة، وكلّ خلق كريم يقرّب إليك، ويدني من رحمتك، ويرفع درجة العبد عندك يا كريم، يا رحمان، يار حيم.
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ للَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} (9). 

الخطبة الثانية

الحمد لله العليم بما تُسره كل نفس، وما يحصل لها من خواطر، وما يمر بها من وهم، وما يعرضها من خيال، ويُلمُ بها من فكر، ويعبر بها من سوانح، وما تضمر من عزم، وما تحفظ وتنسى، وتأخذ به وعنه، تتخلى.
لا يعزب عن علمه كبير ولا صغير، ولا غيب ولا شهادة إلا وهو محيط به علما.
نحمده، ونستعينه، ونسترشده، ونتعلق برحمته، ونطلب هداه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا.
عباد الله لا يصدنا عن ذكر الله عظيمُ نعمة، أو تفاقهم محنة، فإن النعمة الملهية عن ذكره أكبر النقم، وإن المحنة الصارفة عنه أشد المحن.
والمحنة نعمة إذا ذكّرت به، وأرجعت إليه، وأشد ما فيها أن تصرفَ عنه سبحانه وتعالى، وأن تُفقد الصبر، فتسبب الكفران.
ولنستعن بمجاهدة النفس، وترويضها على تقوى الله، وتذكيرها بالآئه، وحقه، وعظمته، لتثبت على الطريق عند النعمة، ولا تزُلَ بها المحنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين.
اللهم كما هديتنا فزدنا من فضلك، ولا تسلبنا نور الإيمان بما قصّرنا وأسأنا، واجعلنا ممن لا تبطره النعم، ولا تضله المحن، وثبت أقدامنا على طريقك القويم، وصراطك المستقيم يا رحمان، يا رحيم، يا كريم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصّدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزّكي، والحسين بن علي الشّهيد، وعليّ بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصّادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعليّ بن موسى الرّضا، ومحمد بن علي الجواد، وعليّ بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً قائماً.
أما بعد أيها الأحبّة في الله فإلى هذه الكلمات:

أولا: الإمام الحسين -عليه السلام- وقيادةُ الحاضر:

لقيادة الإمام الحسين عليه السلام حضورها الفاعل في الحاضر والمستقبل؛ فليس الحسين عليه السلام مِمَّن ينتهي دورهم بوفاتهم، وتتعطَّل قيادتهم باستشهادهم. دوره قائم، وقيادته فاعلة، وثورته مستمرَّةٌ ما دامت الأرض والإنسان.
الأمَّة التي تستذكر الإمام الحسين عليه السلام نزاهةً وعصمة، وعزَّةً وكرامة، إيماناً وتقوى، إرادةً لا تلين، شجاعةً وثوريَّة، هدىً لا يخالطه ضلال، عدلاً لا يقرب الظلم، قلباً لا يعرف غير الإخلاص، رحمةً في وعيٍ وحكمة، تضحيةً وفداءاً في الحقّ، عبوديَّة خالصةً لله وحده، الأمَّة التي تستذكر الحسين عليه السلام كذلك وتعشقه وتنشدُّ في وعيها وشعورها وسلوكها إليه أمَّةٌ قويَّةٌ رشيدةٌ هاديةٌ رائدة.
الأمَّة التي يحضرُ في وعيها الحسين عليه السلام كما هو وعيها لاهب، وفي شعورها شعورها نابه، وفي عزمها عزمها شامخ، وفي ضميرها ضميرها حيّ، وفي إرداتها، إرادتها صلبة.
ما وافت شخصيَّة الإمام الحسين عليه السلام بشيءٍ من إشعاعاتها النيِّرةِ قلبَ شخصٍ أو جماعةٍ أو أمَّة إلَّا وكان معشوقاً يذوبُ فيه عارفه.
وما نَفَذَت تلك الشخصيَّة الثرَّة بهدايات السماء، وعطاءات الدين ومعالم العظمة في قلبٍ إلَّا وَسَمَت به، وأكسبته قوَّة الإيمان، وقوَّة الإرادة، ودقَّة النظر، ونور الإيمان، ونور البصيرة، وطهر النفس، وسلامة القصد، وصدق النيَّة، وصفاء السريرة، والصبر على الصعاب، وروح التضحية والفداء، وإيثار الحريَّة على الحياة، والتسليم لأمر الله، والتعاليَ على عبادة الطاغوت، والشوق والانشداد إلى الكمال، والسعي الجادَّ على طريقه، والرحمة بالإنسان وبكلِّ ذي روح، والنصيحة للخلقِ والإخلاص للخالق (10).
الإمام الحسين -عليه السلام- مدرسةٌ للحياة الحرَّة الكريمة المسؤولة بكلِّ أبعادها مهما تمَّ للحياةِ أنْ تقطع على طريق كمالها من أشواط، وتحقِّق من نجاحات.
فلتتلمذ الأجيال كلُّها على يد الحسين عليه السلام، ولتتعلَّم في رحاب مدرسته، وتستضىء بنور هداهُ وسيرته، فمع الحسين، مع الحسين، مع الحسين (11).

ثانيا: توديعُ عامٍ واستقبالُ عام:

ليس من المهمِّ في واقع الحياة والإنسان أنْ تنقضيَ سنةٌ من تاريخ الأرض وتدخل أخرى، أنْ يُوَدَّعَ عامٌ، ويُسْتَقْبَل عام.
لا جديد ولا مهمَّ في ذلك إذا كان الظلم هو الظلم، والاستخفافُ بالقيَم الخلقيَّة، والمبادىء الحقَّة، وإنسانيَّة الإنسان، وحقوقه وكرامته على ما هُوَ عليه، وربَّما ازداد سوءاً؛ ليزيد الاضطراب والفوضى، ويعمَّ التيه والضياع.
عالَمٌ أُشْبِعَ ظلماً على يد الطغاة من بني الإنسان في كلِّ مكان، ولا يُنْتَظَرُ له إلَّا الانفجار العامُّ الذي يدمِّر ما يدمِّرُ عسى ولعلَّ يفيق هذا الإنسان.
تغيُّر الأعوام، وتجدُّد السنين، لا يجدِّدُ الحياة ولا يغيِّر الأوضاع.
ما يعطي الحياة جدَّةً، وما يهبها واقعاً إنسانيَّاً متقدِّما، وما يصحِّح أوضاعها، ويقوِّم علاقاتها أنْ يتغيَّر الإنسان، أنْ ينتصر على نفسه، أنْ تتغيَّر نظرته للكون والحياة، ونظرته لنفسه، وقيمته، وهدفه، وما يضمن له سعادته، أنْ يغادر نظرته الماديَّة، ورؤيته الأرضيَّة الهابطة، ويلتحم فكره وشعوره بالرؤية السماويَّة النابعة من الفطرة، المُبَرْهَنَة من العقل، فهي القادرة على إطلاق هذا المخلوق من زنزانته الماديَّة المغلقة المظلمة، وتحرير رؤيته ومشاعره، والخروج به من أفقه الخانق المسدود، وجعله ينظر إلى نفسه باحترمٍ فلا يقف بمستواه عند حدِّ المادَّة، ويسجدَ لها ولا يرضى لها أنْ تعبد الطاغوت، وينظر إلى أخيه الإنسان بالنظرة المحترمة نفسها فلا يضحِّي بإنسانيَّته وحياته من أجل لذَّةٍ ماديَّةٍ عابرة، ومشتهىً رخيصٍ من المشتهيات الدونيَّة في هذه الحياة.
يحتاج هذا العالَم لكي يخرج من نفقه المظلم، ودجى ليله المقيم إلى حيويَّة عقل، وحيويَّة وجدان، وانبعاثة ضمير، إلى أنْ يتخلَّى عن نظرته المكبَّة على الأرض، أنْ تتخفَّف مشاعره من أَوْضَارِهَا، أنْ يمتدَّ بنظره إلى السماء، أنْ ينشدَّ بفكره وضميره، وشعوره إلى الله سبحانه، ويطلب هداه، ويعيش على موائد وحيه ورسالته. من دون ذلك سيبقى العالَم نهب المحن، وأسير الشقاء، ورهن الفتن.

ثالثا: من عامٍ إلى عام والمعادلةُ واحدة:

انقضى العامُ الحادي عشر الميلادي بعد الألفين، والعام الثاني عشر، وعشنا ولادة هذا العام الجديد والبحرين تعيشُ مشكلتها السياسيَّة التي أطلقت شرارة الحراك الشعبي في دورته الجديدة للتخلُّص من المشاكل.
وقد انطلق الحراك سلميَّاً بهدف الإصلاح، وبقي في مجمله -وبغضِّ النظر عن بعض التفاصيل- محافظاً على سلميَّته مطالباً بالإصلاح.
وجاءت مواجهة الحراك ومطلبه الإصلاحيّ، وأساليبه السلميَّة بعنف السُّلطة الذي تصاعد مع الأيَّام، وخلَّف خسائر شعبيَّةً بكمٍّ هائلٍ على مستوى الأرواحِ والأعضاءِ والأموالِ النقديَّةِ وسائرِ الممتلكات، وتمثَّل في كثيرٍ من الانتهاكاتِ التي مسَّت شرف المرأة، وحرمة المسجد والحُسَيْنِيَّة، وحرمة الكتاب الكريمِ، والصلاة، وكلُّ ذلك مشمولٌ للرصد والتوثيق المُعْلَنِ من أكثر من جهة.
وفي أوَّل يومٍ من العام الثالث عشر الميلاديّ بعد الألفين، وهو عامُنا هذا تجسَّدت المعادلةُ على أرض الواقع في صورتها الثابتة، إذْ عمَّت الاعتصاماتُ السلميَّة بصورةٍ واسعة، كما عمَّ أسلوب القمع في مواجهتها، ووثَّقت الصور الحيَّةُ عدداً من مشاهد هذا القمع.

• المعادلة الثابتة بوضوح:

أوَّلاً: مطالَبةٌ بالإصلاحِ يقابلها رفضٌ قاطع.
ثانياً: أسلوبٌ سلميٌّ يُواجَهُ بالعنف والقمع.
ثالثاً: نفسٌ طويلٌ في المطالبة، وفي الطرف الآخر تصاعدٌ في التنكيل.
لا يملك منصفٌ أنْ ينكر على مطالبٍ بالإصلاح، ملتزمٍ بالسمليَّة.
ولا يملك أنْ يلتمس عذراً لمن يضادُّ المطلب الإصلاحيّ، ويواجهه بالعنف والارهاب والتنكيل والقسوة. ولكن قلَّ المنصفون في العالَم وحتَّى في هذه الأمَّة.
وإنْ طال المدى فالحقُّ أولى بأنْ ينتصر، ومن توكَّل على الله فهو حسبه، واللهُ مع المظلوم على الظالم وكفى بالله نصيرا.
مع التزام الشعب بالمطالبة بالإصلاح، وتمسُّك المعارضة بالأسلوب السلميّ، وإصدار الجمعيَّات السياسيَّة لوثيقة اللا عنف لم يبقَ على السُّلطة الرافضة للإصلاح، وعلى الدائرة الإقليميَّة، والعربيَّة، وعلى العالَم الصامت على محنة هذا الشعب إلَّا أنْ يخاطب شعبنا بالكلمة الصريحة بأنْ عليكم أنْ تقولوا مرحباً بالظلم، بالإذلال، بالتهميش، والإقصاء، والتمييز، بالعبوديَّة والرقيَّة، بامتهان الدين والكرامة، وسلب الحقوق، أنْ تتنازلوا عن حريَّتكم وإنسانيَّتكم واحترامكم لذاتكم وعن حقوقكم، أنْ تعترفوا بأنَّكم عبيد، وأنَّ السُّلطة مالكةٌ لأنفسكم ودمائكم وأموالكم وحاضركم ومستقبلكم (12).
لكن لو قال العالَم كلُّه هذه الكلمة لهذا الشعب لوجده أكبرَ من أنْ يتنازل عن شيءٍ من دينه وإنسانيَّته وحريَّته وحقوقه.
هذا الشعب يحرِّم على نفسه أنْ يسفك دماً حراما، أنْ يتلف فلساً واحداً من ثروة هذا الوطن، أنْ يضِرَّ ظلماً بأيِّ إنسان.
هذا الشعبُ آخذٌ على نفسه أنْ يحترم الإنسان، ألَّا يعتدي على أحدٍ مِمَّن يضمُّه هذا الوطن من مواطنٍ ومقيمٍ وعابر، أنْ يحافظ على الأخوَّة الإسلاميَّة، والوطنيَّة، أنْ يتجنَّب العنف والارهاب، ألَّا ينزل إلى اللغة الهابطة وغير المُؤَدَّبَة، ألَّا يتجاوز الحقيقة.
وآخذٌ على نفسه كذلك أنْ يصبر على الأذى، وأنْ يواصل طريق المطالبة بالحقوق وإنْ شقَّ الطريق، وصعبت الكلفة، وأنْ يموت مظلوماً دون حقِّه.
وأمَّا الآخرونَ فَهُمْ وما يذهبون إليه من المشاركة في جريمة الظلم لهذا الشعب، أو الإنكار على من يظلمهُ، ونصحهِ بالكفِّ عن ظلمه له.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم حبّب لنا العدل واجعلنا من العاملين به، وكرِّه لنا الظلم، وجنبا مقاربته، ولا تجعلنا ظالمين ولا مظلومين، وارزقنا نصرة المظلوم، والانكار على الظالم، وقنا ما يضر بديننا ودنيانا يا كريم، يا رحمن، يا رحيم.
اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وفكّ أسرانا وسجناءنا، ورد غرباءنا في خير وسلامة يا رحمن، يا رحيم، يا كريم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون (13).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – لا يأتي حب الله عز وجل لذات إلا بأن تكون طاهرة.
2 – سورة المؤمنون: من الآيات من 1 إلى 8.
3 – حفظت ذلك عنه: أي أخذت به عملا.
4 – فزكيت ثلاثمائة ألف درهم: أي نمت ثروته بأخذه بنصيحة الإمام عليه السلام.
5 – تكفّأ به الصراط: مال وانقلب به إلى النار.
6 – تقبّلوا لي: تكفّلوا لي. أتقبّل لكم: أتكفّل لكم.
7 – والصدوق مبالغة في الصادق. ميزان الحكمة ج١ صفحة 329.
8 – كل الوجود والحياة قائم على حفظ الأمانة.
9 – القرآن الكريم: سورة التوحيد.
10- هتاف المصلين: لبيك يا حسين.
11- هتاف المصلين: لبيك يا حسين.
12- هتاف المصلين: هيهات منا الذلة.
13 – 90/ النحل.