المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (522) 11 ذو القعدة 1433هـ ـ 28 سبتمبر 2012م

خطبة الجمعة (522) 11 ذو القعدة 1433هـ ـ 28 سبتمبر 2012م

مواضيع الخطبة :

 

الخطبة الاولى :  الأسرة في الإسلام

الخطبة الثانية :مولد الإمام الرضا عليه السلام – السياسةُ الغربيَّة والدِّين – ماذا سيكون الغد؟

الخطبة الأولى

       الحمد لله الذي لا يَمَسُّ عدله ظلم، ولا علمه جهل، ولا حكمته ضلال، ولا شرعه خلل، ولا تقديره خطل، ولا يخالط الدّين الذي ارتضاه زيف، ولا تجوز على رسله خيانة، ولما يبلّغون عنه مخالفة.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       ألا من أراد حياة طيّبة، وآخرة آمنة راقية راغدة فليبحث عن منهج الحياة الذي يضعها على هذا الطريق، ويُحقِّق لها غايتها، ولا يستبدل عنه منهجًا آخر، ولا يُؤثِّر على أصالته بالخلط بينه وبين منهج دونه.

       ولن يجد أحدٌ منهجًا يُعطي للحياة قيمتها الحقيقيّة، ووزنها اللائق، ويجعلها حياةً طيبةً فعلا، قادرة على تحقيق هدفها الأسمى من صناعة الشّخصية الإنسانية السويّة الكريمة المرضيّة لله سبحانه، المعدَّة لسعادة الأبد غير منهج واحد لا تخطئه فطرة سليمة، ولا عقل صحيح، وهو منهج الله لتربية الإنسان، وصناعة أوضاع الحياة.

       فمن أراد نجاةَ نفسه، وربح آخرته وأولاه، وأيُّ أمة أرادت النُّجْحَ والكرامة فهذا منهج الله لا عِوَجَ فيه، ولا يشقى سالكوه، ولا يضلّ بهم عن الغاية، ولا يعدِله منهج فيما يُحقِّقه من كمال، وما يؤدّي إليه من سعادة.

       فلندَعْ كل منهج إلى منهج ربّنا الحقّ، ولنخرج من كل طاعة إلى طاعته، ولندخل في معصية من دونه فراراً من معصيته، ولنستمسك ما حيينا بتقواه.

       اللهم افعل بنا وبإخواننا المؤمنين والمؤمنات هذا إنك أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

       اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا وتب علينا إنك أنت التواب الرَّحيم.

       أما بعد فهذه هي الحلقة الثانية من الحديث في موضوع:

       الأسرة في الإسلام:

       أهداف تأسيس الأسرة:

  1. الوقاية من الفساد والأمراض:

الدافع الجنسيّ من أقوى الدّوافع البدنية في تركيب الإنسان، وله ضغطه الكبير على نفسه، وله وجوده الهادف فيه لارتباط بقاء النَّسْل به. وهو في الوقت نفسه فتنة له، ويتحدّى إرادته، ووعيه، ودينه، وصِدْق خُلُقه.

والزواج هو السبيل النظيف الصحيح المأمون لتلبية هذا الدافع الملحّ عند طرفي الزواج معاً، ومن دونه ينفتح باب التسيُّب الجنسي، والعلاقات المحرّمة بما تجرّ إليه من مفاسد خُلُقية أخرى، وجرائم اجتماعية، ونزاعات هابطة، ومصادمات حادَّة.

ومِن دونه وتحت طائلة الدافع الجنسي وضغطه الهائل على النفس تكثر الأمراض النفسية، ويتأزّم الإنسان، ويخرج عن حدِّ الاعتدال النفسي الذي يُمكّنه من ممارسة دوره الإنتاجي والإنساني بالصّورة الطبيعية الممكنة له.

نقرأ بهذا الشأن قوله تعالى:{…هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ…}([1]).

في الزواج لباس ساتر للمرأة والرجل، وكلٌّ منهما فيه سَتْر للآخر من الانحدار الجنسي، والتردّي الخلقي، ووقايةٌ من ضياع الدّين، وتدهور الصحّة النفسية الناتج من ضعف التحمّل لضغط التأجُّجات لدافع الجنس.

في الزواج إفشال إلى حدٍّ كبير لكيد الشيطان بالنفس وحملها على التمرُّد على الدين من منفذ دافع الجنس، فعن رسول الله صلّى الله عليه وآله:”ما مِن شابٍّ تَزَوَّجَ في حَداثَةِ سِنِّهِ إلّا عَجَّ شَيطانُهُ: يا وَيلَهُ يا وَيلَهُ، عصَمَ مِنّي ثُلُثَي دينِهِ. فَليَتَّقِ اللّهَ العَبدُ فِي الثُّلُثِ الباقي”([2]).

  1. سكينة النفس:

تبقى النفس مضطربة مستاءة قَلِقَة ونهباً للتأثرات السلبية من جهة الفقد الجنسي والصاحب أو الصاحبة من الجنس المقابل الذي بُنِيت لحكمة إلاهية على الشوق إليه والالتقاء به في علاقة اختصاصية وثيقة موثوقة مأمونة كريمة تذهب وحشة الانفراد عنها، وتُوفّر لها الطمأنينة والسكينة بعد القلق، والهدوء بعد الاضطراب الذي يُعرّضها للأمراض والأزمات الخطيرة.

       يقول سبحانه:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}([3]).

       {… الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}([4]).

       هناك مودة ورحمة بين الزوجين من لطف الله ورحمته بعباده مما يتيح للعلاقة بينهما أن تأخذ في التوثّق الشديد ومتانة البناء والقوّة وتصمد أمام الكثير من تقلّب الظروف([5]).

       وكلما كان ائتلاف في الفكر، وقدرة على التفاهم، وكلما اتّسمت نفسية الزوجين بالرحابة والتسامح، وسمت الأخلاق عندهما، وتمتّعا بطهر النفس كلما أعطى ذلك فرصة كبيرة للحياة المريحة بينهما وتأكُّد المودة والرحمة، ودوام العلاقة، وعدم تعرُّضها للاهتزازات والتقلُّبات.

       كلما حَسُن اختيار الزوج للزوجة والزوجة للزوج، وراعى كل منهما الجوانب المعنوية المرضية في الآخر كلما كان القدر الطبيعي من المودة والرحمة المجعولين تكويناً من الله سبحانه بينهما أبقى على علاقة الزوجية بينهما، وعلى تقوية هذه المودة والرحمة ودوامهما([6]).

       إن مودة ورحمة بين الزوجين تبداءن مبكرًا بينهما من جعل الله سبحانه، والاختيار الحسن يزيد من قوتهما، وتعامل الزّوجين في ضوء شريعة الله وأخلاقيات الدين الحق يرفع من مستواهما، ويدرأ عن هذه العلاقة ما قد تُصاب به من اهتزازات وتصدّعات، ويُسيء لكرامتها.

       في تفسير الثّعلبي عن المشيخة:”أنَّ رجلا أتى النبي صلّى الله عليه – وآله – وسلم فقال: يا نبي الله لقد عجبت من أمر وإنه لعجب([7])، إن الرجل ليتزوج المرأة وما رآها وما رأته قط حتى إذا ابتنى بها اصطحبا وما شيء أحب إليهما من الآخر. فقال رسول الله صلّى الله عليه – وآله – وسلم([8]):{… وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً…}([9])([10]).

  1. الربط الأسري:

الزواج فيه مصاهرة بين أسرتين يُحدث بينهما التعارف والتقارب والتآلف، ويُقوّي الروابط، ويشد الأواصر، ويمتّن العلاقات. وتتسعُ شبكة الاتصال الودّي بين النّاس، وينتشر النسب عن طريق الأولاد المنحدرين من الزوجين المتلاقين بالقرابة منهما. وهكذا تتآلف القلوب، وتتلاقى النفوس، وترتفع الحواجز التي تفصِل بين النّاس وتجعلهم أشتاتاً على رأس مسافات بعيدة بعضهم من بعض.

       عن الإمام الهادي عليه السلام:”إنَّ اللّهَ جَلَّ وعَزَّ جَعَلَ الصِّهرَ مَألَفَةً لِلقُلوبِ ونِسبَةَ المَنسوبِ، أوشَجَ([11]) بِهِ الأَرحامَ، وجَعَلَهُ رَأفَةً ورَحمَةً، إنَّ في ذلِكَ لَاياتٍ لِلعالَمينَ”([12]).

       وشجت العروق والأغضان اشتبكت، فالمصاهرة تشد الأرحام بعضها إلى بعض، وتخلق منها شبكة واحدة مترابطة واسعة لتعطي للمجتمع الإنساني التلاحم والقوّة والمتانة، وتزيده من فرص التعاون على الخير، والبناء الصالح الحميد.

       وتلتقي الكلمة عن الإمام الرِّضا عليه السلام مع سابقتها عن الهادي عليه السلام في الدلالة على هذه الحكمة من حكم الزواج.

       فعنه عليه السلام:”لَو لَم يَكُن فِي المُناكَحَةِ وَالمُصاهَرَةِ آيَةٌ مُحكَمَةٌ، ولا سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ([13])، ولا أثَرٌ مُستَفيضٌ، لَكانَ فيما جَعَلَ اللّهُ مِن بِرِّ القَريبِ، و تَقريبِ البَعيدِ، وتَأليفِ القُلوبِ، وتَشبيكِ الحُقوقِ، وتَكثيرِ العَدَدِ، وتَوفيرِ الوَلَدِ لِنَوائِبِ الدَّهرِ وحَوادِثِ الاُمورِ، ما يَرغَبُ في دونِهِ العاقِلُ اللَّبيبُ، ويُسارِعُ إلَيهِ المُوَفَّقُ المُصيبُ([14]).

  1. الغرض الرسالي:

يمتد نظر المسلم الواعي والمؤمن الغيور على الدين العارف بما هو عليه من شأن عظيم إلى أن يكون من نتيجة زواجه ذريةٌ صالحة ذاكرة لله تعمل على إعلاء كلمته في الأرض، وتضع حركة الإنسان فيها على مسارها الصحيح متّجهة إليه سبحانه مهتدية بهديه، مستهدفة رضاه.

       يقول الكتاب العزيز:{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء، فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ}([15]).

       ومن دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في طلب الذرية الصالحة قول الكتاب العزيز على لسانهما:{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}([16]).

       وعن الرسول صلّى الله عليه وآله:”ما يَمنَعُ المُؤمِنَ أن يَتَّخِذَ أهلاً؟! لَعَلَّ اللّهَ أن يَرزُقَهُ نَسَمَةً تُثقِلُ الأَرضَ بِلا إلهَ إلّا اللّهُ”([17]).

       وفي ضوء الأهداف الأخلاقية والصحيّة والاجتماعية والإنسانية والرسالية الكريمة يكون الاختيار الواعي للزوج والزوجة لبناء الأسرة الناجحة([18])، والحياة الأسرية المريحة في أجوائها الرّاقية المفعمة بالودّ والرحمة والتعاطف والتعاون على البر والتقوى، والهناء والكرامة.

       اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم خذ بنا إلى سبيلك، واجعل حياتنا بِذلة في طاعتك، وكلّ تقرُّبنا إليك، وقصدنا مرضاتك، ومنتهانا إلى جنتك ومحل كرامتك يا رؤوف، يا رحيم، يا كريم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}([19]).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا يقدِر قُدرتَه قادر، ولا يعلم علمه عالِم، ولا تبلغ حكمتَه حكمة، ولا تدنو من عزّته عزّة، ولا نفوذ لأمر إلا بأمره، ولا مضاء لمشيئة إلا بمشيئته، وكلُّ شيء لا يجد خيره إلا من عنده، ولا حول ولا قوّة لشيء إلاّ به.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاما.

عباد الله ما عرف عبد ربَّه الحقَّ واتقاه إلاّ أتى ذلك من نفسه على باطلها، وما جرّه عليها هواها، ووسوسة الشيطان الرجيم من سوء، وسبّباه من ضلال، وعمرها بالحقِّ، ونوّرها بالهدى، وقوّاها على الاستقامة، وأخذ بها إلى الرشاد، وأكسبها الشعور بالرضى والسعادة. ولنطلب خير النفس، وخير المجتمع، وخير الحياة، وخير الممات، وخير الآخرة بسلوك منهج الله، بطاعة الله، بتقوى الله؛ فإن خير الإيمان والتقوى والعمل الصالح يعمُّ كل ذلك.

اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

ربّنا هب لنا معرفتك وتقواك وتوفيقك وتسديدك وبلّغنا رضاك يا حنّان يا منّان، يا كريم.

اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين النبيين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً قائماً.

       أمَّا بعد أيُّها الأعزَّاءُ من المؤمنين والمؤمنات فإلى بعض عناوين:

مولد الإمام الرضا عليه السلام:

اليوم ذكرى مولد شمسٍ من شموس الإمامة الحقَّة الشَّاملة؛ مولد الإمام الثامن الرِّضا من أئمة أهل البيت عليهم السلام الذين أناروا الدنيا إيماناً وعلماً، وكانوا ولا زالوا وسيبقون قادة الأمَّة في شأن دينها ودنياها على خطِّ الله سبحانه، والمرجعيَّةَ التي لا تختلف مع القرآن في شيءٍ ولا تفارقه في علمٍ ولا سلوك، ولا تشذُ عن الإسلام الذي جاء به الوحيُ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله.

بارك الله للأمَّة الإسلاميَّة هذه المناسبة الكريمة، ووفَّقها لمعرفة الحقِّ الذي أوجبه الله لأهل بيت نبيِّها الكريم صلَّى الله عليه وآله من الاهتداء بهداهم، والتخلُّق بأخلاقهم، والأخذ بإمامتهم، والتسليم لأمرهم أخذاً بما دلَّ عليه الكتاب الكريم والسنَّة النبويَّة المُطَهَّرة.

السياسةُ الغربيَّة والدِّين:

كلُّ الدَّين في نفسه في نظر السياسة الغربيَّة القائمة لا شيء، لا وزن له ولا قيمة؛ يستوي في ذلك اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام. على أنَّ هذه السّياسة تُعادي الإسلام، وتتربَّصُ به، وتشنُّ حربها عليه لما يمتكله من قدرةٍ على الإقناع بما له من عقيدةٍ سماويَّةٍ مُتميِّزة، وشريعةٍ رائدة، ونظامٍ شاملٍ خصبٍ يجمع بين الأصالة والمرونة، وله القدرة الفائقة على قيادة الحياة، وتفجير طاقات الإنسان بما يُحقِّقُ للإنسانيَّة كلَّ آمالها الممكنة والتي تنسجم مع شرفها.

وفي موضوع الإساءة للرّسول صلَّى الله عليه وآله لا تلقى كلُُ النِّداءات الدينيّة والخلقيّة أيّ تقديرٍ عند هذه السياسة إذْ لا تقدير عندها أساساً لدينٍ ولا قيمٍ ولا أخلاق. أمّا الإثبات العلمي لواقع شخصيَّة الرسول صلَّى الله عليه وآله الوضّاءة وإقامة الأدلَّة الكافية على عظمته فهو خطابٌ للباحثين عن الحقيقة من أبناء الغرب، أمّا الذين يحملون روحاً معاديةً للإسلام من منطلقٍ سياسيّ ومصالح ماديّة، أو تعصّبٍ وعنادٍ دينيّ فلنْ تنفع معهم حجةٌ ولا برهان.

النظرة للكون والإنسان والحياة وكلّ شيءٍ عند هذه السياسة المادية وكلّ القيمة للمادة، وكلُّ التقدير للمردود المادي، وكل المحذور للضرر الماديّ.

نعم، على الأمة أنْ يكون دفاعها عن النبيِّ الكريم صلَّى الله عليه وآله وسلم بعقلانية وبكل الوسائل الشرعية الممكنة وبالأسلوب المؤثِّر([20]).

ولدى الأمّة الإسلامية من الإمكانات ما يجعلها قادرةً على ممارسة الضغط الكافي على السياسة الغربية بما يجعلها مضطرة لتبديل موقفها من موضوع الإساءة المتكررة للإسلام وقرآنه ونبيه صلَّى الله عليه وآله وأمته، وتتخلّى عن اعتذارها الكاذب في السكوت على هذه الإهانات، ودفاعها عن استمرارها بشعار حرية التعبير التي لا تقف عندهم بالإضرار بمقدَّسات الآخر، وأكبر معنوياته، ولا يوقفها إلَّا الضرر الماديّ الذي تُلحقه به أو ما تسببه من تقليل سيطرته.

وحين تؤديّ حرية الكلمة الساقطة، ولغة السب والشتم وإهانة المقدسات إلى ضررٍ ماديٍّ يلحق الغرب من موقف مقاطعةٍ شعبيةٍ على المستوى الشعبي العام للأمة مثلاً أو من خلال ضغوطاتٍ ماديةٍ تملك الأنظمة الحاكمة للأمة الإسلامية ممارستها على الغرب بصورةٍ مؤثرةٍ موجِعة فعندئذٍ سيضع هذا حداً لحريَّة التعبير المنفلتة وحالة الاستهتار بكرامة المقدسات، والإهانات المتكررة للإسلام.

والغرب الذي يدخل معه عددٌ من الأنظمة التي تحكم الأمّة في تحالفاتٍ قوية ضد دولٍ إسلامية، وضدّ حالة التحرُّر في الأمة، وضد مصلحة الإسلام وحركة الوعي والصحوة في صفوف المسلمين آمنٌ من جهة هذه الأنظمة ومطمئنٌ إلى أنها لنْ يكون لها موقفٌ صادقٌ في نصرة الإسلام.

يكفيك من هذا أنْ تسمع لغةً إسرائيليةً وأمريكيةً في مساحةٍ واسعةٍ من الإعلام التابع لعددٍ من الأنظمة الرسمية في الأمة، وتشهد مناصرةً واضحةً للتوجُّه الإسرائيليّ والأمريكيّ وتهديدهما بإشعال حربٍ في المنطقة لتحرق أخضرها ويابسها معا وتأتي على بناها التحتية، وتقوّض على المدى البعيد أمنها واستقرارها.

إنّ المسيرات والاعتصامات التي يعيشها الشارع الإسلاميّ في الكثير من أقطاره ومواقع تواجده يخافها عددٌ كبيرٌ من الأنظمة الحاكمة للأمة أكثر من خوف الغرب منها، وتُسبّب لهذه الأنظمة حالة حرجٍ شديدة لما تفرضه عليها من اتخاذ موقفٍ غاضبٍ لكرامة الرَّسول صلَّى الله عليه وآله وقدسية الإسلام ينسجم ولو بدرجةٍ مع موقف الأمة وهو الشيء الذي يختلف مع موقفها التصالحيّ والتحالفيّ والتبعيّ للغرب، أو أنْ تدخل في مصادمةٍ لا تأمنها مع ملايين الأمة إرضاءاً للغرب وإبقاءاً على ثقته بها.

ماذا سيكون غداً؟

للخبراء السياسيين وغيرهم تجاربهم، ومطالعاتهم للأوضاع، ودراساتهم العلمية والميدانية وتتبعاتهم وتحليلاتهم وتوقُّعاتهم وتقديرٌ لنتائج الأوضاع والصراعات التي يمكن أنْ تنتهي إليها في الوقت القريب أو المتوسّط مثلاً لكن لا أحد من هؤلاء يعلم جازماً ما قد يحدث في هذا العالم غداً من مفاجآتٍ وأحداث بعيدةٍ كلّ البعد عن التوقُّعات وطبيعة مجاري الأمور تُسبِّب تغيّراتٍ هائلةٍ في واقع السياسة ومعادلاتها وحياة المجتمعات وموازين القوى بين عشيّةٍ وضحاها سواءٌ في بقعةٍ محدودةٍ من الكرة الأرضية، أو في شرق الدّنيا وغربها وبما يستوعب كلّ الأقطار. فهناك تقديراتٌ وحساباتٌ موضوعية، وهناك مفاجآتٌ وأحداثٌ خارج الحساب للخبراء والمختصّين وأهل النّظر.

وكما يمكن أنْ تجري الأمور حسبما عليه تقديرات وحسابات الخبراء بصورةٍ قريبةٍ أو بعيدة من توقعاتهم يمكن أنْ تشهد تحوُّلاً ضخماً، وبُعداً شاسعاً عمَّا أدَّى إليه النَّظر التحليلي وعلى عكس ما هو المتوقّع بفعل مفاجأةٍ خارجةٍ عن كل ما كان متصوراً للمحلِّلين.

وإذا ما جئنا إلى الانقسام السياسيّ بين الشَّعب والسُّلطة في البحرين والبالغ حدّ الصِّراع، ومع غضِّ النَّظر عن مفاجآت ما فوق الحساب وسألنا عن مآلات هذا الصراع، فما هو المتوقّع؟

السُّلطة متمسكة إلى أقصى حدٍّ بسياستها الظالمة والمستبدة المستأثرة والقائمة على إقصاء الشعب، وهي السياسة التي منها شكوى الشعب وتوجّعه، وفيها محنته وإذلاله، وهي السياسة التي أثارته، وأشعلت شرارة حراكه، ودفعت به إلى استرخاص الأرواح العزيزة الطّاهرة من أبنائه وبناته، وأنْ يقدِّم التضحيات الغالية السخيّة في سبيل حريته وعزته وكرامته.

هنا عنادان متقابلان: عناد السلطة وهوعنادٌ ظالمٌ آثم لا يريد أنْ يتنازل عن باطلٍ ويعترف بحقّ، ويُقِرّ بأن هنا وطناً مشتركاً، وثروةً مشتركةً، وقرار حياةٍ حقُّ الشعب فيه قبل حقّ الحكومة، وكلمةُ الشعب فيه قبل كلمة الحكومة.

هذا العناد مدعوم ببطش القوة العسكرية والهجمات الشّرسة على الآمنين وأصناف التعذيب، والحرمان، والتوقيفات والمحاكمات، والعقوبات المشدَّدة، والإرعاب، والإرهاب، والإعلام الظالم، ومليارات الدنانير وما تستطيع أنْ تشتريَهُ من ألسنةٍ وأيدٍ وذممٍ خسيسةٍ معروضةٍ للبيع من كل الفئات والطبقات.

والعنادُ الآخر عنادُ شعبٍ آلى على نفسه ألَّا يرجع إلى البيوت ما لم يستردّ حقَّه، ويسترجع حريته وكرامته، وتعترف له السُّلطة بحجمه ووزنه وموقعه، وأنْ يصبر على الأثمان الباهظة التي يُكلِّفه بها بقاؤه في السَّاحات ومسيراته ومظاهراته واعتصاماته وإنْ كانت من أوضح ما في الدُّنيا من مسيراتٍ ومظاهراتٍ واعتصاماتٍ سلمية، وأقرَبِها إلى التقيُّد بالحكم الشرعي العادل، وأجلاها صورةً في التحضُّر.

الشعب هنا مؤمنٌ بأنّ تكليفه أنْ يواصل حراكه لتقويم الوضع، وتصحيح الواقع، ورفع الظلم، وإقرار العدل، وأنّ ما يعطيه من تضحياتٍ في هذا السبيل إنما هو برضى الله سبحانه، ومما يقرب إليه.

وهذه الرؤية الدينية الواقعية تجعله أشدّ عِنادًا في طريق التغيير، وتمسُّكاً بضرورة الإصلاح والبذل في سبيله، وهو عنادٌ في الحقّ وليس من عناد الباطل في شيء.

هذا العناد بطبيعته يُفْشِلُ سحر آلة الفتك التي يعتمدها عناد الباطل، فمع توفُّره واستمراره لا تأتي النتيجة إلَّا في صالح ما يستهدفه من تغييرٍ لمصلحة الحقّ، وإصلاحٍ من أجل رقيِّ الوطن، وسلامة المجتمع، وخير كل مواطن.

إنَّ الشعب لنْ يرجع بإذن الله من مشوار حراكه بما هو دُون حقّه، وعزِّه، وحريته، وكرامته. فعلى هذا الطريق حتى تحقيق النصر.

ولا بُدَّ لنا ونحن نتساءل عن مآل التحرُّك السياسي الشعبي السلمي العادل وما سيُفضي إليه أنْ نستذكر الحقيقة الإيمانية الثابتة التي يُمثّلها قوله سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}([21])، وقوله عز من قائل:{وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ}([22]).

فليكن كلّ البذل من أجل الله عز وجل، وكلّ التضحية في سبيله، وكلّ الخطى في هدى دينه، وكلّ حركةٍ وسكون أخذاً بحكم شريعته، وهذا هو الانتصار لله سبحانه، وعندئذٍ يتنزَّلُ على من أخلص له نصره والله لا يُخلف الميعاد.

اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم إنا نعوذ بك من جور كل جائر، وبغي كل باغ، وجهل كل جاهل، وكيد كل كائد يضمر لنا سوءًا، ويريد بنا شرًا. ربنا بك نعوذ ونلوذ، ونسألك العزة والغلبة والنصر على كل ظالم لنا يا قوي يا عزيز، يا لطيف يا رؤوف يا رحيم يا من هو فعّال لما يريد.

اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وأطلق سراح أسرانا وسجنائنا، ورد غرباءنا في خير وسلامة وغُنْم إنك أرحم الراحمين.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([23]).

 

 

[1]– 187/ البقرة.

[2]– النوادر للراوندي ص113 ط1.

[3]– 21/ الروم.

[4]– 189/ الأعراف.

والزوج شامل للذكر والأنثى.

[5]– كم غضبة، وكم استساءة، وكم حدة مزاج تحدث بين الزوجين مما لا يمكن أن يحدث بين صديق وصديق كثرة إلا وفرّق بينهما، بينما تبقى العلاقة الزوجية صامدة أمام كثير وكثير من التحديات في العادة.

[6]– هناك رحمة ومودة بين الزوجين من فيض الله التكويني، ولكن ليس للحد الذي يُعفي الإنسان عن اختيار الصفات الحميدة، الصفات العالية في كل من الزوجين من أجل دعم هذا القدر التكويني من المودة والمحبة للإبقاء على العلاقة الزوجية في أرقى مستوياتها.

[7]– عجبي ليس بلا موضوع، عجبي في مكانه، فإن الأمر نفسه يحمل عجبا.

[8]– مفسّرا هذا الأمر.

[9]– 21/ الروم.

[10]– تفسير الثعلبي ج7 ص299 ط1.

[11]– الواشجة: الرحم المشتبكة. (القاموس).

[12]– الكافي ج5 ص373 ط3.

[13]– افرض أن لا يوجد ترغيب، ولا توجد دعوة في الإسلام للزواج.

[14]– المصدر السابق ص374.

[15]– 38/ آل عمران.

[16]– 128/ البقرة.

[17]– من لا يحضره الفقيه ج3 ص382 ط2.

يقولها، يعتقدها، يعمل على ضوئها، ينشرها، يقود حركة الحياة ما استطاع على خطّها.

[18]– وأنت تريد الزواج، وأنتِ تريدين الزواج لابد أن يستذكر كل منكما هذه الأهداف للزواج حتى يكون اختياره في ضوء ما هي الأهداف الصحيحة له.

[19]– سورة التوحيد.

[20]– وأنْ يكون الردُّ جماهيريا كذلك وعلى مستوى الشُّعوب والأنظمة لأنَّ السياسة الغربيَّة لنْ تسمع إلَّا لكلمةٍ ترى فيها الجديَّة ولنْ تستجيب إلَّا لموقفٍ احتجاجيٍّ يؤثِّر على مصالحها الماديَّة.

[21]– 7/ محمد.

[22]– 126/ آل عمران.

[23]– 90/ النحل.