المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (505) 3 رجب 1433هـ ـ 25 مايو 2012م

خطبة الجمعة (505) 3 رجب 1433هـ ـ 25 مايو 2012م

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: متابعة لحديث: نعم الله

الخطبة الثانية: إقامة القسط 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي يعلم ضمير الصّامتين، ويملك حوائج المحتاجين، ولا يردّ السائلين، ولا يخذل الصّالحين، ويقبل التّائبين، ويُجير المستجيرين، ويُعزّ المؤمنين، ولا يُصلح عملَ المفسدين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله ما بعُدَ مبتعدٌ عن صلاح نفسه وخيرها، كمن ابتعد بها عن معرفة حقّ الله، وطاعته، وتقواه، وما زلّت قدم زلَّها عن طريقه سبحانه، وما خسِرَ خاسر كخسارة الإيمان، وما استهان مستهين بقَدْر نفسه كمن اختار لها غضب الجليل والنّار.
ولا وقاية للنفس كما هي وقايتها بطاعة الله، ولا رفعةَ لأحد كالرّفعة بتقواه، ولا فوز له كالفوز برضوانه.
فلنأخذ عباد الله بطاعته وتقواه لا يلهينا عن ذلك أمر من أمور هذه الحياة، ولا قضية من قضاياها، ولا يصدُّنا عن ذكره شدّة أو رخاء، ولا فاجعة أو مصاب، ولا خير أو شر.
ولننأ بالنفس عن معصية الربِّ العظيم، ولا نعط لخطر وزناً كما هو خطرها.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أصلح لنا شأننا كلَّه، وافعل بنا ما أنت أهله، ولا تكِلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبداً برحمتك يا أرحم الرّاحمين.
أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات فهذه عودة لحديث :

نعم الله:

جهل النعم:
لا شكر لنعمة منسيَّة، فمن نسي النعمة كيف يشكرها؟!.
وما أكثر نِعَم الله عند العبد مما لا تراها عينُه، ولا تنتبه إليها نفسُه. ولا يُثير انتباهه إليها إلاّ أن تفارقه فيشعر حينئذ بما كان يتقلّب فيه من نعمة ربّه، ويهنأ به، وأن قد فاتَه شكر نِعَم كثيرة أقامت عنده طويلاً.
عن الإمام الحسن عليه السلام:”تجهل النعم ما أقامت، فإذا ولّت عُرِفت”(1).
وعن الصادق عليه السلام:”كم من مُنعَم عليه وهو لا يعلم”(2).
وما أكثر ما ينسى الإنسان شأنَ نفسه، ويلهو عمَّا فيه صلاحُه، وما يجب عليه لربّه حين يقِلُّ تفكّرُه، وتدبّرُه، وتذكّرُه، ولا تصحو نفس، ولا ترى الحقيقة، ولا تهتدي بهدى، ولا تستضيء بنور إذا لم تكن على تفكّر، وتدبّر، وتذكّر.

أرذلُ الخُلُق:

النعمة إمَّا أن تُشكر، وإمَّا أن تُكفر، وإمَّا أن يستعان بها على معصية المنعم، ومضادّته.
ولا تبلغ النفس مبلغاً من التردّي، ولا يسوء خُلُقُها، ولا تسقط أشدّ مما تكون عليه حين تستعمل نعم الله في معاصيه، وتستعين بها على معاندته، ومحاربة دينه، ذلك مكان أن تذكر النِّعمة، وتشكرها، وتستجيب لأمر الله، وتخلص في طاعته.
عن الرسول صلّى الله عليه وآله:”يقول الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم ما تُنصفني أتحبَّب إليك بالنعم، وتتمّقتُ إلي بالمعاصي، خيري عليك منْزَلٌ، وشرّك إليَّ صاعد”(3).
الله الغنيّ الذي لا غنى لأحد عنه، ولا حاجة له إلى شيء على الإطلاق يُسبغ على عبده من نعمه لطفاً به، وتحبّباً واجتذاباً لهذا العبد الحقير الفقير للطاعة التي ترفع من شأنه، وتُكمِّلُه، وتبلغ به غايته، وتسعده، وإذا بالعبد الفقير، المحتاج، الضعيف يطلب بالنعم معصية ربّه وما يغضب الله عليه أشدَّ الغضب، ويسقطه في عينه. لا يأتي إلا بالشرِّ الذي يهلك به نفسه، والقبيح الذي يرديه.
ما أسوأنا… ما أقبحنا… ما أجهلنا… ما أبهلنا… ما أسقطنا حين نقابل النعم بالمعصية، والإحسان بالإساءة في تعاملنا مع من لا خير لنا إلاّ من عنده، ولا نعمة بيدنا إلا من فضله، ولا حول ولا قوّة لنا إلا به، ولا طاقة لأحد على عذابه، ولا رادّ لقدره وقضائه، ولا مواجِه لقدرته!!(4)
أهكذا يتعامل العبد الحقير مع الربّ القدير؟! فلنراجع أنفسنا لعلنا نستيقظ من سبات، ونُفيق من سكرة، ونُنقَذ من عثار، وخسار، وسوء عاقبة وعذاب.
شيء من خُلُق، شيء من عقل، شيء من حياء.. شيء من شفقة على نفسي ونفسك نحن العبيد المساكين.. لا أقل من ألاّ تستعين بنعم المنعم الأعظم على معاصيه. عن الإمام عليّ عليه السلام:”أقل ما يلزمكم لله أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه”(5).
ولما قد يسيء به الإنسان لنفسه من استعمال نعمة الله عنده في معصيته قد يسأل النعمة فلا يستجاب له رأفة به.
“في زبور داوود عليه السلام: يا ابن آدم تسألني وأمنعك لعلمي بما ينفعك، ثم تلحّ علي بالمسألة فأعطيك ما سألت، فتستعين به على معصيتي”(6).
وكم يلحّ الإنسان على طلب ما فيه شرّه من حيث لا يعلم، ويبذل الجهد الكبير بجهله للوصول إلى ما فيه هلاكه، وأعظم مصائبه!! وكم يسخط الإنسان بقصوره على قضاء الله الذي فيه نجاته وخيره ونجحه!!(7) وكم من نعمة استعجلها الإنسان كان فيها بطره وانحرافه وكارثته، وكانت مدخله إلى النّار!!
وإن من النعم في تتابعها لما يأتي عقوبة للاستحقاق حيث إغراؤها بالاستمرار على المعصية(8)، واغترار المنعَمِ عليه بها فيتمادى في الذنب، وهو ما يُسمّى بالاستدراج.
{وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}(9).
وفي الحديث عن الإمام علي عليه السلام:”يا ابن آدم! إذا رأيت ربّك سبحانه يُتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره”(10).
نعم عليك أن تحذر من أن يكون تتابع النعم منه عليك استدراجاً لسخطه عليك لأنك لست محلاًّ لأن تعود بالعقوبة الخفيفة أو إيقاف النعمة عن التمادي في غيّك، والارتماء في المعصية.
الحذر الحذر يا ثلاثة قال عنهم الحديث عن الصادق عليه السلام:”كم من مغرور بما قد أنعم الله عليه، وكم من مستدرَج بستر الله عليه، وكم من مفتون بثناء الناس عليه”(11).
قد يغرق الإنسان في الغفلة في ظلٍّ من النعم الغزيرة المتتابعة عن ذكر الله، ونفسه، وآخرته، ويخسر هداه واستقامته، ويُصاب بالغرور الذي يسلبه كل اتزانه وتعقّله. وهذا ما يجب أن يحذره كل ذي نعمة من الله سبحانه، فلا تبطرَه النعمة فيشتغل بها عن ذكر الله العظيم.
وكم يستر الله على عبده من ذنب ليحفظ وزنه وسمعته في بيئته المؤمنة، وليعود له رشده، ويتدارك ما فرّط بالتوبة، ولكنّه يصرّ على الذنب ويتمادى في الغي، فيكون الستر حينئذ استدراجاً له، ونقمة بعد أن كان رحمة حيث يطمعه ذلك أن يبقى على إثمه، ويواصل سفهه.
وهذا طريق فيه خساره وشقاؤه، والأحرى به أن يرى في هذا السَّتر ما يخيفه ويرعبه لا أن يغريه بالاستمرار في المعصية ويُطمعه.
وإنّه لمن الامتحان الصَّعب، ومن أسباب الضَّلال والاغترار، ومما يوهم بالعظمة الكاذبة، والتفوّق الزائف، والكمال المزعوم أن يكثر مدح المرء على ألسن النّاس.
فكثيراً ما يسوق مدح النّاس ممدوحهم إلى أن تذهب به الأوهام إلى التميّز الخاص، والاستعلاء بغير حقّ، والاستغناء عن الاستكمال، والارتفاع بالذات عن مستواها بدرجات وهي على خواء، والتنكّر لمستويات الآخرين، وما هم عليه من قدرات فعليّة متفوِّقة، واستعداد فوق ما عليه استعداده بمسافات شاسعة(12).
وكثيراً ما يدفعه ذلك إلى طاغوتية جائرة، وإعجاب بالنفس مهلك لها، وإلى مطالبة الآخرين بالطاعة المفتوحة التي لا موضوع لها ولا أساس.
فمدح الناس اختبار قاس، وباب ابتلاء خطير، وفتنة مضِلّة تحتاج إلى كثير من العقل، والرزانة، وتذكّر النقص والقصور والتقصير، وما للآخرين من خصائص التفوّق، والأدوار العملية الصّالحة الفاعلة.
وما عالج النفس وما أنقذها من كِبْرها وغرورها شيء مثل أن يتذكّر المرء عبوديته الكاملة الصّادقة له سبحانه، والرّبوبية التامّة الشّاملة الحقيقية لله العظيم التي لا قِوام لشيء إلاّ بها. فذلك هو الدواء الكامل لغرور النفس وكبرها، وهو القادر بإذن الله على استئصال كل عيوبها.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا على ذكر دائم لنعمك، وشكرٍ غير منقطع لآلائك، لا يصرفنا صارف عن طاعتك، وعبادتك، ولا ينسينا شيء تسبيحك، وحمدك، والثناء عليك، والتعلّق برحمتك وكرمك يا من لا تضيق رحمته، ولا يقاس كرمه.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(13).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا غنيَّ إلا وهو مفتقر إليه، ولا قويَّ إلاّ وهو مقهور لقوّته، ولا عزيز إلا وهو ذليل بين يديه، ولا ملك إلاّ وهو مملوك له، وخاضع لجبروته. كل الأمور جارية وفق قدره، ولا خروج لشيء عن قضائه، ولا سنّة في الكون غيرُ سننه، ولا نفاذ لأمر على خلاف أمره.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله من طلب خير الدُّنيا والآخرة فليطلب ذلك عند الله، فليس لأحد من دونه من ذلك شيء أبداً، وليأخذ بسبب قويّ يُقرّبه من ربّه، ويدنيه من رحمته، ويؤهله لإكرامه، ولا آكد من سبب التقوى.
تقول الكلمة عن الإمام علي عليه السلام:”اَلتَّقْوى آكَدُ سَبَب بَيْنَكَ وَ بيْنَ اللّهِ إنْ أخَذْتَ بِهِ وَ جُنَّـةٌ مِن ْ عَذاب أليم”(14).
والتقوى طريق قبول الأعمال فلا يضيِّعُها مؤمن، ولا يهمل شأنها إلا جاهل سفِه نفسَه. يقول سبحانه:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}(15).
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم بك نلوذ، وبك نعوذ، وبك نحتمي من شرّ النفس الأمّارة بالسوء، ومن شرّ كلّ ذي شرّ، وشر الشيطان الرجيم.
ربّنا افعل بنا ما هو خير لنا في أمر ديننا ودنيانا، واكفنا من كل سوء، واختم لنا بخير ختام.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصّدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزّكي، والحسين بن علي الشّهيد، وعليّ بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصّادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعليّ بن موسى الرّضا، ومحمد بن علي الجواد، وعليّ بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً دائماً قائماً.
أما بعد أيها الإخوة والأخوات الأعزاء في الله والأحبّاء في الله فاليوم تعيش الأمة المؤمنة ذكرى استشهاد الإمام العاشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام الإمام الهادي عليه السلام. وهم الذين كانوا ولا زالوا طريقاً لمعرفة الله وطاعته، وعزّاً للإسلام، وسبباً لوحدة الأمّة المسلمة. هم الهداة إلى الدين الذين كانوا ولا زالوا كذلك. وستبقى هدايتهم للحقّ محلّ حاجة الأمم كلّ الأمم، وحتّى يرث الله الأرض ومن عليها.
أما الآن فإلى الحديث تحت عنوان:

إقامة القسط:

{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ…}(16).
إقامة القسط، وتحقيق العدل ضرورةُ دنيا وضرورةُ دين، ولا وجود لهذا الكون إلاّ بالعدل، وغيابُ العدل عن بناء الكون وعلاقاته طرفة عين يعني نهايته، والحياة فوضى وبؤس وشقاء وعذاب، وانحطاط في غياب العدل.
وأمر القسط لا يخصّ في ضرورته بعداً من أبعاد الحياة، ولا مساحة من مساحاتها، ولكنّه يعم في ذلك كل مجاليها ومساحاتها.
والسياسة اليوم لا تترك زاوية من زوايا الحياة إلاَّ وتتدخل فيها، وتحكم قبضتها عليها.
فإذا غاب القسط عن السياسة، وتنكَرت له، وانفصلت عنه عمّ الظلم والفوضى والبؤس والشقاء كلّ جنبات الحياة.
والمسلم ليس مختاراً من ناحية التشريع الإلهي أن يقف من عدل السياسة وظلمها كيفما أراد، وليس متروكاً له أن يقف من ذلك موقف اللا مبالاة؛ فسواء مسّه ظلم السياسة في نفسه وأهله أو لم يمسسه فعليه أن يتحمّل مسؤوليته في إقامة القسط، وتحقيق العدل، ومواجهة الظلم والفساد.
الرسل والبينات وإنزال الكتاب والميزان؛ كلّ ذلك يستهدف أن يقوم الناس بالقسط، ويُمكّنوا له في كل مستويات الحياة، ويعطوه الهيمنة والحاكمية في كل أبعاد وجودهم.
في مجال السياسة تتحمل الحكومات مسؤولية خاصة في إقامة القسط، وعلى المجتمعات أن تُعينها في ذلك، وأن تقف في وجه أيّ ظلم منها، وتعيدها إلى المسار الصحيح؛ مسار العدل الذي لا ميل فيه.
والأرض اليوم تكاد تمتلئ ظلماً إن لم تمتلئ بالفعل لأنَّ ظلم الدول الكبرى والدول التابعة لها قد دخل في كل مكان.
وهذا ما دفع الشعوب إلى حركة تصحيحية بدرجة وأخرى في أكثر من مكان من العالم العربي وأرضنا هذه من الأرض التي امتلأت جوراً وظلماً. وهذا ما فجّر الحراك الشعبي الذي ضاقت به الحكومة، ودفع الشعب على طريقه أبهظ الأثمان.
المسيرات والاعتصامات وكل أنواع الاحتجاج السياسي وأساليب المطالبة بالحقوق على سلميّتها مكلفة وقد دفع الشعب الكثير الكثير في سبيلها وبالأصل في سبيل الإصلاح والعدل.
ولم يأت شيء من ذلك تسلية وملهاة ولعباً وعبثاً، ولم ينطلق من روح انتقام، ولا تشهٍّ، ولا مجرد مسايرة لثورات الساحة العربية، ولا من منطلق الاستجابة لتحريض هنا أو هناك؛ كيف والمطالبة بالحقوق لم تتوقف من عشرات السنين، ولم يخفت لها صوت على هذا الطريق؟!
وقد أصبح الوضع في البحرين يسابق في تعامله مع الشعب أكثر الدول انتهاكاً لحقوق الإنسان في كل مجالاتها، وصارت قضيةُ انتهاك هذه الحقوق غير قابلة للإنكار، ومدانة دوليّاً حتى من الحلفاء الرئيسين للنظام الرسمي القائم هنا كما كشفت عن ذلك نتائج المناقشات لتقرير البحرين المتعلّق بالوضع الحقوقي في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف، وقد طالب العديد من الدول النظام الرسمي باحترام حقوق الإنسان والتحقيق المستقل في شكاوي التعذيب، واستخدام القوة المفرطة وتقديم من يثبت في حقّهم ذلك إلى المحاكمة العادلة بما يشمل المسؤولين الكبار المتورطين في مثل هذه التعدّيات الخطيرة.
ولم يجد المجلس الصدقيَّة المزعومة لتطبيق توصيات لجنة تقصّي الحقائق التي شُكّلت بإرادة رسميّة بعيدة عن اختيار الشعب.
وكان جواب هيومن رايتس على الدعوى الجريئة التي يعرف مئات الآلاف من هذا الشّعب مجافاتها للحقيقة ومثّلت صدمة لهم، أو مثار سخرية من أنّه لا يوجد سجين سياسي واحد في سجون البحرين بأنها دعوى لا يصدّقها أحد، وأنَّه آن الأوان للتوقّف عن إنكار الواقع واتخاذ خطوات جادّة لإنهاء أزمة حقوق الإنسان في البحرين.
ونحن نقول بأنه قد آن الأوان فعلاً وقبل اليوم للتخلّي عن الإعلام الزائف، وإنكار الحقائق الساطعة مثل المعارضة الجماهيرية الواسعة(17) والتعبير السلمي الحضاري المستمر عن المطالب الشعبية العادلة، وامتلاء المعتقلات بسجناء الرأي السياسي، واستمرار انتهاك حقوق الإنسان على يد السلطة بصورة واسعة فاضحة(18).
وآن الأوان للاستجابة للمطالب الشعبية في البُعد الحقوقي والسياسي معاً، وأنه لا حلَّ للأزمة الخانقة للوطن من غير الاعتراف بهذه الحقوق، والاستجابة السريعة للمطالبة بتحقيقها.
لم يعد في مقدور كل أساليب القمع والتخدير والتفتيت وإثارة الفتن، والتسويف، والمغالطة، والالتفاف والمراوغة، والدعاوى الإعلامية الزائفة، وكل ما يمكن أن تتفتق عنه عقلية السلطة أن توقف هذه المطالبة من الشعب والإصرار على الوصول إلى الحقوق الثابتة العادلة التي لا تسمح الضرورة البالغة التي تفرض نفسها على الشعب حفاظاً على أمنه ودينه وعزّته وكرامته أن يفكر في التنازل عنها، أو أن يفتر في مواصلة الطريق إليها(19).
وشعب البحرين هنا يعجب كيف سمح وفد البحرين الرسمي لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بأن يُعلنها دعوى صريحة صارخة بأنه لا وجود لسجناء سياسيين في معتقلات البحرين، وهو يعرف أنَّ مئات وألوفاً قبعوا ويقبعون في سجون البحرين كل جريمتهم مشاركة في مسيرة أو اعتصام أو رأي سياسي غير مصحوب بشيء من العنف والإرهاب.
نسأل: أيَّ قتل، وأيّ حرق، أيّ إتلاف لممتلكات خاصة أو عامة، أي هجوم على مؤسسة حكومية أو أهلية شنّه سماحة المشايخ عبد الجليل المقداد، شيخ محمد المقداد، شيخ محمد علي المحفوظ، شيخ محمد سعيد النوري، الشيخ ميرزا المحروس، الشيخ عبدالهادي المخوضر، الأساتذة والرّموز السياسيون عبدالوهاب حسين، حسن مشيمع، عبدالجليل السنقيس، الخواجه كل الإخوة الآخرون من زملائهم، المئات والألوف ممن تعرّضوا للتوقيف والتعذيب والمحاكمة والسجن؟!(20)
كم قضية من قضايا المعتقلين والمعذَّبين من بين مئات وألوف القضايا التي استطاع القضاء أن يثبت فيها بالدليل القاطع ومن غير خلفية الاعترافات المأخوذة تحت التعذيب أن المعني بها قد مارس فعلاً ما اتُّهِم به، وتمت إدانته على أساس ذلك؟!
لو تنازلنا جدلاً وقبلنا أن قضية أو خمس قضايا قطع القضاء بأنها كذلك، فما شأن مئات القضايا وألوف القضايا الأخرى لمن ذاقوا ويذوقون ويلات السجون؟! ولا سجين واحد سياسي؟ لو كان كل الأعداد الهائلة من السجناء من أبناء البحرين قتلة وإرهابيين، ومتلفين للممتلكات وفي كل هذه المدة الطويلة فكم نتصور من قتلى على يدهم، وماذا يكون قد بقي من ثروة البلد ومؤسساته القائمة على الأرض؟(21)
وصحيح أن هناك إدانات على مستوى دولي واسع لانتهاك حقوق الإنسان الذي يُمارس في حق هذا الشعب، وهناك توصيات بالتخلُّص من وضع انتهاك الحقوق، وباحترام الإنسان وحقوقه، والاعتراف بهذا الشعب ودوره في رسم سياسة وطنه، وبحرّيته وكرامته، وحرية التعبير عن رأيه السّياسي، ولكن ما دام التنفيذ متروكاً لرأي السُّلطة؛ فالسلطة تقول عملاً لا تنفيذ.
وجواب الشعب هنا لا تراجع، لا تراجع، لا تراجع عن الحقوق، ولا فتور.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم انظر لنا بعين رحمتك، وأنقذنا ممن نحن فيه من سوء، وانصرنا بنصرك، وأعزنا بعزك يا قوي يا عزيز.
اللهم ارحم شهداءنا، وفك أسرانا، واشف مرضانا وجرحانا ورد غرباءنا سالمين غانمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (22).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – بحار الأنوار ج75 ص115 ط2 المصححة.
2 – الخصال للشيخ الصدوق ص223.
3 – بحار الأنوار ج74 ص19 ط3 المصححة.
4 – صحيح صحيح صحيح، ما أجهلنا، ما أغفلنا، ما أبلهنا حين نفعل ذلك.
5- نهج البلاغة ج4 ص78 ط1.
6 – بحار الأنوار ج70 ص365 ط3 المصححة.
7 – {… وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ…}(216/ البقرة).
8 – مرة يسأل العبد الله عز وجل النعمة فيمنعه رأفة به، وأخرى يغدق الله عز وجل على العبد النعم لا رحمة به، لأنه لا يستحق الرحمة، وإنما هو من باب الاستدراج.
9 – 178/ آل عمران.
10 – نهج البلاغة ج4 ص7 ط1.
11 – الكافي ج2 ص452 ط4..
12 – لكثيراً ما ننسى أنفسنا حين نسمع إطراء الناس.
13 – سورة التوحيد.
والمعني التوراة والإنجيل على صفائهما ومن غير تحريف، وما أنزل الله من غير تزوير.
14 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص646.
15- 27/ المائدة.
16 – 25/ الحديد.
17 – هذه حقيقة على الأرض؛ حقيقة أنَّ هنا معارضة سياسية واسعة لها مطالبها والتي استمرت أكثر من سنة وما يقرب من ثلاثة أشهر وهي تتظاهر وتخرج في مسيرات وتقوم بالاعتصامات، ومع ذلك نسمع أحيانا أن لا شيء على الأرض، وأن كل شيء على ما يرام، وأن هناك شرذمة قليلة ربما كان لها دور من هذا النوع.
18 – هذا أمر لا تحتاج أن تحدّث به الناس، أمر تشهده كل عين، تسمعه كل أذن، يتأذى له كل قلب، يألم له كل ضمير. هذا لا يحتاج إلى إعلام على مستوى شعب البحرين.
19 – هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).
20 – أيها الناطق بما نطقت قدّم لهذا الشعب إحصاءاً موضوعيا دقيقا ما هي الجرائم، ما هي الانتهاكات، ما هو العنف، ما هو الإرهاب الذي مارسه هؤلاء؟ قدّم كاشفا كاملا بذلك.
هتاف جموع المصلين (نطالب بالإفراج عن المساجين). 21 – ألوف، وكلهم مجرمون، وكلهم إرهابيون، وكلهم أهل عنف، وكلهم يحرقون، وكلهم يقتلون، ماذا سيبقى لهذا البلد طوال هذه المدة؟.
22- 90/النحل.