المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (487) 26 صفر 1433هـ ـ 20 يناير 2012م

خطبة الجمعة (487) 26 صفر 1433هـ ـ 20 يناير 2012م

مواضيع الخطبة:

 

الخطبة الأولى: العجب

الخطبة الثانية: العدل هو الميزان – المساجد – حرائرنا في السجون – لا للذل … لا للهوان – لا حل إلا في الإصلاح الحقيقي

الخطبة الأولى

الحمد لله أقربِ قريبٍ من كلّ شيء من خلقه علماً وقدرة، ورأفة ورحمةً، وأخذاً وبطشاً، لا تخفى عليه خافية من شيء، ولا يحول بين أمره وبين شيءٍ شيءٌ، ولا حركة ولا سكون لكائن، ولا نُطْقَ لناطق، ولا صَمْتَ لصامت، ولا حياة لحيٍّ، ولا موت لميّت إلا بإذنه وعلمه.
وهو أبعدُ بعيد بحقيقة ذاته، وكُنه صفاته، وجليل أسمائه، وإطلاق كماله عن إدراك من سواه، ورؤية من دونه.
يستحيل على العقول الدَّقيقة أنْ تُدركه، وعلى الألباب الصّافية أن تنتهي إليه، في حين لا تملك وهي من فيضه إلاَّ أن تُسلِّم لألوهيته، وتذعن لعظمته، وتنقاد إليه، معترفة بالعجز عن الإحاطة بجلاله، وجماله، وكماله.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاماًً.
أُوصيكم عباد الله ونفسي القاصرة بتقوى الله، والنظر إلى الدّنيا وفنائها، وإلى الآخرة وبقائها، والأخذ بما يقضي به العقل من تعامل مع الممرّ، واستعدادٍ للمقرّ، وتقديم أمر الآخرة على الدُّنيا، والاستغناء بالحلال عن الحرام، وترك ما يُعيب إلى ما لا يعيب، وما يُريب إلى ما لا يُريب فإننا على موعد مع يوم حساب لا محيص عنه، ويوم جزاء، فإمَّا منقلب إلى جنّة، أو منقلب إلى نار؛ جنّةٍ يخلد فيها المنعّمون، ونارٍ يخلد فيها من كُتِبَ عليه العذاب.
اللهم أعذنا من نارٍ سجّرها جبَّارها لغضبه، وأعدَّها لمعانديه وأهل معصيته، وارزقنا الجنّة التي وعدت بها أولياءك، وخلقتها لأهل طاعتك ورضوانك يا حنّان، يا منّان، يا متفضّل، يا محسن، يا كريم.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد وبارك عليهم جميعاً، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وكل من أحسن إلينا من مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أما بعد فالموضوع هو:

العُجب:

عُجب المرء بنفسه شعور بالزهو والخيلاء يسود النفس، واستحسان من الذات لذاتها، وصفاتها وأفعالها في غضِّ نظرٍ عن القصور والتقصير، وعمىً عن العيوب.
ومن شأن ذلك أن يُمهِّد للشعور بالتعالي على الآخرين، ويُقنع الذات بأن تقف عند مستواها إنْ لم تأخذ بالانحدار.
فالعُجب شعورٌ خادع يُقزِّم الذات، ويقعد بها عن طلب الكمال، ويُفقدها النظرة الصحيحة لما يتميّز به الآخرون، والقدرة على التقييم الدّقيق، وتجعلها تتطلّع إلى ما يفوق كل قدراتها، وما هي مؤهّلة له.
ولأن من ينظر إليها بغير ما تنظر لذاها لا يحقّق لها ما تريد تشعر بظلامة موهومة، وعداوة متخيَّلة منه تفصل بينها وبين النّاس، وتتعذب هي من أجلها.
ويُحوّل العُجبُ قبيحَ النفس إلى حسن، وخطأها إلى صواب وفي ذلك اختلال لها كبير {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ…}(1).
وتكبر طاعة المُعجَب بنفسه لربّه بعجبه في نفسه فيُحبطُ بذلك طاعته، ويَعظُم إحسانه للناس فيها على هزاله مما يقضي على قيمة الإحسان؛ فإنّ لبّ العبادة والطاعة لله أن يشعر العبد بحقارة ذاته أمام عظمة ربّه، وضآلة عمله بإزاء ما عليه أن يشكره من نعمه.
فاستعظام العبادة، واستكثار الطاعة، والنظر إلى الذات وأنها قويّة وفاعلة ومعطاءة لا يُبقي معنى للعبادة.
عن الإمام علي عليه السلام من كتابه للأشتر لما ولاّه مصر:”إيَّاك والإعجاب بنفسك، والثقة بما يُعجبك منها، وحبّ الإطراء، فإنَّ ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه، ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين”(2).
ولأنّ العُجب يثير روح التعالي على الآخرين، ويُؤدّي إلى الكِبْر، ولا يسمح للنفس بالاعتراف بدور الغير ومستواه، ويُقصِر التقدير على النفس كان مثاراً للبغضاء والعداوة من الآخرين. وهذا ما تقرِّره الكلمة عن أمير المؤمنين عليه السلام:”ثَمَرَةُ العُجْبِ البَغْضاءُ”(3).

العُجب والعقل:

من صحّ عقلُه، وسَلُم تفكيره لم يجد العُجب طريقاً إلى نفسه لأنّه مُدركٌ في ضوء عقله الصّحيح، وتفكيره السّليم أنْ ليس من خيره ما هو له حقّاً، ولا يملك أن يحتفظ به، ولا هو الذي أعطاه لنفسه، وأن كل ما أنجز من عمل صالح، وأثر محمود فإنما هو بتوفيق من ربّه، ويعود لله فضله.
وكلُّ عيوب النفس ومنها العُجب تضرُّ بالتفكير، وتُخرج عن الحقّ وطريق العلم، والمنهج الصحيح للنظر العلمي وتقييم الأمور، وتُضِلّ العقل، وتحرفه عن المسار القويم(4).
وبذلك يبعد العجب بصاحبه عن الصواب، ويُسقط من قيمة العقل وفاعليته، ويفسد عليه قدرته على الإنتاج السليم.
وهذه كلمات عن الإمام علي عليه السلام في هذا المجال:
“عجب المرء بنفسه أحد حسَّاد عقله”(5).
وذلك لأنه مضاد له، مفسد عليه دقة وسلامة تفكيره. “رضاك عن نفسك من فساد عقلك”(6).
“رضاك عن نفسك دليل على فساد عقلك”(7).
“اَلعُجْبُ يُفْسِدُ العَقْلَ”(8).
“اَلعُجْبُ حُمْقٌ”(9).
وكلنا يعرف نفع العقل، ومضرة الحمق، وأن ليس للإنسان ما يهتدي به بعد فقد عقله. والعجب أحد آفات العقل، فمن عزّ عليه عقله، فلا يُسلِّطنّ العجب على نفسه.
ولنقرأ عن الإمام الصادق عليه السلام هذا الحديث:
“من أعجب بنفسه هلك، ومن أعجب برأيه هلك، وإن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: داويت المرضى فشفيتهم بإذن الله، وأبرأت الأكمه والأبرص بإذن الله، وعالجت الموتى فأحييتهم بإذن الله، وعالجت الأحمق فلم أقدر على إصلاحه.
فقيل يا روح الله وما الأحمق؟ قال: المعجب برأيه، ونفسه الذي يرى الفضل كلّه له لا عليه، ويوجب الحقَّ كله لنفسه، ولا يوجب عليها حقّاً، فذاك الأحمق الذي لا حيلة في مداواته”(10).
وانظر إلى أي مدى يُسقط العُجب قيمة العمل الصالح، ويذهبه هباء ضياعاً.
تُقدِّم لنا صورة عن ذلك هذه الكلمة الموجزة عن أمير الحكمة والبيان؛ أمير المؤمنين عليه السلام:”سَيِّئَـةٌ تَسُوؤُكَ خَيْـرٌ مِنْ حَسَنَة تُعْجِبُكَ”(11).
من أساءته سيئته وتألّم لها يكون قد التفت إلى حقِّ ربّه عليه، وتفريطه في حقِّه، وخروجه على مقتضى العبودية، وبدأ يهتدي الطريق، ويعود إلى الرؤية الصحيحة، والشعور الحق، والموقف الصواب.
أمّا من أعجبه عمله فهو مشغول بالنظر إلى نفسه، منصرف عن النظر إلى عظمة ربّه، وجليل حقّه عليه(12).
وإذا عزَّ عليك أن تكون حقيراً عند الله، فلا تتعاظم عندك نفسك. وهذا ما تقوله الكلمة عن الإمام علي عليه السلام:”من كان عند نفسه عظيماً كان عند الله حقيراً”(13).

أنا أنا(14):

وما أضرَّ أنا، والتبجّح بالأنا، وتألُّه الأنا!!
“عن جابر بن عبدالله (رض) قال: استأذنت على النبي صلَّى الله عليه وآله فقال: من هذا؟ فقلت: أنا. فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: أنا أنا”(15).
والرسول صلّى الله عليه وآله يلفت بهذا التعليق إلى خطورة الاعتداد بالذات، والابتلاء بالنظر إليها على أن لها شيئا من الاستقلال، ونسيان عبوديتها المحضة لمالكها الحقّ وهو بارئها من العدم، ومدبّر أمرها كله.

من لطف الله بعبده:

عن أحدهما عليهما السلام (والمعني الباقر أو الصادق عليهما السلام):”إن الله تبارك وتعالى يقول: إن من عبادي من يسألني الشيء من طاعتي لأحبّه فأصرفُ ذلك عنه لكيلا يعجبه عمله”(16).
إن الأبقى لهذا العبد على إيمانه وتواضعه لله، وشعوره بالتقصير في حقّ ربّه ألا تتم له هذه الطاعة المسؤولة لما تُسبِّبُ له من عُجبٍ يذهب بقيمتها، ويبتعد به عن ذكر ربّه، ويجرّ عليه غضبه.

علاج ناجع:

العُجب، الغرور، الكِبْر، التعالي على الآخرين، المنُّ على الله كلُّ ذلك يحدث للإنسان حين يغيب النظر الصحيح إلى نفسه، والالتفات إلى عظمة ربِّه. أمّا من عرف فقره وبدايته ونهايته وما يتهدّده في حياته، وعبوديته الصِّرفة لربّه، وما ينتظره بعد موته، والتفت إلى عظمة خالقه، وما لكيّته المطلقة وهيمنة إرادته، وخضوع كلّ شيء لمشيئته لم يدخله من تلك الصِّفات المهلكة شيء، ولم يمسسه منها سوء.
اللهم عرّفنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات من عظمتك وعبوديتنا لك ما يُخلِّصنا من أمراض القلوب والأرواح النفوس، ويجعلنا محلاًّ لرضاك، وأهلاً لقربك، ونيل كرامتك يا جواد يا كريم يا رحيم.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد وبارك عليهم أجمعين، واغفر لنا ولكل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة برحمتك يا أرحم الراحمين.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(17).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا يبلغ تفضّله تفضّل، ولا إحسانَه إحسان، ولا يقارِب عقوَه عفوٌ، ولا غُفرانَه غفران، ولا يُداني ثوابَه ثواب، ولا يصل عقابه عقاب.
كلّ حمد دون حمده، وكلّ شكر أقلُّ مما هو أهله، وكل رجاء يفوقه الرجاء فيه، وكلّ خوف أهون من خوف وعيده .
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عباد الله وآثار جوده، وعطاءَ رحمته، ودلائلَ قدرته، وصُنعَ حكمته علينا عبيدَه وإماءه بتقواه فما للخَلْق كافِلٌ غيرُ الخالق، ولا للمربوبين مُدبّرٌ غيرُ الربّ، ولا دافع ولا مانع من دونه، ولا شيء يحول بينه وبين ما يريد، وكل نفس قدرها بيده. وماذا يملك المعاند لله سبحانه من حول، وماذا يحميه من قدره من قوَّة، ومن يردُّ عنه غضبه من نصير؟!.
ولا منَّ لعبد على الله عزَّ وجل، ولا على رسوله صلّى الله عليه وآله أن آمن بربّه، وأطاعه، وعبده، واتَّقاه، فكلُّ ذلك إنما هو له، يصلح به، ويكمل، ويعظُم، ويعزُّ، وينجو، ويسعد. يقول سبحانه في كتابه المجيد:{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}(18).
اللهم ما وفّقتنا إليه وإخواننا المؤمنين والمؤمنات من طاعتك فارزقنا شكره، ولا تُنسنا جميله، وأبقِ علينا جميلك في هدايتنا لطاعتك، ومنّك في تسديدنا لعبادتك، ورحمتك بنا في تنوير قلوبنا بمعرفتك، يا حنّان، يا منّان، يا متفضِّل، يا كريم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأنوارك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً دائما ثابتا قائما.
أما بعد أيها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات أجمعين فإلى هذه الكلمات:

العدل هو الميزان:

أول ميزان، وأكبر ميزان، وأثبت ميزان، وأأصل ميزان، وأصل الموازين كلها العدل، ولا قيمة تتقدم العدل، وهو مقدّم على القيم كلها.
شرط السلوك السويّ القويم، والعلاقات الإنسانية النبيلة المستقرّة العدل، وما مال من سلوك وعلاقة عن خط العدل إلى الظلم كان سوءاً وفساداً، ومنهياً إلى خراب، وشقاق، ودمار.
والالتفاف على العدل لا ينسي قيمته، ولا ضرورته، ولا يمكن أن يُطيل التخدير عنه، والسكوت عن المطالبة به حتى عند من كان قابلاً للتخدير.
الإصلاح الحقيقي الجذري السياسي وغيره هو العدل. وكل التخديرات والشكليات لا تغني عنه، ولا تلهي الشعب اليوم عن المطالبة به.

هذه كلمات قصار:

المساجد:
لا رفع لليد عن أكبر مسجد مساحة من المساجد المهدّمة ظلماً على يد الحكومة ولا اصغر مسجد في مساحته، لأنَّ كل المساجد كبيرة مساحة كانت أو صغيرة هي كبيرة في معناها، وقيمتها الشرعية، وحرمتها في دين الله، وضمير الشعب المؤمن ويقينه. على الشعب ألاّ يقبلَ أبداً أن يُقام مكان أصغر مسجد مساحة أي مشروع آخر من أي نوع، أو أن يلغى مسجد واحد، أو أن تعطّل العبادة فيه.
وكل ما تم بناءه بعنوان المسجدية وأقيمت فيه ولو صلاة واحدة بهذا العنوان قبل ألف سنة أو قبل يوم وفي غير ملك الغير فهو مسجد يجب على المسلمين الدفاع عن حرمته، وأن لا يترك مصيره لما حرم الله كبر مساحة أو صغر لعبث السياسات الظالمة(19).

حرائرنا في السجون:
عارٌ أيّ عار، وكبيرةٌ أيُّ كبيرة، ومن الاستخفاف بالدّين، وكرامة الإنسان، وحرمة الأعراض، وشرف المرأة أن تودع الحرائر المؤمنات غياهب السجون، ويبقين قابعات في العذاب لغير ذنب إلا ما كان منهن من المطالبة بالإصلاح، واسترداد الحقوق، والأخذ بالحق والعدل، واحترام كرامة الإنسان.
إن السياسة المحليَّة لتسجِّل على نفسها بمثل هذا الفعل الشنيع عاراً لا يغسل، وجريمة لا تغتفر.
والجرح الذي تحدثه هذه الجريمة في ضمير الشعب لا يندمل، وهذا العار لا يصح للشعب أن يسكت عليه وينام على ضيمه.
أجانيات حرائر هذا الشعب… أسارقات هُنَّ… أقاتلات؟!
إنَّ كل ما يدفعه الشعب برجاله ونسائه، وشيوخه وأطفاله من أثمان باهظة، وكلفة غالية، وما يعانيه من ظلم السلطة وقمعها وإمعانها في عذابه لأنه أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وطالب بحقِّه في الحرية، والحياة الكريمة، والإصلاح، وأصر على العدل، واحترام إنسانيته المهدورة.
ومما تلاقيه حرائر هذا الشعب من امتهان ساحق للكرامة، مناف للحياء الإنساني، متعد على الحرية الفردية، متجاوز لما حرم الله، مستخفّ بشرف الأعراض ما تُواجِه به قوات الشغب المرتزقة المستوردة التي تجوب شوارع وطرقات قرانا ومدننا في ساعات الليل والنهار النساءَ العفيفات، والصبيَّات البريئات من الكلمات النابية الساقطة القذرة السخيفة(20)(21) التي تنمُّ عن نفوس لا تعرف الله، ولا يسكنها إيمان، وليس لها من طهر وخلق كريم، أو غيرة أو حميّة.
وكيف يتوقَّع من يفعل كل ذلك، ويُطلق يد هذه العناصر الفاسدة من النّاس أن تهدأ لهم نفس، ويقِرّ لهم قرار، ويسلِّموا بالأمر الواقع؟! أترى ذلك؟ إلاّ أن ينتهي الدّين، ويموت الضمير، وتُمسخَ إنسانية الإنسان، وتُفقد الإرادة، وما أبعد كل ذلك عن هذا الشعب الأبيّ الكريم(22).

لا للذل… لا للهوان:
لا للذلّ… لا للهوان ولو توقّفت عليه اللقمة، ولو توقفت عليه الحياة… نعم للعزة والكرامة ولو كان ثمنها الجوع… ولو كانت ضريبتها الحياة، ولم يكن لها من سبيل إلا الموت كان الموت هادئا أو صاخبا.
هكذا يقول الإسلام للشعوب، وبهذا يقضي الإباء وعزة الدين.
وما تنشره الصحافة عن شروط عودة المفصولين إلى وظائفهم وأعمالهم فصلا تعسفياً يوضّح أن شرط عودتهم هنا هو التوقيع على الإقرار بالعبودية، والخروج عن الحرية والإرادة والتسليم لعبث السياسات الظالمة، والتسليم بمالكية الدائرة أو الشركة والسياسة الظالمة التي تتحكّم في الجميع على مستوى العقول والنفوس والإرادة، وإلا فما معنى أنَّ من شروط عودتك للعمل أن لا تقول رأيك في السياسة، أن لا تخرج في مظاهرة أو مسيرة.
أليس هذا هو الاستعباد؟
أليست هذه هي المصادرة؟
أليست هذه هي الرقية؟(23)
هل ضحى الشعب بكل ما ضحى، وبذل كل ما بذل من أجل عبودية أشد، ورق أقسى، وإهانة أمعن، وسحق أكبر(24)… هيهات لهذا الشعب، ولأفقر فقير فيه أن يوقّع لكم على صكِّ العبودية والرّق والهوان(25).
أتنهبون الناس، وتسرقونهم، وتصادرون ثروة الوطن، وتريدون أن تسترقّوا الشعب بما تنهبون، وتسرِقون، وتصادرون من أمواله وثروته؟!
لقمة العيش ضرورة، والكسب الحلال حق مكفول، وتوفير فرص العمل الشريف واجب الدولة، ولا تفريط بحق العيش الكريم، واللقمة الحلال، ولكن أول ما تستهدفه مقاومة الشعب هو استرداد الحرية والكرامة، وحق تقرير المصير.
ولا شيء يعوِّض عن كرامة الدين، والتمتع بالحريَّة، ولا شيء يقع ثمناً لهما.

لا حلّ إلا في الإصلاح الحقيقي:
إذا كنا نطلب الحل الحقيقي والخروج من النفق المظلم الذي صارت إليه أوضاع الوطن بسبب السياسة المتخلفة فالطريق واضح، ولا تخطئه العيون، ولا يحتاج الأخذ به إلا لصدق وإخلاص، وإرادة جادّة، ونية سليمة، وتخلُّص من النوازع السقيمة.
الطريق هو الإصلاح الجدّي، وركنه الأساس أن يعطى الشعب حقَّ الاختيار، لا أن يُكره إكراهاً، ويقع تحت طائلة الإجبار في حكم حياته، وتقرير مصيره.
والعملي من هذا الحقِّ والذي ينبغي أن لا يستصعب، ولا يستكثرَ هو أن يضع الشعب الدستور الذي عليه أنه يخضع لمقرراته.
وعندئذ يتحمل الشعب مسئولية هذا الدستور لما هو عليه من حقّ وباطل، واعتراف بالدين أو تنكّر له، وإصابة أو خطأ، ومصلحة أو مفسدة.
وإذا كنا نطلب بقاء الأزمة، واستمرار السير في النفق المظلم، وبقاء المتاعب للوطن فلنبحث عن شكلية هنا وعن شكلية هناك ونضفي عليها عنوان الإصلاح تبرّعاً ومن غير استحقاق، ونحاول أن ننفخ فيها روح الحياة عن طريق عن طريق التضخيم الإعلامي من دون أن يجدي ذلك أي شيء في الحل.
هناك أمور تعطى عنوان الإصلاح، ولا علاقة لها به، وأمور آخرى قد تحمل شيئا من ذلك أو تلامسه بعض ملامسة إلا أنها أمور هامشية لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تغير من طبيعة الظلم والتسلط شيئاً، ولا يمكن أن تقنع مطالبا بالإصلاح لفقدها الجدوى والجدية.
الإصلاح الذي سبّب غيابُه كلّ هذه الأزمات، والصورة البشعة من الظلم والانتهاك للحقوق والحرمات، وفي حضوره إنقاذ الوطن، وعلاج للأوضاع المتدهورة، والذي تحرك من أجله هذا الشعب لسنوات وسنوات وقبل ربيع الثورات العربية بكثير هو أن تصدُق عملاً المقولة التي اعتمدها الميثاق والمعلنة بأن الشعب مصدر السلطات، فهو الذي يضع الدستور، وبإرادته يتم تصميم العملية الانتخابية وتوزيع الدوائر بحيث يكون لكل مواطن صوت، وهو الذي ينتخب المجلس النيابي، وبإرادته يتم تشكيل الحكومة، والسلطة القضائية.
وفيما عدى ذلك فإن كل ما يُعطى عنوان الإصلاح لا أهمية له، ولا يملك أن يُقنع، ولا يَسُدُّ باب الفساد، ولا يَحُل المشكل، وهو من تضييع الوقت، ومن طبيعته أن يمدَّ في عمر الأزمة، ولا يُقصِّرَ منه.
ولحد الآن لا بارقة أمل في إصلاح جادٍّ حقيقي قريب؛ إذ لا مؤشر على توجه جدي بهذا الشأن. ويمنع من أي تفاؤل بهذا الإصلاح ما يشاهد من عنف وشراسة ومواجهة دموية لأي مسيرة سلمية احتجاجية معبِّرة عن الرأي، ومعلنة عن مطالب الشعب، والملاحقةُ المشدّدة والعقاب الجماعي لأي تظاهر ولو من بعض الصبية في سن التاسعة والثامنة وما هو أقل في قرية من القرى وفي أي طريق من طرقها، وزاوية من زواياها(26).
وعليك مع ما تعاين من ويلات، وتعاني من مآس على يد السياسة الظالمة أن تعترف وبصوت عال بأن البحرين تتمتع بحرية التعبير، وتوفير حقوق المواطنة، وبديمقراطية متقدّمة تحسد عليها.
وإذا قلت لا، وطالبت بالإصلاح، فأنت الخائن، المفسد، المتآمر، المحرّض الذي لا مكان لك إلا السجن، وبقاؤك خارج السجن إنما هو تفضل عند البعض، وعند آخرين جريمة.
وكل ذلك يزيد من الإيمان بالمطالبة بالإصلاح الجدي، وإن غلا الثمن.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ربنا مُنّ علينا بشفاء مرضانا، وبإطلاق سراح سجنائنا، وارحم شهداءنا إنك أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- 8/ فاطر.
2 – نهج البلاغة ج3 ص108 ط1.
3 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص 376.
4 – كل عيوب النفس لها هذه الفاعلية، ولها هذا الأثر المدمّر.
5 – نهج البلاغة ج4 ص49 ط1.
وأنتم تعلمون ماذا يفعل حسد الحاسد في محسوده.
6 – ميزان الحكمة ج3 ص1815 ط1.
7 – ميزان الحكمة ج6 ص44 – مطبعة الدار الإسلامية.
8 – المصدر السابق 375.
9 – المصدر السابق.
فهناك أثر متبادل بين العجب وبين فساد العقل. كلما فسد العقل وفقد الإنسان الرؤية الصحيحة كلما أُعجب بنفسه، وكلما كان عُجب بالنفس كلّما حطّم قدرة العقل على النظر الصحيح.
10 – الاختصاص للشيخ المفيد ص221 ط2.
11 – هداية العلم في تنظيم غرر الحكم ص376.
12 – مانٌّ على الله؟!
13 – ميزان الحكمة ج3 ص1817 ط1.
14 – أعوذ بالله من قول أنا.
15 – صحيح مسلم ج6 ص180.
وكأنّه يحذّر. يعني لا تتبجّح، لا تنظر إلى نفسك. هذا تحذير من رسول الله (ص)، وتنبيه على خطورة النظر إلى النفس بنظرة مستقلّة عن التبعية والخضوع لله سبحانه وتعالى.
16 – بحار الأنوار ج68 ص231 ط3 المصححة.
17 – سورة التوحيد.
18 – 17/ الحجرات.
19 – الدائرة إذا استطاعت أن تؤدي دورها وانفتح لها الطريق فمرحبا بذلك، إذا لم تستطع فإن المسئولية لا تسقط عن المسلمين لعجز الإدارة.
20 – نعم يواجهون الفتاة بنت التاسعة وبنت العاشرة، والشابة في العشرين والخامسة والعشرين بأقذع الكلمات، وأبشع التعابير.
هتاف سماحة الشيخ وجموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة)، فلنمت، فلنمت، فلنمت من أجل أعراضنا، فلنمت من أجل أعراضنا، فلنمت من أجل أعراضنا (لن نركع إلا لله).
21 – من وجدتموه يعتدي على عرض فتاة مؤمنة فاسحقوه، نعم اسحقوه.
22 – جموع المصلين بـ(لن نركع إلا لله).
23- هتاف جموع المصلين بـ( إصلاحكم كذب كذب، الشعب منكم قد تعب).
24- هتاف سماحة الشيخ وجموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة).
25- هتاف جموع المصلين بـ(هيهات منا الذلة.
26- الشغب حاضر، يستعمل أقسى الأساليب في مواجهة عشرين صبيا يخرجون في تظاهرة.
27- 90/ النحل.