خطبة الجمعة (464) 11 شهر رمضان 1432هـ – 12 أغسطس 2011م

 

مواضيع الخطبة:

الخطبة الأولى: الإسلام لا غيره – قول العقل في الدين

الخطبة الثانية: التوافق الوطني – لجنة التحقيق المستقلّة

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي لا غِنى عنه لِشيءٍ من خلقه، وكلُّ شيء إنّما قيامه برِفده، ولا انقطاع لمنِّه، ولا محدوديّةَ لكرمه، ولا شُحَّ في عطائه، ولا ضِيق في قُدرته، ولا مُنتهى لغناه، ولا مقصود في الحاجات سِواه.
أحمدُه حمداً لا يبلُغُه حمد، ولا ينالُه عدّ، حمداً ينالُ رضاه، ويُجزل العطاء به، ويَهَبُ الكرامةَ بسببه، ويُقرِّبُ أهلَ توفيقه إليه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمَّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أُوصيكم عباد الله المتطلِّعين إلى رحمته، ونفسي المفتقِرةَ إلى غفرانه بتقواه، والمسابَقَةِ إلى رضوانه؛ فما فَقَدَ الخيرَ أبداً من رضي الله عنه، وما خَرَجَ من الشرّ من سخِط عليه. واللهُ الجميلُ لا يرضى إلاّ عن جميل، ولا يَسخطُ إلا على سوء أو قبيحةٍ. فَلْنَصُن النفسَ عما تقبُحُ به في عين الله سبحانه، ولنطلب لها أن تكون النزيهة الجميلة عنده فذلك حقّاً هو السّموّ، والطّهر، وهو الجمال، والكمال.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرَّحيم.
اللهم بلطفك طهِّرنا من الأقذار، ونزِّهنا من الآثام، وارفع أقدارنا عن الدَّنايا، واجعلنا ممن تزكَّى فزكّيتَه، وتقرّب إليك فقرّبته، وتاب إليك فقبِلته، وأناب إليك فرحمته، وأكرمته، يا أكرم الأكرمين، ويا أجود الأجودين يا رحمان يا رؤوف، يا رحيم.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى حديث تحت عنوان:

الإسلام لا غيره:
أولاً: لا دين بلا عقل:
ما أبعد الدّينَ عن الهوى، وما أشدَّ حاجتَه إلى أساسٍ من عقل، ودليل علمي لا مِراءَ فيه.
أمرُ الدّين لا يقبل الهزْل، وهو قضية ترتبط بها قيمة العُمر، ومسار الحياة، ومصير الإنسان.
وقد يخسر الإنسانُ حياته ومصيره بخطئه في اختيار الدّين، ورُبَّ دينٍ خطأٍ أساءَ للحياة، وأشقى الإنسان، وأربك أوضاع المجتمعات، وجعلها فُوضى إنْ كان لها أول لا يكون لها آخر إلا بنهايته.
أمَّا مَنْ أصاب في اختيار الدّين، وكان دينه الدّين الحقَّ فقد ربِح الحياة، وما بعد الممات، وشارك وجودُه في صناعة مجتمعٍ آمنٍ متقدّم ناجح.
الدّين مسألةٌ أساس في بناء الفرد الصالح، والمجتمع الصّالح، أو من هو على خلافهما، فإن كان حقّاً أنتجَ صلاحَ الفرد والمجتمع، وإن كان غير ذلك كان مبعثَ فسادٍ، وشرّ عظيم.
ومن أساءَ فهمَ الدِّين الحقِّ ساءَ صُنْعُ الدّين على يديه، وكان من وسائل الفساد والخراب. وقد شهدت الدّنيا سابقاً، وتشهد اليوم مآسي وفجائع وظُلامات تُرتكب باسم الدّين على يدِ من أساء فهمَه، فأساء إليه كثيراً.
وإذا كان الدّين بكلّ هذه الأهميَّة، وله الأثر البالغ الصّالح أو السّيء على أوضاع الحياة والإنسان في دنياه، وآخرته، وكان لابدّ من دين لحاجته الفطرية خَطُرَ جدّاً أن تُتلقّى صورة الدين عن طريق الوراثة والتقليد ومجاراة الأعراف استجابةً للنظرة السّطحيّة، والعواطف البلهاء، بعيداً عن التّدقيق الفكريّ، والنّظرة العقليّة الحرَّة العادلة.

قول العقل في الدين:

خيار الدين لا يكون بلا عقل إذ لا رُشد في خيار لا يدعمه العقل، ولا يُؤدّي إليه نظره الدّقيق، ولا تحتضنه الفطرة الصافية.
والعقل لا يضع الدين، ولا يهتدي لتفاصيله، ولا يملك إحاطةً تامّة بكلّ المصالح والمفاسد الواقعية للأفعال التي يعتمدها الدّين في وضع الأحكام وتنظيمها. ولكنّه قادر(1) على أن يدلّ الإنسان على مصدر الدين، ومن له أن يُشرِّع للحياة، ومن له حقّ الطّاعة على الإنسان، ويعلم بكلّ ما يصلحه ويفسده، وبكلّ دقائق الأنفس والكون والحياة.
العقل مدركٌ بكلّ وضوح أنَّ خالق الكون والحياة والإنسان هو وحده مَنْ له أن يُشرّع له، وأنَّ علمه وحده هو الذي يُغطّي حاجة التشريع بما تتطلبه من استيعاب تامّ، وإحاطة شاملة لكلّ ما عليه شؤون الخلق، وخصائص الموجودات، وعلاقات الأشياء، وما يتطلّبه صلاحُها، وما يجرّ إليها الفساد.
العقلُ لا يشير لغير الله خالقاً، ومُدبّراً، وربّاً في التكوين والتشريع، ولا يُعطي لمن سواه سبحانه الحقَّ الذاتي في الطّاعة المطلقة.
ولهذا يستثير القرآنُ الكريم منطِقَ العقل، وإنكارَه على من يبتغي ديناً لا يرجع فيه بالطّاعة والتسليم والانقياد لله، أو التلقّي منه سبحانه، ويقصد به غيره، ويعتمد فيه على من عداه.
{أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}(2).
ليس من خالقٍ إلا الله، ولا تدبير لشيء مما خَلَقَ من غيره، ولا قَدَرَ إلاَّ قدره، وليس من شيء في الكون كلِّه إلا وهو مستجيب لمشيئته، منقادٌ إليه في الأمر الذي يُحبّ ويكره، ومن لم يستسلم لأمره التّشريعيّ فهو مستسلمٌ لأمره التكوينيّ. ثمّ إنَّ مرجع كلّ نفس إليه، ولا ترجع بعد الموت إلى غيره مما اتخذته إلاهاً، ولا تقف في حسابها إلا بين يديه.
فهل لأحدٍ من بعد هذا أن يُنشئ ديناً، ويصدر أمراً ونهياً مستقِلاً عن الله، وأن تكون له طاعة وهو مملوك لا مالك، مقهور لا قاهر، فقير لا غني، معدوم لا وجود له إلاَّ بالله، ميِّت لا حياة له إلا بإحياء منه؟!
السؤال مطروح على العقل، والعقل لا يتردّد بفطرته عن الجزم بسخف الدَّعوى بثبوت هذا الحقِّ لغير الله عزّ وجلّ، وبِسُخف الاستجابة لدينٍ ليس من تنزيله، والطّاعة لأمرٍ ونهي مستقلّين ممن سواه.
وهل هذا الدين إلا ظلمٌ بيِّن، وتحكّم صِرْف، وسيادة بلا سبب؟!
وما هو دين الله الذي لا دين سِواه، ولا يقبل من أحد غيرَه؟
يجيب قوله تعالى:{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(3).
والإسلام دين السَّلام والاستسلام والتّسليم الكامل لله تبارك وتعالى بلا شائبة من شِرْك، ولا تردّد، وهو الدّين الواحد الذي تلقّاه الأنبياء عليهم السلام بمراحله المختلفة التي رُوعيَ فيها في جانبه التشريعي التطوّر في الأوضاع الحضارية وتعقيداتها في حركة المجتمع الإنساني على الأرض، مع ثبات العقيدة، والأُسس العامّة للتّشريع، وآمنوا به، وتناصروا على تبليغِه وتثبيته متعاونين متكاملين داعِماً بعضهم لبعض.
ويقول الخطاب القرآني الكريم للرَّسول صلَّى الله عليه وآله {قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا(4) وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}(5).
والإسلام الذي أخذ صيغتَه الكاملة، وصورتَه التامّة فيما تنزّل على خاتم الأنبياء محمد صلّى الله عليه وآله لا بديل عنه اليوم، ولا تَحُلّ محل صيغته النهائية صيغة أخرى، ولا قبول من الله سبحانه بما سواه، والأخذ بغير هذه الصّيغة من الدّين بعدما انتهى أمرُ الدّين إليها مخالِفٌ لله، مستكبر على وحيه، وهو في الآخرة من الخاسرين.
{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(6).
اللهم صلّ وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وجيراننا وأصحابنا ومن علّمنا علماً نافعاً في دين أو دنيا من المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرَّحيم.
اللهم اجعلنا مسلمين لك، راضين بدينك، متّبعين ملّتك، مقتدين برسلك وأوليائك، مجاهدين في سبيلك، نُحبّ ما أحببت، ونبغض ما أبغضت، ونسرع لما أمرت، وننتهي عمَّا نهيت فإنك رؤوف رحيم كريم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(7).

الخطبة الثانية

الحمد لله المطّلعِ على السّرائر، الخبيرِ بالضّمائر، العليمِ بما تُكِنُّ الصّدور، المحيط بما تنطوي عليه الدّهور، الذي لا يحجب عن علمه حاجب، ولا يغيب عنه غائب، ولا تختلط عليه الأصوات، ولا تشتبه الطّلِبات.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
عبادَ الله ألا فلنتّق الله؛ وما من ذي لُبٍّ وبصيرة يُقدم على معصية الله وهو مُفيق؛ وكيف يُقدم عبدٌ ذليلٌ فقيرٌ مملوكٌ بكلِّ ذرّة من ذرات وجوده، وفي كلّ أحواله وآنات حياته، ومبتدئه ومصيره على معصية مالكه الحقّ الذي لا يُشركه فيه شريك، ولا يُنقذه منه منقذ، ولا يحول شيءٌ بينه وبين ما يريد؟!(8).
ألا من اهتدى اتّقى، ومن اتّقى نجا، وقد خاب العاصون لله، وخسِر المبطلون.
اللهم أعذنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين من عمى البصائر، وموت القلوب، ومواقعة المعاصي، وغَشَيَان القبائح، واجعلنا من أهل الجدّ في طاعتك، والجهاد في سبيلك، والموفَّقين لمعرفتك، والخاصّة من أهل رحمتك، واغفر لنا ولهم ولوالدينا وأرحامنا ومَنْ عَزّ علينا يا رحيم يا كريم. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، وتب علينا جميعاً إنك أنت التوّاب الرَّحيم.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزّهراء الصّديقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الأئمة الهادين المعصومين؛ حججك في عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس ياربّ العالمين.
عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصراً عزيزاً مبيناً ثابتاً مقيماً.
أما بعد أيها الإخوة والأخوات الكرام فإلى هذا الحديث:

التوافق الوطني:

لو توافق النّاس كلّ النّاس على الباطل لكان في ذلك فساد الأرض وهلاكهم.
والتوافق على الشرِّ شرّ، ومن أكبر الشرّ. والتوافق المنقذ إنما هو توافق يقوم على الحقِّ والعدل ويلتزم بهما.
وأيُّ تعاون على الباطل باطل لا يُنتج إلا سوءاً وضرراً، وهو مضاعِف للمشكلات، معمِّق للمأساة.
ولو فُرِض أن حصل توافق وطني سلَّم فيه الطرف المظلوم بصحة ظلمه، وقبوله له لما كان ذلك كفيلاً باستقرار الأوضاع لأنه باطل، والباطل لا يقوم عليه بناء، ولا يصلح أساساً للحياة.
على أنَّ اتفاقاً وطنياً من هذا النوع أصبح في حكم المستحيل، والطّامع فيه طامع في ما لا يصح أن يحلم به على الإطلاق.
وإذا أُريد بالاتفاق الوطنيّ أن يكون وسيلةً دعائية بلا تحقّق خارجي فالأمر سهلٌ على الآلة الدّعائية الكاذبة، ولكن لا جدوى فيه، ولا يُغيّر شيئاً على الأرض، ولا يُبدِّل من واقع ما عليها، ولو امتلأت الآفاق زغردةً وتصفيقاً لهذا الاتفاق.
وإذا كان الهدف اتفاقاً مُنقِذاً قادراً على تهدئة الأوضاع، وخلق مناخٍ يسمح بحالة من الانسجام فلا بُدّ من تصحيحٍ شامل، وإصلاحٍ جذري، وعدلٍ ومساواة واعتراف بحقّ الشّعب في اختيار حكومته، ورسم مسار حياته، وسياسة بلده.

لجنة التحقيق المستقِلة:

نتمنّى لهذه الهيئة التحقيقية أن تكون مستقلّة، وأن تكون عادلة، وأن تقف إلى جنب المظلوم وضدّ الظالم.
وإذا انتهى دورها إلى لا شيء كان في ذلك إثارةٌ للمظلومين، وتأجيج للوضع المتأجِّج، وإذا جاء الإنتاج إعلاميّاً فإن الإعلام لم يعُد قادراً على التغرير بهذا الشّعب. وإذا أدَّت جهود هذه الهيئة إلى إنصاف بعض المظلومين وإيقاف شيء من التعدّيات السّافرة فهو شيء يُنظر إليه بما هو علاجٌ جزئيّ لشيء من ذيول الأزمة وتداعياتها.
أمَّا الأزمة فستبقى مقيمة ومتفاقمة ويُشفَق على هذا الوطن الحبيب منها ما لم تُسلِّم الحكومة بأنَّ وقت الإصلاح الحقيقي الشّامل الجدّي والسّماع إلى إرادة الشّعب في دستور بلاده، واختيار حكومته، واستقلال القضاء، والانتخاب العادل لمجلس نيابي مستقل كامل الصلاحيات قد حان، وأنَّه غير قابل للتأخير(9).
وعن إطلاق عددٍ من السّجناء فإن كلّ السجناء في الأحداث السّياسية من حقِّهم، ومن حقِّ الشعب، والوطن، والحريّة والكرامة، والحقِّ، والعدل أن يُخلَّى سبيلهم، ويتمتّعوا بحريتهم لأنهم ليسوا إلا طُلاّب حقٍّ، وعدلٍ، وحريةٍ، وكرامة، وعزّة شعب، وسلامة وطن.
ومع ذلك فإنَّه ولو خَلَت السّجون من كلّ نُزّالها الشرفاء، وبقي الوضع السياسي على ما هو عليه لما كان في ذلك شيءٌ من حلٍّ للأزمة ما لم يتمّ الإصلاح السياسي، وتتحقّق مطالب الشّعب العادلة، وما كان في ذلك نهاية لمسلسل الاعتقالات والمتاعب المتواصلة، وإرجافات الوطن، وإعصاراته المدمِّرة.
وما أشدّ فضيحة السّياسة في البحرين، وما أقساها من سياسة على هذا الوطن، وقد فرَّغت عدداً من الاختصاصات الطبية من متخصّصيها وخبرائها بقرار انفعالي، وروح طائفية عِدائية، لِتُعطّل مصالح وضرورات المواطنين الصحية الملِحّة.
إنها فضيحة، وعار، وإجراء شاذّ مُخزٍ لم يشهده بلد آخر تجاوزت الاحتجاجات فيه والثورة أضعاف ما شهدته البحرين.
أظنُّ أن هذا العار سيسجل في تاريخ السياسة ليبقى مُخزياً لمدة قرون.
آلَ الأمرُ أن يُنتظر بالحالة الصحية الحرجة المهدَّدة بالوفاة أن تتأتى الظروف لمختصٍّ من الخارج يسعه من ناحية زمنية تدارك الأمر أو لا يسعه بينما الكفاءات المحلية معزولة ومعطّلة ومحاربة ومعاقبة لا لجرم وإنما للالتزام بواجبها الإسلامي والوطني ووفائها لشرف المهنة، وأخذها على نفسها أن تدفع غائلة الموت ما أمكن عن مصابين سقطوا بالسلاح الرسمي الأمين والشجاع والمخلص عقاباً على المطالبة بالحقوق.
وكلمة أخيرة في هذا المقام أنَّه لا عدالة، ولا إنسانية، ولا صدق للسياسة، ولا سبيل للاستقرار وواحدٌ من الأطباء والممرِّضين وغيرهم من المفصولين خارج عمله، وواحدٌ من الطلاب المحرومين من دراستهم على حرمانه، أو سجينٌ من سجناء الأحداث الأخيرة وما قبلها في سجنه ومعتقله.
على أنَّ الحلَّ إنما هو في الإصلاح الشّامل، والأساس فيه الإصلاح السياسي أولاً وبالذّات.
ولا إصلاح للسياسة بلا دستور متفق عليه، ودوائر انتخابية عادلة، ومجلس نيابي كامل الصلاحيات تُنتجه انتخابات نزيهة مضمونة النزاهة، وحكومة منتخبة، وقضاء مستقل، وإنهاء للتجنيس، ولكل مظاهر التمييز والتفرقة الإضرارية الظالمة.
اللهم صلّ وسلّم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وأرحامنا، وقرابتنا، وأزواجنا، ومن شملته عنايتنا، ولكل من أحسن إلينا من مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل كلمة الحقّ هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى، وانصر من نصر الدّين، واخذل من خذل الدّين، وأحلل غضبك بالقوم الكافرين والظالمين.
اللهم ارحم شهداءنا وشهداء الإسلام في كلِّ مكانٍ وزمان، وارحم الموتى المؤمنين والمؤمنات، واشف المظلومين من الجرحى والمعلولين، وفُكَّ أسرانا، ورد غرباءنا في خير وعافية وكرامة برحمتك يا أرحم الراحمين.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (10).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- أي العقل.
2- 83/ آل عمران.
3- 85/ آل عمران.
4- الخطاب ليقول الرسول عن نفسه وعن أمّته آمنّا. الأمة التي آمنت بالرسول صلّى الله عليه وآله هي مؤمنة بما أُنزل على الرسول وما أُنزل على الرسل جميعاً.
5- 84/ آل عمران.
6- 85/ آل عمران.
7- سورة التوحيد.
8- لابُد أن نكون في سُبات في اللحظة التي أعصي فيها الله عز وجلّ. وأيُّ ضمير، وأي عقل، وأي مصلحة تسمح بأن يُعصى الله من عبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا يملك أحد أن يحول بينه وبين ما يريد الله به من خير أو شر؟!!
9- هتاف جموع المصلين بـ(لن نركع إلا الله).
10- 90/ النحل.

 

زر الذهاب إلى الأعلى