المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة عيد الأضحى المبارك 10 ذو الحجة 1426هـ – 10 يناير 2006م

خطبة عيد الأضحى المبارك 10 ذو الحجة 1426هـ – 10 يناير 2006م

مواضيع الخطبة:

 

حديث في العيب + ولاء الله + السجناء ثالثة

 لا يختلف مسلمان يؤمنان بالله ورسوله، بل وكل من آمن بالله خالقاً ورازقاً وربّاً لا إله غيره في حقّ الولاء لله سبحانه، وأن أي ولاء لابد أن يكون نابعاً منه، وتابعاً له، ومنسجماً معه.

الخطبة الأولى

الحمد لله والحمد حقُّه حمداً كثيراً فوق كل حمد لا يناله عدٌّ، ولا يحدُّه حدٌّ. هو الله الحنّان المنّان ذو الجلال والإكرام، والفضل والإحسان.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الأمَّارة بالسوء بتقوى الله والخضوع لعظمته، وترك الاستكبار في بريّته، فما استكبر مستكبر من الخلق إلا ليتّضع، وما تجاوز متجاوز حدّ العبودية لله عزّ وجل إلا ليذُل، وكيف يستكبر من كان وجوده وحياته، ونفعه وضرُّه ليس بيده، ولا يدري من أين يأتيه حتفه، ومتى توافيه منيّته، ويُنادى به ليفارق هذه الحياة مُرغماً، ويُوارى في حفرته مفرداً مستسلماً؟!
اللهم صل وسلِّم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وألبسنا لباس الذُّل بين يديك، وارزقنا التضرّع إليك، والتواضع في عبادك، والعزّة بك، واكفنا الغرور، ولا تبتلنا بالكبر، وزيّنا بالحلم والنُّهى، واعمر قلوبنا بالإيمان والتقوى يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فهذا حديث تحت عنوان العيب:
والعيب ثلمة للشرف والخلق والدين، وما ينبغي لإنسان أن يترك ثلمة في شخصيته، وشرفه، وكرامته، ودينه.
فإنا لا نصبر على عيب في أشيائنا، فكيف لنا أن نصبر على العيب في أنفسنا وداخلنا!!
وأسأل: هل أنا كما أُحب؟
إذا كنتُ كما أُحب فلا بد أن أكون الأكثر علما، والأشدّ حلما، والأنقى قلبا، والأصبر على المحن، والأقوى في الحق، والأرضى خُلُقاً، والأقرب إلى الله. لكن أنا كذلك؟! قطعاً لا. إذاً فيّ عيبٌ وأكثر من عيب.
لو طرح أحدنا هذا السؤال على نفسه: هل أنا كما أحب؟ لوجد نفسه أنه ليس كما يحب، وأنَّ مردَّ ذلك إلى أن شخصيته تعاني من العيوب.
هل أرى نقصي وعيبي؟
في الكثير الكثير أني لا أرى نقصي وعيبي، ومن العيب الشديد أن أكتشف عيوب الآخرين وأن لا أكتشف عيب نفسي. إن كنتُ لا أرى عيبي فهذا هو العمى الشديد، وإن كنتُ أراه ولا أُغيّر فهذا هو العجز القبيح، والإهمال الذي لا يليق بعاقل أبداً.
ألا نعلم بأن كل التربية وكل الدين من أجل تصحيح النفس، والتخلّص من العيوب والمساوئ، واكتساب المحاسن؟! فإلى أي حدٍّ أنا متديّن؟! سؤال: إلى أي حد أنا متدين؟ يساوي سؤالاً آخر: إلى أي حدٍّ صار تخلّصي من العيوب؟ بمقدار ما يتخلّص أحدنا من عيوبه فهو متديّن. وبمقدار ما يكون أحدنا متديّنا يكون قد تخلّص من عيوبه. فإن الدين لتكميل النفس، وتخليصها من نواقصها وعوائقها.
الدين للدفع بذات الإنسان إلى الأمام في اتجاه الله تبارك وتعالى وهو الكامل المطلق.
والأطرح سؤالاً آخر على نفسي: ما الفرق بيني وأنا في هذا العمر، وبيني وأنا في عمر الأربعين؟
إن لم يكن فرق فأنا واقف، جامد، حجر، ومعنى ذلك أن أكثر من عشرين سنة قد مرّت لي وأنا لست حيّاً، قد مرّت بي وعقلي مُغيّب، قد مرّت بي وضميري في سُبات، ورؤيتي محجوبة عن الله وعن نفسي وعن الآخرة.
وإن كنتُ قد تراجعتُ عما كنت عليه في سن الأربعين فهي الكارثة، وهي الحياة الملعونة. كان علي أن أقطع شوطا كبيرا في اتجاه الكمال، في الفارق الزمني بين الأربعين وبين ما أنا عليه الآن من سن. فإن لم أفعل فأنا ساقط السقوط الحقيقي، حياتي فاشلة الفشل الحقيقي.
وما لي أتكلّف النظر في عيوب الناس، وأنا المكلّف بالنظر في عيب نفسي؟! ما لي أحرص على كمالكم ولا أحرص على كمال نفسي؟! أنا مسؤول عن نفسي قبل أن أُسأل عن أي إنسان آخر حتى أهلي، وأخي وولدي.
أليس من السفه، أليس من الجنون أن أطمح أن يصبح الآخرون قريبين لله، مستحقّين لجنّته، وأن لا أكترث في مستوى نفسي، وفي شأني الخاص؟!
شأني الخاص الذي لا شأن لي ولا قيمة لي ولا وزنا حين أكون فيه فاشلا وهو شأن ديني وشأن كمالي.
هل أنتظر أحداً يُصلحني، يضعني على الطريق؟ يأخذ بيدي إلى الله، ويكون هو أحرص مني على نفسي؟ وعلى مصيري؟ هل ينتظر أحدنا من هو أحرص عليه من نفسه، وأشفق عليه منها حتى ينقذه من النار؟! ألستُ أولى بنفسي؟ ألست المسؤول الأول عن إنقاذ نفسي من النار؟!
وإصلاحي لنفسي أيها الأخوة والأخوات الكرام محتاج دائماً إلى معرفتي بها. من لم يكتشف عيب نفسه فكيف يصلحها؟!
من لم يسبر داخله، ويحاول أن يتفحّص ضميره، وقلبه، ونفسه كيف يتوصل إلى معايبها؟
وتبقى العيوب دهرا طويلا وكل الحياة عند صاحبها ما لم يكتشفها ويتحرك في اتجاه إصلاحها.
والآن مع مختارات قليلة من نصوص الهادين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين:
“أنفع الأشياء بالمرء تركه الناس إلى عيب نفسه” لا تنتظر من الآخرين أن يكتشفوا عيبك، ونتيجة ذلك أن تسقط في أعينهم.
كن سريعاً في اكتشاف ذاتك، والتعرّف على عيوبك لإصلاح هذه العيوب، لتكون الجميل عند الله، ثم عند الناس. والمهم أن تكون الجميل عند الجميل الحق المطلق الله تبارك وتعالى.
أليس اكتشافنا لعيوب أنفسنا أولى من اهتمامنا باكتشاف عيوب سيارتنا وبيتنا وثوبنا؟! كم يؤذيني أن أكتشف الآن عيباً في ثوبي الذي ألبسه أمامكم، وكم يسوءني لو اكتشفتُ قذارة في وجهي الذي أقابلكم به. إن هذه العيوب خارجية، وما أسرع أن تُزال، ولكن العيوب الأخطر والأكثر فتكاً هي عيوب الداخل، وهي أمكن في النفس، وألصق بها، وهي نافذتها على النار، ماذا تساوي قذارة الثوب من قذارة النفس؟! ماذا تساوي قذارة البدن يزيلها صابون من قذارة النفس التي لا تزيلها إلا المجاهدة والمثابرة. ماذا تساوي قذارة ثوب أستطيع أن ألقيه عني، وأستغني عنه تماماً من قذارة نفسي التي لا أستطيع التنازل عنها؟
“إذا رأيتم العبد متفقدا لذنوب الناس ناسياً لذنوبه فاعلموا أنه قد مُكر به” قد وُضع على غير طريق صلاحه، على غير طريق سعادته، والله تبارك وتعالى لا يضع عبدا من عباده على غير طريق صلاحه وسعادته ظلماً، ولا ابتداءا إنما يأتي ذلك إذا أساء، وبعد تمرّد طويل، واستكبار كثير، وإدبار عن ربه الكريم(1).
“يا عبد الله لا تعجل في عيب أحد بذنبه فلعلّه مغفور له، ولا تأمن على نفسك صغير معصية فلعلّك معذب عليه”(2).
“لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب، وانظروا في عيوبكم كهيئة العبيد”، “لاتتبعن عيوب الناس فإن لك من عيوبك إن عقلت ما يشغلك من أن تعيب أحداً”.
“ثلاث من كن فيه أو واحدة منهن كان في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل لم يُعب أخاه المؤمن بعيب حتى ينفي ذلك العيب عن نفسه، فإنه لا ينتفي منه عيب إلا بدا له عيب…”.
دعونا نتعرف على هذه الثلاث التي تكفي واحدة منها أن نكتسب ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله، ماهذه الثلاث؟
أنا إذا نظرت إلى عيب نفسي قبل عيب غيري، وأوقفت جهدي على التخلّص من عيب نفسي فإني لن أعيب أحدا أبدا. لماذا؟ لأني لن أكتشف عيبا من عيوب نفسي، وأنجح في معالجته إلا وقد اكتشفت عيباً آخر. وذلك يشغلني عن النظر في عيوب غيري، وإعابتهم عليها.
أنا لا أرى عيوب نفسي لأنني لا أنظر فيها، وكلما اشتدّ عمى بصيرة الإنسان كلما تراءى له أنه خال من العيوب وأنه كامل. إن الذين يتعرفون على عيوب أنفسهم هم أهل البصيرة، وهم الأقرب إلى الكمال، فكلما قرب الإنسان إلى الكمال كلما شفّت بصيرته، ودقّ نظره، ورهف حسه فاكتشف القليل من العيب في نفسه.
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا وجيراننا وأصدقائنا ومعلمينا علما ينفعنا في ديننا ودنياناً، ومن أحسن إلينا إحسانا خاصا من مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة.
يا من لا يكشف السوء إلا هو، ولا يوجد الخير إلا من عنده، ولا لجأ إلا إليه، ولا حامي من دونه، اكشف السوء عنّا وعن عبادك المؤمنين في كل مكان، وفي العراق الممتحن، وهب لنا خيراً يسد نقصنا، ويجبر كسرنا، ويذهب حزننا، ويؤمن خوفنا، واحمنا من كل محذور يا قوي يا عزيز، يا علي يا قدير، يا فعّالاً لما تريد، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ (4) }

الخطبة الثانية

الحمد لله الحيّ الذي لا يموت، المالك غير المملوك، الرازق غير المرزوق، الوارث الذي لا يُورث، الغالب الذي لا يُغلب، القاهر الذي لا يُقهر، الملك الذي لا يجور.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الغافلة بتقوى الله فنعم أجرُ المتقين {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }(3).
فتقوى النفس تقيها النّار، وتُعِدُّها للجنّة والرضوان حيث تُنزّهها عن السيئات، وتُزينها بالحسنات، وما أجمل النفس تصنعها التقوى وتُكمِّلها في ضوء الأسماء الحسنى للخالق العظيم!! وما أقبح النفس تنسى ربَّها، ويختلي بها الشيطان لتخسر هداها، ويستحكم فيها الشر والفساد!!
والتقيُّ لا تُنسيه دنياه آخرتَه، ولا يغيب عنه لقاءُ ربِّه فيأتي صالحاً، ويفعل جميلاً، ويبرأ من القبيح.
أعذنا ربّنا من الفسق والفجور، واجعلنا من أهل الطاعة والتقوى الآخذين بهدى دينك، المقتدين برسولك، والأئمة المعصومين من آله أوليائك وورثة أنبيائك. اللهم اغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات يا كريم يا رحيم.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين، الصادق الأمين، رحمة الله للعالمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة.
وعلى الأئمة الهادين المعصومين: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد وعجل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقربين، وأيّده بروح القدس يا رب العالمين.
عبدك وابن عبديك الموالي له، المجاهد في سبيلك، الممهد لدولة الحق على يد وليك صلوات الله وسلامه عليه، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفقهم لمراضيك وسدد خطاهم على طريقك.
أما بعد أيها الكرام من المؤمنين والمؤمنات فإلى هذا الحديث(4):
الولاء لله:
1) الولاء المُتحدَّث عنه هنا بمعنى الحب والطاعة والنصرة والإخلاص. إذا أُطلقت كلمة الولاء في هذا الحديث فهي تعني هذا المعنى.
2) لا يختلف مسلمان يؤمنان بالله ورسوله، بل وكل من آمن بالله خالقاً ورازقاً وربّاً لا إله غيره في حقّ الولاء لله سبحانه، وأن أي ولاء لابد أن يكون نابعاً منه، وتابعاً له، ومنسجماً معه.
فلله الحب المطلق، والطاعة غير المشروطة، ولدينه الإخلاص والنصرة من غير قيد أبداً.
3) والله عزّ وجل كمالٌ بلا نقص، وحق بلا باطل، وخير بلا شرّ، فيترشّح من ولائه الولاء لكل كمالٍ، ولكل حقٍّ، ولكل خير بمقدار ما هو كذلك، وكذلك الولاء لأولياء الله لما هم عليه من حظوظ عالية وإن كانت متفاوتة – من كمال رفيع، وحقٍّ حقيق، وخير كثير، وإن كان محدوداً – تحلّوا به عن طريق عبوديتهم وطاعتهم لله، ومن عطائه، ولأن دعوتهم إليه، وولاءهم من ولائه، ويقرِّب إليه، وفيه مرضاته.
4) ومن صِدْق الولاء لله البراءة من أعدائه وأعداء أوليائه وهي براءة من النقص(5) والباطل والشرّ، ومُحال أن يجتمع ولاء الله وولاء عدوّه، وكذلك ولاء أوليائه وولاء أعدائهم. فلا تَوَافق في النفس بين ولاء إبراهيم عليه السلام وولاء نمرود(6)، ولا بين ولاء موسى عليه السلام وفرعون، ولا بين ولاء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، وولاء أبي جهل وأبي لهب وأمثالهما من الأوّلين والآخرين.
5) فولاء المسلم واضح لا غبار عليه، وبراءته كذلك. فهو يوالي الكمال والحق والخير في نفسه وفي الآخرين، ويتبرأ من خلاف ذلك في نفسه وفي الآخرين(7)، وينظر في كل ولاءاته أن تكون منسجمة مع ولائه لله، أمَّا ما كان مضاداً لولائه عزّ وجل فلا يدخل فيه المسلم ولا يحبّه ولا يعطي له طاعة، وليست له عنده نصرة، بل هي القطيعة والبراءة والبغضاء والعداوة.
المسلم يُحب مما عليه نفسُه خيرها(8)، ويبغض شرها، ويعيب عليها هذا الشر، ويدخل معها في خصومة من أجله، ويلومها ويؤنّبها، ويقسو عليها كلما أصرّت على ذنبها حتّى تُقلِع، وهو يعوذُ بربّه من نفسه الأمّارة بالسوء، ويشكو إليه أمرها، ويستنجد به من أذاها.
وهو لا يحب من أهله وأبيه وأشقائه وبنيه كل ما يأتون، وكل ما يُضمرون، وإنما يحب منهم الخير والحق والهدى، ويبغض منهم الشر والباطل والضلال(9). ويقف معهم موقف النصرة في الحق، ويخذلهم، أو يكون عليهم في الباطل. نعم هكذا علّمنا الإسلام أن نكون على أبينا، أن نكون على ولدنا، أن نكون على أخينا في باطله؛ ليس أن نخذله فقط، وإنما علينا أن نحارب فيه ذلك الباطل ما أمكن.
وهو كذلك في حبّه وبغضه، وخذلانه ومعاداته مع عشيرته وقومه ووطنه. فيحب لكل أولئك الخير ويحبه منهم كما يحبّه لنفسه ومنها، ويبغض لهم الشر ويبغضه منهم، كما يبغضه لنفسه ومنها.
لا يستوي عنده من نفسه، أو من غيره أيّاً كان باطل وحق، وهدى وضلال، وظلم وعدل، وسفه وحكمة، وكفر وإيمان، وفجور وتقوى.
والمسلم في مواجهته الجهل، والانحراف، والضلال، والظلم، والفجور، والفسوق في نفسه وفي غيره بالبغض والعداوة ومحاولة التغيير بما يرضي الله مخلصٌ، مصلح، منقذ لنفسه، ولغيره مما هو عليه من طريق السقوط، والهلاك، والخسارة.
المسلم له من إسلامه منطلق واضح ثابت في قضية الولاء والبراءة، ومقياس جليّ لا غبار عليه، ولا يعتريه ريب فكلما كان ولاءُ أحد أو شيء من ولاء الله، وعلى خط طاعته ومرضاته أخذ به أخذه بصلاته وصيامه الواجبين، ومن الولاء ما زاد على ذلك لكونه الأساس في الأخذ بالصلاة والصيام المقبولين. الولاء لأهل البيت عليهم السلام يرتفع في مستواه إلى المستوى الذي يزيد على أهمية الصلاة والصوم لأن حفظ الصوم والصلاة والدّين بولاية أهل البيت عليهم السلام. ومكانتهم هذه لأنهم صلّوا لله، لأنهم خضعوا لله، لأنهم عبدوا الله. إننا نتلقّى صلاة لا غبار عليها، صوماً لا غبار عليه، حجاً لا غبار عليه، دينا لا غبار عليه، حين نتلقى ذلك عن طريق أهل البيت عليهم السلام.
وكلما كان الولاء منفصلاً عن الولاء لله، مخالفاً له، خارجاً عن طاعته لم يكن للمسلم ولاءً، وبرئ منه، وبعُدَ عنه بمسافات. هذا وعي لا بد للمسلم أن يمسك به، ولا يتخلى عنه على الإطلاق.
وفي أوطاننا الإسلامية وهي محبوبة لنا، عزيزة علينا عدل وظلم، وعدلها محبوب، وظلمها مبغوض، وأهل خير وشر، وأهل الخير محبوبون، وأهل الشر مبغوضون، وأوضاع صحيحة وأوضاع منحرفة، والأوضاع الصحيحة مؤيَّدة، والأوضاع المنحرفة معارضة، ويجب التأكيد على حاجتها للتصحيح. ومن رضي لوطنه الظلم، أو سعى بالظلم فيه، فهو مبغض له، معاد لمصلحته، مناهض لسعادة أبنائه. ومن أفسد وقتل بغير حق، أو أغرق الأرض بالفحشاء والسوء، أو نهب لقمة الآخرين، وسبَّب لحياتهم العذاب؛ فلا يمكن أن يُعدَّ مخلصاً لوطنه.
والمسلم يحب من يحبه وما يحبه الله، وإن كان في البلد القصيّ(10)، ويبغض من يبغضه، وما يبغضه الله وإن كان في بيته فضلاً عن وطنه.
وليس حبُّ الوطن أن تحب منه الخير والشر، والجميل والقبيح، والظلم والعدل بلا فرق.
حب الوطن أن تريد له أن يكون سبّاقاً في الدين الحق والخير والعدل والجدِّ في الصلاح وفي كل فضيلة، وأن يكون المتقدم في العلم والإنتاج، وأن تسعى لأمنه وخيره وصلاحه، وإقامة موازين الحق فيه.
السجناء ثالثة:
نعود لقضية الشباب السجناء المعتقلين والملاحقين للمرة الثالثة لأهميّة الموضوع وإن كانت الموضوعات المهمّة تملأ ساحتنا.
وقد كان لي في القضية نداءان من باب النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين، وحرصاً على سلامة الوطن العزيز وأمنه واستقراره: نداء بإطلاق المعتقلين وعدم ملاحقة الملاحقين، ونداء بتوقف المظاهرات التي كانت جارية بشأن القضية، والآن لا مظاهرات لهذا الوجه فبقي أن تتعاون الحكومة مع الشعب، وتُظهر حسن نية في الموضوع، وتنهي القضية التي ابتدأ الخطأ فيها من عندها بسلامٍ تنقيةً للأجواء، ونأياً بالوطن عن الاحتقانات والتوترات، وأن يأخذ الجميع باللغة التي تقطع الطريق على العُنف، وتمنع من تدهور الحالة الأمنية، ومُجمل الأوضاع، وتعزز الثقة، وتبني جسور التلاقي.
وإن أبلغ لغةٍ على طريق بناء الثقة، وقطع دابر السوء، واستقرار الأمن هي لغة الإصلاح العملي، والمشاريع البنّاءة، والاستجابة للحقوق المنقوصة، والتوقف عن المشاريع والقوانين الحكوميّة المستثيرة والمتحدية. يقابل ذلك إذا تحقَّق بتقدير إيجابي، وبالأخذ بالأساليب السياسية السلمية في المطالبة بتدارك السلبيات، وتصحيح الأوضاع مما لم يصحَّح.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولكل من هو عزيز علينا، ولكل صاحب حق علينا.
اللهم أحينا مسلمين، وتوفّنا مسلمين، واكشف كربنا، وأذهب همنا وغمنا، وأتمم نعمك علينا، ولا تعاملنا بعدلك، واعف عنا بعفوك، وزيّنا بعافيتك ياخير المسؤولين ويا خير المعطين يا الله ياكريم يارحيم.
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – ومن باب كون الجزاء من جنس العمل، وانسجام النتيجة مع طبيعة المقدمات، وعن طريق الإمهال، وإغداق النعم.
2 – يلفت الحديث النظر إلى أحد موجبات الكفّ عن إعابة الغير، وتعييره بذنبه، وصبّ الاهتمام على إصلاح عيب النفس؛ ذلك أننا نحتمل دائماً أن قد أتى ذلك الغير ما استحق به غفران ذنبه، وأن الله ناله أو قد يناله بمغفرته. أما ذنبنا الذي نعلمه وإن صغر فيجب أن نتخلص منه، وأن يزعجنا لاحتمال أن نعذَّب به.
3 – 41 – 43/ المرسلات.
4 – وقبل الحديث أُنبّه على التمسّك بسُنة مهمّة من سنن الإسلام ألا وهي الأُضحية، وينبغي لكل قادر أن يُضحّي عن نفسه، وعن من لم يضحّي من أهله. والحديث فيما أتذكر يقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما مضمونه:”إنه من كان يضحي عن نفسه بما أحسن بما يُضحّى به، وكان يضحي عن من لم يضحّ من أهله” وربما جاء النقل أنه كان يضحّي عمن لم يضح عن من أمَّته. فاحرصوا على الأُضحية وعند عدم الاستطاعة يمكن للإثنين والثلاثة أن يشتركوا في الأضحية الواحدة، وكلما رغب الإنسان في الثواب كان ذلك خيرا له.
5 – ما معنى البراءة من أعداء الله؟ ما معنى الولاء لأولياء الله؟ الولاء لأولياء الله ولاءٌ للكمال، للحق، للخير. والبراءة من أعداء الله هي براءة من السقوط، من النقص، من الباطل، من الشر.
6 – أنت حين توالي إبراهيم عليه السلام لا تستطيع أن توالي النمرود وهو على الخط الآخر.
7 – لا تلم المسلم أن عادى الشر في غيره لأنه يعاديه في نفسه، لا تلم المسلم أن عادى الكفر في غيره لأنه يعاديه في نفسه.
8 – أنت ماذا تحبّ من نفسك؟ تحب من نفسك العلم، تحب من نفسك الإيمان، تحب من نفسك الهدى، الاستقامة، الخلق الكريم.
9 – فكيف يطالبني ظالم في شرق الأرض أو غربها بأن أواليه؟! أنا أعادي الظلم في نفسي، أعادي الظلم في أهلي، أعادي الظلم في ولدي فكيف أصادق الظلم، وكيف أحبّه فيمن يقسو على كل الشعوب، أو يقسو على شعبه؟!
10 – أعطني شخصاً يسعى للخير والفضيلة والإصلاح في الناس وبالهدى في أمريكا، في روسيا، في الصين فسيكون هذا الشخص عندي محبوباً. وشخص في بيتي سيكون مبغوضاً إذا كان معادياًً لله، مؤذياًً للناس، ساعياً في الأرض بالفساد والشرِّ.