الحديث القرآني (الليلة الرابعة) – 13 رمضان 1446هـ 

*نص الحديث القرآني لسماحة آية الله قاسم في المجلس القرآني الذي يقيمه بمجلسه خلال ليالي شهر رمضان المبارك – المحاضرة الرابعة (قم المقدسة / 13 رمضان 1446هـ): 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمدُ لله ربِّ العالمين 

الصلاة والسلام على حبيب قلوبنا النبي الكريم وآله الطيبين الطاهرين 

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد 

 

السلام عليكم أيُّها الأخوة الكرام ورحمة الله وبركاته 

 

مرّت كلمة في بدايات الحديث هي كلمة (وَلَه)، وذكرتها ولم أقف عندها غفلةً. 

(وَلَه) استبدلت فيها الواو إلى همزة، فصارت (إله)، من أين تأتي كلمة إله؟ 

عندنا فعل هو فعل “لاه”، وهو بمعنى احتجب، تقول احتجبت الفتاة في خدرها، “لاهت الفتاة في خدرها”. 

فالإله بمعنى المحتجب، فأطلق على الله تبارك وتعالى لفظ الإله ومن وجوه هذا الإطلاق هو كونه محتجبٌ عن خلقه، احتجاب تحجبه أنوار قدسه وجلاله وعظمته وكبريائه وعزّته، تقصر العقول وتقصر الأوهام ويقصر الخيال عن أن يدرك كنهه، هو ظاهر وهو باطن. 

 

الآية الكريمة تقول (لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَٰرَ) – الأنعام / الآية 103. 

ما من شيءٍ إلا ويدركه تبارك وتعالى، وما من شيءٍ يدركه، ولكن مع عدم إدراك العقول له، وقصورها عن نيل معرفة كنهه وحقيقته، لا ينكره عقل، ولا ينكره قلب، هو أعرف معروف، ومصدر المعرفة لكلّ ما عداه مما هو معروف، لا يُعرف شيءٌ إلا به، ولكن مع ذلك كنهه لا يُعرف، حقيقته لا يُعرف، وجوده ومعرفة كماله بشكل إجمالي، هذا لا ريب فيه، ولا يعتري عاقلاً شكاً فيه، لكن يبقى أنّ ذاته لا يمكن أن تُدرك، حقيقتها لا يمكن أن تُدرك، حقيقة أيّ صفةٍ من صفاته الذاتية لا يمكن أن تُدرك، ولذلك هو إله، أي محتجب عن عباده، أكبر العقول لا تصل إليه، ليس فوق عقل عقول الأنبياء، وعلى رأسهم الرسول الأعظم “صلى الله عليه وآله”، إلا أنه لا يمكن لأحدٍ أن يدّعي أن رسول الله يدرك كنه الله، جبرئيل ومن هو في رتبته في الملائكة لا يدرك كنه الله تبارك وتعالى، اليقين يعمر قلب رسول الله “صلى الله عليه وآله” بوجود الله وكماله، لكن لا عقل ولا قلب يُدرك كنه الله وحقيقته. هذا لابد أن نتذكره. 

 

الآية تقول (هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلْبَاطِن) – الحديد / الآية 3.

الأوّل ومنه كلّ موجود، الموجود قبل كلّ موجود، وسرّ كلّ موجود، الموجود الأزلي الدائم السرمدي الذي لا بداية لوجوده تبارك وتعالى. 

هو الأول، الآخر، كلّ شيءٍ هالك إلا وجهه. وهو الظاهر والباطن، ظاهر نراه من خلال رؤية النملة، نرى شيئاً من قدرته، من حكمته، من دقّة صنعه، من النظام الذي ساد به هذا الكون كلّه، أيّ الله عزَّ وجلّ جعل النظام يسود الكون كلّه، من صغيره إلى كبيره، إلى آخره. 

فهو الظاهر، (عميت عينٌ لا تراك)، فرؤية الله عزَّ وجلّ تفرض نفسها، يعني رؤية وجوده، رؤية أنه القدير، الخالق، هذه الرؤية يشهد بها أو يعطيها كلّ شيء، ونحن لا نرى الله بموجوداته، وإنما نرى موجودات الله به، أنت ترى هذه الشجرة بمن؟ بموجدها، يعني ماذا دلّك على الشجرة؟ وجودها. ووجودها من أين؟ من الله تبارك وتعالى، فالشجرة مدلولٌ عليها من الله، الحجر مدلولٌ عليه من الله، البشر وكلّ شيءٍ مدلولٌ عليه من الله، حيث أنّ الله أوجد هذه الأشياء كلّها، ولو لم توجد لم نعرفها، لم نرها، تكون من الغيب الذي لا نعرفه أساساً، فهذا المنزل، هذا الثوب، هذا القلم، هذه الآلة، كلّها نراها، ولكن نراها برؤيةٍ من الله، بإراءةمن الله، ما هذه الإراءة؟ هذه الإرادة هي إيجاد هذه الأشياء ثم إعطاءنا العقل الذي يدركها، فنحن لا نرى شيئاً إلا بإراءةٍ من الله، فهو الدالّ على كلّ شيء، وإذا دلّ شيءٌ على الله ففي هذه الدلالة من دلالة الله على نفسه (هو الذي دلّ على ذاته بذاته)، أيّ شيءٍ يدلّ على الله إنما يدلّ عليه بقدرة الله، بإيجاد هذا الشيء، وبإعطائنا العقل الذي نعرف به هذه الأشياء. 

 

في الصحيفة السجادية: (الحمدُ لله الذي تجلّى للقلوب بالعظمة) – >*الدعاء السادس والخمسون<. 

هو تجلّى للقلوب، ظهر للقلوب، قهر القلوب على تعرفه، كيف لا تعرفه القلوب وهي موجودةٌ به ومن عطائه، ولا وجود لها إلا به. 

 

(الحمدُ لله الذي تجلّى للقلوب بالعظمة)

والحمد هو ثناء تستحقّه ذات الله ولو لم ينعم علينا بشيء، لأنّ الحمد ثناءٌ على الجميل، ولا أجمل من ذات الله، ولا أجمل من صفات الله، صفات الجلال والكمال، الآن اللؤلؤة حتى لو لم تعطك شيئاً أنت تمدح جمالها، الوجه الجميل ولو كان وجه كافر، فتاة جذابة ولكن كافرة، يُمدح جمالها أو لا يُمدح؟ طبعاً لا يُشكر فعلها، لا تُستطهر ذاتها لأنها ذات رجس، لكن هذا الوجه الصبيح إلى آخره يستحق المدح أو لا يستحق المدح. المنظر الجميل في الروض، يجعلك تمدحه أو لا؟ 

فالحمد لا يتوقّف على العطاء، الشكر يتوقّف على العطاء، الشكر على النعم، أمّا الحمد والثناء فهو على أصل الذات الكاملة والصفات الكاملة. 

 

(الحمدُ لله الذي تجلّى للقلوب بالعظمة)

إنسان كافر ولكن لامع في العلم -أيّ علم من العلوم-، لامع لمعاناً أخّاذاً جدّاً، يُمدح على علمه أو لا يمدح؟ على عبقريته؟ طبعاً يُمدح، شيءّ جميل هذا العلم في ذاته بغض النظر عن كيف يستعمله. 

آينشتاين في الرياضيات وطالب كسول جداً خامل، تساوي بينهم؟ لا تساوي بينهم، يعجبك علم الأول. 

الدعاء يقول (الحمدُ لله الذي تجلّى للقلوب بالعظمة واحتجب عن الأبصار بالعزّة)

هل احتجب حياءً؟ الإنسان قد يحتجب عن الآخرين لأنه قد يطرأ عليه ما يغيّر حالته تغييراً كبيراً حتى جسدياً، وجهه، جدري مثلاً، قد يضطر أن يحتجب عن الناس، احتجاب الله عزَّ وجلّ عن الأبصار بالعزّة، له من الجلال والجمال والكمال وعدم قدرة العقول على تصوّر ذاته، ما يجعله محتجباً عنهم، يعني لا يدركونه، محتجبٌ بجلاله، بجماله، بأشعة نوره. 

الشمس ساطعة جداً جداً جداً، وعين متعبة، تنحجب عنها الشمس لكن لا عن ظلمة، ولا عن قلّة نور، وإنما لأنّ نورها أخّاذ وفوق قدرة البصر. 

جمال الله وهو معنوي، جمال علم، جمال قدرة، جمال حكمة، إلى آخره، هذا الجمال يمنع كلّ العيون وإن كانت بصيرة، حتى المعنوية وإن كانت حادّة عن أن تصل إلى حقيقته وتدرك كنهه تبارك وتعالى. 

 

(واحتجب عن الأبصار بالعزّة، واقتدر على الأشياء بالقدرة)

تقتدر على أيّ شيءٍ بمَ؟ أليس بالقدرة؟ لماذا التخصيص؟ من أين يأتي الثناء هنا؟ 

الناس يقتدرون على الأشياء بمعونة، ما من أحد يقتدر على شيء من دون معونة، وتبعاً لعطاء، توجيه، تسديد، تأمل، تفكير، محاولة، مقاساة، تجارب، كلّ هذه وسائل يستعملها الإنسان كي يستطيع ويقدر على فعل شيء، الله عزَّ وجلّ قدرته (كن فيكون)، قدرة ذاتية، لا يُضاف لها إعانة من الخارج، ولا يحتاج إلى وسيلةٍ من الوسائل، هو يملك الوسائل، هو يملك الأسباب، ولذلك جاء (واقتدر على الأشياء بالقدرة)، فلا الأبصار تثبت لرؤيته، هذا احتجابه، الأبصار عمياء عن إدارة عظمة الله وحقيقة جلاله وجماله وكماله. 

 

(ولا الأوهام تبلغ كنه عظمته)

كما سبق، لو اتّسع الوهم الذي يتعلّق بصورة كمال، وصل إلى صورة كمالية وأنّ هذا هو الكمال الكبير، ثم وصل إلى درجة أكبر، أن الأولى أصغر من الثانية، الثالثة، الرابعة، أي درجة من درجات الكمال التي من الممكن أن يصل لها الوهم والخيال، هي دون كمال الله ودون حقيقة الله تبارك وتعالى في جلاله وجماله وكماله. 

 

أنا وأنت قد نتوهم من علم عالمٍ حدّاً معيناً، أكبر الفقهاء السابقين واللاحقين، لكن قد يكون علم هذا الشخص أكبر، ولكن هذا العلم الأكبر من توهمي ومن عقليتي يمكن كما سبق أن يُدرك، أمّا شأن الله، عظمة الله، وجمال الله، فمستحيل عقلاً، الاستحالة واضحة، أنت لديك طائر عينه حادّة جدّاً، وملّحق على بشر، إلى أي حدّ سينال من رؤية هؤلاء البشر؟ بقدر عينه وعينه محدودة، والجمع أكبر من حدود بصره. كلّ شيءٍ في الكون محدود، كلّ العقول محدودة، وكمال الله مطلق. خارج إطار التي من الممكن أن يصل لها العقل، كما الله بلا إطار، بلا حدود، فإذن لا يمكن لبصرٍ حسّي أن يدرك الله، ولا بصيرة يمكن أن تنال كُنه الله وحقيقته لأنها محدودة والله عزَّ وجلّ كماله مطلق. 

 

(تجبّر بالعظمة والكبرياء)

أنا أتجبّر كذب، ادّعاء، غرور، جهل، توهُّم، ذبابة تقتلني، ليس أبطل الأبطال بل ذبابة، من الممكن أن أتجبّر لكن تجبّر كاذب، والتجبّر الكاذب عيب، ونقص، تفرعن فرعون نقص، أما تجبّر العظيم حقّاً هو حقّ، هل على الله أن يتواضع؟ التواضع هنا كذب، غير لائق، لا يأتي في حقّ الخالق أن يتواضع، بل أن يرحم، يتكرّم، يتفضّل. 

 

(تجبّر بالعظمة والكبرياء، وتعطّف بالعزّ والبرّ والجلال)

ذلك هو الله العلي العظيم، القوي المتين الذي يصغر أمام عظمته كلّ شيءٍ من دونه. 

 

لو جئنا نقرأ الآيات الكريمة (وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡيُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا(*) وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُوظُلۡمٗا وَزُورٗا (*) وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا (*) قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا) – سورة الفرقان / الآيات (3و4و5).  

 

الدعوى هكذا (وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَلِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا) 

ليس هناك قوّة، ليس هناك إرادة، ليس هناك وجود، وكلّ ذلك إذا كان فهو من عند الله ولا يملك هذا الإنسان منه شيئاً في كلّ لحظة من لحظات نومه ويقظته. 

 

(وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ) 

ليس في القرآن شيءٌ إلا أنّه مكذوب، ادّعاه رسول الله “صلى الله عليه وآله” أنّه من الله وهو ليس من الله ولا من رسول الله أصلاً وإنما هو ممن كان يمليه عليه بكرةً وأصيلا. 

 

(وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُوظُلۡمٗا وَزُورٗا)

أجمل القرآن ولم يقف معهم في المناقشة، ويأتي (وقالوا أساطير الأولين) هذه التهمة الثانية للقرآن، كل ما هناك أنه أساطير جاءت بتعابير فيها جاذبية، فيها فن التعبير المؤثر، إلى آخره، وإلا فهي في حقيقتها أساطير. 

 

(وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا)

(ٱكۡتَتَبَهَا) بمعنى طلب من غيره أن يكتبها له، لأنه لا يجيد القراءة والكتابة، وكان ذلك هو المعروف ولا زال هو المعروف، وكان في ذلك معجزة أنه تصديق لكون القرآن ليس من عنده، وهذه الصفة إذا كانت نقصاً عند الآخرين فهي كمالٌ عند رسول الله لأنها تشهد بصدق رسالته.

 

يمكن أن يُقال أنّه لو كان يكتب ويقرأ أنّ هذا من وضعه نفسه، ولكنه لا يعرف القراءة والكتابة، إذا كان أمر صدور القرآن من رسول الله بعيداً جداً جداً بقياس العلم والعقل والفطرة وتطورات الواقع الخارجي، إذا كان كلّ هذا يشهد أن رسول الله لا يستطيع أن يأتي بهذا الكتاب ولو كان يكتب ويقرأ، إلا أن المسألة يستبعد مستوى الاستبعاد ولو العادي حيث أنّه لا يقرأ ولا يكتب. 

 

(قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا)

يردّ القرآن على هذه الدعاوى وعلى غيرها مما سيأتي، أن هذا القرآن أنزله الذي يعلم السرّ في السماوات والأرض. هذا إخبار. ولهم أن يشككوا كما شككوا في وجود الله ووصل بهم الغرور أن ينكروا وجوده، لهم أن ينكروا نزول هذا الكتاب، مرة نقول هذا غير منزل، ومرة نقول من وضع رسول الله، ومرة نقول بأنه من وضع نصراني ويهودي وآخرين. فما الذي يرجح أنه نزله الذي يعلم السر؟ 

 

سبق كذلك أن وقفت هنا وقلت نعرض الدعويين، دعوى أنه نزّله الذي يعلم السرّ، ودعوى أنه على لسان واحد يهودي أو نصراني وما إلى ذلك، نعرض الدعويين. نقرأ القرآن، نتدبّر القرآن، نتعلّم قبل ذلك القرآن تعلّماً صحيحاً، نتعامل مع القرآن بموضوعية وبنزاهة، ومن منطلق طلب الحقيقة فقط، ونعرض القرآن على نتائج العلم كلّها من اكتشافات علمية سابقة ولاحقة، نقرأ آيات الغيب التي في الكتاب الكريم، نقرأ الأسرار العلمية التي لم تكتشف إلا بعد قرون وأشار لها القرآن في زمن لم تكن فيه الكتابة والقراءة، بينما كان الأسير يطلق سراحه في زمن الإسلام بعد أن يعلّم شخصين أو أكثر، حاجة ملحّة جداً لأن يجدوا كاتباً، هذا هو الزمن الذي نزل فيه القرآن، وكلّ الدنيا كانت متخلفة علمياً. ننظر للقفزة العملية التي أحدثها القرآن في الأمة العربية التي تنزّل في أوساطها، ونرى التغيرات الهائلة في التوجه العلمي وفي تركّز العلم في الغرب بعد الإسلام، واعتماداً على التعامل مع الجامعات الإسلامية والاستفادة من علماء الإسلام ومن الطفرة العلمية التي صارت في أوساط المسلمين، هذا كلّه نتاج القرآن الذي تسميه أنت خرافة أو تقول أنّه من نسج القصّاصين وأمثالهم. 

 

(قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا) 

 

ما الذي أتى بغفور رحيم هنا؟ ما هو الربط في السياق؟ 

هذه الأقاويل تستحق السحق، هذا الافتراء الجريء الكذب الواضح، التطاول على الله، التطاول على كتابه، كيف تعامل معه الله تبارك وتعالى؟ 

 

تعامل مغفرة وهو قادر أن يميت هؤلاء في لحظةٍ واحدة، أن يقضي عليهم، ولكنه أعطاهم المجال ولم يعاجلهم بالعقوبة، أمهلهم. فهنا تأتي هذه الوجوه في تفسير مغفرته ورحمته تبارك وتعالى. أخّر العذاب والعقاب عن هؤلاء، هذه رحمة أو ليس برحمة؟ طبعاً رحمة. هو يعطي فرصة للتوبة ليرتفع أذى الدنيا وأذى الآخرة عن هؤلاء الذين تبجّحوا وحاربوا الله أي محاربة واستهزئوا بالقرآن الاستهزاء الذي لا يعطيه وزناً لولا أنّه جاء من عند الله، وقد تكفّل الله ببقاءه وهدايته للأجيال المتلاحقة. 

فتح باب التوبة، وإلى ما قبل الأنفاس الأخيرة، هذا الذي قال ما قال في كتاب الله عزَّ وجلّ، كان أمامه قبل أن تصل الروح التراقي أن يتوب إلى الله فينتهي كلّ شيء، ويُثاب على توبته، يعني لا يحاسب على ذنوبه السابقة، وكذلك يُثاب على نفس هذه التوبة ثواباً عظيما. هذه رحمة ومغفرة ورأفة لو لا؟ لو لم يغفر لما رحم. 

إثابة التائب على توبته، وهذا كلّه قائم في حالة الفرد، هذه الرحمة والمغفرة جاءت للأفراد في المجتمع الذي سكت على هذه الخرافات التي ووجه بها القرآن، والادعاءات الكاذبة، هذه الرحمة والمغفرة عمّت الفرد والمجتمع والأمم. 

 

المنهج القرآني يريد أن يشير لنا أن الله غفور رحيم، يشير هذا إلى أنّ المنهج القرآني من عند من؟ من عند الغفور الرحيم، فإذن وأنتم تتعاملون مع القرآن تتعاملون مع كتاب مغفرةٍ ورحمة من مصدر المغفرة والرحمة، وأنت تقرأ القرآن لا ترتقب أن فكر القرآن يخونك أو يخادعك أو يأتمر بك. فكر القرآن، منهج القرآن من الغفور الرحيم، فلا ترتقب هنا إلا رحمةً ومغفرة، وإذا أصابك شيءٌ فإنما يصيبك من نفسك التي تلتوي بك وتنصرف بك عن هدايات القرآن والمنهج القرآني. 

 

ومن اختار الارتباط بالقرآن فليتيقن بأنه اختار المنهج الرحيم الذي لا يأخذ به خطوةً واحدة إلا على طريق النجاح والصلاح والفلاح والبناء السليم القويّ المتين. 

 

القرآن كتاب لا يعدل عن منهج السعادة للإنسان، السعادة في الدنيا والآخرة. 

 

صاحب الميزان “أعلى الله مقامه” السيد الطباطبائي، يقول في الآية: المغفرة والرحمة تتناسب بشكلٍ واضح مع العفو الكامل عن العقاب. رفع العقوبة نهائياً. 

 

يعني صفة الغفور والرحيم، اللتان هما صفتان لله تبارك وتعالى ومن أسمائه الحسنى، هاتان الصفتان، رُبط العفو بهما، ليس العفو بمعنى إمهال العقوبة أو تخفيفها، لا. خاصة إمهال العقوبة ولكن لا يناسب قضية المغفرة والرحمة. المغفرة يعني غسل الذنب الكامل، رحمة يعني تكون رحمة شاملة. صحيح أنّ رفع العقوبة نهائياً أقوى ظهوراً في المغفرة والرحمة، في أنّه قد نالتني المغفرة والرحمة. 

 

يقول “أعلى الله مقامه” بما معناه، بأن المناسب في قضية الإمهال للعقوبة وإعطاء فرصة، قضية باسم الحليم، العليم، الحكيم، هذا لو جاء كان مناسباً لهذا الإمهال وعدم تعجيل العقوبة، لكنه جاء وصف الغفور الرحيم، ويمكن هنا القول هو أن إتاحة فرصة التوبة -طبعاً لا ينكر أنه من المغفرة والرحمة الصادقة مع كون أصل العقوبة مرفوعاً نهائياً لو استمر هذا المُتَقوِّل المقاوم لكلمة القرآن، المتعدّي على قدسية القرآن، على تنزيل الله للقرآن- لو أُمهل وأعطي فرصة التوبة فإنّه لا شك مغفرة ورحمة، والعقوبة وإن لم تبقى ثابتة مع هذا إلا بعد أن يصرّ ويستكبر عن الاستفادة من هذه الفرصة، فالربط موجود يبقى قائماً بين غفور رحيم وبين إمهال العقوبة وإعطاء فرصة التوبة. 

 

لو قلنا بأنّ من مضى من المفسرين إلى الآن، لو أعطيناهم رقم 3 آلاف مفسر -رقم تبرّعي-، سيبقى المفسرون يتوالَوْن بعد هذا العدد، ويكثر عددهم أضعافاً وأضعافاً، وفي كلّ يومٍ يأتيك من المفسرين جديد، لأن القرآن كنزٌ لا يُستنزف. 

 

والحمدُ لله ربِّ العالمين. 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى