المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني لسماحة آية الله قاسم – 09 أغسطس 2015م

الحديث القرآني لسماحة آية الله قاسم – 09 أغسطس 2015م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في

“مواثيق الدين”1

الموافق 09 أغسطس 2015م

للإستماع :

 

اضغط على الصورة لمشاهدة الألبوم :

IJ0A3801

 

للمشاهد :

 

 

وفيما يلي نص الحديث:

 

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

 

المواثيق العقدية

وهي مواثيق قائمة على الالتزام من طرفين طرف المأخوذ منه الميثاق والأخذ بالميثاق، وهي مواثيق متعددة كما يتبين من الآيات الكريمة أولها الميثاق مع النبيين والنبيون هم قدوة البشر وأعلى نموذج إنساني وهم القادة في الأرض وموقعهم بما هو الموقع المتقدم يطلب فيهم أن يكونوا أكمل الناس وأوفى الناس عهدا بالعدل والميثاق ومقتضي أخذ الميثاق المؤكد منهم أشد لأن ما يطلب من النموذج والقدوة هو أعظم مما يطلب من غيره وبما هم قادة البشر ومن قبل الله عز وجل لابد أن يكونوا في موقع المسؤولية الأكبر، فلذلك خصوا بميثاق متنوع من الميثاق وأن كان كل الناس قد أخذ عليهم نوعان من الميثاق: الميثاق التكويني والميثاق العقدي.

والرسل داخلون في الميثاق التكويني بلا أدنى إشكال ولهم ميثاقهم العقدي الخاص المتميز وأن كان كما يظهر من صاحب الميزان أن ميثاق النبيين الذي ورد ذكره في سورة آل عمران ، بأنه ميثاق تكويني وأن كان يفهم منه العكس بأن ميثاق النبيين الخاص هو ميثاق عقدي.

قوله تعالى “وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي[2]، عهدي وميثاقي وتأكيدي “قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[3]، وهناك آية أخرى تتحدث عن الميثاق مع النبيين وأنه ميثاق مغلظ “وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا[4]، الميثاق هنا مجمل وليس فيه تفصيل وما هو هذا الميثاق وما مضمونه وما مؤداه ولكنه موصوف بالغلظة والشدة والقوة وهذا ما يتناسب مع النبيين ووضعهم ولأهمية هذا الميثاق غُلِظَ وشُدِد، وقد أخذ من كل النبيين وخص بالذكر أولوا العزم ، ” وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ” وهذا الذكر الخاص لهم بأسمائهم من بين سائر الأنبياء يأتي بذكر بلحاظ الموقع الأهم لهذه الزمرة الخاصة من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقدم ذكر محمد صلى الله عليه وآله حيث تقول الآية ” وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ” وهم أسبق زمنا ولكن قدم ذكر محمد صلى الله عليه وآله وهو خاتم الأنبياء وذلك من موقعه المتميز.

وهذه الآية تضعنا أمام ميثاق مغلظ مشدد أخذ على جميع الأنبياء وعلى الخمسة من أولي العز م خاصة بحيث ذكروا بصورة خاصة، والآية الأولى تتحدث عن الميثاق وتبين جنبة من جنباته ومتعلق من متعلقاته وهي تقول “وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ” والمعني به رسول الله الأعظم صلى الله عليه وآله وكان عليه أن يصدق ما جاء به الأنبياء من قبل وكان عليهم أن يصدقوا ويبشروا بما يأتي على يديه صلى الله عليه وآله وسلم “لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ” بالتمهيد وبالإشارة وغير ذلك “قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ” وكفى بالله شهيدا وهذا أعلى المواثيق العقدية حيث أن الأخذ بالميثاق هو ذو العزة والجلال والإكرام الله الكامل تبارك وتعالى والمؤخذ عليه الميثاق هم الصفوة من البشر.

هذا الميثاق وهو رأس المواثيق لو ضعف موقف المؤخذ عليه الميثاق لاهتزت كل المواثيق الأخرى البشرية بما هو ركيزة المواثيق وأعلاها وأسماها وأشدها مسؤوليه فلابد أن يكون الطرف المؤخوذ عليه الميثاق من أهل القوة من البشر والقدرة على الالتزام والانضباط وأن يكون الوفاء بهذا الميثاق وفاء كاملا وهكذا كان انبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أوفياء بما واثقوا الله عليه.

ومن هذه المواثيق الميثاق مع المؤمنين بالإسلام ونقرأ ذلك في قوله تعالى “وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[5]، بايع المسلمون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا ميثاق باق مع البيعة وحينما يدخل داخل في الإسلام فهو يدخل في ميثاق مع رسول الله صلى الله عليه وآله من أكبر أساسيات هذا الميثاق هو الإيمان بالله عز وجل وهو الإيمان الجاد والعملي الذي يضح حركة الحباة على المسار الصحيح وأنا لما أقبل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد أعطيت عهدا ودخلت حرم الميثاق الأكبر الميثاق مع الله سبحانه وتعالى وبأن لا تزل قدمي ما استطعت عن طريق طاعتة الله عز وجل وأن تكون قضيتي الأولى هي الإيمان بالله والاستقامة على طريق هذا الإيمان، فكم هو شديد هذا الميثاق وكم هي صعبة مسؤوليته وكم هي عظيمة جدواه ومردوده، حيث أن في كل طاعة من طاعات الله عز وجل نموا للنفس البشرية واستقامة وزكاة وطهرا ورقيا وضمانا للسعادة ولكنه هو الميثاق الشديد العظيم الذي لا تكبر مسؤوليت همسؤولية ولا تقرب من مسؤوليته مسؤولية أخرى.

وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ“، عجب من التنصل وخيانة وتراجع غير مبرر أن لا تؤمنوا بالله هذا أمر غريب “وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ“، وهي دعوة ليست لإنشاء قضية التوحيد في النفس البشرية ولتأسيس قضية التوحيد والإيمان في النفس البشرية إنها دعوه ترتبط بالميثاق المأخوذ عليكم، أنتم حين دخلتم الإسلام مختارين قد عاهدتم الله وواثقتمهم على الإيمان وعلى تكاليف الإيمان، وعلينا أن نراقب في كل لحظة من لحظات الحياة وفي كل خلجة من خلجات النفس وفي كل خاطرة من خطرات الفكروفي كل مضيق وفي كل سعة مدى وفائنا بهذا الميثاق وهل نحن مستقيمون على خطه أم أننا في موقف متراجع فيه خيانة وفيه نكث للعهد، مسؤولية عظمى.

وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ[6]، ويوجد خطاب قبل ذلك “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ[7]، فالميثاق مع الذين آمنو، هو ذاته الميثاق من الله مع المؤمنين نعمة منه عليهم لأن الحاجة لهذا الميثاق حاجة الإنسان وليست حاجة الله تبارك وتعالى، وكم نتخلف عن هذه الاستجابة المعلنة “سَمِعْنَا” بمعنى قبلنا وليس سمع حيوان وإنما سمع إنسان وسمع فهم وقبول وتوطين نفس على الأخذ بما سُمع “وَأَطَعْنَا” وهو إلتزام بالسمع والطاعة وكم خولف رسول الله صلى الله عليه وآله وكم خولف خلفائة وكم خولف قرآن الله عز وجل وكم يخالف، “وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ” لا توجد خيانة لعهد الله تفوت علم الله عز وجل ولا توجد خيانة صدرية قلبية فضلا عن السلوكية والعملية إلا وهي محصات على هذا الإنسان المسؤول عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه الله عز وجل عليه.

وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا[8]، وهؤلاء طائفة من المدينة “وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا[9]، وهذا خلاف ما أخذ عليه من الثبات في الزحف ومواجهة الموت الذي يتهددهم “وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا“، وهنا يذكرهم بالعهد المؤكد مع الله “وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ“، أمام الموت “وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا[10]، مسؤولون عن الوفاء بعهد الله عز وجل ومحاسبون على ذلك ومجزيون عليهم وفاء أو خيانة وهذه كلها تذكيرات للمؤمنين ولليهود.

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا”[11]، هناك عهد وهو عهد عقدي وأنهم يثبتون وقد ثبتوا والموت الذي أخذ بعضهم لم يمنع البعض الآخر من البقاء على الخط والوفاء بالعهد ولم ير في الموت رعبا يمنعه عن الوفاء بعهده ولم يحصل أي تبديل وأي تغيير بالعهد مع الله أو نوع من الإلتفاف والمغالطة مع النفس والله لا يغالط وإنما استقامة ودقيقة وتامة على طريق العهد والوفاء به.

وهناك عهود عقدية مع أهل الكتاب تتحدث الآية “وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ”[12]، الذين أوتوا الكتاب عنوان يطلق على اليهود والنصارى وقد يخص النصارى ويطلق أحيانا على عموم أهل الكتاب من نصارى من يهود وكل أؤئك قد أخذ عليهم ميثاق ومؤدا هذا الميثاق مبين في الآية الكريمة “وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ”، وهذا الأمانة الكبرى وهذا الهادي للمسيرة البشرية وهو كتاب الأنجيل وكتاب التوارة هو الهادي الأكبر للمسيرة البشرية في وقته وهذه الأمانة العظمى من الله عز وجل والذي لو ضيعت لضيع الإنسان خط الحياة الصحيح ولابد أن ياخذ عليه ميثاق وهذا الكتاب لا يصح أن يطمر وأن يحرف سواء حرفا أو معنى ولذلك كان محل أخذ ميثاق.

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ”[13]، وموقع الحديث عن أصل أخذ الميثاق فهذا ميثاق من المواثيق المهمة والمركزية وهو الوفاء بأمانة الكتاب والوفاء بهذه الأمانة يقوم على أمور منها: عدم التحريف لا من حيث الكلمة ولا من حيث المعنى ومن ثمَّ يطلب النشر والعمل والتبليغ لهذا الكتاب وإيصاله إلى أكبر مجموعة بشرية ممكنة والأخذ به عملا على المستوى الفردي والمستويات الأخرى من المستوى الأسري واجتماعي ويطلب كذلك تبيين الكتاب للناس وهذا التبيين مرة يكون بالإيضاح العلمي ومرة يكون بالتطبيق العملي وحتى يظهر الكتاب واضحا جليا ويعطي قناعة تامة بعظمة الطرح الإلهي فلابد فيه من أن يأتي التطبيق العلمي للكتاب لتبرز دلالات الرحمة الإلهية في الساحة الواقعية لحياة البشر وتدخل أنوار الإشعاعات الإلهية في القلوب وفي كل منعطفات الحياة وتزيح كل ظلم.

قيام النموذج الإسلامي في الحياة البشرية على مستوى الشخصية الفردية يعطي أثرا كبيرا للآخرين ويمثل إنارة ومنارة وقيام هذا المثال على المستوى الأسري يعطي إشعاعا وإنارة للآخرين وإذا قام مجتمع صالح على هذا الإساس كان منارة أكثر إشعاعا وأكثر إمتدادا للنور وهذه المسؤولية كان يواجهها أهل الكتاب ويواجهها كل مؤمن بالله سبحانه وتعالى.

مع بني إسرائيل خاصة “يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُبِينًا * وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا[14]، اليهود غلاظ وهناك مشددة بالنسبة للأهمية الكبرى وهنا مع الأهمية توجد غلظة في موقفهم وعناد فلابد أن يشدد عليهم في بالميثاق، تعاهد إنسانا تتوقع منه الإستجابة السهلة فلا تحتاج في ذلك التشديد والتغليظ وتعاهد إنسانا آخر وتتوقع منه الخيانة فتحتاج في ميثاقك معه إلى الأخذ بالشدة والغلظة في هذا الميثاق.

فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا[15]، طلبهم لا يتناسب مع جلال الله عز وجل بقولهم “أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً“، فأعطوا درسا لعلهم يفقون معه ويتراجعون عن مثل هذا الطلب السفيه “ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُبِينًا * وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ“، وهنا الشدة والتغليظ مع آية تهز ولا تترك للفكر إلا أن يحضر بقوة وللنفس إلا تتوجه بشدة وآية لا تبقي مجال لغفلة ومن طبيعتها أن لا تنسى فلا ينسى الميثاق المأخوذ في ظلها ومقترنا بها وقضية الإقتران الذهني بين الحادثتين إقتران الميثاق وهو عظيم بآية عظيمة رادعة لا تترك مجال للشك أصلا ولا تتيح غفلة ولا تسمح بنسيان.

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ“، قطعة من جبل أو الجبل كله مرفوع فوق الرؤوس يهدد بالسقوط على الرؤوس وفي ظل هذه الآية وفي ظل هذا الوضع أخذ الميثاق على بني إسرائيل، فأي قلب يدخله شك بأن هذا الميثاق ميثاق إلهي؟ وأي فكر يرده تردد بهذا الشأن في ظل هذه الآية فالمفروض أن يكون يقين تام بأن هذا الميثاق من الله عز وجل وأنه ميثاق محل لعناية الله عز وجل وأنه من الأهمية بما لا يُتَسامح مع يفطر فيه وأن مسؤولية مسؤولية كبرى.

“وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا[16]، وتأتي تفاصيل من خلال الآيات الأخرى عن بعض مؤديات ومضمون هذا الميثاق.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[17]، الآية هنا تركز على أخذ الميثاق وبصورته الإجمالية غير المفصلة وتربطه بالآية العظيمة من رفع الطور فوق الرؤوس، والآية كأنما تقول أذكروا “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ“، كان مؤدا خذوا ما آتينكم بقوة وما أتوه بقوة هو الرسالة هناك ذكر معلق وما أتوه هو مسألة التوحيد وقضية الدين ورسالة موسى عليه السلام والمنهج الإلهي الذي يسألون عن تطبيقه في حياتهم.

خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ“، لا بشيء من التساهل ومن التهاون ومن عدم المبالاة وبقوة على مستوى الفكر وأن تبذلوا ما بسعكم على الناحية الفكرية لفهم تفاصيل هذا الميثاق ومتطلباته وما ينجح به وفائكم بهذا الميثاق وبكل قوة على المستوى النفسي والإردي بحيث لا تتخلف إرادة وأبنوا إرادة إيمانية ومن الممكن أن تبنوها فالله لا يكلف الناس إلا بما يستطيعون ولا يخاطبهم بتكليف لا يملكون له قدرة، وحين نفهم مقتضيات الإيمان ونربي أنفسنا على مقتضيات الإيمان وندخل في تجارب ومواجهة تحديات تنطلق مواجهتنا من قضية الإيمان هذا يبني إرادة إيمانية وحين نقاوم من أجل إيماننا نقاوم مشتهيات ونقاوم مخاوف وكل نقطة ضعف في سبيل الاستقامة على خط الإيمان فهذا بناء للإرادة الإيمانية.

مطلوب أن يأخذ العهد والميثاق -بمعنى مؤداه- بقوة فكرية وبقوة نفسية وإرادية وبقوة عمل ونشاط وحيوية واندفاع في سبيل الوفاء بالميثاق وأهم قضية في حياتك هي قضية الوفاء بميثاق الله عز وجل وهو الميثاق بالأخذ الدين وطاعة الدين ونصرته.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ“، هذا الخطاب لبني إسرائيل ولنا في كتاب الله عز وجل فكم نعطي من  وقتنا للقرآن الكريم ومن مدارسنا ومن رؤوس أموالنا ومن مالنا ومن جهدنا؟ وكم نحمل النفس على الاستقامة على خط الكتاب الكريم وكم نجاهدها وكم نصبرها على مصاعب الاستقامة على هذا الطريق وكم ندعو لها وكم هو تطبيقنا لها “خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ“.

في سبيل تعليم الإنجليزية نبذل ما نبذل من أجل أولادنا وندفعهم دفعا حثيثا والدروس القرآنية قد يبقى روادها قلة ومن لا فرصة له في دراسة أخرى، يوجد دروات صيفية من نوع آخر وهذه كم تجتذب كم أبنائنا وبناتنا وكم يجتذب المشروع الديني فلنقارن ونجد نأخذ بقوة بأي شيء وبأي الأمرين، بأمر الدنيا أو الآخرة وبأمر الله أو أمر النفس ومتطلباتها في هذه الدنيا.

“وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[18]، والثمرة الكبرى لكل إلتزام ولكل نشاط ولكل حيوية هو تقوى النفس وتقواها رقيها وكمالها وكمال النفس من كل الدين وأصل رسالة الدين لتخرج من هذه الحياة بنفس كريمة عالية، إبني بدينا صحيح وأبني ثروة كبيرة وإبني قوة مادية شديدة إلا كل ذلك لن يبقى مع، ومصب كل جهودنا المادية في هذه الحياة وفي النهاية ما نربحه في هذه الدنيا أني أكسب جسدا سليما وقويا وشديدا ولكن هذا الجسد لن يبقى معي وسأيؤل إلى غياب وإلى إندثار وإلى تفتت وتبعثر “أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ[19]، تخرج في النهاية بما في صدرك من أفكار صحيح وما في القلب ومن مشاعر صحيحة ونيات سليمة وطموحات كريمة ومن إيمانومن صفاء ونقاء ومن إخلاص لله عز وجل فهذه هي المحصلة أو زاد خبيث نخرج به من هذه الحياة وصدر موبؤ بكل سوءة.

 

والحمد لله رب العالمين

[1]  ألقيت المحاضرة في جمعية التوعية الإسلامية بتاريخ 9-8-2015.

[2]  سورة آل عمران، الآية 81.

[3]  سورة آل عمران، الآيتين 81 و 82.

[4]  سورة الأحزاب، الآية 7.

[5]  سورة الحديد، الآية 8.

[6]  سورة المائدة، الآية 7.

[7]  سورة المائدة، الآية 6.

[8]  سورة الأحزاب، الآية 15

[9]  سورة الأحزاب، الآية 13.

[10]  سورة الأحزاب، الآية 15

[11]  سورة الأحزاب، الآية 23.

[12]  سورة آل عمران، الآية 187.

[13]  سورة آل عمران، الآية 187.

[14]  سورة النساء، الآيتين 153 و154.

[15]  سورة النساء، الآية 155.

[16]  سورة النساء، الآية 154.

[17]  سورة، البقرة، الآية 63.

[18]  سورة، البقرة، الآية 63.

[19]  سورة الكوثر، الآيتين 9 و10 .