المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الرمضاني – 28 رمضان 1435هـ / 15 يوليو 2015م

الحديث القرآني الرمضاني – 28 رمضان 1435هـ / 15 يوليو 2015م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في

إضاءات قرآنية

28 شهر رمضان 1436هـ، 15-07-2015م

 

اضغط على الصورة لمشاهدة الألبوم :

photo_2015-08-19_10-48-50

 

للمشاهد :

 

وفيما يلي نص الحديث:

الحلقة الخامسة عشر والاخيرة في الشهر الكريم:

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

 

تقول الآية “قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[1]، الخطاب حسب السياق لبني إسرائيل الذي يدَّعون أنهم أبناء الله وأحبائه وأنهم الشعب المختار من الله سبحانه وتعالى على أن الخطاب يتناول من بعد ذلك كل من مثال وكل صاحب هذه الدعوى وهي دعوى أنه مطيع لله عز وجل وأن له منزلة عظيمة عنده، وعقلية ونفسية تذهبان بالمرء بأنه مقرب من الله مرضي عنده قد كسب من الحسنات ما ينجيه وما يثيبه عند الله عز وجل من دون أن يخاف من سيئات قد كسبها وهذا لا يكتثر من قضية الموت ولا يأبه بهذه الحياة.

 

  • لما نخاف الموت؟

 

النفس البشرية تخاف الموت لسببان ريئسان: كافر لا يرى آخره ولا يرتقب بعد هذا الوجود إلا العدم المحض فالوجود عند عزيز والعدم مخوف وظلمة قاتمة فمن بعد هذا الوجود وهذا النشاط وهذا التفكير وهذا الطموح وهذه اللذة وهذا البصر وهذا السمع وهذا الفهم يكون هذا لإنسان لا شيء بالكمال وكأنه لم يوجد فهذا شيء مخوف من قصر وحقل وزينة نساء وزينة أموال ومناصب وأنس إلى عدم كامل محض يطوي وجود هذا الإنسان طيا نهائيا فمن هنا يخاف الإنسان الكافر الموت.

 

ومؤمن يخاف المؤمن وهو يؤمن بالآخرة ويخاف الموت لأنه إما على علم  بأن له سيئات ضخمة وكبائر وموبقات لا يؤمل معها -والمستجار بالله- أن يزحزح عن النار فيدخله يئس من الجنة ويكون كل توقعه النار وهو يؤمن بالآخرة وبنقلة من نعيم هذه الدنيا مهما قل إلى عذاب مقيم شديد فلابد أن يخاف، وإنسان على قلق من أمره وأنه لا يدري أيصار به إلى جنة أم نار وهو بين الخوف والرجاء فهذا تأتيه لحظة اطمئنان وسكينة وتأتيه لحظة اضطراب وفزع وخوف فمثل هذا لا يستقبل الموت بكل ترحاب ولابد أن توجس منه وهو لا يخاف من الموت لا موت يترقب من بعد هذا الموت حياة ولكن أين حياة سعادة دائمة من حياة شقاء دائم أو كيف لا يخاف حياة يطول فيها أمد عذابه وأن صار من بعد إلى خلاص فلابد أن يخاف ولذلك من لا يخاف الموت هم قلة من الناس وقليلة نادرة وهم بمستوى الرسل والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين على أنهم لا يزكون أنفسهم ولا يعتمدون على عملهم وإنما كل رجائهم في كرم الله وعطفه وعفوه تبارك وتعالى.

 

يأتي واحد ناقض لعهد الله ومتن لدين الله ومحرف للتوراة ومحرف للإنجيل وظالم في العباد فيدعي أنه من أحباء الله وأوداءه فهذا كلام كاذب وافتراء وهنا اختبار لو خادعتني نفسي[2] أني على خير وخير كثير فلأختبرها في ضوء هذه الآية الكريمة “قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[3]، هناك من يدعون وهم لا يملكون شيء في الحقيقة ولكن لو كنت أعلم وأطمئن تمام الإطمئنان بأ آخرتي رابحة وأني لن أذوق النار ولا عذاب برزخ سواء نجى الناس أم لم ينجوا فاز الناس أم لم يفوزوا وكان مصير الآخرين هذا المصير أو غيره فلن أتوقف عن تمني الآخرة وعن الإقدام على الآخرة وأن أجد من الدنيا ما أجده من مشاكل ومزاحمات ومرض فلأختبر نفسي مع مشكلاتي وما يلم بحياتي من أزمات فهل أتمنى الآخرة عن عشق لها وعن إيمان بقيمتها وعن وثوق بربحي فيها أو أن أمنيتي مع الحياة وانشدادي بالحياة الدنيا وتمسكي بها وأبخل بنفسي على أن أعطيها للآخرة، فليجد أحدنا وزن إيمانه ووزن قربه من الله عز وجل ومما عليه داخله من الرضا بالآخرة والإطمئنان إلى رحلة الآخرة وتمني الآخرة وليس تمنيا للفرار من الدنيا لما ضاقت عليه المشكلات فيها وإنما للقيمة العالية للآخرة والربح الكبير فيها.

 

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ” وهذا يأتي في المواقف الجهادية كلها أين نفسي؟ وهذا الموقف يمتنع عنه في يفهمه من دين سواء كان فهما صحيحا أو كان فهما خطأ وأن هناك تشخصيا غير صحيح للموضوع ولكن منطلقه في التوقف هو الفهم الدين ولكن مرة أفهم الدين وأن الدين يقول لي أخطو للأمام ونفسي تقف بي مكاني وفي مسألة من المسائل يقول لي قف وأنا أتقدم وكما أن هناك في النفوس جبنا فهناك تهور وهناك حمية إسلام وهناك حمية ذاتية وجاهلية وإندفاعي وتوقفي لأي حميتين ولأي الخوفين ولأي المراعتين “قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[4]، فبنوا إسرائيل موصوفون بأنهم أشد الناس حبا للحياة ومعروف عنهم أنهم أشد من المشركين في التمسك بالحياة وهذا لا يتناسب أصلا بالإيمان أنهم حباء الله وأوداؤه وأن لهم الدار الآخرة خالصة من دون الناس.

 

وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ[5]، فهذا سر الفرار من الآخرة وسر الفرار من الموت هو ما قدمت أيديهم من ظلم والمعاصي والذنوب والمظالم والتقصيرات هي التي تكوّن رصيدا تجعله سلبيا في النفس من قضية الآخرة ومع ارتكاب الذنوب فلابد أن تستوحش النفس من الآخرة ففيها حساب وفيها جزاء للثواب والعقاب ومع السيئات فليس لي ثواب وإنما أتوقع العقاب ومع السيئات أخاف من موقف الحساب فلا أتمنى الآخرة ولا أحد يتمنى الموت وهو يعرف أن لحظة الموت لحظة شقاء بالنسبة له “وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا” فهو لن يتمناه أبدا أبدا والتأكيد بـ “لن” للاستيعاب كل المسافة الزمنية وتأكيدا بأبدا “ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ” والباء هنا سببية بمعنى بسبب ما قدمت أيديهم “وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ” ومن علِم الله عز وجل بالظالمين أن نفسية الظالم ولا يمكن أن تتمنى الموت ولا يمكن أن تتطمئن للآخرة.

 

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ[6]، ليت الفرار من الموت ينجي وليت الحذر من الآخرة يقي وليت أمنية الحياة البقاء تصدق فهذا لا يكون والآية أعطت ألف سنة وهو مثال وأمنية الإنسان أكثر وإنما ألف السنة ربما قال بعضهم أن أكبر عدد عند العرب فيما كان ولذلك يضرب به المثل ويضرب بالسبعين رمزا للكثرة فـ “يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ” وللأبد وهذا لا يكون ولو أعطي ألف سنة والخمسة الآلاف سنة ولكن النهاية هي الموت والوقوف أمام مسؤولية العمل الذي كسبت يداه في الدنيا فهو قدر لابد أن يواجهه الإنسان حيث يلقى جزاء عمله.

 

وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ[7]، وألف السنة التي يعيشها هذا الإنسان في هذه الحياة أو خمسة الآلاف كم منها يكون سعادة وكم منها يكون شقاء؟ سبق أن الميثاق تعني العقد المؤكد المغلظ وقد يقال مغلظ بالحلف والعهد والميثاق يعني الربط الشديد والربط المحكم والمواثيق عهود واتفاقات وتعاقدات تقوم بين طرفين تعطي قوة إلازم شديدة محاطة بكل تأكيد وبكل غلظة وأما الميثاق أركانا طرفان يتواثقان ويتفقان على أمر وهو محل لهذا الميثاق وقد يشهد على الميثاق وقد لا يشهد وأهمية المواثيق فالناس في حياتهم بالنسبة الاجتماعية فعقد الزواج ميثاق وهو عقد بين الزوج والزوجة وحيث لا رعاية لهذا الميثاق وهذا العقد وأنا أقدم وأعرف أن هذا العقد لا قيمة له ولا حرمة في نفس الآخر أو هو يعرف مني أن هذا العقد لا قيمة له ولا حرمة له في نفسي فلن تكون ثقة وعلاقة زوجية مرة بميثاق ومرة ميثاق محترم غير محترم فالحالة الناجحة في هذا الزواج هي في حالة العقد والميثاق المحترم من جانب الطرفين والتجارة تحتاج إلى عقود فإذا لم تكن تجارة بثقة وسلم بعد حرب بلا ثقة وزواج بلا ثقة وأتعاقد معك على نوع من التعاقد الشفوي على سفر معين بالتعاون فلا تقوم حياة فالحياة تحتاج إلى مواثقات فالميثاق ركن مهم جدا في تمشية الحياة الاجتماعية وفي نجاحها واستقرارها وأمنها ووصول الناس إلى الأهداف من المعاملات وإلا فالبائع بدين مؤجل خسر أمواله والمشتري حين يدفع الثمن وتكون السلعة هي المؤخرة خسرها.

المواثيق مهمة جدا وهي تتفاوت شئنا والميثاق الأكبر هو الميثاق بين الله عز وجل كطرف وعباده كطرف آخر لا واسطة بينهما ومسؤولية هذا الميثاق أكبر مسؤولية تواجه الإنسان الذي يقع طرفا في هذا الميثاق وهناك ميثاق تكويني وميثاق يقوم على الخلق التكوين والصنع الإلهي وهناك ميثاق يكون على الإلتزام الاختياري بين الطرفين بين الله عز وجل وبين عبده وهناك الميثاق الفطري التكويني الذي خلق الله سبحانه وتعالى مرتكازته في النفس البشرية من عقل ووجدان إنساني أصلي وهذا الميثاق فيه حديث عن القرآن فيما يفهمه العلماء عن القرآن والمفسرون وهناك نجد مجموعة من المواثيق الاختيارية التي أخذها اله سبحانه و تعالى على الناس في دوائر من الناس مختلفة وأطر مختلفة.

هناك مواثيق بين الناس أنفسهم والمثياق يستمد حفظه من هذا الطرف أو من ذلك الطرف على أكثر من أمر فأدخل معك في عهد وفي ميثاق على موضوع معين وتدخل دولتنان في السلم في ظل ميثاق ومعاهدة بينهما وهناك ضرورة تحكم هذه الدولة أو تلك للالتزام بمقتضى الميثاق وهي ضرورة عملية راجعة لحاجتها وضعفها دخلت في ظل ظروف هذا المبثاق تحت ظروف ضاغطة وهذه الظروف بقيت كما هي ولم تتغير معادلة القوى وموازينها وهذا مضطر لأن يفي وليس احتراما للميثاق وإنما من موقع الضرورة التي دعتها أصلا للدخول في هذا الميثاق وهناك محذور ومقتضي آخر ولا يرجع للناحية الدينية وإنما بسبب إني إنسان وأحس بحاجتي إلى الناس وإلى ثقتهم ودولة تحتاج إلى الثقة من الدول الأخرى وتحتاج إلى موقع تنال فيه درجة من الاحترام فحين تخرج على ميثاق بعد ميثاق ويتكرر خروجها على المواثيق تسقط الثقة فيها دائما وهذا يحيطها بالضعف ولا تأمن أن تضعف في يوم من الأيام وتحتاج إلى ميثاق تحترمه ولا يحترمه الآخرون وربما أن لديه فرصة للإنقضاض على الميثاق وخروج عى الميثاق ولكن لا يخرج ليس احتراما للميثاق ولا لقلة قوة آنية وإنما يريد أن يحتفظ بموقع يكتسب من خلاله ثقة في العالم فيفي بهذا الميثاق.

الضمير الخلقي الفطري العادي وهو بقية الضمير الخلقي عند الإنسان قد تخلق في نفسه حاجزا دون الخروج على مقتضى الميثاق ويكون للميثاق بينه وبين غيره درجة من الاحترام في نفسه ولا يهتكه وهذا وجه آخر ولكن أقوى وجه ينحفظ به الميثاق وينحفظ به العهد وتستقيم به الحياة وتصح به المعاملات وتسلم هو تقوى الله سبحانه، فكل الأسباب الأخرى يمكن أن تلتف عليها النفس وتتمرد وأن تسقط أمام قوتها وتخترق الميثاق وتهتك حرمته إلا تقوى الله تبارك وتعالى وإن كان الله عز وجل حاضرا بعظمته وبأخذه وبحقه في نفسه فلا يمكن لنفسه أن تقدم علم ا يخالف أمر الله عز وجل ونهيه فالضمانة الكبرى لاحترام المواثيق في الأرض هي تقوى الله وكم من ميثاق يخترق وكم من عهد ينسف به في البحر وفي المزبلة حين تتغير موازين القوى وتنفتح الفرصة للإيقاع بالآخر.

المواثيق المؤخوذة من الله على عبادة:

  • الميثاق التكويني العام الذي يشمل البشر كل البشر “وَإِذْ[8] أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ[9].

هول يوم القيامة شديد وهو يوم عصيب لا تتحمل نفس بشرية وهذا يجعل الإنسان يتمسك ولو بالطلحب ولو بقشه في البحر العاتي من أجل النجاة ونحن في الدنيا حين نفاجأ بسيارة مسرعة في طريقنا مواجهة لنا فعقلي هنا يقول لو تأملت أن يدي لا تستطيع فعل أي شيء للسيارة ولكن أمد يدي لها وأدفع عن نفسي البلاء والخطر ومد اليد لا ينقذ ولكن مع هذا تمدها بشكل تلقائي فهذا ما تملك.

فهناك نتمسك ولو بالوهم والله عز وجل يقطع الحجة علينا وهناك احتاجان يمكن أن يتمسك بهما الإنسان المذنب العاصي فرار من النار “إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ” ما خلقت فيَّ الفطرة التي تقودني إلى الله وليس لدي الحجة في داخلي وأسمع الأنبياء الرسل فليس لدي ما يستجب وليس في رصيدي الفطري من عقل ووجدان الذي يقتضي مني أن استجيب لدعوة الأنبياء فليس عندي عقل يقودني لهذا وهذا عذر.

فإذا لم يكن عندي رصيد فطري وميثاق بيني وبين الله عز وجل بصورة معينة والميثاق هو رصيد عقلي ورصيد روحي ووجدان طاهر وبديهية توحيد الله عز وجل المغروسة في النفس فعدم وجود كل هذا فكلام الأنبياء لا يكون له رصيدا في نفسي فكل التربية الإسلامية والتربية الأخرى تعتمد على ما هو في الفطرة وعلى ما هو عندي من عقل عند الإنسان وعلى ما عنده من دوافع سواء المادية أو المعنوية والتربية المادية تريد أن تنحرف بالإنسان فتخاطب فيه الدوافع المادية وتؤجهها وتعطيها الحضور القوي فتكون هي الفاعلة في توجيه وسلوكه وتكون هي القوة الحاضرة التي تسيرة ولكنها تعتمد على دافع الجنس وعلى حب ملكية وحب سيطرة في النفس البشرية وبذلك هو لا يكلم حجر فقولك للحجر قاتل وأكسب مركزا كبيرا وقل له هذه فتاة جميلة فلن يستجب لك وهنا استفادة من دوافع خلقها الله عز وجل لحكمه ومعادلة معينة ولمصحلة العبادة ولكنه يستغلها استغلال سيئا.

وصاحب الدين والتربية الدينة وإذا لم يكن عندي عقل يهديني إلى الله وإذا لم تكن عندي روحية منفتحة على الله وليس عندي روحا بالإساس وإنما خلقت جمادا أو خلقت مصدودا عن الله عز وجل أو لا أعرف الله عز وجل وبقيت هكذا وما جائني أي شيء يعرفني بالله عز وجل في داخلي وهذا يتكلم لي كلاما عجيب أجنبي عن الإيمان ولا أعرف ما يقول، فيوجد رصيد بالداخل فإذا لم يكن هنكا رصيد فلا يوجد تربية في الحياة وكل التربية تقوم على الخطاب للفطرة في جانبها المادي وجانبها المعنوي وبصورة مسرفة منحازة أو بصورة محايدة متعادلة وتنظر بعدالة وتوازن إلى دوافع المادة ودوافع المعنى في النفس البشرية.

الآية الكريمة تقول أن هناك ميثاق وهذا الميثاق يقطع عليكم حجة الغفلة وأن هذه القضايا أنتم لا تعرفوها ولستم مؤهلين لها، فلتجلب واحدا بذكاء مستوى إبتدائي وخطابه بمعادلات بمستوى الدكتواه وما شابهها فلن يستفيد من كلام أي شيء وهذا وجه.

وأما الوجه الثاني “أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ” فأنت أخذت ميثاق على الناس ولكنك لم تأخذ الميثاق على كل الناس فأخذته على آدم والأنبياء وعلى بعض الناس وعلى آبائنا ونحن لم تأخذ علينا فآبائنا حين خالفوك في الدنيا فقد خالفوك عن علم وعمد فحق عليهم العذاب ونحن لم يؤخذ علينا هذا الميثاق فما علينا إلا أن نتبع سلوك آبائنا وقناعاتهم وسيرتهم وما كانوا عليه من دين الكفر فلزم أن يؤخذ ميثاق وميثاقا يعم كل نفس بشرية -كل فرد- وهنا أمر آخر حسب نظر العقل فإن هذا الميثاق يجب أن يكون غير منسي وإلا ما قيمة ميثاق انساه من قبل آخذه عليّ وما قيمة ميثاق تأخذه عليّ وتملك أن تنسيني إياه وفعلا أنسيتني إياه فما قيمته وكيف تحتج به عليّ!

فلابد أن يكون هناك ميثاق أولا، وثانيا ولابد أن يكون هذا الميثاق مع كل إنسان مكلف مسؤول، وثالثا أن لا يكون قد طواه النسيان فقد كان في عالم الذر وجئنا لا نعلم عنه شيئا أصلا وهل تذكر أن عندك ميثاق في عالم الذر مع الله عز وجل؟ وهل هناك من يتذكر؟ فإن كان هذا الإحتجاج من الوجوه التي يعترضون بها على أن المعني هو ميثاق في عالم الذر بتصوير أننا كنا في عالم الذر والذرية مأخوذ إما من ذر بمعنى أنتشر وعمّ ونقي أو نشر وفرق ونقى أومؤخذة من الذرأ أو مؤخذ من الذر وهو الأجسام الصغيرة الضئيلة جدا مثل النمل وكذلك الغبار الذي يحمله الشعاع الداخل من شق باب أو أن المعنى هو الخلق والإيجاد فالله يخلقنا بمعنى يذرأنا فعالم الذر هو عالم الخلقة هو عالم وجودنا ونحن ذرات ولكنها تحمل ذرات واعية مدركة ولكن إذا أخذ علينا الميثاق في ذلك العالم ونحن ذرات مدركة واعية فإن كان ويراد لنا أن نذكر يوم أخذ وعلينا احترامه فما نذكره فيأتي تفسير ثاني عند عدد من العلماء للميثاق.

فلابد من ميثاق حتى يحتج بها عليَّ ولابد من معرفة بما يخاطبني به الأنبياء والرسل ومن آيات وكي أحاسب أنا لابد أن يكون هذا الميثاق قد أخذ عليّ وليس على أبي وجدي فقط وثالثا لابد أن يكون هذا الميثاق مذكور لي حتى أعرفه.

ماذا نعرف من هذا الميثاق؟

وانته في سن العشرين أو سن الأربعين أو سن المائة أو وأنت في سن الرابع عشرة أو الخامس عشرة تعرف ذاتك في فقرها وفي حاجتها الشاملة التامة الأصلية الذاتية وتعرف نفسك أنك لست غنيا في شيء وإنما نحن فقراء عدم وأنظر إلى نفسك وقلبك وفكرك وروحك التي تعيش بها وأعضائك فأنت لا تملكها بنفسك وأنت لم تملكها فسك في لحظة من اللحظات  وهي ملك لغيرك أعطيت أياه ولم تعطى إياه مطلقا وإنما بقي بيد مالكه وأنا لا أملك نفسي للحظة واحدة ولا أضمن ذلك.

هذا الفقر الذاتي الذي تعرفه كل نفس من نفسها وتعرف معه أن معه لازمة بلا إشكال بل عليها أن تعرف أنها من عطاء ذلك اللازم المنطقي وهو أنها من غيرها وأن فقرها المطلق يقابله غنىً مطلق وأن مملكويتها المطلقة تقابلها مالكية مطلقة وأنها خاضعة بكلها وبكل دقيقة فيها من معنى ومادة لمالكها الحق وهذا هو الميثاق -كما في تفسير بعضهم- الذي يبقى معك طول حياتك وهذا يكون معك في ففطرتك وخلقه الله عز وجل وهذه النفس خلقها الله عز وجل تعرف نفسها وتعرف ربها وكما كانت تعرف نفسها امس وتعرف ربها هي اليوم تعرف نفسها وتعرف ربها وهذا ميثاق ملزم ومعي في كل حياتي.

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ” أخذ من ظهورهم شيئا وجعله ذرية لهم ونشرهم وعددهم وبالغ في عددهم وكثرهم عن هذا الطريق[10] وتلك النطفة التي لا قيمة ولا وزن في النظر لها إذا بها ذلك الرجل العظيم والعقل الكبير والروح الحية والعزيمة المتوثبة والقدرة على الأختراع والاكتشاف والتحليل والتركيب والاستنباط.

والله أخذهم من الظهور ونشر الذرية “وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ” هنا شاهد ومشهود عليه ومشهود به فالنفس تشهد على نفسها فأشهدكم أنتم على أنفسكم فأنا شاهد على نفسي ونفسي شاهد على نفسي وهي تشهد بفقرها ولا تشك في فقرها ولا يوجد أي أحد يتصور نفسه أنه غني بذاته والآن أو بالأمس كان يملك ذاته وأن حياته من عنده ووجوده من عنده وسمعه من عنده وطريقة تفكيره من عنده وقانون التفكير من عنده فلا أحد يدعي ذلك من كافر ولا مؤمن وكل نفس تعرف من نفسها وتشهد بفقرها الذاتي الشامل المتقع ونفسي الفقيرة تعي فقرها وتدرك فقرها وتشهد بفقرها.

أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ” وهذا الفقر يجعلها تشهد بربها الغني وبربها المعطي وهي سائل وهي مستجدي ولو لم يوجد معط ومفيض ما كانت ولا تجد من أمثالها مفيضا وحتى من ملَكْ ما دام ممكنا وفقيرا في ذاته لا تُرجع العطاء للملَكْ وأنا لا أستطيع أن أرجع إعطائي الوجود وإعطائي الحياة وإعطائي شيء مما عندي إلى جبرئيل أو من أكبر منه بحسب ذاته فإذا أرجعت إلى جبرئيل بما هو معطى من الله فقد أرجعت الأمر لله عز وجل وأما إذا أرجعت الأمر لجبرئيل نفسه فلا يجوز فجبرئيل ممكن وهو محتاج في وجوده وفي إدراكه وفي قدؤت وفي شعوره إلى المفيض الحق الأصل وهو الله تبارك وتعالى فلابد أن أشهد بأن لي ربا.

وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ” الله عز وجل يقول “ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا” وأنت إذا رجعت إلى نفسك الآن لا تملك إلا أن تقول شهدت وصدق الله العلي العظيم حين يقول عنا “ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا” وهذا الميثاق حتى لا تقولوا يوم القيامة إنا كنا غافلين “أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ “ وآباؤنا يعلمون ويعرفون الميثاق وأشركوا فأدخلهم النار لأنهم عاندوا وخرجوا علما علموا ونحن لم يؤخذ علينا الميثاق، لا “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ” أشهد كل الذرية من بني آدم على أنفسهم فالميثاق عام للجميع وهذا ميثاق مخلوق والله لم يستشرني يوم خلقني فلم أكن موجودا وإنما أنا عدم فهذا صنع الله وعملية خلق وتكوين ولا يوجد تعاقد على طريقة البيع والشراء والمواثيق كإيقاف الحرب وما شابهه.

“وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ” فتبعناهم على سذاجة ولا نعلم، لا بل حجتك عليك “أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ” هذا صحيح لو كان الآن فقط فتربية الآباء وبيئة الآباء وميراث البيئة وميراث الآباء مؤثر إذا كان سلبيا يؤثر على الجيل الجديد لكن الحجة تبقى على هذا الإنسان في جيله الجديد من خلال هذا الميثاق فهذا ميثاق فطري أقوى من كل شيء وهو حاضر في نفسك وأبوك لا يمكن أن يجعلك تنسى الله عز وجل بالكامل ولا تمر فكرة أن الله هو الخالق وحاجة نفسك فهذا غير ممكن وليبذل الكفر كل ما يبذل وليستغفل وأنا شريك لم أسلب عقلي ولم أسلب فطرتي بالكامل فألوثها وأغطيها ولكن أتحمل النتائج فلو تسببت في عمى عيني وما رأيت شيء يجب علي رؤيته فهذا اضطرار بسوء اختيار ومقدمته اختيارية.

فالذي يلوث فطرته ويعمي عين البصيرة عنده فهو من يتحمل مسؤوليته وهذه البصيرة لا تعميها البيئة بالكامل وأناس خرجوا من البيئة الشيوعية وهم الآن في أجواء فرنسا وأمريكا هناك مؤمنين نصارى يتحولون إلى مسلمين وهم أقوى من مسلمين في مكة وفي البحرين واليوم في العالم كما أن صوت الباطل يصل الناس فصوت الحق يصل الناس كذلك وبرغم سوء البيئة إذا كانت من عذر جزئي بمقار معين في بعض الجوانب ضاق هامشه.

 

والحمد لله رب العالمين

[1]  سورة البقرة، الآية 94.

[2]  وهذا الكلام لي أنا المسلم  وليس الكلام عن اليهودي

[3]  سورة البقرة، الآية 94.

[4]  سورة البقرة، الآية 94.

[5]  سورة البقرة، الآية 95.

[6]  سورة البقرة، الآية 96.

[7]  سورة البقرة، الآية 96.

[8]  يقدرون قبل إذ عامل وهو أذكر أو أذكروا.

[9]  سورة الأعراف، الآيتين 172 و 173.

[10]  أخذ ذلك الشيء البسيط الضئيل من الظهور وفي مسار تربية الله عز وجل صرت أنت وصرت أنا.