المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الرمضاني – 21 رمضان 1435هـ / 08 يوليو 2015م

الحديث القرآني الرمضاني – 21 رمضان 1435هـ / 08 يوليو 2015م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في

إضاءات قرآنية

21 شهر رمضان 1436هـ، 08-07-2015م

 للإستماع :

 

اضغط على الصورة لمشاهدة الألبوم :

photo_2015-07-09_10-26-36

 

للمشاهد :

وفيما يلي نص الحديث:

الحلقة الثاني عشر:

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

 

قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ[1].

 

البشرية تحتاج إلى كلمة من السماء برغما آتاها الله من هديات فمع مع الكلمة الموحاة الرجل المصنوع على ضوئها الذي صنعته هذه الكلمة ويفهم هذه الكلمة ويحمل أمانة هذه الكلمة ويسعى في الناس وبناء الحياة على أساس هه الكلمة وهكذا تولى أنبياء الله ورسوله وأوصياء رسله واليوم نحن نعيش ذكرى استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام الذي كان واحدا من العدل المبارك للقرآن الكريم وكان الكتاب الناطق الذي يحمل أمانة ومسؤولية الدقة وهدايات الكتاب الصامت ويحذو حذوه ويقفوا أثره ولا يفارق مدرجه.

 

الآيات الكريمة وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ”، القفى معروف وقفينا: جعلنا الواحد منهم يأتي في قفى الآخر ويتلوه وهم أنبياء ورسل متتابعون يأتي اللاحق وراء السابق ليحمل نفس المسؤولية ويؤدي الأمانة ويأخذ بالأرض والناس ممن عليها إلى الطريق القويم فمسيرة لا تنقطع ولم تنقطع من نبي ورسل وإمام ومصلح وفي قبال هذا الخط الخط الآخر المنتصر للشيطان وللكفر وللفساد.

 

“وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ”، ورح القدس فيه لهم كلمات أنه جبرئيل وهو روح وكل الملائكة خلقوا من روح ووجودهم روحي فلا غرو أن يكون روح ويسمى روح ويسمي روح القدس والقدس من معناه الطهر البالغ أو البركة فهو روح طاهر شديد الطهارة بمعنى لا باطل ولا ضلال ولا جهل ولا زيغ عن خط الله تبارك وتعالى وقد يقال بأن المعني من القدس هو الله عز وجل وهو الكمال المطلق وينسب إلى الله تشريفا كما في روح الله عيسى عليه السلام وقيل بأن روح القدس هو الروح التي كان يحي بها عيسى عليه السلام الموتى فهي هبة من الله عز وجل له وهي طاقة روحية عالية متميزة من صنع الله عز وجل لها خاصية إحياء الموتى بإذن الله فأيد بروح القدس يمعنى أيد بهذه الروح التي تجعله بإذن الله يحي الموتى فأيد النبي عليه السلام بكل ما يهيئ له طريق الدعوة إلى الله وإقامة الحجة البالغة على الناس من قبل الله عز وجل وما يفسح الطريق ويفتح القلوب التي تملك الإستعداد لإشتاق هدايته والإقبال على الأخذ بكلمته.

 

“وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا”، فهنا تأتي القضايا قضايا هذا الإنسان وقلب هذا الإنسان ونفسية هذا الإنسان وغفلة هذا الإنسان وعصبية هذا الإنسان “أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ، وهكذا كانت السيرة من بني إسرائيل القتل المعنوي للإنبياء أو القتل بالتصفية الجسدية.

 

هناك شرط عند كثير من بني إسرائيل وعند كثير من الناس الآخرين شرط للأخذ بالرسالة وشرط للسير وراء هذا الرجل وشرط للخضوع والانتصار لهذه القضية وهو أن يوافق ذلك هوى النفس فأنا مع هذه الحسينية وأن لم يكن خطيبها هو الأبرز وأن لم يكن البارز وأكون معها بأخطائها لأنها حسينيتي فلا يكفي أن تكون حسينيا ولا يكفي أن يكون موكبا حسينيا ولا يكفي أن تكون المدرسة مدرسة إسلامية وأن يكون المذهب مذهبا إسلامية وأن تكون الحوزة علمية مفيدة وأن يكون المشروع صالحا فما لم تكن نسبة بين هذا المشروع وبيني وبين هذه المؤسسة وبيني وما لم يتوافق المشروع مع هوى نفسي فليكن قد أتي من الله وليكن هناك أمر من الله بالأخذ به فلا أخضع فهنا معبودي هواي.

 

حين آخذ بالدين الحق الصادق ولكن لا لأنه الدين الحق الصادق وإنما لأنه دين وافق هواي وانتسب بصورة من الصور إلى نفسي وإلى قوميتي وإلى قِطرِي وإلى عشيرتي فأنا معه ومعه ليس من منطلق أنه من الله وإنما من منطلق أنه منسوب إلي بدرجة من النسبة، فلنفتش في داخلنا عن آخذنا بالإسلام وعن أخذنا بإمامة علي عليه السلام وبنوة رسول الله صلى الله عليه وآله هل لأنه عربي وهل لأن علي بن أبي طالب عربي وهل لأن أمي وأبي ربتني على ولاية علي وعلى حب علي وهل لأن علي بن أبي طالب عليه السلام تنتسب إليه الشيعة الذين أنا منهم؟ ولما أخذي بمنهج رسول الله صلى الله عليه وآله ولما اتباعي له هل لأنه رسول الله أو هل لأنه النبي العربي وأنا عربي والمكي وأنا أبن مكة فلنفتش في داخلنا فإن في داخلنا ما لو نكشف لنا تماما بالتفتيش والمراقبة والمحاسبة لفررنا منه لحظة عقل ولحظة يقظة ولحظة ضمير.

 

بنوا إسرائيل مبتلون بهذا وضاطرة فيهم أنهم يأخذون من منهاج السماء ويتبعون منا لأنبياء والرسل من كان منتسبا إلى بني إسرائيل ومن هو محسوب عليهم، فنقبل هذه الدولة إذا كنا فرسا فلا نقبلها إلا فارسية وحين تأتي دولة فارسية بالإسلام نقبلها لا لأنها جاءت بالإسلام وإنما لأننا فرس ونقبل بهذه الدولة الإسلامية لا لأنها إسلامية وإنما لأنها تحققت على يد العرب وفيها ذكر العرب فأخذي بهذه الدولة واتباع هذه الدولة من منطلق أني عربي ومن منطلق أني فارسي أو تركي فالإسلام التركي أنا من مناصريه لأني تركي ولا أناصر الإسلام حين ينطلق من أرض عربية وعلى يد قيادة عربية فهذه عبادة هوى وعبادة أرض تتمظهر بعبادة الله تبارك وتعالى زورا وكذبا وغشا للنفس.

 

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ”، فما كان لبني إسرائيل أن يتوقفوا عن الاستجابة له بعد هذا فهم مؤيد بالبينات وقد أوتي البينات الكافيات والبينات تقطع الحجة وتقدم دليلا ساطعا لا جدل فيه وعلى العقل ان يستجيب له ومع ذلك يأتي الإنكار وتأتي المواجهة وذلك مع التأييد بروح القدس وظهور المعجزات التي لا تترك مجال للشك أنها من الله عز وجل.

 

أَفَكُلَّمَا“، استنكار فهذه بشاعة “أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ”، المنطلق ليس شكا في الحق وليس لشك في الدليل وإنما هي روح الاستكبار التي تعصف بكل دليل وتسقط قيمة كل برهان “أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ، الوقوف في وجه المصلحين كالوقوف في وجه الأنبياء والمرسلين والمنطلق هو المنطلق فمرة استكبار ومرة مصالح شخصية ومرة عواطف جاهلية.

 

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ[2]، مغلفة جمع أغلف وهذا قلب أغلف وقلوب غلف مغطاة ومغلفة والذي غلفها هو استهزائهم وقولهم أنها مغطاة فلتيئس وهو تيأيس واستهزاء وقد تقرأ “غُلُفْ” هم يقولون أن قلوبنا فيها استعداد للفهم وفيها القدرة على الفهم وتستوعب ولكن كلمتك غير مستوعبة وغير صالحة للاستعباب وغير قابلة للفهم.

 

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ”، كلامك وما تتطرحه ليس مما تستقبله القلوب الدارسة الواعية الممحصة فهي في حجاب عن مثل هذا الكلام “بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ“، فالقضية أن قلوبهم مثل قلوب الآخرين لها استعدادها في الأصل كما خلقها الله عز وجل لأن تستقبل الحق ويحملون في قلوبهم ما يميز بشكل اجمالي أساسي بين ما هو حق وبين ما باطل وقد صاغ الله عز وجل النفس البشرية في ميلها إلى الهدى أقرب منها في ميلها غلى الباطل وأن أعطي القدرة أن تميل مع هذا بدرجة أكبر أو مع ذاك وأن تفارق هذا وترتبط بذاك.

 

فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا[3]، وفطرت النفس البشرية على توحيد الله وهو أساس الهدى وكل هدى ولم نفطر على عبادة الشيطان وعلى الكفر وقد أعطينا القدرة على الكفر ولكن الفطرة فطرة إيمان ولذلك لو لم تتدخل السيئة والإنسان قبل أن يتشيطن تجده في أوائل تمييزة يسأل السؤال الإيمان ويطرح الشعور الإيماني ويقيم حياته على أساس أن لا شيء في هذا الكون إلا ورائه سبب وأصلا تمسكنا بالسببيه في كل أمر صغير وكبير هو حجة علينا وحياة الكافر فضلاعن حياة المؤمن لا تقوم في نفسه ولا يسعى فيها مفارقا للقناعة واليقين لنظام السبب والمسبب وهذا اليقين الكامل الذي أقيم عليه كل حياتي فأنا في أكلي وشربي وعملي وفي يومي وفي حربي وفي سلمي لا أقيم شيئا من ذلك مفصولا عن يقيني بنظام السببية وإذا كان هذا النظام في قرارة نفسي نظاما شاملا ساريا في كل شيء وفي الأمر الصغير والكبير ولا أنتظر شربة ماء تصل لفمي من غير مد يدي إليها ولا أنتظر أن تخرج كلمة من يتعبر عن إرادتي من غير أن أعبر عن الكلمة وليس لدي شيء أفصله في كل حياتي عن اتباع نظام السببيه فكيف آتي لكل هذا الكون وأقول أنه وجد من غير موجد أو أن علته أصغر منه في مستواه!! فنحن مفطورن على الإيمان وقبل أن نتشيطن وأن تصنعنا الحضارة والبيئة الشيطانية بعيدين عن الله مشكيين فيه وملوثي الفطرة فقبل أن نكون كذلك فنحن نحمل إيمانا وإن كان ساذجا بسيطا.

 

طفلك قبل أن تصنع قناعاته هو مؤمن وطفل الكفار قبل أن يصنع قناعاته هو مؤمن وتُبَصِرَهُ بقضايا الإيمان من بعد ذلك وتعطيه ما يبقيه على خط الإيمان هذا صحيح وذاك ينحرف به الكافر وأما هو في نفسه فهو مفطور على توحيد الله تبارك وتعالى.

 

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ”، لا يوجد قلب مغلق عن الإيمان في أساسه وعن سماع كلمة الهدى وعن قبولها والاستجابة إليها فالقلوب مفتوحة على بارئها عز وجل وقد أعطيت امكانية أن تنكر ولكنها لم تفطر على النكران وإنما فطرت على الإيمان بالله عز وجل وهذه الامكانية امكانية الإنكار تكبر وتسهل في الإنكار ويستساغ وتلتحم به النفس حينما تنحذر وحينما تتلوث بالمعاصي وحينما تستكبر أول مرة وثاني مرة وثالث مرة على الحق وعندما تدبر المرة تلو والأخرى عن الله عز وجل.

 

بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ”، الظاهر من الآية الكريمة أنهم طردوا وقلوبهم طردت من رحمة الله واللعنة هو الطرد وأكبر طرد للقلب وصاحب القلب من رحمة الله أن يدخله إنكار الله عز وجل والاستكبار المترسخ على الحق فقد كفروا والكفر أمر اختياري وكفروا بمعنى جحدوا وغطوا الحقيقة والكفر هو تغطية الحق وإسدال على الحق البين الظاهر وإقامة حاجز بين النفس وبين ما تراه من نور والكفر ليس حالة شك في الدليل وإنما حالة معرفة الدليل وطرح الدليل وإنكار الدليل ورد الدليل فهؤلاء أقدموا على خطوه إرادية اختيارية عنادية استكبارية في ردهم لأدلة الإيمان ولآيات البيات التي جاءت على يد هذا الرسول أو ذلك الرسول وبتعاملهم مع إحياء الموتى وإبراء الأبرص والأكمه وهي آيات بينات واضحات والاستكبار على هذه الآيات هو كفر.

 

هذا العناد وهذا الكفر وهذه المواجهة للحق عن إرادة وعن علم وعن تصميم وهذا له جزاءه وهذا جزاءه بحسب قانون السببيه ولعنهم الله بقانون السببيه وبما سنّه من قانون وما أوجده من قانون على المستوى التكويني فالسم ينتج قتلا ودواء ناجعا ينتج شفاء وكفرا ينتج طردا ويبعد عن رحمة الله ويخرج بصاحبه بعيدا عن رحمة الله عز وجل والإيمان يقربني والتسليم بما توفر لي من دليل إيماني والخضوع له فهذا يزيدني في الإقبال على الإيمان ويعطيني طاقة أكبر ويصحح من نفسي ويرتفع من مستواها والمستوى الموضوعي ومستوى الإستجابة للحق في نفسي، الصلاة تعطي مردودها والمعصية تعطي مرددوها في النفس وهذه عقوبات يرتبها نفس قانون السببية المخلوق من الله عز وجل فيرتب العقوبة والمثوبة فللطاعة مردودها في النفس وللمعصية مردودها في النفس فأنا اليوم بعيدا عن الحق بدرجة معينة وأعمل صالحا صالحا أقترب وأكون قريبا من الحق وأبتدي مخالفة مخالفة فنفسي تبتعد ومستواي ينزل وهكذا “بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ” فالكفر هو السبب في هذا اللعن وفي تحصيل هذه النتيجة وفي تحصيل الطرد وهذا البعد عن الله رحمة عز وجل.

 

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ[4]، القرآن الكريم جاء لبني إسرائيل وهو مصدق لما معهم وذلك أن المضامين الإلهية والقضايا الحقانية من عقيدة إلى تشريع فكله مما في الإنجيل والتوارة وكتب الله السابقة مؤيدة من القرآن الكريم وكل ما هناك بعض الأحكام الشريعة قال القرآن الكريم بأن لها مدة وانتهت وهذا ما ذكره الأنبياء من قبل وفيما هو في الكتب السابقة على النبي الكريم صلى الله عليه وآله ةعلى القرآن الكريم ما هو وصف للإسلام وللنبي صلى الله عليه وآله وسلم وما هو بشارة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين وبالإسلام في الصورة الخاتمة المتنزلة على الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم وتلك المواصفات التي تحملها الإنجيل وتحملها التوراة جاءت منطبقة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الكتاب الذي جاء به فهو مصدق لتلك البشارات وموضح أنها منطبقة عليه.

 

والكتاب الذي جاءهم جاء يحمل نفس الفكر النقي الذي في الإنجيل والتوارة وجاء يحمل نفس المواصفات التي بشرت به الكتب السابقة وعن مجيء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يرتبط به وبالدين الخاتم فلا تبقى من حجة بعد ذلك وعلى الطريقة لأنه لا يوافق الهوى ولا ينسجم مع الهوى ولابد أن يقف بنوا إسرائيل متعصبون منه في وجهه.

 

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ“، إلتفت أنه من عند الله ولا تنظر فيه في محمد بن عبدالله في الكتاب وإنما أنظر ممن ولا تنظر لمن جاء به أنه عربي أو فارسي أو تركي أو غيرهم وجاء من رب العرب وربك ورب الفرس والترك ورب العالمين فقد جاء من الله رب الجميع المعبود الحق وخالق الجميع وهو جاء من عنده ولا تحسب حسابك مع محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم بما هو عربي عقبة في طريق تسليمك بالكتاب الكريم ولا يقف عنصره الفارسي أو التركي ولا يقف أي عنصر آخر أمامك عن تسليم الحق ما دامت القضية قد جاء من عند الله ومن مقررات دين الله عز وجل.

 

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ”، والذي يعني رده الرد على الله وليس ردا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصلا وإنما الرد على الله فلما جاء على يد محمد بن عبدالله العربي فلا نقبل به ولا نريده وإنما لابد أن يأتي على يد اليهودي والإسرائيلي.

 

“وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ”[5]، فلعنة الله على الكافرين والسبب هو الكفر وهي آية تحمل دليلها وما هو حقانية هذا اللعن وصحته لأنهم كافرون وأنكروا الحق وردوه عن علم وعن عمد واليهود سافر عدد منهم وتركوا ديارهم وجاءوا إلى المدينة المنورة على أساس بشارات التوراة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان عندهم أنه هاجر إلى المدينة وهي محل هجرته وأنه يظهر نبي هناك يكون لأهل الإيمان على أهل الكفر وقد جاءوا شوقا إلى النبي وإلى الأطروحة وإلى الدين الكامل الذي سيأتي به وهذا شوق ريح الهوى تعصف به! فالهوى لا يبقي قناعة ولا يبقي وجدان ولا يبقي قيمة لبرهان ولا حسابا لمصلحة ولا يبقى حسابا لمضرة فإذا حكم الهوى لم يصمد أمامه من عقل أو دين في النفس ولا يكون لشيء فاعلية مع طغيان الهوى وحاكميته.

 

وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا”، يستفتحون على الخزرج والأوس الذين كانوا معهم في تغالب على الديني فاؤلئك كانوا وثنيون واليهود الذين في المدينة كانوا أهل دين فكانوا يستفتحون عليهم ويستنصرون وهو من معاني الاستفتاح، الاستنصار بالدين الجديد المرتقب وبالنبي الكريم الموعود به والذي دفعوهم الشوق إليه إلى النزول إلى المدينة وترك الديار وهذا قرار عقلاني نابع من الفطرة بأنهم شوقا للحق يسافرون ويتركون كل شيء ولكن عسى النفس أن تصمد إن شاء الله.

 

وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا”، ستهزمون وستكون لنا الغلبة عليكم وسننتصر برسول الله المرتقب أو كانوا يطلبون النصر من الله عز وجل بمجيء هذا الرسول والاستفتاح يفسر عند بعض المفسرين بالاستعلام عن صفات الرسول الذي ينقذهم مجيئه من شر الكفار.

 

فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا”، هم يعرفون المواصفات وعندهم البشارة وكانوا يتوقعون الأمر ويينتظرونه وقد رحلوا من ديارهم من أجله والقضية غير مجهولة أو مشكوكة وليست محل ريب ومع ما يعرفون كفروا به “فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ” فيكفر بما عرف وليس بما جهل وبما شك “فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ”، هذا يثبت لهم عقوبة الطرد والوصف هنا معلل لحلول اللعن عليهم فحل اللعنة من الله العدل الرحمن الرحيم على هؤلاء بكفرهم والكفر وجحود الحق وجحود الدليل مقاومة لله عز وجل فلا يوجد طريق ثاني غير العلم لتسلم كما ترى الشمس.

 

والحمد لله رب العالمين

[1]  سورة البقرة،الآية 86.

[2]  سورة البقرة، الآية 88.

[3]  سورة الروم، الآية 30.

[4]  سورة البقرة، الآية 89.

[5]  سورة البقرة، الآية 89.