المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الرمضاني – 19 رمضان 1435هـ / 06 يوليو 2015م

الحديث القرآني الرمضاني – 19 رمضان 1435هـ / 06 يوليو 2015م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في

إضاءات قرآنية

19 شهر رمضان 1436هـ، 06-07-2015م

 للإستماع :

اضغط على الصورة لمشاهدة الألبوم :

 

 

 

IJ0A8463

للمشاهد :

وفيما يلي نص الحديث:

الحلقة الحادية عشر:

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

          قوله تعالى “لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[1]، القرآن حق من الحق ومن أعظم عظيم ومن له القدرة المطلقة والعلم المطلق والحياة المطلقة من الكامل تبارك وتعالى فقلب حي أو شيء يشعر بأن القرآن الكريم منزل من العلي العظيم ويعرف أن هذا الرقآن فيه انعكاس لأسماء الله الحسنى ومنتزل من قدرته ووراءه قدرة الله عز وجل وأخذ الله ورحمة الله ورأفته هذا الشيء إذا دخله شعور بهذا كله لابد أن يخر صعقا.

          القلب البشري ما كان له إلا أن يصعق وما كان له إلا أن يخر أمام عظمة القرآن وعلم هذا القلب لو علمه وتيقنه وملك الحياة التي تؤهله إلى أن ينفعل بالقرآن الكريم ولعظمته فهذا القلب أمام عظمة القرآن لابد أن يصعق ويخر، والجيل الصلب الشديد لو جاء القرآن باللغة التي يدركها الجبل  ولو ملك الجبل شعورا بعظمة القرآن وبخطابات القرآن وبحقائقه وبصدق القرآن ومصدر عزة القرآن لما كان له إلا أن يتصدع خشية من الله تبارك وتعالى.

          قلوب في الكثير لا تنفعل وهذا من نقص في المستقبل ولذلك فإن القلوب الحية تخشع للقرآن وتذوب أمامه وتنطقها الآية القرآنية بينما القلوب الغافلة والجامدة التي جمتها الذنوب وسببت لها الغفلة فهذه القلوب تتعامل مع القرآن بأن أقل من كتاب عادي وقد أتأثر بكلام بشر أكثر مما اـاثر الكتاب الكريم لذلك لعمى في القلب -والعياذ بالله-.

          “لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[2]، يراد لنا أن نفهم وأن نتفكر ومانع الخشوع أمام القرآن والذي يحول بيننا وبين عش القرآن والذي يحول بيننا وأمام الخشية أمام القرآن وهذا المثال يريد أن يحي قلوبنا ويفيق هذه القلوب على أن غفلتها إنما هي بسبب ما اكتسبته من ذنب، وإلا لو لم يكن هذا الحجاب لكان لها شأن غير الشأن في التعامل مع القرآن الكريم.

          الكتاب الكريم لو شأن وكل الكتب الأخرى لها شأنها المتفاوت وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله هو أتم كلام وأبلغ كلام من بين كلام أهل الأرض وكلام أمير المؤمنين عليه السلام عظيم بليغ وصادق ومدرسة حياة ولكن يبقى الكتاب لا يطاله كلام نبي ولا كلام إمام.

          بسم الله الرحمن الرحيم “الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ[3]، يا عقل البشر تلك آيات القرآن المبين بعيدة عنك ويا فن البشر تلك آيات القرآن الكريم ويا علم البشر تلك آيات القرآن الكريم ويا كل مستويات البشر ذلك الكتاب الكريم وتلك هي إشارة للبعيد ويا أكبر عقل بشري حين يشار للقرآن يقال “تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ[4]، أو “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ[5]، وهذا بمعنى الذي جهل في متناولكم تلاوة واستفادة وهيئ له من يعلمكم بمضامينه وتستفيدون منه وهذا الكتاب الحجة التي وصل فهو حجة عليكم لأنه قريب وصار في متناول يديكم من صنع الله تبارك وتعالى وأما هو في نفسه وحيث إيجاده فإنه في مساواه هو “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ” و تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ[6].

          “الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ[7]، “طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِين[8]، ولذلك فهو عظيم عظمة يمتنع مثله من أجلها أن ينتجه المخلوق “وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ[9]، العظيم يقدر القرآن الذي أوجده بأنه عظيم فلا شيء فوق ما يهدي إليه وتنتج نظريات في الأرض منها ما هو ضار ومنها ما هو نافع والنافع منها على درجات ومراتب ولكن يأتي ما هو كامل وما هو أحق وما هو إمام وما هو أكمل وما هو أقوم فتبحث عن منهج حياتي قويم بمقدار ما هو منهج الله الذي نزله على عبادة فلا تجد فلا شيء فوق ما يهدي إليه بل لا يصل انتاج إلى ما هو عليه من مستوى.

إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا[10]، فلنتنج البشرية ما تنتج ولتجدد في علمها ولتتطور ستصل إلى مستويات ولكن أن تُنتج ما هو بمستوى الكتاب وأن تأتي العقول البشرية مجتمعة كلها على أن تأتي بمثل منهج الكتاب ولو لا يكن في صيغة كتاب فلا يمكن وإنما يبقى كل الانتاج البشري أعلاه هو من الدرجة المتخلفة عن ما عليه كتاب الله تبارك وتعالى فعلينا أن نجتهد ولكن لا أن ننتج منهجا في قبال منهج الله تبارك وتعالى وإنما من أجل أن نتفهم أن نصل إلى منهج الكتاب ونكتشفه.

الأمة المسلمة عليها أن تسابق الأمم الأخرى في الإمساك بالمنهج الأقوم ولكن ليس لها وهي تسلك هذا الطريق أن تعتمد على جهدها الذاتي وما تذهب إليها عقولها مفصولة عن كتاب الله وهداه وإرشاده ودلالاته وما طرحه من أسس فكرية وأسس للمنهج الإلهي وحتى ليس لها أن لا تعدل عن تفصيل من تفصيلاته.

          وتمام الآية السابقة “وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا[11]، وهي ركن من أركان فكر الكتاب الكريم، ولو صفت الحياة بكل سنواتها وبكل ساعاتها وكل لحظاتها وكانت سعادة لا يتخللها شقاء ستكون ساقطة حين تنتهي بالمرء إلى العذاب المقيم فلا تقل لي بأن الحضارة المادية تنتج قصور و تنتج جسورا  وتنتج صناعة متقدمة وموقعا سياسيا كبيرا وتنتج موقع عسكريا كبيرا فكل ذلك لايساوي شيئا أمام نتيجة سخيفة ونتيجة مؤلمة وأمام نتيجة داهية وكارثة ولا مفارقة بين الإنسان وبينها بعد موته إذا سلك المسلك الذي يبعد به عن الله عز وجل، هذا على أن العذاب الأليم لمن عدل عن منهج الكتاب ونسي الآخرة لا يقتصر على عذاب الآخرة وإنما هو عذاب مجتمعات وعذاب أسر وعذاب طبقات وعذاب كل الطبقات في الأرض غنيها وفقيرها وقويها وضعيفها حيث الصراع وحيث القلق وحيث عدم الرضا وحيث الأسواء والأمراض والتلوث البيئي الكارثي وليس على ظاهرة فقط.

ونحن نمشي في طريق الحياة وهو طريق مليئ بالمعنطفات ومليء بالمفارقات ومليء بالمتضادات والمتناقضات وطريق الحياة فيه هدى وضلال وفيه كفر وإيمان وطريق الحياة فيه عدل وظلم وفيه زيغ واستقامة وفيه مطبات وفيه ظلمات فأنت تحتاج دائما إلى ما يعطيك وضوحا بين الحق والباطل في كبريات المسائل وفي صغريات المسائل وفي قضايانا الكبيرة وفي قضايانا الصغيرة، فهي ثلاث حالات تغير الطريق ومعرفة حق ومعرفة باطل وليس في الأمور الكبيرة وإنما حتى في الأمور الصغيرة وهناك حيرة وتيه وضياع للطريق وتضييعه ووقوع في المآسي فأريد الحق وهذا فيه مهلكة ووقوع في المآسي فأريد الحق فأسلك الباطل واجتنب الباطل فاجتنب الحق، والحيرة ليست معها حركة فهي تسبب الوقوف وتمزق النفس والقلق والاضطراب فجرب أن تحتار في مسألة علمية أو في مسألة الصلاة أوالدنيا أوالآخرة فتجد نفسك متعبا جدا جدا بسبب هذا التحير.

          القرآن فرقان بين الحق وبين الباطل وبينما صحيح وبينما هو خطأ وبينما يؤدي إلى الغاية وبينما يهرب بحياتك كلها عن غايتها الكبرى “وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ[12]، “تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا[13]، هذا طريق حق وهذا طريق باطل ومبشر لسالك الحق ومنذر لساك طريق الباطل فحياة متعبة وآخرة شقاء وهذا إنذار بما هو حق والقرآن ليس تخويف خرافي وليس لخلق الفزع النفسي المحطم القرآن ينذر بما هو خطر حق ويزودنا بالزاد الفكري والنفسي والإرادي لتجنب هذا الطريق الخطر ومبين للطريق الحق ومبشر بنتائجه ويمتلك المنهج التربوي الكافي والمنهج الاجتماعي والسياسي الذي يساعدنا على الأخذ بطريق الحق والوصول إلى النتائج الكبرى.

          القرآن بصائر قضايا واضحة بينة نيرة يطرح بصائر وكل قضية تعطيك رؤية حقيقة وتعطيك يقظة روحية وتعطية صحوة قلبية فبصائر على مستوى الفكر وعلى مستوى القل والروح وبصائر على مستوى السلوك العلمي وما هي قضايا الحق وما هي قضايا الباطل التي تشكل هذا المنهج او ذلك المنهج ليوصل الإنسان إلى السعادة أو الشقاء.

          “وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[14]، اجتبيتها بمعنى اختارها ويحملونها على الآية القرآنية وعلى الآيات الهادية فهناك آيات تكوينية وطبيعية وهناك آيات من آيات الكتاب ومنها هو حجة وبرهان على معرفة الله عز وجل وعلى عظمة الإسلام وفيها آيات هاديات بسلوك الإنسان في هذه الحياة في قضايا دنياها وقضايا آخرته.

وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي [15]، هذا أمر ليس من عندي وليس من انتاجي وليس لدي المستوى الذي ينتج كتاب الله عز وجل وإنما هذا “هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[16]، بصائر من ربكم الذي يريبكم ويدبر أمركم والذي يعلمكم ويشفق عليكم والذي يريد لكم أن تنمو وتزكو وتسعو ربكم وكيف هي تربية والدك لك وتربية أمك لك، والله رب العالم وهو الذي ينزل عليكم ينزل عليكم بصائر فتخطئ فتأتي من منطلق ربوبيته تبارك وتعالى ورأفته ورحمته وإشفاقه عليكم.

وهذه الآيات الكريمة عما وصف الله عز وجل به كتابه الكريم وهي الآيات الثمان الأولى من سورة طه “طه[17]، طاء وهاء مختلف في معناها هناك من يقول بأنها تعني يا محمد أو يا رجل وهناك من يقول ليس كذلك وإنما حروف مقطعة وليس إسم من أسماء رسول الله صلى الله عليه وآله ولكن يبقى المخاطب بالقرآن أولا هو رسول الله صلى الله عليه وآله المتنزل عليه كتاب  الله تبارك وتعالى فعندما يقول لك “مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى[18]، سواء كان المعني ب طه هو محمد صلى الله عليه وآله أو لم يكن هذا أسما من أسماء رسول الله صلى الله عليه وآله فكف الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله.

مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى” والشقاء هو قبال السعادة والشقاء يطلق على التعب أيضا وإن لم يكن مقابلا للسعادة فالشقاء أعم من السعادة فيتناول التعب وما هو سقوط كامل وخسارة كاملة التي تقابل السعادة، القرآن الكريم لم يأتي ليشقي الإنسان في قبال السعادة وهذا واضح وكذلك لم يأتي ليجهد الإنسان ويرهق حياته وإنما يريد أن يصل به إلى غاية ولكن هل عن طريق تعب يشبه العذاب وإرهاق؟ فالدين يسر ولم يجعل فيه حرج ففي صلوات خمس ويطيق الإنسان عشرين صلاة ويطيق الصوم أكثر من شهر واحد فقط ويطيق أكثر من حجة والمكلف به والواجب الذي يسقط به الفرض هو حجة واحدة أساسا[19]، لن يموت الناس لو كانت الزكاة أكثر مما هي عليه بعض الشيء والتكاليف الإسلامية ليست هي أقصى درجة لما تتحمله الطاقة البشرية ولذلك تجد أن كثيرا من النفوس التي تأخذ بالمستحبات تأتي بأضعاف ما عليه وزن الواجبات وهذه طاقة بشرية ولكن يثل الإسلام علينا بأسباب من عندنا ومن داخلنا كفرد أو كمجتمع وأمة من تبية سيئة أو إهمال للنفس أو أفكار مشبوة ومخلوطة ومضلة أو تزهيد في الطاعة أو تزهيد في المعصية أو أوضاع سياسية أو اقتصادية سقيمة فكل ذلك يثقل التكليف الإلهي الذي ما كان ليثقل على النفس البشرية بمقدار ثقله على أنفسنا المنهارة بسوء الأوضاع والتربية.

مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى[20]، يقال وهذا موجود في الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل مجيء هذه السورة وهذا سبب نزولها أنه كان يجهد نفسه في العبادة حتى لكثرة صلاته تورم قدماه بحيث قد يقف على عقب القدم في مقدمة القدمين ويقف على رجل ويرفع رجل من أجل أن يتجنب الآلام التي قد تضايقه في الصلاة ولذلك لطول صلاته وذكروا -والله العالم- أن هذا هو سبب نزول السورة المباركة “مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى[21].

فالقرآن الكريم لا يريد أن يقود الحياة إلى أسمى غاية ولكن عبر طريق وعر وعبر طريق يصعب على النفوس أن تسلكه وعبر حياة كلها أتعاب وإنما حياة فيها أنس وفيها استرواح وفيها طمأنينة وفيها سعادة نوم وسعادة أنس مع الزوجة ومع الولد وفيها رحلات وفيه سفرات ففيها منهج متناسب مع سفرك ومع حضرك ومع صحتك ومع مرضك فالقرآن يريد أن يقود الحياة على هذا الطريق أسمى غاية وأيسر طريق يؤدي إلى هذه الغاية وليس من دون تكاليف فالإسلام ليس للاسترخاء والكسل ولكن ليس للأرهاق وللإجهاد والإسلام يقول لك إن لم تستطع الصيام وهذا يسبب لك مرض أو يزيد في مرضك أو يبطئ في برئك فلا تصم وصومك غير مجزي وإن لم تستطع الصلاة من وقوف فصلي جالسا وإن اضطررت لأكل الميت فكلها بما يحفظ لك الحياة، فهناك عناوين أولية وعناوين ثانوية تحل الكثير من المشكلات.

إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى[22]، إلا تذكرة يسمى استثناء منقطع مستثنى ليس من جنس المستثنى منه، فتقول جاء القوم إلا زيدا فهذا استثناء متصل فزيد من جنس القوم ولكن ما جاء القوم إلا حصان فالحصان ليس من جنس القوم، فتذكرة ليست من جنس الشقاء الذي ذكره القرآن الكريم.

تذكره: من يُذَكر هو من نسي ومن يذكر لابد أن يكون على علم بشيء ثم نساه فلابد أن يذكره بشيء يعلمه وإلا فهذا تعليم وليس تذكير وحتى تذكرني فلابد أن أكون على علم بمعلومة سابقة وهربت من حالة الحضور النفسي في الذاكرة على الأقل السطحية فتذكرني بها، وهنا التذكرة حسب فطرتنا للميثاق الذي مع الله عز وجل وعندنا معرفة بعبودتنا وعندنا معرفة بربوبية الله عز وجل وعندنا معرفة بوجوب طاعة الله عز وجل وإفرادة بالطاعة وهذه معرفة مغروسة في تكويننا وكينونيتنا ومن فطرتنا ومن خلقتنا وهذه لا تنفصل ولا تذهب من الذات الإنسانية إلا بتغيرها ولكن هذه الفطرة تنغمر وتُنسى وليس النسيان بمعنى تلف الذاكرة وإنما بمعنى الغفلة والنسيان وكأن النفس أعرضت كما يحملها صاحب الميزان وهذه الحالة التي تشبه النسيان في أثرها وفي تعطيل قيمة المعلومة عندي فالله لم يتلف هذه الفطرة عندي ولم يفصل بين ذاكرتي وبينها وإنما أنا أقمت حواجز متكررة وأقمت ظلمات في نفسي باهتمامات ومشاغل وانكببت على الدنيا وانصرف إليها عن إلتفت أولا وتراكم من كل ذلك ما قام ظلمة قاتمة في نفسي تحول بين وبين استحضار هذه الفطرة وبين طفوح هذه الفطرة وبين تلئلئ هذه الفطرة في نفسي فهنا يأتي التذكير ودور الأنبياء والرسول باستثارة مكنون النفس الأصلية واستنطاق الفطرة وإثارة ذكرى العهد والميثاق ولإعطاء الحضور للفطرة لمعرفة الله في النفس ولمعرفة النفس بالنفس ولمعرفة قيمة الحياة وقيمة الآخرة ولمعرفة أن الطاعة لمن والعبادة لمن.

الكتاب جاء تذكرة فهذه التذكرة ضرورية ما دامت هناك دنيا وهذه الدنيا جذابة وهي تستحوذ على فكرنا وعلى مشاعرنا وعلى اهتماماتنا على أن الفطرة لا تقدم كل التفاصيل التي تحتاجها الحياة إنما تُوجد علينا الحجة لسلوك الطريق الذي يزودنا بكل التفاصيل وبكل القضايا التي نحتاجها وهو المنهج الإلهي فيدلك على الارتباط بالله وعلى أسس تعامل هذا العبد مع الله عز وجل من منطلق عبودية العبد وربوبية الرب أما ما هو كل الواجبات وكل المحرمات وما كل الصحيح وما هو كل الخطأ فهذا شيء لا تتكفل به الفكرة وتحتاج في الرجوع إليه إلى منهج الله ورسله.

 “تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى[23]، القرآن يريد أن يربط لنا أن هذا القرآن الكريم بصفات منزله سبحانه وتعالى لنعرف قيمة القرآن ولنعطيه حق ونعترف له بشأنه وهذا جاء  “تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى[24]، الله خلق الأرض والسموات العلى وخلق ما بينما وهذا ليس مذكورا في الآية ويوقولن أن الغرض هنا ذكر أمرين نقطة التنزل والأفق الذي تنزل منه الكتاب والأرضية التي تنزل إليها الكتاب، فنزل من السماء أعلى علو “تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى[25]، فهو منزل من السموات العلى والعلى جمع عالية إلى هذه الأرض الفقيرة والتنزيل من السموات العلى إلى الأرض تحتاجه الأرض في كل وجودها وفي كل حياتها وأنت شمسك التي تعيش بها من أين ، والهواء والمطر والماء ففي الصورة الحسية كل ذلك من السماء ومعوياتك وهداياتك وبصائرك ومنهجك ومنهج سلوك وتفكيرك وهذا يتنزل من السماء وهذه حاجتنا الضرورية والتي من مثالها تنزل المطر لحاجة الأرض إلى مطر الماء وإلى شمس السماء وقمرها وإلى طبقات الجو والتي هي فوق الأرض وهي سماء بالنسبة للأرض.

تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى[26]، ممن؟ من الخالق للسموات العلى والأرض وليست وراءه أحد ولا فوق قدرته قدرة وليس فوق إحاطته إحاطة وليس فوق علمه علم فذلك العظيم الجليل ذو الجلال والإكرام ومطلق الجلال والجمال فهذا كتابكم تنزيلا منه فكم تقدرون هذا الكتاب؟ وبأي تعامل تتعاملون مع هذا الكتاب وبأي درجة من الجدية تأخذون بهذا الكتاب وأين تضعون الكتاب البشري منه؟ “الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[27]، طابع قرآني يطبع القرآن من واسعة الرحمة الله التي عمت كل ذرة في العالم فكتابكم موضوع من الرحمن واسع الرحمة والذي وسعت رحمته كل شيء وكل ذرة في العالم ولا يكون شيء في الكون إلا برحمته وهو حامل للرحمة وليس حامل  للنقمة ولن يكون منهجا قاسيا على الإنسان وظالما للإنسان بل راحما للإنسان ورؤوفا بالإنسان.

الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[28]، رحمة وقوة ورحمة وملك ورحمة وسيطرة وسلطان وعلى العرش استوى أي على الملك احتوى وعلى السيطرة والسلطان وله السلطة الشاملة الكاملة المستوعبة والمستقطبة والمستقصية والمحطية والتي لا يخرج منها شيء في الكون على الإطلاق ولا يُغلب وصاحب هذا السلطان يعلم بكل ما تحت سلطانه وتحت هيمنته فهو مهيمن بالكامل وحاكم للعالم ومن حق من استوى على العرش أن ينزل عليكم كتابا فيه أمره ونهيه ولا حكم لحاكم أوسع من حكمه ولا حكم يحاكم بأصالة حكمه وليس هناك حكم حاكم بشمول حكمه ودوامه وليس لحكم حاكم أن يفرض أمرا أو نهيا على خلاف حكمه وعلى خلاف ما أمر ونهى فكيف يستكثر على الله عز وجل ولا يكون من حقه أن ينزل عليكم كتاب -وهذا من جهة- ومن جهة أخرى من حقه أن تخضوا في حياتكم وفي منهجها لأمره ونهيهه وهذا هو الربط فليس ذكر الآيات مجرد لذكر أسماء الله مفصولة وإنما يريد أن يربط القرآن بهذه الأسماء وأن القرآن من عطاء هذه الأسماء وفيه انعكاساتها.

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى[29]، فهنا شمولية الملك واستيعاب الملك واستقصاء الملك جاء وبينهما وفي الآية الأولى والتي تبين الأفق الواطي الذي نزل إليه القرآن فما ذكرت ما بينهما وهنا تذكر الآية وما بينهما لأنها في مقام بيان الملك الشامل المستوعب المستقطب المحيط بكل شيء و”الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[30]، حكم الله وسيطرته وسلطانه على العالم وحكومته على الكون كله ليس حكومة اعتبارية أو مغصوبة وإنما قائمة على حق وعلى أساس غير متزلزل وهو الملك وهو مالك حق[31] الملكية الحقيقة فكل ذرة من ذرات وجودي تتنزل عليّ من الله عز وجل ومخي وقلبي ويدي وهذا جسمي وتفكيري ومشاعري ولا يمكن أن يحدث أي شيء من غير عطاء الله عز وجل وملك الله بهذا النحو وهذا يحكمني وله أن يأمرني وينهاني وبعد ذلك يأتي من لا رزقي عليه ولا وجودي ولا حياتي بيده وعليّ أن أءتمر بأمره وأنتهي بنهيه، النبي صلى الله عليه وآله ليس هو من خلقني وليس هو من رزقني وليس هو من يدبرني فليس له أن يحكمني بنفسه مستقلا عن الله وهذا الأمر ليس إلا لمالكي ومالكي هو الله تبارك وتعالى.

ومن يملك السموات والأرض وينزل الكتاب ليس بحاجته سبحانه وتعالى ولا تخفى عليه ذرة في العالم ويحسب حسابها ولا يغلط ويعلم عن موقعك وعن نفسك وعن وزن عقلك ونفسك ووزن قلبك ووزن ظروفك فلا يخطئ في الكتاب الذي ينزله إليك وهو يملك كل ذرة منك فأنت لا يمكن أنت تخفى لحظة واحدة لأنك لا تستغني عنه لحظة واحدة فلا تستغني عن عطاءه ووزني كله كل لحظة من عنده فلا أخفى عليه، فهذا الكتاب النازل هو ممن يملك السموات والأرض وما بينما ولا يحتمل الخطأ عليه وليس فيه حاجة لله عز وجل والله عز وجل ليس بحاجة لأن يجور على عبد من أجل عبد آخر يسترضيه ولا يحابي الرجل على حساب المرأة ويحابي المرأة على حساب الرجل تبارك وتعالى وجزل وعلى عن ذلك.

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى[32]، ما يجود من معادن في باطن الأرض ومن أسرار فكل ذلك له والكون كله سبحانه وتعالى فسطح الأرض من ترابها من خصوبتها ونباتها وحيانها وإنسانه هم له “لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى[33]، والثرى قيل التراب وقيل التراب الرطب وهذا يكون في طبقات الأرض العليا وما تحت يكون مخازن الثروة في الأرض وكله له سبحانه وتعالى.

“وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى”[34]، الكتاب يحتاج إلى علم والكتاب الرصين الصحيح الأمين الإمام الفرقان البصائر يحتاج إلى علم ولذا ذكر العلم وذكر ما يفيد بأننا مكشوفون لله عز وجل في نوع تعاملنا مع الكتاب إهمالا واهتماما وتقديرا وتوقيرا أو غير ذلك. والسر في الآية فسر بوجوه فقالوا ما يكون من كلام نجوى بين أثنين والذي هو أخفى هو ما كان خواطر محتفظ بها في نفس صاحبها ووجه آخر يقول بأن السر ما هو خاطر عندي ولم أبح به لأحد في نجوى أو غيرها والخواطر والمشاعر والنيات والهموم ولها حضور في نفسي ولم أطلع عليها أحدا على الإطلاق وأما الأخفى ما لم يكن عندي من خواطر ستأتي وأمنيات ستجد في كل حياتي فهذا أخفى ولكنه معلوم لله عز وجل ووجه ثالث أن السر وأخفى هو ما عندي من معلومة لم أبح بها أو خاطرة وأخفى منه ما تسرب من ذاكرتي الحاضرة فما في بالي هل ذهب بالكامل أم لم يذهب فقد يكون في الباطن وحين أُذكر به ربما أذكره وكل ذلك معلوم عند الله عز وجل “وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ[35]، لا مما مضى ولا مما يأتي ولا ما هو قادم.

هذا العلم هو ليس كفؤا لأن يأتيك بمنهاج حياتي ناجح كامل وقرآن يأتيك من هذا العلم لا يمكن أن تتهمه بشيء من الجهل والقصور والنسيان والغفلة فكل هذا يجعل أمامك صورة عن قيمة الكتاب ووزنه وحقانيته وعن الكمال الذي يتمتع به هذا الكتاب.

اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى”[36]، الله معبود ولا إله غيره ولا يأمركم ولا ينهاكم أحد غير المعبود الواحد الأحد والكتاب يضعكم على وضع خاص بالحياة وهذ حق المعبود الحق “اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى”[37]، ومن خالق قادر حي عليم وهذه من أسماء الذات وكل الأسماء الحسنى لله في قبال أي إسم فيه نقص إما بالكامل أو ناقص نقصا جزئيا وفي قبال أي صفة فيها نقص جزئي وليست على كمال مطلق.

الأسماء الحسني هي في قبال الصفات التي لم يكن لها الكمال المطلق إن كانتعلى كمال كبير كبير وأي صفة لها كمال كبير وعظيم جدا إلا أنها ليست مطلقة الكمال هي ليست من الأسماء الحسنى فلله الأسماء الحسنى وصفات الكمال المطلقة في كمال الله، فكتاب يأتي ممن له الأسماء الحسنى و “له” بمعنى نفس النفس وليس أمر آخر فقدرة الله هي نفسه لكن تنسب النفس للنفس نفسها وليس معناه لله أنه هذا الشيء منسوب لي من خارجي فليس بهذا المعنى حين تقول الأسماء الحسنى صفة القدرة وصفة الحياة وصفات العلم هي عين ذاته تبارك وتعالى.

اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى”[38]، فعلينا أن نعرف قيمة الكتاب وكم علينا أن نتأدب مع الكتاب وأن نوقر الكتاب وأن نخضع لمضامين الكتاب وأن نتهم أنفسنا بالجهل مهما أمام مقررات الكتاب.

والحمد لله رب العالمين

[1]  سورة الحشر، الآية 21.

[2]  سورة الحشر، الآية 21.

[3]  سورة يوسف، الآيتين 1 و2.

[4]  سورة يوسف، الآية 2.

[5]  سورة البقرة، الآية 2.

[6]  سورة يوسف، الآيتين 1 و2.

[7]  سورة الحجر، الآية 1.

[8]  سورة النمل، الآية 1.

[9]  سورة الحجر، الآية 87.

[10]  سورة الإسراء، الآية 9.

[11]  سورة الإسراء، الآية 10.

[12]  سورة آل عمران، الآية 4.

[13]  سورة الفرقان، الآية 1.

[14]  سورة الأعراف، الآية 203.

[15]  سورة الأعراف، الآية 203.

[16]  سورة الأعراف، الآية 203.

[17]  سورة طه، الآية 1.

[18]  سورة طه، الآية 2.

[19]  إذا لم ينذر ولم يعهد عهدا.

[20]  سورة طه، الآية 2.

[21]  سورة طه، الآية 2.

[22]  سورة طه، الآية 3.

[23]  سورة طه، الآية 4.

[24]  سورة طه، الآية 4.

[25]  سورة طه، الآية 4.

[26]  سورة طه، الآية 4.

[27]  سورة طه، ألآية 5.

[28]  سورة طه، ألآية 5.

[29]  سورة طه، الآية 6

[30]  سورة طه، ألآية 5.

[31]  الثوب ثوبي كيف تتصرف فيه والأصبع أصبعي كيف تتصرف فيها والعين عيني كيف تتصرف فيها؟ وهذه ملكياتها خفيفة واعتبارية تكوينة ومجازية.

[32]  سورة طه، الآية 6

[33]  سورة طه، الآية 6

[34]  سورة طه، الآية 7.

[35]  سورة يونس، الاية 61.

[36]  سورة طه، الآية 8.

[37]  سورة طه، الآية 8.

[38]  سورة طه، الآية 8.