المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الرمضاني – 14 رمضان 1435هـ / 01 يوليو 2015م

الحديث القرآني الرمضاني – 14 رمضان 1435هـ / 01 يوليو 2015م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في

إضاءات قرآنية “ذلك هو القرآن” أو “كيف نعرف القرآن” (الحلقة 2)

< الحلقة التاسعة > 

14 شهر رمضان 1436هـ، 01-07-2015م

 

للإستماع :

 

 

اضغط على الصورة لمشاهدة الألبوم :

photo_2015-07-01_15-57-03

 

 

للمشاهد :

 

وفيما يلي نص الحديث:

الحلقة التاسعة :

“ذلك هو القرآن” أو “كيف نعرف القرآن” 2

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

المحور الثاني: ماذا قال الجليل العظيم تبارك وتعالى وهو رب الكتاب ومنزله عن كتابه:

          الله هو الكامل فلا يتوقع من كتابه إلا أن يأتي على كمال ويحمل من صفات الرحمن تبارك وتعالى ما يجعله عظيما جليلا رفيعا، كتاب مبين حيث إنه يبين الحقانيه ومبين بما هو مظهر للحق ومجل له ومعط لخارطة الحيلة للإنسان بكل وضوح وجلاء، ومبين لا يخرج منه قارئه من غير حصيلة وتختلف حصائل القراء للكتب الكريم باختلاف مستوى عقولهم وطهر قلوبهم وانفتاح أروحهم وما اجتمع لهم في هذه الحياة من خبرة متراكمة، ولكن أقل المتلقين من بني الإنسان حيث يقراء الكتاب الكريم لا يخرج إلا بشيء من حصيلة فكر وحصيلة روح وحصيلة سلوك حيث يكون له الاستعداد لأن يمثل الفكر سلوكا والطهر الروحي عملا.

          الطهر الروحي يفرض نفسه في مقام العمل والفكر يمكن أن يكون تخلف من العمل عن مسار الفكر لحاجة النفس لخبث روحي، ولكن حيث تصح الروح وتطهر لابد أنتطبع السلوك بطابع طهرها، والكلام بأن الكتاب مبين حيث يعطي لكل عقل المائدة التي له استعداد لها، أكبر فيلسوف يجد نفسه تليمذا للقرآن وأكبر سياسي يجد نفسه تلميذا أمام القرآن والعامي العادي يدخل مدرسة القرآن ليتعلم ويستفيد ويخرج بحصيلة.

          “حموَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ[1] هو من العلي الحكيم ولابد أن يأتي عليا حكيما “ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ” هو في أساسه وفي أم الكتاب وفي علم الله تبارك وتعالى الذي جاء منه الكتاب علي حكيم بمضامينه وبقضاياه ومقرراته وبعقيدته وبتشريعاته وبما يستند إليه من علم ورحمة، علي لا يصله كتاب وفوق كل كتاب ولا يطاله عقل بحيث يوجد مثله وحكيم ليس فيه خلل أو ثغرة أو تضييع أو خطأ أو ضلال وليس فيه إنحدار وكل ما فيه رفعة وكل ما فيه بناء سليم وليس فيه ما يهدم صالحا وليس فيه ما يقيم فاسدا، حكيم لا يضع شيئا إلا موضعه ولا يصرف دواء إلا في مورده ولا يضع يدا على جرح إلا وهو جرح ولا داء إلا هو داء ويقيم لكل شيء وزنا ومن الحكمة أن تقيم لكل الأشياء وزنها لا يعطي الذرة وزن الخلية ولا الخلية وزن الذرة في مادي أو معنوي.

          “لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ” هذا كتاب الله عز وجل وحتى نعرف مع أي كتاب نتعامل وإذا أردنا أن نعترض فعلى أي نعترض وإذا أردنا أن نناقش فلتعرف أدب النقاش مع الكتاب فلابد أن نعرف قيمة الكتاب حتى نعترف له بوزنه الحق وحتى لا نساوي كتاب آخر به وحتى لا نشك في أمر كبير أو صغير مما تناوله وحتى لا نتخلف عنه عملا في أي دائرة من دوائر حياتنا وعلى أي مستو من المستويات.

          “بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ[2] والمجد هو الشرف الواسع ويقولون مجد الجمل انتفخ بطنه من العشب فهذا الأصل، والقرآن المجيد هو الشريف شرفا واسعا رفيعا خالدا، وهذا الشرف لا ينقص منه أي كتاب ينتج في العالم بحيث لا يدانيه كتاب فيبقى أشرف كتاب وأنزه كتاب وأدق كتاب وأهدى كتاب ولا تنزل لكتاب يفوقه وهو المهمين على كل ما جاء من السماء من كتاب وكل كتاب من كتب الله المجيد وكل الكتب تشترك في ثوابت متلاقية مؤكد بعضها على بعض بحيث لا تغير فالدين واحد من أول يوم نزل إلى آخر يوم واحد في ثوابته وأصول الأخلاق واحدة وأصول الأحكام التشريعية واحدة والعقائد واحدة وتبقى تفريعات تناسب هذا المستوى من الإدراك والظروف الموضوعية ونمو الإنسان في هذه المدة وفروع أخرى تأتي لمدة أخرى فتجد أن “مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا[3]، أحسن منها ليس أنها أحسن منها لو جاءت في ذلك الوقت لأن ذلك الوقت له خصوصية وهذا الوقت له خصوصية لكن هذه الخصوصية تتطلب الآية الأولى وهذه الخصوصية تتطلب الآية الثانية، والآية الثانية بحسب ظرفها لا تأتي بتلبية أقل مما تلبيه الآية الأولى بالنسبة للظرف الأول، وتلبية الآية الثانية بالنسبة للظرفها لا تأتي بأقل من تلبية الآية الآية بالنسبة لظرفها الخاصة أو تأتي آية هي في هذا الظرف الثاني وليس في ذلك الظرف الأول فتأتي بما فوق ما أعطته الآية الأولى بالنسبة لظرفها فظرفها لا يتحمل أكثر من عطاء الآية الأولى وهذا الظرف بسعة ظرف بنمو في التدرج العلمي والنفسي في البشر فصار مستعدا أن يتقبل عطاء  أكثر فتأتي الآية بأحسن مما في الآية الأولى وليس لأن هذه الأولى لو جاءت في الوقت الأولى لأدت أداء أكبر فليس هناك استعداد لأداء الزائد من الآية الثانية بالقياس للآية الأولى.

          كتب الله لا يوجد فيها أي خلل وتأتي كلها بإحكام ودقة وكما أن القرآن الكريم كتاب هاد وكتاب فرقان كذلك التوراة فرقان والإنجيل فرقان تفرق بين الحق والباطل، والقرآن المجيد هو الشريف شرفا واسعا بحيث أن شرفه يتسع واتساعه لا يعرض عليه ما يضيق به ولا يأتي يوم من الأيام فتتقلص مساحة شرف القرآن الكريم  ولا يأتي كتاب يزاحم القرآن فيقلل من شرفه كأن يكون الشرف شاسعا كبيرا ثم يكون ضيقا وإنما يبقى شرف الكتاب متميزا واسعا رفيعا وخالدا وليس من كتاب أن يزاحم أو يقارب كتاب الله تبارك وتعالى.

          “فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[4]، إذا جاء الكتاب من مصدر البركة ومن مصدر الخير والعطاء فلابد أن يكون مباركا ولابد أن يكون كثير الخيرات وواسع الخيرات ومعطاء ثرا دفاق العطاء “وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ[5]، هذا هنا إشارة للقريب وأحيانا تأتي للبعيد للكتاب والإشارة للبعيد لها غرض وتأتي في موردها المناسب والإشارة للقريب لها غرض وتأتي في موقعها المناسب وهنا الإشارة للكتاب الذي بيدكم والحجة قائمة عليكم أنتم المقصرون ويأتي الآية “ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ[6]، الذي لا تطاله يد ولا يطاله عقل ولا يطاله علم والذي لا يمكن لأحد أن يصل إلى مستواه وأن ينتج مثله وأما هنا “وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ”، أن كنتم تريدون البركة القريبة والمتناولة فهي بأيدكم ولكن تبقى الإرادة والإقبال وعدم الاستكبار والصد عن ذكر الله سبحانه وتعالى.

 

          “وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”[7]، طريق الرحمة التي تعطي الإزدهار وتعطي الطمأنينة وتعطي الرخاء والأمان وتعطي المستوى الإنساني المحلق وتعطي سعادة وسعادة الآخرة وكل ذلك تجدونهم على طريق القرآن والأخذ به وبركاته، ومبرك يثري الحياة ويثري العقول ويعطي المشاعر رقيها وطمأنينتها ومبارك على مستوى الفرد ومستوى الأسرة وعلى مستوى المجتمع وعلى مستوى الماديات ومستوى المعنويات ويحول الحياة هنا إلى جنة ثانية يمقدار ما تطيقه هذه الحياة.

          وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ” خذوا ببركاته “وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”[8]، الآيات فيها وقفات غير هذا ولكن الحديث يشتغل بجنبة واحدة وهي جنبة قيمة هذا الكتاب فب وصف منزله العظيم رب العز ة والجلال، إن كنا نريد الحق وإن كنت تريد الحق فالحق هو الكتاب.

          “المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ[9]، تلك للبعيد وما أنزل هو الحق سواء أنزل في صورة كتاب أو أنزل وحيا منفصلا عن وحي الكتاب على رسول الله صلى الله عليه وآله إنما هو الحق ولا تقوم الحياة إلا على الحق ولا يصلح شيء إلا بالحق وكل مصيبة أن تنحرف مسيرة العقول أو العقول أو ينحرف السلوك عن خط الحق وأن تضيع البوصلة والحق كله مصدره الحق الأصل في الفكر والحق في الشعور والحق في الوزن وفي القضايا والحق في الطرح وفي المعالجة وفي الوقاية كل ذلك لك مصدر هو الحق الأصل وليس هو إلا الله تبارك وتعالى وكل ما عدا الله في نفسه باطل وعدم والعدم باطل والوجود الحق الأصل والوجود الكامل هو وجود الله عز وجل وما كان وجودا ناقصا يمكن أن يكون من نفسه ولا يكون إلا من عطاء الوجود الكامل ولذلك كل شيء ما عدا الله باطل.

          وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ”[10]، مصدقا لما بين يده من الكتب السابقة من إنجيل ومن توراة وبين يديه كأنها حاضرة وحاضرة لأنها أقرب الكتب الإلهية زمانا إلى زمن الكتاب وهي التي بقت ذات وجود ظاهر وفاعل إلى مجيء القرآن الكريم.

          وهذا الكتاب لوزن العقول لوزن القلوب لوزن المشاعر ولوزن مدى الطهر ودى الخباثة ولوزن ممقدار ما هو باطل ومقدار ما هو حق ومقدار ما هو صحيح ومقدار ما هو خطأ وما هو عدل وما هو ظلم وهو ميزان شامل دقيق.

          اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ [11]، “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[12]، كل الكتب الإلهية ميزان والميزان المهيمن والمحيط والمراقب والمشرف هو كتاب الله الأخير وهو القرآن الكريم، وهو ميزان والأمة التي تأخذ به لا يوفتها وزن فكر ولا وزن شعور ولا وزن قضية ولا وزن عدل فإذا أردنا أن نضبط الحياة ونضبط الأوضاع وأن نضبط المسار فنرجع لميزان الكتاب الكريم وهو ميزان ما هو صدق وما هو مفتر على رسول الله صلى الله عليه وآله من حديث وما ينقل عن هذا الإمام المعصوم أو ذاك الإمام المعصوم وهو هو صادر وجهته جدية أم ليس بصادر أو أن جهته ليس بجدية كجهة التقية فكل الذي يزن كل ذلك هو القرآن الكريم، فكل شيء عارض الكتاب مردود فليس كل ما يأتي عن جون وعن فلان وفلان وعن الرئيس والملك والأمير فقط وإنما يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وآله إذا عارض الكتاب ولو جاء بسند صحيح وفيه معارضة واضحة للكتاب يرد، فقد يكون الناقل غير كاذب ولكنه مشتبه والكذب والاشتباه ليس مستحيلا على الثقة بأن تخونه الذاكرة وإنما كل ما هناك تعبد بأخذ خبر الثقة، والملزوم به أن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يصدر عنه ما يخالف الكتاب وآياته فحينما يصلنا أي شيء عن رسول الله صلى الله عليه وآله يخالف فغير مقبول وهذا أمر ممكن أن يصلنا شيء لم يقله رسول الله صلى الله عليه وآله.

          الظلمات كثيرة فظلمات عقل وظلمات قلب وظلمات من داخل النفس تثيرها الشهوات وظلمات من تربية سيئة ومن بيئة عامة مصنوعة صناعة جاهلية وظلمات ساسية ظلمات اقتصادية وظلمات من مرض وظلمات ثقافية والحياة بحر من ظلمات كثيرة ولجج غامرة يحتاج الإنسان ما يخرجه من الظلمات إلى النور وإلى منهاج يضعه على طريق الله عز وجل وهذا الكتاب هو الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور نور يبصر به مصلحة الحياة ونور يصل بالأخذ به به إلى سعة الحياة وإلى الاستقرار والطمأنينة وإلى الرقي وإلى تحقيق أكبر مستوى إنساني في المسار الفكري وفي المسار الروحي وفي المسار النفسي.

          “يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ”[13]، وليس أكبر من نور الآخرة ونعيمها وإلى معرفة الله من كل جاهلية ومن كل سقوط وكل تردي ومن كل تسافل وفعلا أعطى القرآن الكريم هذه النتيجة الضخمة وبمقدار ملحوظ بيّن في مدة ثلاث وعشرين سنة من حياة الرسالة المحمدية الطاهرة فنقل أمة من الظلمات إلى النور في مختلف أبعادها ومساراتها وإن كانت فكريا أو روحيا أو كانت سلوكها أو اهتماماتها وكانت مكبت على الأرض وإذا بها تفيق وترتقي وترفع رأسها إلى السماء وتكبر طموحاتها واهتماماتها تتعالى على الأشياء الصغيرة وعلى كف من تمر أو شيء من عشب وعلى بئر آسن فانتقلت من هذا كله إلى أن تحمل قضايا قضية الحياة وقضية الفكر المنير والروح اليقظة وتحمل رسالة الروح الحضارية إلى البشرية بكاملها وذلك في ثلاث وعشرين سنة ولم تكن كلها موضع قوة فاعلة وإنما عشر سنوات وبقية الثلاث عشرة سنة كانت في الخوف والحصار والبناء الأولي والتكتم والصبر على الأذى ويقتل المسلم ولا يوجد دفاع ويعذب بلال وغيره من المسليمن والأيدي مقبوضة وعشر سنوات تصنع دنيا جديدة وعالما ذا أفق رفيع وذاك الذي يشح بالفَلْس “وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ[14]، نقلة هائلة على المستوى الفكري والنفسي والروحي.

          “الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ[15]، لا ليعطل ولا لتقراءونه فقط ولا ليقراء على الناس فقط وإنما ليفعل حتى يخرج الناس من الظلمات إلى النور ورسول الله صلى الله عليه وآله مأمور بتعليم الكتاب وتفعيله وتطبيقه وإلا يقراء الكتاب مليون سنة من غير تعليم وتعلم ومن غير تطبيق فلا يكاد يخرج الناس من الظلمات إلى النور.

          “أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ[16]، وهذه هي الوظيفه الكبرى للكتاب يا حكام ويا رؤساء ويا ملوك ويا حكومات ويا دنيا ويا أسر إسلامية ويا رجل ويا أمراة ويا شاب وبا كهل الكتاب للتفعيل والتطبيق وليس للتعطيل وليس للتلاوة في شهر رمضان فقط وإنما علم وعمل على ضوء الكتاب.

          “أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ[17]، لا تخرجهم من الظلمات إلى النور إلا بالكتاب وبعلم الكتاب وبالأخذ به وتطبيقه وسياستكم تبقى متردية ووضعكم الاقتصادي ووضعكم العسكري والأمني فكله يتردى ويسقط وتكونون محكومين للآخرين وتخرجون الدنيا كلها من الظلامات إلى النور وتخرجون الأمم كلها من الظلمات إلى النور بتعلم التكتاب وتفعيله.

أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ[18]، ليس بقوتك وتبقى فاعلية الله هي الفاعلية الوحيدة، والكتاب على ما هو عليه من سمو ومن حقانية ومن نور وبصيرة والنفوس على ما لها من استعداد لا تكفي لاتمام عملية الخروج من الظلمات إلى النور وإنما بإذن بربهم فتنزل الفيض من الله عز وجل ولا شيء في الكون يغني عن تنزل فيض الله المستمر لا لحظة حياة ولا لحظة وجود ولا لحظة هداية يمكن أن تقوم من غير تدفق العطاء الإلهي.

لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ[19]، وهذا هو الصراط الذي فيه سمو الإنسان وعزته وقوته وعظمته وتبحثون عن حلول لمشاكلكم وتفتشون عما ينير لكم الطريق وعما يقدم لكم العلاجات لمشاكلكم وفي حدود ما تتطلبه الرسالة ويتطلبه نجاح حياة الإنسان ويتطلبه مستو محلق للإنسان وما يتطلبه وضعه على طريق السعادة في الدنيا والآخرة فالقرآن متكفل له بما كل ما يحتاه في مسيرته من أجل تكامله ومن أجل سعادته ومن رخاء حياته ومن أجل أمنه ومن أجل هدايته ومن أجل كل صلاح يحتاجه.

تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[20]، المطلوب تسليم لثقافة الكتاب ولأوامر الكتاب ونواهيه ولرؤية الكتاب وأطروحته، ليسوا مسلمين بالإسم وإنما مسلمي نفس وعندهم عقليات سلمية تصل بهم إلى التسليم للفكر الإسلامي ولهم روحيات قاهرة تجعلهم يحتضنون الإسلام ولهم تقدير موضوعي دقيق يجعلهم يخضعون للإسلام وبشرى للمسلمين هذا النوع ومن هذا المستوى المسلم للإسلام عن وعي وعن بصيرة “تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[21].

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانَ[22]، تطلبون هدى هو هدى وتطلبون رحمة هو رحمة وتطلبون تبان كل شيء تتطلبه مسيرة الرقي والصعود في الكتاب وليس نجارة وليس حدادة وإنما القرآن يثير فيكم روح العمل والعلم ويضعكم على طريق العلم في النجارة الراقية والتكنولوجا المتقدمة فهناك أمور تسطيعون أن تصلون إليها جهودكم حيث يضعكم الكتاب على الطريق وهناك أمور لا يصل لها العقل البشري.

ربما لا نستطيع أن نجد تبيان كل شيء في الكتاب وهكذا نحن لا نستطيع أن نجد تبيان لكل شيء في الكتاب فكل ما تحتاجه المسيرة من سياسة صالحة في تفاصيلها وفي اقتصاد صالح ولكن الله  عز وجل هيئ مع الكتاب من يعلمه ومن يعرف رموزه وإشاراته إلى جنب ظاهره وما يرمي إليه من معاني عميقة بعيدة ويتيح لقارئه من استنتاجات تحتاجها الحياة والكم الكامل من هذا كله متوفر لدى النبي صلى الله عليه وآله ولدى الإمام المعصوم من بعده والذي غيبه ظلم الظالمين وجهل الجاهلين وإلا اليوم أكبر عالم وأكبر مفسر وأكبر فقيه يصل العلم إلى حد ويقف عن أن يعطيتنا تبيان كل شيء مما قد تحتاجه مسيرة الحياة من الكتاب الكريم، وكيف يكون تبيانا لكل شيء ونحن لا نعرفه؟ وما الفائدة؟ فهذا يشير إلى وجود معلم من يفهم القرآن الفهم الكامل وإلا لا يكون تبيانا لكل شيء.

اليوم لو جمعت الفقهاء جميعا والمفسرين إذا استطاعوا أن يخرجوا من كتاب كل شيء وما هو على مسوى الواقع وليس الظاهر فالفقيه يستنتج حسب صناعته الفقهية والأصولية فيصل إلى أحكام اجتتهادية قد تطابق الواقع وقد لا تطابق وعلى الملقد أن يأخذ بها لأن هذا هو الطريق المتاح والطريق جااء الأمر من المعصوم عليه السلام باتباعه ولكن لا يمثل الإسلام الواقعي، فكم سيكون الإسلام الواقعي؟ هل ما يقدمه السيد الخوئي -قدس- أم ما يقدمه السيد الإمام -قدس- أو ما يقدمه السيد السيستاني -دام ظله- وما يقدمه الفقهاء السنة والفقهاء الشيعة فهل كل هذا إسلام واقعي؟ الإسلام واحد والصلاة الواقعية واحدة فهذه طرق واقعية معذرون بالأخذ بها ومحججون بالتخلف عنها ولكن يبقى الإسلام الواقعي إنما إذا التقى يلتقي بواحد منها لا بها جميعا، لدينا إسلام واقعي لأن ليس كل القضايا اجتهادية ففيها ضرورية ويها بديهية ولكن مساحة كبيرة من الإسلام الموجود هي مساحة ظاهرية.

كتاب استقامة بلا عوج “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا[23]، وهناك جهاد جاهلي مرير إذا سمي جهاد ومحاولات مستمرة وحرب لا تهداء ومكر وحيل وخداع من اجل أن يدخل العوج على فهم القرآن وعلى مضامينه حكومات تعمل في كل هذه الدنيا من أجل أن تقدم فهما معوجا على الكتاب “الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا[24]، فلا عوج فيه ولا انحراف عن صراط الحق ولكن محاولة محاولات التضليل مستمرة على أن يدخل العوج الكتاب في مضامينه المتلاقاة من المسلمين كالثقافة التي تنسب إليه وفي الفكر الذي ينتسب إليه فكم من كتاب وكم من دوائر ثقافية وكم من جامعات وكم من معاهد تعمل على تقديم فكر منحرف عن فكر الكتاب وباسم الكتاب وباسم فكر الكتاب وأما الكتاب فيقول عنه منزله تبارك وتعالى ” الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا[25]، يثني الله على نفسه تبارك وتعالى بتنزيه الكتاب بلا عوج وكيف يكون للكتاب عوجا وهو نازل ممن له الحمد والحمد محصور فيه تبارك وتعالى ومن له الحمد والثناء لا يأتي منه كتاب فيه عوج فهذا هو الطريق المأمول.

بشير ونذير “ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ[26]، عربيا ربما واضحا بينا، وبشير بحياة آمنه مطمئنة يجد فيها الإنسان مستواه الكبير وحرته وشرفه وحياة رخاء مادي وسمو معنوي وترابط اجتماعي وإن أخذتم بكتاب فهذه حياتكم وإن أخذتكم بالكتاب ومنهجه فمن بعد موت تعظمون وتزدادون سعادة وتجدون من النعيم ما لم تجدوه حتى في ظل الإسلام من نعيم في الدنيا.

نذير ليس بعذاب الآخرة فقط وإنما بعذاب الدنيا أيضا وإن كان يوجد تخلي عن كتاب واتباع لمنهج الجاهلية وإن كان هناك إعراض من الأكثر عن منهج الكتاب فأمامكم حياة شقاء حياة حروب وحياة اقتال وحياة سقوط أخلاقي وحياة خيانة وفقد ثقة وأمامكم حضارة سيئة قتالة تنشر السموم الفكرية والمسموم الروحية والسموم المادية والبيئة ومن بعد موت عذاب مقيم لم تعرفوا له ذوقا في هذه الحياة فلا درجة حرارة الآخرة بدرجة حرارة الدنيا فهناينهصر لحديد والألمنيوم وفي لحظات وهذه من نار الدنيا ونار الدنيا لا تقاس بنار الآخرة وليس شيء من عذاب الدنيا ولا من نعيمها يمكن أن يقاس لنعيم الآخرة أو عذابها وهذا أمر بشير ونذير ومن الصادق الذي يستحيل عليه الخُلفْ.

والحمد لله رب العالمين

[1]  سورة الزخرف، الآيات من 1 إلى 4.

[2]  سورة البروج، الآية 21.

[3]  سورة البقرة، الآية 106.

[4]  سورة المؤمنون، الآية 14.

[5]  سورة الأنعام، الآية 92.

[6]  سورة البقرة، الآية 2.

[7]  سورة الأنعام، الآية 155.

[8]  سورة الأنعام، الآية 155.

[9]  سورة الحجر، الآيتين 1 و2

[10]  سورة فاطر، الآية 31.

[11]  سورة الشورى، الآية 17.

[12]  سورة الحديد، الآية 25.

[13]  سورة البقرة، الآية 257.

[14]  سورة الحشر، الآية 9.

[15]  سورة إبراهيم، الآية 1.

[16]  سورة إبراهيم، الآية 1.

[17]  سورة إبراهيم، الآية 1.

[18]  سورة إبراهيم، الآية 1.

[19]  سورة إبراهيم، الآية 1.

[20]  سورة النحل، الآية 89.

[21]  سورة النحل، الآية 89.

[22]  سورة البقرة، الآية 185.

[23]  سورة الكهف، الآية 1.

[24]  سورة الكهف، الآية 1.

[25]  سورة الكهف، الآية 1.

[26]  سورة فصلت، الآية 3.