المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الرمضاني – 12 رمضان 1435هـ / 29 يونيو 2015م

الحديث القرآني الرمضاني – 12 رمضان 1435هـ / 29 يونيو 2015م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في

إضاءات قرآنية “ذلك هو القرآن” أو “كيف نعرف القرآن” (الحلقة 1)

< الحلقة الثامنة > 

12 شهر رمضان 1436هـ، 29-06-2015م

للإستماع :

 

اضغط على الصورة لمشاهدة الألبوم :

photo_2015-06-30_10-35-05

 

 

للمشاهد :

 

وفيما يلي نص الحديث:

الحلقة الثامنة :

“ذلك هو القرآن” أو “كيف نعرف القرآن” 1

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

القرآن الكتاب الإلهي المعروف هو وكل الكتب الإلهية الأخرى كتب صدق وحقيقة وقد تنزلت حقا لا باطل معه، الزبور التوراة الإنجيل القرآن كل ذلك تنزل حقا بالحق ومن الحق تبارك وتعالى وبعد أن تنزلت هذه الكتب عدد منها طالته يد التحريف اللفظي وقد تطاله يد التحريف المعنوي والكتاب الذي على مستوى أنه ذكر تحتاجه الحياة ويقيم أود الحياة وينهض بالحياة ويستقيم بها هو القرآن الكريم وذلك بتعهد من منزله تبارك وتعالى “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[1]، والقراءت السبع والعشر قد تثير التساؤلات فكيف القرآن محوظ وتوجد تعدد للقراءات فأي القراءات الصحيحة فلابد أن تكون له قراءة واحدة معروفة محفوظة؟

تغير القراءات لا يغير من طبيعة كون القرآن ذكرا من الله عز وجل وذكرا ينهض بحاجة الحياة وتقوم به الحياة ويستقيم به الإنسان وتتحقق غايته من حياته وكونه كذلك لم ينل منه اختلاف الألفاظ في القراءات “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[2]، بما هو ذكر لا نسيان فيه لحقيقة من الحائق ولحاجة من حاجات الحياة وللغاية من الحياة ولما يطيقه الإنسان وما يمكن للإنسان أن يتحقق على يده في ضوء المنهج الكامل وكون القرآن ذكرا لا يهمل حقيقة من هذه الحقائق ولم تضع من تناوله قضية من هذه القضية محفوظ لم يمسس شيء.

تقراء القرآن  الآن مع اختلاف القراءات فما  يقال أن الكلام الفلاني كان آية فذهبت وهذا كلام غير صحيح، نحن الناس بمختلف مستوياتنا العلمية من المستوى الصغير والجاهل والعالم وأكبر فيلسوف وأكبر سياسي وأكبر اقتصادي هل يجد في القرآن الكريم في عطائه وفيما يؤدي إليه من فكر وفيما يتناوله من تشريع وفيما يتحدث عنه من عقائد وفيما يطرحه من قصص وفيما يحكيه من تاريخ وفيما يرتب علما ينقله من طرح، هل تجد في كل ذلك ما يعيق حركة الحياة وما لا يساهم في تقدم الحياة واستقامتها وفي وضع الإنسان على الطريق وفي إيصاله  للغاية؟ إنه ذِكر بأقصى دقة بمعنى الذكر وليس فيه شيء من غفلة ولا شيء من نسيان ولا شيء من إهمال ولا تضييع والحياة تنضبط على خط عذا الذكر الإنضباط الكامل.

فبما هو ذكر القرآن محفوظ لم تستطع كل محاولات البشرية وكل محاولات التكذيب وإثارة الشبهة والمؤامرات أن تنال منه شيء لن تجد ما يخالف حقيقة وما تنفر منه الروح وما تستنكره الإنسانية أو ما هو فضول أو ما هو حقد أرضي وما هو قصور في الرؤية، شيء من ذلك كله لا تجد في القرآن الكريم.

والقرآن وكل كتاب إلهي آخر جاء ليُقراء وليُفهم وليُعمل به ولقراءة القرآن بروح عبادية أثر حتى لم لا يمكن له التلقي منه إلا القليل والقرآن لكل الأفهام على اختلاف مستوياتها جعل القرآن قاردا على إفهامها بمقدراها، ففهم الفيلسوف غير فهم الإنسان العادي ولكن حتى العامي صاحب المسحات الذي يشتغل بها أو يعمل في البحر ولم يقراء حرف فحين يقراء القرآن يستفيد منه، آيات في القرآن تحدث العقل الكبير وتحدث العقل العادي وتحدث الوجدان وتحدث القلب وتحدث الروح وفي كل إنسان زاد ونصيب من هذا يمكن أن يتلقى منه فهما قرآنيا ولو محدودا.

بالإضافة إلى هذه الدرجة من الفهم العام المستفاد من القرآن فقراءة القرآن بروح عبادية تعطي مردودا آخر وتجله بصورة إجمالية وتنسبه إلى الله عز وجل وهذا فيه خلق ألفه روحية بينه وبين القرآن ودرجة من الاحترام ودرجة من التقدير وليس تقدير لفظ فقط وإنما تقدير مضمون، وخلق حالة من الحرمة وحالة منا الألفة وحالة من السكينة في نفس هذا القارئ لكمردود لقراءة القرآن الكريم، وفي قراءته ثواب الله تبارك وتعالى وثواب الله عز وجل منه ما هو دنيوي ومنه ما هو أخروري.

وفهم القرآن درجة أخرى القراءة مقدمة للفهم والفهم يحتاج إلى عقلية خاصة وكلما أرتقى مستوى العقلية وكلما ارتقى مستوى الخبرة وتشغيل العقلية وتوظيفها وصفائها كلما زاد صفاء العقلية وكان هناك توجه فكري والإقدام على تلاوة القرآن بقصد طرح السؤال عليه أسئلة النفس وأسئلة العقل وأسئلة الحياة فأطرح اسألتي على القرآن في قراءة له وأطرح أسألتي على تركيب آياته وتركيب سوره ولما أبتداء بهذا وانتهى بهذا وما الترابط بين هذا وذاك.

طرح هذه الأسئلة قد أخرج منه بنفسي وبمطالعتي وتفكيري بشيء من الجواب وقد لا أصل فيحثني ذلك على أن أبحث وعلى أن أطالع وأقراء ما قاله الآخرون وما فهمته العقول الأكبر من عقلي بكثير لأستفيد جدا.

نقراء القرآن القراءة السطيحة فنقتبس شيئا من نور وأخذ شيئا من فهم ضئيل وتبقى أسئلة كثيرة جمة تدور في الذهن وتحمله النفس وتنتظر الجواب وعلينا أن لا نكبت هذه الأسئلة وأن لا نستوحش من هذه الأسئلة لكن علينا مع ذلك نبحث لجاوب عن هذه الأسئلة ليس على مستوى ما يمكن لذهني مستقلا أن يصل إليه وإنما بالاستعانة بالعقول الأخرى والأفهام المتقدمة، لا أقل من أن يقراء أحدنا في نسخ القرآن التي تذكر معاني الكلمات كالتفسير المبين لنفهم معنى الكلمة التي أقراءها وهذا في البداية وفي تلاواتنا في شهر رمضان وغيرها يجب ما استطعنا أن ندخل قراءة القرآن بقصد التعلم وليس بقصد بركة التلاوة فقط والامتثال لأمر التلاوة وبقصد التتلمذ والتعلم.

هذا التعامل الفكري وإنشاء المعاهد للدراسات القرآنية والكليات والإشتغال بالأبحاث العلمية القرآنية كل ذلك مطلوب من أجل أن نتوفر على فهم قرآني الغاية من القراءة بعد الثواب المترتب عليها وهو مقدمة العلم وسأقدر القرآن في نفسي بمقدار ما أفهمه من ناحية تفصيلية.

المطلوب النهائي من القرآن الكريم هو العمل من أجل صياغة شخصية قرآنية على مستوى الفرد والأسرة وعلى مستوى المجتمع الكبير والصغير صياغة حياة وأوضاع أرض وأوضاع نفس وأوضاع فكر ومختلف الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وكل هذه الأوضاع أوضاع قرآنية تحمل فهم القرآن وفكر القرآن وتوجهه وعبودية الإنسان التي يركز عليه القرآن وأخلاق القرآن وهذا هو المطلوب صياغة حياة وصياغة ذوات إنسانية قرآنية.

هناك طريقان لمعرفة أهمية القرآن وما لم نعرف أهمية القرآن لن نعطيه مكانا في حياتنا، والموقع الذي نعطيه للقرآن في حياتنا هو بمقدار فهمنا إليه وإحساسنا بضرورة الأخذ به وعن حاجتنا الملحة للتمسك به وما لم أحس وأشعر وأفهم حاجتي إليه بأنه قادر على إسعادي لن أخذ بالقرآن عملا.

كيف نعرف أهمية القرآن؟

          على المستوى الإجمالي أنا أستطيع معرفة أهمية القرآن وبلا دراسة لمضامينه لو توفر بي الإيمان الكامل الراسخ بأنه كتاب الله وعرفت شيئا من عظمة الله وعرفت شيئا مما قاله الله عز وجل عن عظمة قرآنه وأنه من عند الله عندئذ سأحمل قناعة قوية راسخة في نفسي بعظمة القرآن وبأهمية القرآن، فهمت مضامينه فسأسلم له وسأخذ بكل قضاياه وسأضع خطوي في الموضع الذي أمر وسأبتعد وسأجتنب كل الاجتناب الموضوع الذي نهى عن ارتياده وعن سلوكه.

          يأتيك كتاب من أكبرمؤلف في الأرض تعرفه الدنيا اليوم ومن المدرسة التي تؤمن بها أنته أي يخاطب ومدرسة ذلك البعيد مدرسة كفر أو مدرسة إيمان وهذا المؤلف أكبر مؤلف ولا يعرف جيدا ولكنه يقيم له وزنا كبيرا ويعرف هذه الشخصية أنها ليست شخصية عادية وليست ذات أفكار مبتسرة وإنما عقلية غير ساذجة ويرها عقلية موضوعية في نظره وحقانية تبحث عن الحق وصاحب خبرة كبيرة فهذا الكتاب لا يتعامل معه تعامل أي كتاب جاء من مجهول فيختلف وزنه، فكيف وأنا أعلم وأتيقن أن هذا الكتاب كتاب الله وهل من بعد الله من عظيم ومن صادق ومن حكيم فيسلم الإنسان، وهذا الطريق بعطي معرفة إجمالية ولكنها قوية وراسخة.

          الطريق الآخر هو الطريق العلمي والبرهاني والواجداني وهو طريق ناتج عن التعامل الواعي الفاهم مع القرآن حيث يقف أحدنا على أن هذا الكلام أو هذا المؤدى في الآية أو المجموعة من المؤديات من السورة وهذا الترابط وهذه الإلتفاتات وهذه الإحاطة وهذا السبر للنفس البشرية وهذه الدقة لتصوير النفس البشرية لا تتيسر للبشر وأن حقائق لم تفق عليهل القرون إلا بعد شوط طويل منا لعلم وبعد توفر الآلات والإمكانات والاستشراطات والاستكشافات التي توصل الإنسان إلى الحقائق الكونية البعيدة.

          حين يأتي عالم كيمياء وعالم نفس وعالم طبيعة فيرى تتطور القرون وهو قارئ لثقافة القرون ويمشي مع هذا الطريق ووجد من أين بداء هذا العلم وأين انتهى وما الحقائق التي توفرت، والقرآن حين يتنزل على يد رسول الله صلى الله عليه آله وسلم يأتي بحقيقة لم تكتشفها القرون كلها واليوم تكتشف بعد توفر أدوت المعرفة بشكل كبير والاستكشاف والاطلاع وبعد تراكم الخبرات والمعارف، فلا شك أن هذا يكتسب يقينا وجدانيا بنسبة القرآن إلى الله سبحانه وتعالى والنجاح الفكري على مستوى علم النفس والسياسة وأي مستوى من المستويات لم يتوفر بكل القرون برغم وجود العباقرة والفطاحل ووجود فرق البحث المكثفة والتعاون العلمي وتبادل الخبرات والقرآن يطرح من جديد في هذا المجال والثابت فلا شك أنه يعطي يقينا تفصيلا بعظمة القرآن في هذا المورد على الأقل.

          طريق المعرفة لعظمة القرآن إما عن الطريق الإجمالي أو الطريق التفصيلي والطريق التفصيلي يصل عن طريق العلم والتعلم وبذل جهود علمية ضخمة لاستكشاف آفاق القرآن وأسرار من أسرار القرآن وحقائق من حقائق القرآن ومدى ما عليه تماسك الحقائق القرآنية وصدقها وهذا يوفر يقينا بعظمة القرآن وأهمية القرآن والحاجة إليه.

          عملت البشرية طوال قرون طويلة جدا على الوصول إلى نجاحات فكرية في السياسة والاقتصاد وغيرهما من المجالات فيأتي القرآن ويسبقها وهو نازل على إنسان أمي في بيئة محدودة جاهلة وهذا لا يكون إلا أن القرآن من الله عز وجل ويعطي هيبة وإحتراما للقرآن ويقود النفس إلى تأخذ به عملا، وإذا أردنا أمة عاملة بالقرآن فلابد أن نخلقها عالمة بالقرآن وهذه مسؤولية دولنا ومسؤولية جامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية ومسؤولية الأفراد.

          الطريق الثاني هو معرفة أن القرآن كتاب الله فيكفي لأي بشر وأي إنسان مثقف أو متعلم أو غير متعلم أو عالم كبير أو غير كبير أن يجد نفسه والدنيا معه عاجزة عن الرد على التحدي القرآني بأن يجتمع الإنس والجن “عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا[3]، حين تصمت الدنيا أمام هذا التحدي وتخسأ إمكانات الكفر وبدل هذا القتل وإسقاط الإسلام هناك طريقة سهلة جدا لو تأتى لأحد أن يرد على التحدي القرآن ويوجود كفرة ومعاندون ويوجود الملايين الذين يشترون هؤلاء ويوجد المستشرقون الذي يكونون قمة في اللغة العربية أكثر منا بمئات المرات ويوجد المدراس التي تخرج ويمر القرن بعد القرن ولسان هذا التحدي يلعلع في الناس هل من ميب وهل من مبارز ولا إجابة وعشر سور وسورة. فما تقول أنت وما أقول أنا وما يقول هذا العالم المتبجح فهذا يكفي لأن نعلم أن القرآن الكريم هو كتاب اله تبارك وتعالى

          القرآن رسالة الله إلى عباده في الأرض والرسالة تحكي عن المرسل وتنقل صورة عنه والمرسل البشري تقراء نفسيته وتقراء عقليته وتقراء توجهه في رسالته ومهما حاول اللف والدوران إلا أنه يقراء ولو من بين السطور وأن أردت أن تعرف نفسك أنطلق في التعبير عن ذاتك في كتابة مثلا ثم أقراء ما كتبت ستقراء نفسيتك وستقراء عقليتك حين تكتبك خاصة على رسلك وأقراء نفسك في اليوم الثاني والثالث ستجد نفسك من أنت، واليوم تقراء نفسك فيما كتبت قبل عشرين سنة وقبل عشر سنوات وقبل سنة ستقراء شخصيتك في كل هذه المواقع من خلال ما كتبت.

          رسالة القرآن ورسالة الله عز وجل إلى الناس ورسالة الله تنطبع بصفاته سبحانه وتعالى فمن هو منزل الكتاب حتى نعرف الكتاب؟ “تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا.[4]، ذلك هو منزل الكتاب تبارك ومصدر الخير كل الخير والخير الواسع والله مصدر الخير كل الخير ولا حدود على ما عليه خيره من سعة والخير من القدرة ألا محدودة ومن الكرم أل محدود ومن العلم ألا محدود والخزائن المخلوقة تنفد ولكن عملية الخلق لا تنفد فمليون خزانة غنية وثرية ينفق منها فتنفد وأما عملية الخلق التي لا حدود لها فهي لا تنفد عطاء وتبقى دفاقة دائما وهو الله هو القدرة المتعالية غير المحدوة والعلم والكرم غير المحدود تبارك الله، وهذه صفة من صفات منزل الكتاب فما تريد من هذا الكتاب غير الخير “فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[5].

          الله يُوجِد القرآن بأحسن صورة هذا وصف القرآن ونحن نتكلم عن وصف الله عز وجل والتي تطبع القرآن بطابعها “نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ”[6]، وأنزل الكتاب ليس عن فقير وإنما من موقع الغنى والعطاء والهداية وهو لا يستجديك ولا يريد أن يبني مملكة في الأرض وهو ليس بحاجة لهذه القلوب أن تتوجه إليه وليس بحاجة لخلق رأي عام ليدعمه “لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ”[7]، لا يظلم الناس وإنما لديه الرحمة والعطاء.

          “وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا[8]، لا يأتي خلق من خلقه سبحانه وتعالى على خير حكمة وعلى غير تقدير دقيق ووزن بالغ الدقة ونسب مضبوطة “فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا“، والكتاب يأتي مقدرا تقدير وموزنا أنت الإنسان والكتاب لك وموزنا هو الكتاب مع وزن الإنسان الذي جاء من أجله الكتاب مع وزن الحياة وما تطيقه الدنيا وظروفها وما تطريقه هذه الظروف وما يمكن أن تصل بأصحابها إليه وما يمكن أن تعطيه من تأثير سلبي وإيجابي ويأتي الكتاب قائما على التقدير الدقيق لما سبق من تاريخ الإنسانية على إنسان اليوم ولتأثير إنسان اليوم على إنسان الغد وعلى أن الكتاب كتاب للجميع.

          حكيم عليم “وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ[9]، فالقرآن سيأتي حكيما نزهيا كل النزاهة عن أي ضلال وأي تضييع وعن أي زيغ ومنزله عليم فما أطيق جسديا وشعوريا وفكريا وما تتحمل حياتي وكم يناسب وزني من تكليف وظروف من أي وزن؟ في القرآن كل ذلك محسوب عند العليم وكتاب العليم يأتي عليما وكتاب الحكيم يأتي حكيما، علينا أن نعرف قيمة القرآن الكريم مما عليه ينزله تبارك وتعالى من عظمة وجلال وجمال ورحمته ورأفة لطف.

          “تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ[10]، محمود بأكمل الحمد وحميد مبالغة في محمود والله عز وجل هو الحميد فليس في الله عز وجل في فعله ما لا يحمد، محمود ذاتا ومحمود أفعالا والقرآن فعله وإذا كان في القرآن عيب فلا يأتي محمودا وإذا كان فيه خلل فلا يأتي محمودا وإن كان فيه جهل فلا يأتي محمودا وإن كان فيه قسوة على من لا تصح عليه القسوة لا يأتي محمودا وإن كان فيه مجاملة على حساب الحق لا يأتي محمودا وإن كان فيه قصورا لا يأتي محمودا فلابد أن يكون كاملا ليكون محمودا وهو من الحميد تبارك وتعالى الذي يستحيل ان يصدر منه فعل لا يحمد.

          “مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ[11]، هذا طابع للقرآن أن فيه لين ورأفة ورحمة وفيه تربية رحيمة وعطوفة وغير مرهقة وهو شديد على الباطل وعلى الظلم وعلى الإنحراف “ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ “، وهذا العقاب الأليم لابد أن يحسب له الناس الذين يتنزل عليهم القرآن الكريم حيث يميل به الهوى للتلاعب بالقرآن الكريم أو لمضادته والوقوف في وجهه وقطع الناس عن الصراط الذي يهدي إليه، توجد عقوبات على السرقة وعلى القتل الحرام وعلى الزنى وهناك عقوبات غليظة، وتوجد رحمة وتوجد توبة وعفو وعناية بالمسكين واليتم والمستضعف ولكن يوجد في نفس الوقت عقاب شديد على قطاع طريق وزنات ومفسدين وعلى سراق وعلى الظلمة، وتجد أثر العقاب الأليم في القرآن وتجد أثر المغفرة والعفو بسم الله الرحمن الرحيم “تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[12]، الطابع الرئيس هو الرحمة والعقوبة والعقاب الأليم إستثناء ولمن لا تفيد معه المحاولات والتربية والهدايات والذي يصر على العناد وإلا الطابع العام هو الرحمة والكتاب رحمة للعالمين والرسول رحمة للعالمين وليس للمؤمن فقط، “تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[13]، الرحمن الصفة التي تعم كل شيء وصفة الرحيمية التي يستفيد منها من قدر نعمة الله العامة وأخذ بها واستفاد من رحمته العامة.

          “تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[14]، فالكتاب لابد أن يكون كتاب رحمة ومنهجه منهجا رحيما وأطروحته تستهدف الرحمة وهذا الكتاب لا يغلب حجة ولا يقضى على أثره ولا تفيد معه المؤامرات لتنهي وجوده وفاعليته في الأرض “تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ[15] العزيز الغالب الذي لا يغلب فكتاب الله لا يمكن أنهاء فاعليته في الأرض ولن تأتي محاولات من محاولات القضاء على الكتاب الإلهي وأمة الإسلامي إلا فاشلة في الأخير وكم تصدر من كتب القرآن ولا يعارضون القرآن في نصه ولا يتحدونه بأن يأتوا بمثله أو بسورة وإنما مئات الألوف من الكتب تشوه وتحرف المضامين وتتحدث زورا عن القرآن الكريم وتجزئه وهذه محاولات مستمرة وكل هذ العمل وأمة الإسلام لن تأتي محاولة من محاولات الدنيا البائسة اليائسة للقضاء على الإسلام ولم جاءت محاولة للقضاء على الإسلام للآسف الشديد من الأمم المعادلة وفي هذه الأمة الكثير من يعادي الإسلام ويمكر به.

          “إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ[16]، وهذا لتربية العالمين كل العالمين فتربية وتنمية وتزكية وكيف لا وهو من رب العالمين الذي نزله ليس عدو العالمين وليس المنكل بالعالمين وليس الظالم للعالمين وإنما ذلك رب العالمين والذي تنصب عنايته سبحانه وتعالى ورحمته ورأفته على العالمين ويربيهم بعلمه وحلمه وحكمته وقدرته والكتاب كتابه جاء لهذه الوظيفة، فكيف نتوقع من كتاب يأتي هو من رب رحيم “إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ” شريف شريف فوق كل الشرف وسامي سامي فوق كل سمو وليس فيه منفد من منفاد اللؤم والخسة والسقوط والوضاعة كريم كل الكرامة وليس في الأرض كتاب كريم ككرمه، كلمة كريم نكرة مفتوحة وذلك للتعظيم بعظمة لا نقيسها نحن ولا نعرفها وكريم كرامة لا نعرف أن نقيسها وأن نتعرف على ما لها من وزن وما لها من قدر ذلك هو منزل الكتاب.

والحمد لله رب العالمين

[1]  سورة الحجر، الآية 9.

[2]  سورة الحجر، الآية 9.

[3]  سورة الإسراء، الآية 88.

[4]  سورة الفرقان، الآيتين 1 و2.

[5]  سورة المؤمنون، الآية 14.

[6]  سورة الإسراء، الآية 88.

[7]  سورة الإسراء، الآية 88.

[8]  سورة الفرقان، الآية 2.

[9]  سورة النمل، الآية 6.

[10]  سورة فصلت، الآية 42.

[11]  سورة فصلت، الآية 43.

[12]  سورة فصلت، الآية 41.

[13]  سورة فصلت، الآية 41.

[14]  سورة فصلت، الآية 41.

[15]  سورة الزمر، الآية 39.

[16]  سورة الواقعة، الآيات من 77 إلى 80.