المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الرمضاني – 07 رمضان 1435هـ / 24 يونيو 2015م

الحديث القرآني الرمضاني – 07 رمضان 1435هـ / 24 يونيو 2015م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في 

إضاءات قرآنية (الحلقة الخامسة) 

7 شهر رمضان 1436هـ، 24-06-2015م

للإستماع :

اضغط على الصورة لمشاهدة الألبوم :

5555555555555553

للمشاهدة

وفيما يلي نص الحديث:

الحلقة الخامسة :

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

مسألة العصمة والكمال الانساني وكيف أن الأنبياء صلوت الله وسلامه عليهم أجمعين معصومون وهم يستمرون على طلب الهداية من الله تبارك وتعالى في قول الآية الكريمة إهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ”[1]، ويقولها الرسول وأعظم هو رسول صلى الله عليه وآله لآخر حياته.

العصمة غير الكمال النهائي للإنسان فكل مخلوق لدرجة من الكمال وكل بحسبه والإنسان هو الأكثر تهيئا للكمال من بين مخلوقات الأرض إذا وضعنا الجن بصفه، والمفروض أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله قد وصل إلى قمة الكمال الإنساني وأن ليس بعدما توفر عليه من كمال درجة أخرى من كمال يمكن أن ينالها الإنسان وإن كان الكمال المطلق هو لله تبارك وتعالى وأن كمال الله لا يصله مخلوق لا من إنسان ولا من ملك وهذا من المقررات الحتمية اليقينية.

وكيف نجمع بين العصمة وطلب الكمال من رسول الله صلى الله عليه وآله حتى تتحق قمة الكمال المطاق إنسانيا؟ لنا أن نقول بأن الرسول صلى الله عليه وآله لم يخرج من هذه الدنيا إلا وقد استكمل كل ما يمكن من كمال يطاق للإنسان وآخر لحظة ودع فيها رسول الله صلى الله عليه وآله الحياة والمفروض أنه أكمل إنسان قد حقق قمة الكمال الإنساني لكن بعثته رسولا لا تتطلب أن يكون قد وصل به السعي إلى قمة الكمال الإنسانني فسلامة الرسالة وأداء وظيفة الرسالة من تبليغ لا يدخله شوب شك ومن تطبيق لا يدخله خلل ومن حفاظ على الرسالة بحيث لا يأتيها من ناحية عملية باطل من بين يديها ولا خلفها من جهة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأن قبول الناس للرسالة كل ذلك يتطلب عصمة الرسول صلى الله عليه وآله وليس أن يكون قد تحقق له أقصى كمال إنساني.

فارق بينما ينبغي أن نبني عليه من تحقق الكمال الإنساني على أتمه لرسول الله صلى الله عليه وآله وبأن يكون نجاح الرسالة وقبولها لا يتمان إلا بتحقق هذا الأمر وهو العصمة والعصمة ليست هي الحد النهائي للكمال الإنساني ولذلك يتفاوت المعصومون منزلة، الأنبياء بينهم تفاوت في المنزلة والأئمة عليهم السلام بينهم تفاوت في المنزلة كلهم معصومون ورسول الله صلى الله عليه وآله أعظم منهم شأنا وأتم كمالا فلتفريق بينما هي عصمة وبينما هي قمة الكمال الإنساني نستطيع أن نقول بأن الرسول من أول يوم الرسالة وقبل ذلك هو معصوم وأما وصوله إلى قمة الكمال الإنساني المطاق فإنما لا بدية أن يكون كذلك إنما تكون ولو بنهاية حياته صلى الله عليه وآله وسلم وأن ما بين العصمة وبين وفاته كان من عبادته يستفيد كماله ويستفيد صعودا حتى إذا وصل أجله الشريف يكون قد أتم رحلته الكمالية في الأرض.

الفساد والإفساد

ما هو الفساد؟

الشيء يأتي بوضعية صحيحة وقادرا على أداء وظيفته المطلوبة وبكفاءه يعرض له عارض ويدخله خلل ينقص منه وهذا فساد، يضطرب تكريبه ويختلف نسبة تركيبة في داخله فيفسدولا يكون صالحا، أو يأتي عليه ما يعطل وظيفته وما يقلل من أداءه للوظيفة ففي كفاءة أداء وظيفة مائة في المائة مثل السيارة فيها قدرة معدة ومصممة إلى تقطع مسافة مائة كيلو متر في عشر دقائق ولكنها الآن لا تقدر على قطع هذه المسافة إلا في حدود نصف فهناك خلل طراء عليها.

فهو نوع من العوار ونوع من الخلل يؤثر على التركيب ويُنقص من أجزاء المركب ويقلل من شأن وظيفته ويعطله وظيفته بالكامل والتسبب في شيء من هذا هو إفساد.

الأرض التي خلقها الله لحياة الإنسان جاءت مقدرة من الله عز وجل لأن تبقى عمرا معينا ربما ملايين السنين وبلايين السنين ولكنه إلى أجل لتتسع لخلق من الخلق بمقدار من إنسان وحيوان وحشرات وطير بعدد محسوب عند الله سبحانه وتعالى لأن تساعد الإنسان على أداء وظيفته وتحمل نوعا من المتاعب ونوعا من الراحة وتمثل في في أوضاعها حالة اختبار للإنسان وجاءت بهندسة دقيقة لا يمكن أن ترمى بشيء من النقص فإذا كان هناك فراغات فهي فراغات مطلوبة من أجل امتحان، وإذا كانت الثروة محدودة في بعض الحالات التي فهي إما بفعل الإنسان أو هي لشأن اختباري، وجاءت تحمل الأقوات المخزونة من المعدن ومن الثروات بما يكفي عمر البشرية بكاملها وما يمكّن البشرية من تحقيق غايتها من طلب الكمال والوصول إلى الكمال مقدور لها في هذه الحياة ولكن مع ذلك تحديات وصعوبات ومشاق للاختبار.

جاءت الأرض صالحة لوظيفتها وصالحها لمساعدة الإنسان من بلوغ غايته من هذه الحياة وجاءت مع أدق تصميم وأروع هندسة شأنها شأن كل ما فيها وشأن الإنسان نفسه في ذلك كله وهذا صلاح للأرض وهو صلاح على مستوى الاستعداد، الاستعداد لأن يزرع الانسان وينبت له زرعه ويثمر له ، واستعداد لأن يتقدم الانسان في وعيه العلمي فتزوده الأرض بما يحتاجه مما يتناسبه من علم ومن معادن وفي الأرض مخزون لكل زمن يكافئ حاجة ذلك الزمن، فهذا صلاح على متسوى الاستعداد.

أتى الانسان وبعضه أصلح وبعضه أفسد، وإفساد الإنسان للأرض وإصلاح الإنسان للأرض هو الخروج بحالة بقعة من الأرض من حالة الاستعداد العطاء إلى فعلية العطاء فهذه الأرض مستعدة بحسب تكوينها وبحسب طبيعتها وبما أودع الله عز وجل فيها أن تعطي تفاحا أرزا وغير ذلك ولكن هذا يحتاج لمجهود من الانسان، فجاء الإنسان وزرع وسقى وسمّد ورعى وربى فنبت الزرع وأثمر فهذا إصلاح وليس خلق فإصلاح الله للأرض على مستوى الخلق والإمداد التكويني والإنسان عنده جهد تكويني مبذول بفضل الله ما هيئه الله له لكن هذا الإيجاد ليس إيجادا إبداعي ولم يسبق مثال ولم يكن من شيء وجاء به الإنسان بل هذا استفادة مما هيئه الله له، فخلق الله عز وجل له أرضا مستعدة وخلق ماء وخلق سماء فاستعمل واتبع سنة الله في ذلك وأطاعه وأتمر بأمر الإسلام بالجد والعمل الإيجابي والخير والاستفادة من الثروات الاستفادة الصحيحة وأخذ بهذه القوانين سواء كان كافرا أو مسلما فأصلح ويأخذ بها الكافر وينتج ولا يأخذ بها المؤمن فلا ينتج ولا يصلح.

والخروج بعقل الناشئة من القدرة على الإبداع بمعناه العادي وليس بالمعنى المنسوب إلى الله عز وجل إلى حيث الإبداع الفعلي والاختراع والاكتشاف فالطفل عنده قدرة ابداع، فيلسوف أو عاِلم طبيعة كبيرا جدا ويوجد عالم كيمياوي ويوجد مهندس ولكن مشروع أولي وعلى مستوى المادة الخام وهذا يتفاعل من خلال دور تربوي إصلاحي فيخرج به من حالة الاستعداد إلى حالة الإبداع.

للانسان في الأرض دور إصلاحي وله دور إفسادي، فهذه العقلية الكبيرة الضخمة المودعة في كيان هذا الطفل وهذا الوليد يبداء بها من يسمى بالمربي بالقضاء عليها بتحريفها وتعطيلها وخسفها وبتغيير مسارها، وتغيير وظيفة أي شيء في الحياة عن الوظيفة التي حددها الله عز وجل هو إفساد، ومحاولة الخروج على قانون وتعطيله من قوانين الكون -لا تنجح أصلا- وهي افساد.

ومحاولة اختراع قوانين تضاف إلى قوانين الكون محاولة لا يقدر أن ينجح فيها الإنسان وهي محاولة إفساد، المرأة مشروع إنساني كبير بنفسيتها وتكوينها وليس البدني فقط وإنما البدني والنفسي والعاطفي وله وظيفة محددة معينة لا تؤثر على انسانيتها سلبا ولا إيجابا وإنما تمارس دورها إنسانيته من خلالها دور الإعمار من خلال وظيفة تسطيع أن تقوم بها هي ولا يستطيع أن يقوم به الرجل وهذا قد هيئت له وقد هيئ الرجل لوظيفة أخرى، أنا أءتي وأقيم الرجل مكان المراءة وأريده أن يسقي الطفل ولا يوجد حليب صناعي ويسهر معه وأدفع المرأة إلى المناجم وإلى أعماق البحار في الغوصص وإلى أخشن الوظائف والحرف فبهذا خلقت مرأة صلبة غليظة في المشاعر غضوبة شديدة عنيفة وخلقت رجلا ملينا ظليا فلابد للحياة والحروب والإنتاج العملي الخشن وحمل الأشياء الثقيلة وصعود العمارات الشامخة والتعرض للصعوبات ودور الرجل دور الظل ويكون يتزين في بيته فأنا قلبت وظيفة المخلوق وهذا إفساد ولن أنتج امرأة هي رجل مائة في المائة ولن أنت رجلا هو امرأة مائة في المائة.

المطلوب في الاسلام أن يكون دور الانسان دورا إصلاحيا بأن لا يعطل قواه وبأن لا يلعب في القوانين الكونية ولا يحاول مواجهتها ولا يحرك في وظيفة الأشياء والمخلوقات ولا يلوث البيئة ولا يدمر البيئة ولا ينتج في مصنوعاته ما يلوث البيئة لا يبني بدنا للإنسان على حساب روحيته وعلى حساب نفسيته ولا يقضي فيه على الشجاعة ولا يحث فيه روح التهور ولا يسقط بأخلاقه فلو جاء بأي شيء من ذلك فهذا عملية إفساد.

بصور اجمالية يتمثل الإفساد في أي مخالفة من مخالفات الأحكام الشرعية، جاءت الأحكام في مساحتها الواسعة التي تغطي كل مساحة سلوك الإنسان جاءت تمثل منهج الاصلاح والاعمار ومنهج إثراء الأرض والوصول بالإنسان إلى نضجه وإلى كماله ليس في بعد واحد من أبعاد إنسانيته وإنما في كل ما لإنسانيته من أبعاد، وهذا التصميم من الله عز وجل ولا أحد يمكن أن يضع مثل هذا التصميم لأمر واضح جدا هو لا يمكن أن يساوي الجاهل العالم، ولا المتعلم الذي تتوقف استفادته على كل ما يعلمه لا يتساوى مع معلمه الذي يزوده بكل ما يعرفه وليس هناك عاِلم من المخلوقات له علم كعلم الله تبارك وتعالى واطلاع على الخلق وإحاطة تامة ودقيقة بكل مشاعر الإنسان وبيئته وفكره وبكل ظروفه وماضيه وحاضره وغايته وبدايته، وهذا يحتاج لإحاطة ليس بظروفي فقط وإنما بكل ما صلة بي وما يوصلني للماضي وكل ما يشدني للمستقبل وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.

فوضع خارطة ناجحة لكمال الانسان من غير الله لا يمكن، وهذا المنهج الإصلاحي أي مخالفة له هو إفساد، والقرآن الكريم يتعرض في آيات كثيرة إلى مسألة الفساد والإفساد والملائكة كانت تعرف أن هذا المخلوق الجديد في الأرض طبيعته فيته اقتضاء الاصلاح وظروف الأرض فيها مساعدة على الإصلاح وفيها عامل مساعد على أن يفسد الإنسان فهناك توازن والإنسان جاء ليعيش تجربة على الأرض وما جاء مجبورا على خطا معين وإنما جاء ومطلوب منه أن يكافح بدرجة ما معتمدا على الله عز وجل في الوصول إلى تحقيق كماله فلابد من التحدي وهذا التحدي يتم بما لا يكتفه ويعيقه عن الحركة، فما جاء التكليف ولا في ظروف الحياة وفي طبيعة الإنسان ما يعيق حركته وما يفرض عليه توقف حركته بالكامل.

الدين يسر ولكن نراه عسر من ناحية عملية بسبب أن لدينا جهلا بالإسلام والمعصوم غير موجود وصلاتي كم اجتهاد فيها من الفقهاء واجتهاد يصيب وآخر يخطئ ولكن لا طريق لدي غير اتباعهم والوصول للمعصوم باب مسدود بفعل الإنسان فجاء غير المعصوم فيصيب ويخطئ  والفتاوى ليست كلها مصيبة للواقع  ولكنها حجة وهذا يسبب صعوبة، فذلك الفقيه دخلته وسوسة فتدخل هذه الوسوسة في فتاوه لنا وهذا يحدث أو أنه عنده مسبقات نفسيه لأنه يبقى بشر، فعامل جهل نسبي بالنسبة للفقهاء من لا يعملون بوظيفتهم من ناحية شرعية وناحية ظاهرية أو من الناحية الشرعية التكليفية وجهل أنا كذلك وكم لي من جهل وهذا الجهل يسبب عسرا في التطبيق.

هذا الإسلام يريد مني الجهاد ولا أفر من الجهاد والسيوف فوق رأسك وأنته تواجه “إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ[2]، فتقف أمام السيف وأمام المدفعية، فذاك حكومته لم تعلمه ولم تسمح له باستخدام سكين وأبوه دائما يدعو بعدم الخروج لخارج البيت ولا تفعل ولا تفعل، فهذه التربية التي حصلت لا تهيئه للجهاد ويصير الدين صعبا جدا جدا وما هذا الدين الذي يدعوني للوقوف أمام السيوف وأمام المدفع أنا لا أقدر، ويريدني الدين الاستيقاظ لصلاة الفجر وقد استيقظ قبل الفجر لصلاة الليل وذاك وصل عمره لخمس عشرة سنة ولا من يوقظه لصلاة الصبح بسبب الشفقة من الأب والأم.

ذاك في الخامسة عشر ويمتلك النفسية والعزيمة التي تجعله النهوض من فراشه الدافئ في الشتاء لصلاة الصبح أو صلاة الليل أمر صعب فهذه التربية ألا تجعل السهل في الشريعة صعبا وعسيرا على هذه النفس؟ لم أعلم أن أبذل فلسا واحدا ووصلت لعمر الخمسة عشر سنة وبلغت وجاءتني أموال إرث وتجرت بها وتحصلت على ربح في السنة الثانية فصار فيها خمس فهذا أمر مشكل ويتحول الدين إلى عسر.

فما يجعل الدين عسرا وحرجا وصعبا فوق طاقة النفوس عوامل ومنها جهلنا وعدم التربية الخاصة وعدم التربية العامة والظروف في المحيط العام فهذا مسدود أمامه كل الطرق من الرزق الحلال وإذا دخل مسجدا أتهم فلقد كان يلاحق مثل هذا في عهد صدام لأنه مجرم، وهذا ليس كمثل بيئة إذا صلى الولد وسأله أبوه قال: لتوي خرجت من المسجد فيرد عليه بارك الله فيك ووفقك الله، فتلك بيئة الدين فيها دين عسر وهذه بيئة فيها الدين يسر.

أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ[3]، الملائكة تعرف أن هذا الإنسان بتركيبه ولما له من هوىً يزاحم عقله ومن عواطف ومن شعور بالفقرالذاتي ومزاحمة الآخرين ل هفي الأرض يرفعه هذا للتعدي على حقوق الآخرين وعنده روح الملكية وروح تدفعه للتوسع ومجموعة الغرائز ودوافعه وعنده الرادع العقلي والفطرة النقية وعنده الآيات الكونية وآيات الرسول والحياة تقول له أنه فيها موت ورأيت أباك كيف مرض وسقط وتوفي فكل ذلك دروس وقوى ضاغطة من هذا الجانب وهذا الجانب، فيوجد عامل الإفساد وطبيعة الأرض المحدودة وظروفها وكون حياتنا قائمة على تغير أحوال الأشياء فتصلح وتفسد وهكذا والملائكة تعرف كل هذا فتقول: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ[4]، هو يرون أنفسهم بأنهم أولى بأن يكونوا موجودين في الأرض وهم يتناسبون مع وظيفة الإعمار لأنهم حين يأتهم منهج من الله عز وجل لا يغادرون منهم صغيرة ولا كبيرة فهم أهل طاعة وسينجحون في هذا المنهج.

الانسان بما هو إنسان بتركيبته هذه وإذا لم يكون هناك منهج يربيه ولا توجد تربية على ضوء هذا المنهج الراقي فهو معرض جدا بأن يقوم بالإفساد في الأرض.

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ[5]: أيدي الناس تكسب ما يسبب الفساد وتقوم بإفساد بمخالفة الأحكام والقوانين التكوينية ينتج إفسادا في الأرض،وهذه القوانين التكوينية لها معادلة خاصة تقتضي منك أن انبعثات الغازات يكون بشكل محدود وإلا تتدمر البيئة وتقضي على نفسك ولعى سعادتك وثرواتك وتتهدد حياتك، فينتج من المحروقات ومن الغازات ما يسمم الجو والبيئة كلها فهذا تدمير قانون تكويني وهذا إفساد فيخرب الثروة البحرية والثروة الأرضية ويدمر الصحة والنفوس والمشاعر قد تضيق وتكثر الأمراض وينشتر الخوف في كل مكان ولا يأمن بر ولا بحر ويحتاجون لحراسة البوارج النفطية في البحار عن القراصنة وهذا كل يأتي من تجويع الناس ومخالفة العدل ومخالفة القانون التشريعي وهو توزيع الثروة توزيعا عادلا في صورتها الأولية وفي صورتها المنتجة ولا توجد عبادة وهناك توجه للعب وللهو فينتج نفسيات لا مبالة ومخربة، ومئات تموت في طريق البحث عن القمة فتغرق.

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ[6]، فما قالته الملارئكة كله موجود، والإفساد موضوعه الشيء الصالح ولا أفسد شيئا غير موجود أو وضعا فاسدا بل يزداد إفسادا بلحاظ ما قد تبقى فيه من صلاح، وهذا الصلاح الذي في الأرض على مستويين، مستوى خلق الله لأرض مناسبة لإقامة حضارة ناجحة للإنسان عليها في الحياة تؤدي به إلى غايته الكبرى بعد الممات، وتوفر له أكبر قدر ممكن تطيق هذه الحياة من السعدة فيها مناسبة  وتفضي به إلى سعادة الأبد في الأخرة وتلك السعادة الكبرى.

والإصلاح الفعلي هو من مثال أن الأرض صالحة للزراعة فاجعلها مزرعة والعقل المعد إلى أن يكون عقلا منتجا فعالا يثري عندي الحياة فأبلغ بها هذه الغاية من خلال جهدي البشري وتربيتي وعنايتي بالجيل الجديد.

جاء الرسول والأرض يعمها الفساد بلإفساد من الإنسان فأصلحها إصلاحا فعليا وخرج بها من حالة الفساد إلى حالة الصرح ونفوس كانت فاسدة وعقول كانت فاسدةوعلاقات اجتماعية كانت فاسدة واقتصادا كان فاسدا وكل شيء كان يسوده الفساد فنفخ فيها رسول الله صلى الله عليه وإله من روح الرسالة ما يصلحها وينعشها ويحييها بعد الموت ثم جاء موجات الإفساد وهكذا الأرض تتداولها على أيدي مختلفة عمليات إصلاح وعمليات إفساد.

إصلاح رسول الله صلى الله عليه وآله إصلاح واسع وهناك إصلاحات محدودة من الإصلاح كأن أقيم دولة إسلامية في مدة معينة لها درجة معينة من الرشد وتأتي يد أخرى تطيح بهذه الدولة وتفككها وتعود بأوضاعها إلى الأوضاع الجاهلية وتفسد فكان الناس مطمأنين وكانت حاجتهم مقضية وإذا وسع الاقتصاد ولم تقم حرب شعواء عليه وكانوا راضيين نفسيا حتى مع حياتهم المتواضعه من خلال تربيتهم الإيمانية والصابرة على طريقه، فيأتي سلطان غاشم يخرب النفوس والعقول ويحرف الأخرق فتتدمر الحياة وتسقط وتعم السرقة ويعم القتل فعمليات إفساد وعمليات إصلاح.

القرآن الكريم والمنهج الإسلامي توفر بطبيعته وبالقيادة التي اختارها للأرض أن تكون الأرض أرضا لا يكون عليها إلا إصلاح ولا تتصف إلا بالصلاح ولكن الإنسان ليطغى ويكفر ويعاند الله عز وجل ليقتل نفسه وليدمرها.

“وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا[7]، الله عز وجل يقول أن الأرض صالحة وأنتم من تخربونها زتخربون أنفسكم وتخربون أوضاعها المادية وتحرفونها عن وظيفتها وهي نفعكم ومدكم بما يعينكم على التربية ووظيفتها أن تستثمروها في سبيل كمالكم فحين تفسدوها تفسدوا أنفسكم، وصلاح الأرض بصلاح أوضاع الإنسان وفساد الأرض حين تدمر أوضاع الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية وهذا إفساد للأرض، فمرة إفساد بيئي مادي ومرة إفساد للأرض من خلال إفساد الإنسان.

والحمد لله رب العالمين

[1]  سورة الفاتحة، الآية 6.

[2]  سورة الأنفال، الآية 16.

[3]  سورة البقرة، الآية 30.

[4]  سورة البقرة، الآية 30.

[5]  سورة الروم، الآية 41.

[6]  سورة الروم، الآية 41.

[7]  سورة الأعراف، الآية 56.