المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الرمضاني – 29 رمضان 1435هـ / 27 يوليو 2014م

الحديث القرآني الرمضاني – 29 رمضان 1435هـ / 27 يوليو 2014م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في إضاءات قرآنية في رحاب (سورة لقمان)

الحلقة الحادية عشر

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

قوله تعالى: “وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ”[1].

“وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ”[2]، فريقان فريق يسلم وجه لله تبارك وتعالى خاشعا مطيعا راضيا قانعا واثقا مطمئنا معترفا بأنه لا حول له ولا قوة إلا بالله ولا خير عنده إلا من الله تبارك وتعالى وأن المرد إليه ولا ملجأ من دونه وأن كل ما جاء من عنده إنما هو صالح العبيد من أمر ونهي، وأن دينه قائم على الرأفة والرحمة والإحسان والعدل وأن لا ينتظر من أحد جزائا وأنه يوفي الجزاء ويزيد أهل الإحسان إحسانا ومن كان هذا هو العلم به فلابد أن يُسلَمَ الوجه إليه ويستسلم الإنسان بكل وجوده لا عن إضطرار وخوف فقط وإنما عن رضا واطمئنان وثقة مع الخوف والرجاء.

وفريق ثاني “وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ”[3]، الكفر حجود وإنكار والكفر ليس إنكارا عن عدم وجود فهناك إنكار بأن الشيء غير موجود فأنكره وأنا لم أقم بذنب فأنكر أني أرتكب ذنبا أو أنكر أن فلان أرتكب أمامي جرما لأنه في الحقيقة لم يرتكب جرما وهذا ليس كفرا وإنما إنكار بلا كفر وهناك إنكار وراءه كفر والكفر هو الستر والتغطية فأنا أرى ولكن أنكر ورأيت الجرم ولكن أنكر أن فلان أرتكب أمامي جرما، أو ارتكبت ما يسيء وأنكر إني ارتكبت ما يسيء وهذا إنكار مع كفر فيه تغطية وحجب وفيه تعمية وكذب، والكفر بالله من الكافر من النوع الذي يقوم على معرفة وإيقان داخلي “واستيقنتها أنفسهم ” وعلى إنكار وجحود في الخارج في مقام القول ومقام العمل ولذلك تأتي المؤاخذة.

لو أن عبدا من عبيد الله أو آمة من إمائه ما كان لها معرفة بالله ولا سبيل لها إلى ذلك من فطرة ومن هدايات تكوينة ومن رسالة رسل ومن إنزال كتب ووحي كتب فالطريق مسدود فلا يعاقبها الله عز وجل إنما يعاقب الله على الكفر لأنه يأتي بعد المعرفة وعلى أقل الشيء لديك زاد فطري يعرفك بالله عز وجل وفيك فطرة منشدة إلى الله ولا مجال لأن تقول فطرة الإنسان بأن لا وجود لله عز وجل، يأتي رين ويأتي ضلال وشبهات تستوقف هذه الفطرة وتثير في العقل اسئلة وهذا مع ضوء الفطرة وعدم القدرة على الإنكار فلابد من البحث فيها وأن أسأل وأطالع وأتأمل وأما أن أقول لا إله على الإطلاق وأن الله غير موجود فمن أين لي هذه القضية فأي عقل وأي قلب؟ وأي رؤية رأيت أرؤية قلبية أم عينة أم بالبصيرة فلا طريق إلى ذلك هناك معرفة فأغطيها وأسترها وألغيها “وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ”[4]، فهم يعرفون الحقيقة ولكنهم يسترونها فلا يحزنك سترهم ورسول الله صلى الله عليه وآله يحزن على كفر الكفار فالمتصور على مستوى العقلي لأنه صلى الله عليه وآله يحزن لكفر الكفار لأنه يضره ويريد لكل الناس الإنقاذ ويريد لهم الجنة.

وكل ما على رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبذل كل جهده في سبيل هداية الآخر فلا يألو جهدا في تبصيره وفي رفع الشبهة عنه من دون أن يملك أن يزرع في قلبه الإيمان وأن ينير قلبه تكوينا بالإيمان وإنما هو طريق الكلمة والموعظة والتدريس والتعليم والتبصير والتذكير وأكثر من هذا لا يسعى وأما صنع الهداية بيد الله ونقل القلب من غوايته إلى هدايته ومن ضلاله إلى هداه فهذا بأفرادة التكوينة لله عز وجل التي لا تنفصل في هذا المجال عن اختيار الإنسان وعمله وسعيه.

وقد يُتَصور أن رسول الله صلى الله عليه وآله يحزن لكفر الكافر لانتفاشه وانتفاخه ولما يحدثه من غواية للآخرين ولما يسببه ذلك من حجاب للمستضعفين عن نور الله تبارك وتعالى وبما يصدهم عن ذكره عز وجل وأن يريد للإيمان الظهور والعزة والغلبة ويسره ظهور الحق على الباطل فهذا الوجه والمنطلق لحزن رسول الله صلى الله عليه أن الإسلام ينقبض في الناس وتنحسر مساحته ويقل امتداده ولأنه يحب الإسلام ويرى الإسلام خيرا ويريد له الإنتشار فيأتيه طمأنة من الله من هؤلاء الذي كفروا وما وزنهم وهل يملكون يدحروا الإيمان أو أن يدحروا الإسلام أو أن يصدوا الناس عن دعوة الله عز وجل الله صدا حقيقا بحيث يغلبون إرادة الله عز وجل؟ لا إنما عندهم محاولة متاحة من الله عز وجل ودور ابتلائي فهذا يستطيع أن يدعوا للإيمان وأن يدعوا للكفر ومُلكَ من قبل الله عز وجل أن يزين الكفر في النفوس كما هو الشيطان فالشيطان أعطي قدرة على أن يوسوس ولكن لم يعطى قدرة على أن يملك القلوب وأن يفرض سيطرته وسلطانه عليهم، فأمر القلب في النهاية بيد الله تبارك وتعالى لله العظيم “وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ “[5]،  مصير الإيمان في الأرض ليس بيد أحد.

“إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ”[6]، هؤلاء في الدنيا هنا كل محاولاتهم وكل طاقاتهم وكل مواهبهم التي يستخدمونها في الصد عن ذك رالله عز وجل هي بيد الله، وهو إذا كان يجيد سحر الكلمة فهذه الإجادة لا يملكها من دون الله عز وجل ومن دون إقداره وإذا كان يملك مالا يضل به ويملك أي طاقة يستطيع أن يتوسل بها في الصد عن ذكر الله فكل هذا من عند الله. “إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ”[7]، وهذا في الدنيا ولكن المرجع المقصود في الآية هو المرجع في الآخرة.

“إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا”[8]، فلا يفوتون الله عز وجل ولا يعاجزونه وهؤلاء مصيرهم بيده سبحانه وتعالى وكل ما أتوه ويأتونه محصا في علم الله عز وجل ومحفوظ في علمه فنحضرهم “فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا”[9]، على مستوى الفعل الخارجي وعلى مستوى الخاطرة وعلى مستوى النية وعلى مستوى سر الصدور فكل ذلك عملوه فهناك عمل فكري وهناك عمل نفسي النفس ومشاعرها ونياتها وتوجهاتها فهذا عمل داخلي، وهناك عمل جوارحي وكل عمل للجوانح والجوارح وكل عمل باطن وكل عمل ظاهر محصا عند الله عز وجل ومحضر يوم القيامة فها أنت وهذه هي حياتك وهذا هو سجلك ليس الأمر تنبئة فقط فالتنبئة للعمل فقط، “فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا”[10]، وإذا عملوا كفرا وضلالا وإضلالا وعملوا ضلالا فالجزاء هو جنهم وغضب الله وعذابه ” وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا”[11]، والآية الكريمة لا تستخدم الضمير التوحيدي وإنما تستخدم خطاب العظمة “فَنُنَبِّئُهُم” تنسد الفعل إلى موقع العظمة وإشارة إلى عدم محدوية القوة وعدم وجود قدرة تقف أما قدرة الله وعدم وجوده إرادة تعترض إرادة الله عز وجل.

“فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ”[12]، إذا كانت ذات الصدر وسر الصدر وهاجس الصدر وهمسة الصدر معلومة لله تبارك وتعالى وهي من خلقه والصدر من خلقه والقلب من خلقه عليه والقلب بماذا يريد أن ينعقد عليه وبما يتجه الثد ويأخذ الفكر وعلما تنطوي النية؟ القلب هو من سينوي والتي ستُعمِل مشاعر الشر أو ستحتضنها هي النفس والنفس مملوكة لله والقلب مملوك لله والعقل مملوك لله ولا تعمل إلا بالله وكل آلاتنا مملكوة لله ولا تعمل إلا بالله وبقدرته وبعلمه فكيف تغيب عنه وكيف يغيب عنه أثرها؟ فليس متصورا أن علم الله يفوته فائت من باطن أو ظاهر فيدي تعمل بقدرة الله وبيتزل ينزل عليها من الله عز وجل فتتحرك بقدرة الله فكيف لا يعلم حراكتها وسكناتها.

“عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ”[13]، فخزائن الصدور عنده وليس عمل اليوم والنية التي ينطوي عليها الآن وإنما النية التي ستنطوي عليها بعد ثمانين سنة أو تسعين سنة لأن علم الله لا يحده زمن فالماضي والحاضر والمستقبل عنده وفي علم لله لا يوجد هذه التقسيمات فكل حاضر عنده، فمثلا أنت في بناية امتدادها العمودي عشرة كيلومترات وعندك الأفق الذي في الأسفل ورؤيتك قوية فلا يخفى عليك شيء من هذه المساحة، وأنا في هذا المكان المحدود فلا أرى الموجود في مكان الثاني ولكن إذا كان المكان كله مكشوف لي فأرى كل من في المكان وكلما في المكان، الزمن الذي سيأتي هو معلوم لله إزلا وفي توجيه لعلم الله بالمستقبل وبكل الآمال لأنك حينما تعلم بالعلة تعلم بالمعلول، فما هي علة أي شيء في الوجود مما كان أو هو كائن أو سيكون فليس من علة إلا الله تبارك وتعالى وإليه ترجع كل العلل وهو عالم بنفسه فيعلم بكل معلول له سبحانه وتعالى ولا يوجد شيء خارج هذه المعلولات التي تنتهي إليه.

“فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ”[14]، صحيح سيرجعون في الآخرة وينبؤهم الله بما عملوا لأنه عليم بذات الصدور ولكن نراهم في الدنيا يتمتعون فهل ليسوا خارج ولاية الله والآية الأولى قالت عنهم أنهم تحت حكم الله ويوم القيامة هو تحت قبضته وهم في الدنيا ينتفشون ويتجبرون ويظلمون ويكفرون يعبثون ولكن الآية الثاية تقول أن هذا ليس بفعلهم ولا باستقلاليتهم ولا بإرادة مفروضة على الله عز وجل وغالبة لإرادة الله وبجبروت قاهر لجبروت الله ولقهر غالب لقهر الله وإنما “نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا”[15]، وهذا شيء بسيط زهيد “نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا”[16]، المعطى قليل والإمكانات قليلة وزمنها ضيق وقليل وهذا ليس خارج إرادتنا وهذا ابتلاء فقوة القوي ابتلاء له وللضعيف وضعف ابتلاء لي فأنا الضعيف أستكين لقوة القوي وأنسى قوة الله فهذا امتحان فإذا كنت لا أرى إلا قوة الله فانا لست في امتحان وإذ كنت أرى مع قوة الله قوى أخرى وحسي يقع عليها وأحس بخطرها فهنا الإمتحان هل أنسى قوة الله العظمى وأعبد هذه القوة وأخاف هذه القوة أم تظل عيني متجه إلى قوة الله عز وجل والممتحن به هو أنا فإذا لم يكن هناك ضعيف فينتفش على من؟ ويظلم من؟ وما يضره لو كلنا أقوياء، “نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا”[17]، وهذا من باب الحكمة ومن باب أن الدنيا كلها أبتلاء لعبيد الله عز وجل.

“ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ”[18]، يسحبون سحبا إلى النار ويجرون جرا مهينا في خزي وذل ويحشر الواحد المستكبر كالذر -النمل الصغار- يحمل مشاعر الأولية حينما كان إنسان ويذكر مستواه الأولي وجبروته والجند والتحيات وطأطأت الرؤوس وتقبيل الأقدام والآن يشعر كالنملة الصغيرة المداسة التي لا حول لها.

“ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ”[19]، وصف الله عز وجل وكل وصف لا يحمل دقة وصف الله عز وجل ولا يدخل وصف الله بشيء من أي خلل وأي خطأ وأي مغالاة.

“إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ”[20]، فلتتحمل نفس عذابا وصفه مسلطه على العباد بأنه غليظ أغلظ مما في الدنيا ولا يوجد عذابات في الدنيا نحن نحتملها ولا آلم جسدية تصاب بعض الأمراض فلا تبقي وقارا ولا رزانة ولا شعورا وإنما يصرخ ويتألم وهذا في الدنيا.

“وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ”[21]، فطرة ناطقة في نفس كل إنسان ولا تندفن ولا تُقتلع فربما يخفت صوتها ويبهت ضوئها ويقل أثرها وتنام وتسبت ولكن لا تموت بالكامل وعلى الأقل في حالات الشد العنيفة تستيقظ وترفع رأسها قليلا من سبلتها وتغفوا للسيئات بأثر السيئات وتراكمها.

“وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ”[22]، مشركوا قريش الذين كانوا يعبدون الأصنام لم يكونوا ينكرون أن من خلق السموات والأرض هو الله ولكن الكلام عن كل الناس “وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ”[23]، فليسوا خصوص مشركي قريش وإنما الكفرة كل الكفرة وهؤلاء منهم ملحدون وهذا الملحد بلسانه في الحقيقة معترف بكيانة بالله عز وجل وقضية الفطرة فهذا أمر آخر وإلا فكل خلية من خلاياه وكل ذرة من ذراته ناطقة بتوحيد الله عز وجل حيث تشهد على نفسها بالفقر الذاتي وأن ما لها من وجود أو شيء هو بعطاء الغير وأن من كان معها في صعيد واحد في الفق الذاتي لا يمكن أن يتنهي العطاء عندها.

أنا الذرة من ذراتي تشهد بأنها فقيرة ذاتا، فأنا وحركة الإلكترون والنواه التي فيها الإلكترون ليس عندي وهذا معطا لي ونظامي معطا لي وهناك تصوران أحدهما باطل مائة في المائة والاخر هو الحق تصور أن هذا النظام ووجودي يا ذري ونظامي من ذرة هي تعيش نفس مستواي في الفقر الذاتي وأن وجودي كله وصل إلى ذرة مثل في الفقر الذاتي ولا وراءه أحد وهذا باطل فتلك فقيرة ذاتا ومن المفروض بذاتها أنها لا توجد هي مفقودة ذاتا ولا تملك شيء فلابد أن أنتهي للغني بذاته وهو الله تبارك وتعالى.

فكل ذرة من ذراتنا تشهد على نفسها وعلى غيرها من الممكنات بالفقر الذاتي وبأن منتهى كل شيء إلى الغني بالذات وهو الله تبارك وتعالى وهذا توحيد وفطرة مجبولة على توحيد الله ومعرفته وفطرة شعور من أصل الخلق ووجدان شعوري تعيشه النفس مخلوق من الله عز وجل فيها حجة عليها ونور فيها ورسول داخلي لله يقول بأن لا إله إلا الله، هذا نطمره ولكنه يفرض نفسه علينا ولو في بعض حالات الشدة.

“وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ”[24]، لسانهم لا يقول ولكن لسان الفطرة يقول أن الله لابد أن يكون قديرا في ذاته وغني بذاته وموجود بذاته وخبير بذاته وهنا يأتي “لَيَقُولُنَّ اللَّهُ”[25]، ليس الرحمن ولا العليم ولا القدير وإنما “الله” ذات المتعال المستجمعة لكل صفات الكمال والجلال المطلق وذاك الذي يتنهي له خلق السموات والأرض وهذا ما تقول به الفطرة فليست رحمة بلا قدرة فهذا لا يكون وليست قدرة بلا رحمة وهذا لا يكون ولا وجود بلا حياة وهذا لا يكون وليست قدرة بلا علم فلا يكون، الله هو الذات الوحيدة المتسجمعة لكل صفات الكمال والجلال.

فيأتي أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وآله “قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ”[26]، وحمد الله غير الحمد لله فأحمد الله بمعنى بأني أحمده سواء كان عن تبرع أو صدق أو كذب أو عن استحقاق وأم الحمد لله فهذه ثناء على الله وشهادة بأنه لا محمود إلا الله -قصر الحمد على الله- والحمد لله له لا لغيره فلا حمد للرسول الله ولا لجبرائيل وإنما الحمد لله في الأصل لله عز وجل، رسول الله صلى الله عليه وآله جميل ولكنه جمال محدود في ذاته ولكن جماله ليس بالذات وإنما جماله من عند الله عز وجل.

رسول الله صلى الله عليه آله ذو نعمة علينا كبرى وفعل جميل فهو محل للثناء ولكن كل غعل جميل لرسول الله صلى الله عليه آله مرجعه لله عز وجل، فالحمد في أصله وهو الثناء على الفعل الجميل الاختياري والذات الجميلة والجمال الذاتي إنما هو من الله فالحمد له.

“الْحَمْدُ لِلَّهِ”[27]، فكون خلق السموات والأرض به وكل شيء بيده يجعل كل الحمد له، ويوجد شيء ثاني وهو أن هؤلاء حين قالوا حينما أجابوا أن الذي خلق السموات والأرض هو الله “لَيَقُولُنَّ اللَّهُ”[28]، فقد سجلوا اعترافا على أنفسهم بالضلال والجحود والانحراف، وخلاف الإسلام معهم ليس بأنهم يعترفون بخلق الله أم لا فهم يعبدون الله أم لا يعبدونه؟ اعترافهم بأن خالق السموات والأرض هو الله وحده يسجل عليهم أن يعترفوا بأنه هو المعبود الحق وحده فهم أجابوا بما يلزمهم من حيث أن كثيرا منهم لا يشعر بهذه النتيجة ولا يعرف أن يربط بين التوحيد في الخلاق والتوحيد في العبادة، والتوحيد في الخلق يعني التوحيد في الربوبية فالله الخالق والتدبير وهو حفظ نظام الكون وحفظ نظام كل ذرة وكل جسم وكل جزء وجزيء وكل عضو وحفظ كل عالم من العوالم التكوينة وحفظ النظام وهذا تدبير، ومرة تدبير الله لخلقه عن طريق الخلق ويوجد تدبير النظام التشريعي وهو الدين النازل على أنبياء الله ورسله، ويوجد نظام التكوين وهو نظام التدبير والنظام التكويني يعني أن يتنزل على كل شيء ما هو بقدره وما يصلحه وما يعطيه الدور الموكل إليه، وتنزيل وجود وتنزيل درجة من العقل والشعور ودرجة الإمكانات بقدري وبقدرك وبقدر الشيء الفلاني ولكل شيء وبما يناسب الوظائف ووما يناسب العمر المكتوب لنا وما يحفظ الترابط الكوني ويبقى العلاقات الكونية التي ينحفظ بها الكون وهذا هو التدبير والحلق وهو تنزيل الوجود والحياة وإعطاء السببية للسبب المؤثر.

فقولك الله الخالق فهو المدبر فالله خلق ولا زال يدبر وما انقطع عن الكون فهو المالك له وهو من يعطيك وجودك وحياك وشعورك وتفكيرك وعلمك ورزقك، وارتباطنا وتعلقنا بالله واعتمادنا في وجودنا على الله وفي حياتنا عليه وفي رزقنا عليه وفي كل خلايانا على الله وفي كل ذرة من ذراتنا على الله فهذا خضوع وسجود وركوع وانقطاع لله ولا ارتباط في هذه الأمور بغير الله ولا يوجد استمداد بغير الله عز وجل ولا استجابة لغير إرادة الله في هذا الخلق وهذه العلاقة التكوينية بيني وبين الله عز وجل هو يعطيني وأنا آخذ وأنا كل حياتي قائمة على الاستجداء والاستعطاء وعلى الاستمداد من الله عز وجل وعلى التعلق به وعلى التملق إليه فوجودي متملق إليه وكل ذرة من ذراتي لكي تبقى تتملق إلى الله عز وجل ولا تهرب عنه ولا تبحث عن مجال آخر ولا تجد معطيا آخر هذه عبادة فنحن كلنا نعبد الله عز وجل تكوينا وهذا مستوى لا إله إلا الله.

فعلى مستوى التكوين لا إله إلا الله ولا معبود على الإطلاق غيره أصلا وعلى مستوى التشريع لا إله إلا الله فالله ما أذن لأحد أن يعبد أحدا على الإطلاق إلا هو، فتسجد لرسول الله وتعبد له فقد كفرت وأشركت أو تعبد جبرئيل فقد كفرت وأشركت فلا إله إلا الله على مستوى التشريع ، وبقى على مستوى اختيار العبد كيف تكون لا إله إلا الله فالعبيد منهم من يختار عبادة الله ومنهم من يختار عبادة الشيطان والقمر والشمس والصنم والآدميين.

فلا إله إلا  الله بمعنى لا معبود بالحق وبقيت المعبودات كلها باطلة وهي ليست معبودات لأنها ليست في موقع العبادة سالبة لانتفاء الموضوع والصنم ليس معبود وإنما أنت من تجعله معبود فهو لا يتلقى عبادة، فهؤلاء حينما قال أن الله هو من خلق السموات والأرض “وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ”[29]، وجاوبهم جاء بالفطرة أنه لله فهم لابد أن يعترفوا أن المدبر الله والمالك الله وأن المعبود بالحق هو الله، “قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ”[30]، سجلوا على أنفسهم بأنهم معاندون جاهلون وساقطون

“بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ”[31]، وهذا الربط أكثرهم لا يعلمونه وبعض الكفار يعلم أن الخالق والمدبر هو المعبود الحق ولكنه يعاند ويكابر وهذا الحجة عليه موجودة في الفطرة فإذا لم يكن يوجد خالق ثان فلما يعبد الآخرين؟ ولابد من دليل أن هذا الصنم يقربني إلى الله عز وجل فهل نزل عليّ نبي أم كتاب أم عقل وأن هذا الصنم بخضوعي له وسجودي وركوعي له يقربني إلى الله؟

والحمد لله رب العالمين

 

[1] سورة لقمان، الآيات من 23 إلى 25.

[2] سورة لقمان، الآية 23.

[3] سورة لقمان، الآية 23.

[4] سورة لقمان، الآية 23.

[5] سورة لقمان، الآية 23.

[6] سورة لقمان، الآية 23.

[7] سورة لقمان، الآية 23.

[8] سورة لقمان، الآية 23.

[9] سورة لقمان، الآية 23.

[10] سورة لقمان، الآية 23.

[11] سورة لقمان، الآية 23.

[12] سورة لقمان، الآية 23.

[13] سورة لقمان، الآية 23.

[14] سورة لقمان، الآية 23.

[15] سورة لقمان، الآية 24.

[16] سورة لقمان، الآية 24.

[17] سورة لقمان، الآية 24.

[18] سورة لقمان، الآية 24.

[19] سورة لقمان، الآية 24.

[20] سورة لقمان، الآية 24.

[21] سورة لقمان، الآية 24.

[22] سورة لقمان، الآية 24.

[23] سورة لقمان، الآية 24.

[24] سورة لقمان، الآية 25.

[25] سورة لقمان، الآية 25.

[26] سورة لقمان، الآية 25.

[27] سورة لقمان، الآية 25.

[28] سورة لقمان، الآية 25.

[29] سورة لقمان، الآية 25.

[30] سورة لقمان، الآية 25.

[31] سورة لقمان، الآية 25.