المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الرمضاني – 28 رمضان 1435هـ / 26 يوليو 2014م

الحديث القرآني الرمضاني – 28 رمضان 1435هـ / 26 يوليو 2014م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في إضاءات قرآنية في رحاب (سورة لقمان)

الحلقة العاشرة

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

قوله تعالى: “أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ”[1]

يفتش العاقل عن مصدر أي نعمة من النعم التي عنده وعن أي شيء مما في السموات والأرض ليرجعه إلى عاجز أو إلى فاقد أو إلى جاهل ويقول هذا من عند الجاهل وعند الفاقد للقدرة ومن عند غير الحي، فيكذبه عقله ولا يرضى له ذلك والعقل لا يرضى لنا بأن نرد أدنى شيء إلى خلق خالق جاهل وإلى خلق خالق مفقود وإلى خلق خالق عاجز، فلذلك لا نستطيع أن ننكر الله سبحانه وتعالى هو الذي سخر السموات والأرض ويدلنا لله عز وجل أن السموات والأرض ما فيهن سُخر لكم فلكم مقام كبير عندي فلا تنحط بمقامكم، ومن سخرت له السموات والأرض كيف يكون شأنه عند من سخر له السموات والأرض؟ أحدهم يعطيك مليون أو مليوني دينار ولا يضرك  فعنده تقدير لك ويراك شيئا.

والله عز وجل سخر للإنسان ما في السموات والأرض فلا يُخرجُ من جميله وكم شأن هذا الإنسان عند العليم القدير وعند الكامل؟ فالإنسان يستطيع أن يمتلك وزنا عاليا جدا من ناحية فعلية فهو من ناحية شأنية ومن ناحية الاستعداد ومن ناحية قابلية هيء لأن يكون مخلوقا كبيرا كريما يتقدم كما يذهب إليه العلماء يتقدم على الملائكة مستوى فهذا هو الإنسان وإذا به يرجع أضل من الأنعام سبيلا، وتلك التي لا تهتدي ولا تعرف شيئا ومسلوبة القدرة التي عند الإنسان، وهذا طريق إلى النار وفي النهاية حطب في جنهم، فهذا المقام العالي جدا الذي أستطيع أن أحققه لنفسي بالأخذ بالدين والاستقامة على طريقه فأختار لنفسي بدلا عن ذلك المصير السعيد الكبير أن أكون حطبا من حطب النار ووقودا من وقودها وأن أكون مع الشيطان الرجيم ومع سفلة خلق الله الذي لا أطيقهم أكون معهم، فأحدنا إذا على شيئء من الاستقامة والذوق الإنساني السليم يؤذيه أن يجلس مع فجار فساق ولعابين ولاهين وظالمين فهذا يؤذية وهناك المقر الدائم هل أختار في النار؟

“أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ”[2]، تذكير بالنعمة والمقام “وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً”[3]، عندنا نعمة الجسد وما في جسدنا من حواس وعندنا نعمة أكل وشرب وعندنا نعم تملئ حياتنا في الخارج وعندنا آباء وعنده أصدقاء وزوجة وكلها نعم ظاهرة وهذا بالنسبة للكافر والمسلم وهذه نعم مشتركة بين الكافر والمسلم، والمؤمن عنده نعمة المنهج الإلهي الذي آمن به وهي نعمة ظاهرة ونعمة الرسل وهي نعمة في الأصل للجميع، والباطن عندنا عقل وشعور وعندنا هادفية وعندنا دوافع تصلح حياتنا المادية ولا تقوم حياتنا المادية إلا بها وعندنا دوافع عن طريقها تصل الروح إلى كمالها كدافع الوصول إلى الحق وعمق الجمال المعنوي وعشق العدل والميل إلى الإحسان.

المقامات العالية الرفية التي فتح للإنسان بابها على مستوى سمو الروح وتعملق الفكر والشعور بالإطئمنان والثقة والرضا بالحياة فهذه كلها نعم باطنة، وما من نعمة ظاهرة للعيان وما من نعمة باطنة والنعم الظاهرة لا تحصى ولنعم الباطنه لا تحصى وقد نعرف وقد لا نعرفها فلا يمكن إرجاعها للنفس وأنا الذي جلبت لنفسيهذا الشيء فمن أنت فلا عندك قدرة للخلق ولا إلى أحد من دون الله تبارك وتعالى، فعقلنا يقول لنا أن الله قد سخر لكم شيئا من السموات والأرض وليس من أحد غير ه قد خسر لكم شيئا مما في السموات والأرض ومن بعد ذلك فالطاعة والاستجابة والخوف ممن والرجاء فيمن؟ يكون لله تبارك وتعالى وفي كل ذلك يجب توحيد الله فيه.

وهذا هو الحق الواضح البيّن والذي لا يمكن للعقل أن يأخذ بوجهة نظر مخالفة ولا يسمح بأن أقول أن البيت الذي أسكنه وأن اللباس الذي ألبسه وبأن اللقمة التي تصل إلى جوفي وبأن نسمة الهواء وبأن قطرة الماء وبأن شعاع السماء والنار التي أستدفأ فليس عندي عقلا يقول لي أن هناك مصدرا كله عجز وكله محدودية وجهل وفقد وميت ليس فيه حياة أنه هو مصدر لقمتك وعيشك وكل خلق الله هو عاجز وفاقد وهو جاهل وميت في حد ذاته وكل شيء عنده من الرب تبارك وتعالى وهذه هي الحقيقة الساطعة والتي لا تستطيع أن ينكرها العقل ولا تستطيع الفطرة إلا أن تسلم بها أنظر إلى فريق من الناس ” وَمِنَ النَّاسِ” مع هذا المستوى من الوضوح ومع التجلي للحق “مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ”[4]، والمجادلة المغالبة الكلامية لإظهار الباطل على الحق والتغلب على الخصم بغير وجه صحيح وأيد أن أغلب وأن تتفوق وجهة نظري وأن افرض رأيي وأريد أن أسكت الطرف الآخر وأفحمه .

“وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ”[5]،  في وجوده وقدرته وعلمه ولطفة ورحمته، جادل وناقش إذا كان عندك دليل ومن المصادر التي تستمد منها الحجة حجيتها والدليل دليليته ولكي أتكلم كلاما صحيحا ومستقيما ومقبولا عند العقل ويسلم له فالمطلوب لهذا الكلام والشيء الذي يقوم عليه هذا الكلام والدليل والمصادر هو العلم والراجع لأفكار عقلية راجع للعقل الصادق الخالص ومنطق سليم لا يستعمل مقدمات باطله ولا يسلك طريق تفكيرا غير الطريق الصحيح.

منطق كل مقدماته سلمية وصحيحة وسيرة الفكري سير صحيح دقيق وليس فيه مغالطة وليس فيه ترك مقدمة من مقدمات أو قفزة فكرية وهذا علم وهذا صعب جدا، فلاسفة كبار ويقعون في أخطاء كبار وأنت تفكر وتنتهي إلى ان فكرتك صحيحة وترجع لها بعد يومين ويناقسها عقلك فيكتشف فيها خلل، المهم علم وهذا العلم يرجع إلى أسس فكرية ثابتة لا تتزلزل كاجتماع النقيضين واستحالة اجتماع الضدين هي قضايا مصطلحاتها منطقية ولكنها فكرية واضحة جدا، أسود وأبيض هذان ضدان وهما أمران وجوديان لا يجتمعان مع بعضهما وهذا الجسم في هذه اللحظة والنقطة الواحدة وهذا أسود وفي نفس الوقت أبيض لا يمكن، فلابد لقضاياك الفكرية ترجع إلى فكر من هذا المستوى في درجة الوضوح وينطلق البناء في القضايا بهذا الوضح وينتهي كل بناء فوقي ومنتج لابد أن يرجع إلى درجة بهذا الوضوح في النهاية ولابد أن تسنده هذه القضايا ولابد أن لا يتكاذب ولا يتهافت مع مثل هذه القضية.

 

فأفكارنا ليست بهذا النمط وإنما مملؤة بالاستحسانات وأعجاب نفسي وما أكثر الأفكار التي نجلبها من مصادر غير عقلية دقيقة وتناقض، فهذا الخاتم موجود وهذا الخاتم معدوم في وقت واحد والخاتم هو نفس الخاتم والنقطة هي النقطة إلى تمام شروط التناقض، فلا يمكن أن يكون موجودت ومعدوما في نفس الوقت، وأنت في هذه اللحظة هل أنت موجود وغير موجود؟ لا يكون إلا من حيثيتين أن الجسد موجود هنا والفكر غير موجود، ولكن من جهة واحدة أن تكون موجودا ومعدوما في نفس الوقت لا يمكن ولابد أن يرجع الفكر كل الفكر للبناء الفكري الصناعي والزراعي وسياسي واجتماعي وديني وحتى يكون صحيح بهذه المستوى من القضايا وتدعمه بهذه القضايا ولابد أن لا يتكاذاب ولا يتهافت مع هذه القضايا، وفكرنا ليس بهذا المستوى وإنما قائم على غضب ورضا وعلى شهية وعلى تفكير سريع وعلى سطيحيه. فالمجادل في الله عز وجل هل لدية قضية بهذه الدرجة الوضوح وهل عنده أساس من هذا النوع؟

 

“مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى”[6]، فيجادل في الله بغير علم ولا هدى والهدى هو الوحي والإلهام الإلهي ووحي منه، بمعنى أنه زال عليه وحي من الله وأن يشرك به وأن الله غير عليه وغير قدير.

“وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ”[7]، الكتاب المنير المتأكد منه هو الكتاب السماوي إلالهي والذي ترجع إليه العلوم فإما أخذه من عقله التفكير العلقي الدقيق أو قال له النبي أو لأنه هو نبي أو دلالة علماء بحق وليس أسما فقط وما يسمى علم -ينتهي إلى ما سبق ذكره- “وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ”[8]، وليس عنده أي كتاب يدل على قوله ففتش القرآن وأي كتاب سماوي هذه الكتب المنيرة وحتى الكتب الأقل إنارة الكتب البشرية اتي صدرت بصورة موضوعية عقلانية على نهج تفكير صحيح فلا يمكن أن تتيح حق المجادلة في الله تبارك وتعالى ويمكن أن تتيح فرصة لأي مجادِلٍ في لله تبارك وتعالى، تبقى مجادلة هؤلاء من غير مصدر صحيح فهي جهل محض وعناد واستكبار وغرور.

 

“وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ”[9]، وهذا المجادل في الله ويأتيه المثقف المسلم الذي ليس في معرض الرد على الآخرين ولا يقصد الرد على الآخرين ويقراء الكتاب من الجلدة إلى الجلدة وكتاب الله معطل وإن لم يعطله تلاوة فنحن معطلون له درسا وتدرسيا.

“وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا”[10]، أنظر للمستوى السخيف الساقط لم يقال لهم إن اتبعوا هذا الكتاب بل ” اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ”[11]، ما تعلمون بأن الله أنزله تتبعوا القرآن لما عليه مقتضى العقل من أن الكتاب بما صحب إنزاله المعاجز وإثبات لنبوة وبما هو في نفسه معجزة بأنه منزل من الله.

 

“اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ”[12]، واتباعكم له لا لأي شيء ولا إلى كتاب ينسب إلى الله فقط وهل لكتاب مدعى أنه من الله أو لكتاب أدعى محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله أنه من الله أو للعلم حقا وصدقا بأنه م نالله فإن كان الأول اتبعوا كتاب نسب إلى الله ولم تتبعوه فموقفكم صحيح حيث كنتم تنظروا ولكن كتاب أعلم بأنه أنزل من الله وأعلم ذلك بأن هل يستطيع أحد أن يأتي بعشر سور مثله وهل يوجد كتاب في الدنيا تحدى العالم من أوله إلى آخره من زمن رسول الله إلى إنقضاء الدهر يتحدى أن يأتوا بمثله ويتحدى كل الأجيال بأن يأتوا بكتاب مثله أن كانوا يستطيعون وإخبارات القرآن وعدد من مخبرات القرآن الغيبة وهذا الفكر والدقة في القرآن وإن استطعتم فأنا كاذب وساقط، واستعينوا بالأنس والجن وكل القابليات والعبقريات وكل الأدباء وكل البلاغيين فلم يستطع أحد أن يأتي بمثله.

 

فأنتم طُلِبتم باتباع ما الطريق إلى العلم بأنه أنزل من الله مفتوح تماما “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ”[13] أبعد هذا توقف؟ أبعد هذا تلكؤ عن القبول والاتباع؟ والجواب كان ” قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا”[14] موقفنا غير هذا الموقف ونحن نصر على تقديم ما وجدنا عليه آباؤنا بما هو آباؤنا وليس بما أننا عرفناه أنهم أهل الحق وأنهم أهل العلم وأهل المعرفة والآيات الكريمة السابقة أوصت كثيرا بالآباء والأمهات “وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا”[15]، هؤلاء يقولون أنهم يعلمون أنه أنزل ومن الله وجاء من الله فنلغيه ونتجاوزه ونعانده ونأخذ ما كان عليه آباؤنا، أي عقل وموضوعية آدمية وإنسانية وتفكير صحيح وما نفعل فالناس هكذا، أتقي الله فتقابل ما عليه الناس بما جاء عن الله عز وجل.

“وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ”[16]، لو هنا تسمى وصليه ما قبله معطوف عليه “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا”[17]، يتبعونهم لو لم يأمرهم الشيطان ولم يدعوهم الشيطان وحتى لو دعاهم الشيطان وإذا كان اتباع آباهم من غير دعوة الشيطان وحتى من دعوة الشيطان وإذا كان دعوة أبي وأمي بأن أخذ هذا الشيء واتباعي لما وجدت عليه آباي وأجدادي وقبيلتي وبيتي وبيئتي هذا حتى لو كان من أمر ودعوة الشيطان والشيطان العدو والمضل والشيطان الذي يكيد بك ليلا ونهارا “أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ”[18]، دعوة الشيطان إلى عذاب السعير أتتبعها؟ وكل ما جبل عليه الآباء والأمهات مما يوصل إلى النار فإن الأخذ باتباعه استجابة لدعوة الشيطان إلى عذاب السعير، وهذا لو غضب مع والده لضربه وهو يقدم قول والده على قول الله عز وجل.

في قبال هؤلاء الذين يتبعون ما وجدوا عليه آباهم دونما أنزل الله “وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى”[19]، كل موجود إما مستغن أو فقير والمستغني مستغن إما بنفسه أو بغيره وبالنسبة لنفسك أنا أريد نجاة وأريد فوزا وأريد سلامة لعقل وسلامة لنفسي وسلامة لجسمي وسلامة لشعوري وأريد الاحتفاظ بحياتي وأريد الاحتفاظ بالنعم التي عندي وأريد أن أفوز كل الفوز فهل هذا عندي ومتوفر لي من نفسي؟ وهل أنا غني به من نفسي فلابد أن  أبحث عنه من عند غيري، فأنا ليس حياة ذاتية وليس عندي علم ذاتي وليس عندي عقل يملك ذاتة وليس عندي لحظة حياة أملكها بذاتي وليس عندي أي خير وليس عندي وقاية من أي شر أستقل بها.

فأفتش هنا وهناك وأبحث عن قوة وعن مصدر وعن عروة استمسك به ليس لكي لا أسقط أو لا أهلك ولا أخسر نعمي أو أفقد وزني فأريد شيئا استمسك به وهذه العروة ليست عند فلان الغني الذي أراه فقيرا في ذاته أو لفلان القوي فأراه ضعيفا في ذاته مثلي فلا احد إلا الله تبارك وتعالى فالتمسك بالعروة الوثقى هو استمساك بحبل الله وبعروة الله ولا تنفصم ولا تلين ولا تهن ولا تتقادم ولا تضعف ولا تخون ولا تنسى ولا تغفل ولا تجهل ولا تغيب لا في الليل ولا في النهار ولكي تستمك بهذه العروة أسلم وجهك لله وإسلام الوجه بأن تتوجه بكل وجدك وبكل فكرك ومشاعرك وطموحاتك وبحبك ورجائك وخوفك وكلكك تعلق بالله عز وجل.

أنت معلق في خشبة والخشبة معلقة في طائرة فهل تستطيع أن تتخلى عنها بل تتشبث بها ولا تغفوا عيناك سواء تعبت أم لم تتعب فما دامت فيه أدنى قوة أنت ممسك بالخشبة ففيها كل حياتها، وأنت بمجرد إنفصالك عن الله فلا يوجد شيء فعقلك بالله وعلمك بالله وحياتك بالله وهمتك بالله وإرادتك وعزمك وإنسك وكل شيء بالله فهذه هي العروة الوثقى، ولا يوجد خشبة خلاص غيرها.

“وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى”[20]، فيطمئن ويرتاح وهذه الخشبة أنت تستمسك بها بكل قوتك واستمساكك بالله يعطيك القوة والدعم والمدد.

“فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى”[21]، لنجاة الدنيا ونجاة الآخرة وخير الدنيا وخير الآخرة وفرد وأسرة ومجتمع وأمة والإنسانية كلها تحتاج إلى التمسك بالعروة الوثقى وكل خلل يحصل في حياتنا هو من ضعف الاستمساك بالعروة الوثقى.

“وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ”[22]، وهو محسن أي موقن ومؤمن بالآخرة فيكون توجهه حقيقي ولا ينفع التوجه الظاهري بل التوجه الحقيقي الذي يصدر عن قلب مسلم راضي مطمئن واثق وهذا الاستمساك العملي وهو إخضاع السلوك لمنهج الله عز وجل وهذا هو استمساك بالعروة الوثقى والمنهج الإلهي والعروة الوثقى هو الدين الذي يوصل لله عز وجل وهو قرآن الله عز وجل وسنة رسوله وأهل بيته المعصومين عليهم والعقل الفطري وهذا التسليم يصر عن قلب متوجه ومسلّم ومطمئن واثق راضي بقضاء الله وقدره. ويرى بعضهم “وَهُوَ مُحْسِنٌ”[23]، بمعنى التوجه الداخلي مصحوب بالعمل الصالح مثل الإيمان المشروط بالعلم الصالح “الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ”[24].

“وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ”[25]، وهنا دليل على القضية المطروحة، فلماذا حينما أتعلق بالغني الفلاني لا يعد هذا أستمساك بالعروة الوثقى أو بالحاكم الفلاني العادل فضلا عن الظالم ولا يعد هذا استمساك بالعروة الوثقى وحينما استمسك بأرحم رحيم في الخلق لا يعد استمساك بالعروة الوثقى وبأي قوي وبأي غني وبأي مفكر لماذا لا يعد استمساك بالعروة الوثقى؟ ولماذا يعد الاستمساك بالله عز وجل استمساك بالعروة الوثقى التي لا تنفصم ولا تهن ولا تصاب بخلل ومعها لا تخاف؟ لأنه “وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ”[26]، فأي قوة تنتهي لقوة الله وأنا سأستمسك بقوة وهذه القوة لله ومن عند الله، والاستمسك بالله بالعروة الوثقى لأنه هو العلم والحياة ومن عنده اللطف سبحانه وتعالى وهو القدرة وما عداه جهل وعجز ومحدودية وموت وهو استمساك بغير العروة الوثقى.

وكان الاستمساك به سبحانه وتعالى استمساك بالعروة الوثقى لأنه إليه عاقبة الأمور، وأي ذرة من قوة هي مملوكة لله عز وجل وتنتهي إليه، قوة الدولة الفلانية وقوة التفكير عند فلان وأي قوة وأي علم وأي حياة منتهاه إلى الله عز وج، ولذلك الاستمساك به وحده هو الذي يمثل استمساكا بالعروة الوثقى.

والحمد لله رب العالمين

 

 

[1] سورة لقمان،الآيتين 21 و22.

[2] سورة لقمان، الآية 20.

[3] سورة لقمان، الآية 20.

[4] سورة لقمان الآية 20.

[5] سورة لقمان الآية 20.

[6] سورة لقمان، الآية 20.

[7] سورة لقمان، الآية 20.

[8] سورة لقمان، الآية 20.

[9] سورة لقمان، الآية 20.

[10] سورة لقمان، الآية 21.

[11] سورة لقمان، الآية 21.

[12] سورة لقمان، الآية 21.

[13] سورة لقمان، الآية 21.

[14] سورة لقمان، الآية 21.

[15] سورة لقمان، الآية 21.

[16] سورة لقمان، الآية 21.

[17] سورة لقمان، الآية 21.

[18] سورة لقمان، الآية 21.

[19] سورة لقمان، الآية 22.

[20] سورة لقمان، الآية 22.

[21] سورة لقمان، الآية 22.

[22] سورة لقمان، الآية 22.

[23] سورة لقمان، الآية 22.

[24] سورة العصر، الآية 3.

[25] سورة لقمان، الآية 22.

[26] سورة لقمان، الآية 22.