المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الرمضاني – 23 رمضان 1435هـ / 21 يوليو 2014م

الحديث القرآني الرمضاني – 23 رمضان 1435هـ / 21 يوليو 2014م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في إضاءات قرآنية في رحاب (سورة لقمان)

الحلقة السادسة

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

قوله تعالى “وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌوَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ”[1].

يترائا لنا ونحن نقراء القرآن الكريم أنه كلام عادي لا ميزة له من كلام الآدميين والحق غير ذلك، وأن كلام القرآن الكريم كلام مبرهن وكلام حقائق وكلام ليس فيه تزيد وكلام مؤد كمال الأداء كلام معجز، وقراءة القرآن تحتاج إلى تفحص وتدقيق وتمعن وتفكير وفي الكثير قراءة للقرآن تأتي للبركة وليس للفهم، فنجد كل كلمة في موضعها ولا تصلح كلمة أخرى لو بدلها إنسان فلا تكاد تصلح مكان تلك الكلمة فتذكروا ذلك.

“وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ”[2] العلاقة بين لقمان والطرف الذي وجه إليه ووعظه هو علاقة الأبوة والبنوة وهي علاقة أمتن العلاقات النسبية وعلائق الدم وأمتن وشيجة من وشائج القربى، ونصحية الأب ولقمان قد تقدم ذكر حكمته “ولقد آتينا لقمان الحكمة”[3] فمن جهة حكيم ومن جهة ثانية أخرى هو أب وجهة الأبوة تجعله لا يغش أبدا وتجعله يمخض النصح مخضا لأبنه، فليس أشفق من بعد نفسه من أبنه فالعطف والحنان والإخلاص، وجانب آخر إنه حكيم لا يضع الكلمة إلا في موضعها ولا يتحدث جزافا فهي كلمة محكمة ودقيقة ومخلصة، والعظة أن تذكر وتثير وعي في النفس الأخرى وأن أدل على الطريق وعلى الرأي الصائب والخيار الصائب، والإنسان قد يصيب الرأي ولا يتوفق في الإصابة في الخيار ويختار ما يضره فيختار الخمر على العسل ويختار السم على الدواء.

“وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ”[4] في حال كونه واعظا مهتما بشأن استقامة ولده وبشأن وعي ولده وبصيرة ولده ونجاة ولده ونجاح ولده، قوله ليس في محل مزاح وليس حديثا عاديا وإنما في موضع عظة وتوجيه وتسديد وإرشاد.

“وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ”[5]، نداء حنو ونداء يستثير العاطفة ونداء يجتذب ويذكره بعلاقة البنوة في تعبير رقيق مثير لعاطفة الولد ويحسس الولد أن المنطلق منطلق شفقة ومنطلق ورحمة ومنطلق اهتمام “يَا بُنَيَّ”.

“وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ”[6]، لا يدور في ذهن لقمان شيء يعظ به وله ويؤكد لولده عليه ويشد حياة ولده إلى قاعدته كما هو عدم الشرك وهو يريد أن يخلص لولده ويريد أن ينقذ ولده ويريد أن ينجح ولده ويهمه مستقبل ولده فكانت نصحته الكبرى لم تكن أبحث عن وظيفة إدارية ممتازة أو صحة بدنك أو أي شيء من أمر ديناك، وإنما أهم شيء هو المنطلق الرئيس والذي تسلم كل الحياة بالارتباط به عن وعي وإخلاص هو توحيد الله عز وجل.

لم يجد لقمان من خلال حكمته على مستوى ارأي الصائب والصية العظمى، ولم يجد لقمان على مستوى إخلاصه لأبنه أن يحرص على إيصال وصية له أكبر قبل موازية لوصية بالتوحيد.

“وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ”[7]، ولفظ الله له دلالتة وللرحمن عظيم وللعليم عظيم وبالخالق عظيم وبالمنعم عظيم ولكن الاختيار “لا تشرك بالله” ولنتذكر أن لفظ الجلالة موضوع للذات المقدسة المتعال على كل صفات النقص الذي له كل صفات الجمال هذا كل، والواحد منا كله كمال محدود ونقص وإن كان فينا شيء إيجابي ففينا الكثير من النواقص.

كلمة الله عز وجل موضوعة للتحدث ولتنقل صورة غير ممكن تصورها ولتنقل وجود غير ممكن تصوره وهو وجود كامل للكمال المطلق وبريئ كل البرائه ومطلقة من كل نقص، حياة كل شيء ناقصة وحياة الله تمتع بالكمال المطلق، وعلم كل شيء من دون الله ناقص وعلم الله كمال، وعلم الملَك يخالطه جهل وعلم الله لا يخالطه جهل، وحياة كل حيّ وأن تمادت ملايين القرون محدوة ومعطاة ولها مبتدى ولها منتهى وحياة الله ليست كذلك فهي مطلقة فلا نقص فيها ولا محدودية ولا بداية ولا نهاية، قدرة كل شيء لها مبتداء وتنتهي وليست مملوكة بالذات وتعجزها أشياء ويمكنها أشياء وقدرة الله لا يعجزها شيء ليس لها مبتدى ولا منتهى ولا حدود وكلما تتصورة من نقص وعجز وجهل وموت فكل ذلك منفي عن الله عز وجل، فلا تشرك بذلك العظيم لأن الكامل لا يتكرر ولا يتثنى وجوده، فأنت تشرك به ما ليس بشريك، فلا انت تقدر ولا جبريل يقدر ولا أحد يستطيع أن يجد شريكا لله ولا يجد ذلك ليس لنقص في عقله وإنما لأن ذلك مستحيل في الخارج وفي ذهن الجاهل والمشرك يستطيع أن يفرض ألف شريك لله عز وجل ولكن في الواقع لا يحتمل شريكا لله على الإطلاق منعا عقليا وفطريا.

“وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ”[8]، فهو يدله على ما هو واقع على قضية تحمل دليلها معها وليس مقترحا، “إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ”[9]، ظلم عظيم لأن العقل يقف ضده وقفه جازمة حاسمة يقينية نهائية، فالعقل لا يقبل الشرك بالله عز وجل والواقع لا يقبل الشرك بالله عز وجل، والشيء يرفضه الواقع تمام الرفض ويرفضه العقل تمام الرفض وترفضه الفطرة تمام الفرطة فحينما أدعيه فهذا أكبر ظلم فقد هضمت الله، فحينما أدعيت الشريك فلابد أن أنزل بمستوى الله عز وجل وبجلاله وجماله وبكماله من حد الإطلاق إلى المحدودية، فهذا ظلم وأي ظلم فلقد تجرأت على الجليل وعلى الكامل المطلق وعلى القادر القوي المطلق وعلى من يحتاجه كل شيء وهو الغني عن كل شيء، فهذا تجني على ذي الجلال والإكرام. فحينما تتجنى على فقيه كبير أو تتجنى على إمام أو نبي فهو عمل مستقذر ومستقبح وأعلى درجة شديدة من الوقاحة ومن السقوط ومن الظلم، فتأتي الجرأة على الله عز وجل، وإلا فيبقى الله هو هو العظيم المطلق والكامل المطلق فلا يكون معه أحد آخر وإلا فتنزّل الله عز وجل عن جلاله وكماله وجماله.

“إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ”[10]، أتدري من عظمة الشرك أنه يفسد الحياة بكاملها ويفتح باب الظلم في الأرض على مصراعيه ويسط بكل القيم الخلقية ويحول الإنسان إلى حيوان شرس والحياة إلى غابة ويبقى إنسان عنده مستوى كريم، ويحول كل النعم إلى نقم وكل المصالح إلى مفاسد ويشطب على قيمة الحياة وعلى قيمة الإنسان وهذا ظلم عظيم.

جل جلال الله وعظمة رأفة الله وغزر رحمة الله “وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ”[11]، تأتي الوصية بالوالدين، فكلام لقمان لابنه “يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ”[12] “وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ” وهذا كلام الله عز وجل وليس كلام لقمان، فالله عز وجل يقول حينما تصل لعدم الشرك بالله وتتزين بعد الشرك وتتخلص من لوثة الشرك وتتزين بالتوحيد فتأتي وصية أنا مقرونة بالتوحيد وتتعلق بهذين الضعفين الأب والأم وبالأخص في حال شيخوختهما والذين يرميان في الخارج خارج الهامش، تأتي الوصية من الله مباشرة بعد وصية لقمان التزين بعدم الشرك.

“وَوَصَّيْنَا “[13]، أنظر من الذي يوصيك أنه ليس صديقك ولا أستاذك وإنما الآخذ القهار القوي الجبار الخبير هو وراء هذه الوصية بالوالدين، ومن قبالك؟ أمك العجوز أم أبوك الواهن؟ لا بل اقوى قوي هو من وصاك وإذا قصرت فمن يحاسب ومن يراقبك ومن يعلم بك ومن يجازيك؟ الله العظيم المطلق القوي القادر الحي الخبير العليم والذي إذا أحل بإحد العقوبة لم يرفعها عنه أحد ولم يمنعها منه أحد.

“وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ”[14]، أذكر أنهما والداك ولما كنت توجد لولاهما حسب تقدير الله عز وجل، وما عندك من عقل وما عندك من علم وما عندك من خبره وما عندك من نشاط وحركة وصحة وما عندك من شأن اجتماعي ومن وجاهة وما عندك من خير وما عندك من قابليلات وأصل كل هذا يرجع إلى أبويك بعد إنعام الله عز وجل.

وأما معاملتهم فلا يفي أحد بحق أمه وأبيه وأن أخلص فذاك كان يقول بأنه يحمل أمه على كتفيه في كبرها والحديث يقول ما تؤدي حقها، ونراها ضعيفه وتحترم الزوجة أكثر من الأم ويخدم أم زوجته وهو أمر حسن ولكن لأمه لا، وكم هي سرعته وهو في قضاء أم زوجته وكم هي سرعته وهو يقضي حاجات أمه؟ فلتفتوا وليحاسب أحدنا نفسه فأم الزوجة على العين والرأس والزوجة على العين والرأس وأهالي الزوجة على العين والرأس وعلاقات المصاهرة يجب أن تكون متينة وقائمة على الاحترام وعلى المودة ولكن لا توجد وصية من الله على أحدهم و أحداهن بهذا الشكل وتتبعها وصايا أنبياه ورسله صلوات اله وسلامه عليهم أجمعين؟ فلتزن.

“وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ”[15]، وليس بأجنبيين وليس بمقطوعِ صلة معه وإنما بأقرب إناي معه بصلة الدم وأرأف قلبين عليه من الأنساب، يحرمان نفسهما ويقدمان حاجته على حاجتهما وكلما قال آه قال قلب الأب آه وقلب الأم يتمزق كم وزن لهذا؟ يرمى في المستشفى فلا يمر عليها ويموت وأهله لا يستلمون جثته وولده لا يذهب إليه!!

في أحد الأيام أحدهم يخبرني وهو صادق القول في قرية من قرانا مطلع مرت جنازة الأب محمولة على الأكتاف والولد يشتري حاجياته من سوق القرية ولم يكترث.

“حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ”[16]، الوالدين تذكير بأنهما الأصل وبما يعرفه الولد من والديه من عناية ورعاية وكد وكدح وسهر وتعب وإخلاص وتفاني في الخدمة وتضحية وتعال ومد يدك على ولده وسترى ما يفعل من أجله؟ سيفديه بنفسه والأم ترمي بنفسها في نار الدنيا إنقاذا لولدها عندما تريد أن تلتهمه النار فتقدم على إنقاذه ولكنها ليست مستعدا في نار الآخرة، فكل هذا يعرف الولد ويأتي تنبيه الله عز وجل على ميزة الأم فيما عانته وكابدته وأصاب من نصب ورهق ومدة تضحية.

“حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ”[17]، تضعف يوما بعد يوم فالفيتامينات تنقص والأملاح تنقص ومشاكل صحية ويناهر البدن وتلك البنية تتأثر وتصاب بمرض السكر بعد حملها وأحيانا يدوم واختلال الضغط، ونحن حمل في بطن الأم ننهش ونأكل من صحتها ونحن نتغذى من الغذاء الذي يبنيها ويبني خلاياها وستقوم تعمل به وورائها تكليف الزوج وتكاليف الحياة، مرت أمهات أكلها تمرة وبعض الخضروات وشيء من سمك.

“وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ”[18]، تهن وهنا على وهن فقد ضيف الوهن الثاني على الوهن الأول والوهن الثالث على الوهن الثاني ويستمر الأمر فتتأكل صحتها وانظر للحظة الولادة كم تعاني فيها وإلى أي حد يتهددها الموت والآن وقد تقدمت العمليات وقد تتعرض في العلميات ومن بعد ذلك سهر ومواصلة سهر وخدمة وتعمل أشد من مستخدمة في البيت فتزيل أوساخك وقذاراتك،والآن بطر وعضلات وطول وعرض وعلم وسمعة وكنت في الطفولة في خرقة ملفوفة وما تلك؟ وأوساخ وإفرارات ومن كان لكل ذلك غير الأم الأم. هذه أمنا.

” وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ”[19]،وكلها معاناة وهو يستقي من بدنها مع أكلها الزهيد والطفل يمتص وقلبها لا يقول لا وتشعر بالنوم ولا تقول له لا، فتسهر من أجله وتطعمه بطعامها الخاص الذي يقوّم جسمها وترمد عيناها من أجله وورائها في الصبح أعمال وأعمال متعبة وخصوصا الأمهات الكبار في السن فهي من تجلب الأخشاب وتجلب الماء من القناة وعليها الكناس وغسل الثياب وتنظيف البيت وتوفير أثاث البيت بعملها وهي تخدم من الصباح إلى المساء وهي مع هذا الولد وقد تأتي بولدين معا، علينا أن نشعر بالتقصير وإذا في هذا الزمن يوجد ماء فسابقا لا يوجد ماء والحجة عليكم أكبر.

” وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ”[20]، أرأيت حق الوالدين؟ أرأيت شفقة الأم؟ أرأيت تقدم حقها على حق أبيك؟ أرأيت شأنها الكبير عند الله عز وجل؟ لكن كل ذلك يأتي في المرتبة المتقدمة المتأخرة عن حق الله وعن جميل الله.

“أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ”[21]، هذه هي الوصية ولا حاجة للقول بأنه قال له أن أشكر لي بل عين وصية الله هنا أن أشكر لي فالله هو العظيم سبحانه، صدر سبحانه وتعالى الآية بكلمة ” وَوَصَّيْنَا” مستعملا نا العظمة للدلالة على عظيم القدرة وعظيم الجميل وعظيم العلم وعظيم الحكمة وأما هنا فالمقام مقام التوحيد والطاعة لله “أَنِ اشْكُرْ لِي”[22] وحدي وهذا دال على التوحيد، توحيد ذات وخالقية وربوبية وتوحيد تشريع وتوحيد عبادة وتوحيد طاعة توحيد كامل من جميع الجهات من الذات والصفات فليس هناك تعدد بين الذات والصفات وليس هناك تعدد في داخل الصفات فوحده لا يملك العقل أن يصل إلى حقيقتها، يؤمن بها ويضطر إلى أن يؤمن بها ولكن لا يملك إدراكا لحقيقتها.

“أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ”[23]، يجب الإلتفات غلى فاصل اللام ولوالديك فتستطيع الآية بالتعبر العادي أن تقول أن اشكر لي ووالديك ولكنها وسطت اللام بين لي ووالدين وليس من شأن القرآن أن يكرر فضولا أو يأتي بكلمة زائدة -حاشاه- فهذه اللام للفاصل بين مستوى الشكرين ورتبة الشكرين شكر أصلي ذاتي فتشكرني لذاتي لا لغيري ولاستحقاقي الذاتي، وأما شكر لوالديك على تعبهما وعلى نصبهما وعلى جميلهما فهو شكر تابع لشكري وبأمري ولا تشكرهما شكر مفصولا عن أمري وكل ما عندك من والديك هو من عندي وبتقديري فأنا من خلقت العاطفة لهم وجعلتهم يتحملون من أمرك وتعبك ونصبك وأنا من مننت عليهما بأي نعمة من النعم التي يمكن أن يخدامك بها فأنت وهما من عندي ومن خلقي وإنعامي وكرمي.

فالشكر أولا بالذات لله وحده ثم يأتي الشكر للوالدين وللنبي صلى الله عليه وآله وللأئمة ورأيت كيف أحترست في الحديث حول علاقة الأبوين بالولد فهي علاقة نسبية وأما على مستوى الأبوية التربوية فهي علاقة المسلم مع النبي والإمام لأن الأبوة الرسالية والأبوة التي تصنع الإنسانية والأبوة الي تنقذ من النار وتدخل الجنة أكبر أبوة الخدمات الدنيوية وما يتبعها ومن خدمات أي مخلص من البشر فتلك أبوة خاصة متميزة ولذلك يقدم حق النبي على حق الأب إلا في المواضع التي يقول له الأب لا، فالنبي يقول لنا إذا كنت تريد أن تجاهد وهناك نداء من رسول الله بالجهاد الدفاعي، وأبوك يقول لك لا تخرج والأم تقول أني أعرف أنه واجب ولكن  قلبي يتمزق ولا أستطيع ونجاح الجيش المسلم لا يتوقف عليك فيوجد غيرك، فالرسول يقول لك قدم عاطفة أمك وأبوك وقدم نهيهما على الواجب الكفائي.

وأما حين ياتي أمر لك بالخصوص أو يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله أمرا جهاديا بالجهاد الكفائي ويتوقف حد الكفاية عليك فلا بد من خروجك سواء لتميزك في الجيش أو أنك جندي عادي ولكن الجيش يحتاجك فهنا لابد من تقديم رسول الله صلى الله عليه وآله على قول أبويك. يأسف أن يموت الأب أو الأم من أجل أني خرجت للجهاد ولكن لا أقدر أن أقدم أمرهما على أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أو علي بن أبي أو حيث يجب الجهاد وجوب عينيا شرعا.

“أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ”[24]، أشكر لي أولا ولوالديك في المرتبة الثانية يأتيان “إِلَيَّ الْمَصِيرُ”[25]، بعضهم يحمل أن فيها إشارة شحنة تهديد فأنا خلفك “إِلَيَّ الْمَصِيرُ”[26]، فنهايتك عندي وستقف في محكمة عدلي ولن يكون لك مفرا من عدل وقضائي وحكمي فالتفت، تساهلت في حق الأبوين وتقول أنهما بشر ولا يستطيعان الوقوف في وجهك فالمقابل لك ليس هما وإنما العدل الإلهي والقدرة الإلهية الا متناهية فاحترس.

وتحمل دلالة ثانية -فيما أرى- “أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ “[27]، أنا قلت لك أشكر لي أولا ثم يأتي الشكر لوالديك فلا تقدم ولا تساوي فإلي المصير وليس لأبويك فأنا أقضي بيك وبين والديك وأنا من سجزيك وسيجزي والديك الله عز وجل. ولتنطلق في كل أعمالك وتروكاتك من مراعاة أمري ونهي.

 

والحمد لله رب العالمين

 

[1] سورة لقمان، الآية 13 و 14.

[2] سورة لقمان، الآية 13.

[3] سورة لقمان، الآية 13.

[4] سورة لقمان، الآية 13.

[5] سورة لقمان، الآية 13.

[6] سورة لقمان، الآية .

[7] سورة لقمان، الآية .

[8] سورة لقمان، الآية .

[9] سورة لقمان، الآية .

[10] سورة لقمان، الآية 13.

[11] سورة لقمان، الآية 14.

[12] سورة لقمان، الآية 13

[13] سورة لقمان، الآية 14.

[14] سورة لقمان، الآية 14.

[15] سورة لقمان، الآية 14.

[16] سورة لقمان، الآية 14.

[17] سورة لقمان، الآية 14.

[18] سورة لقمان، الآية 14.

[19] سورة لقمان، الآية 14.

[20] سورة لقمان، الآية 14.

[21] سورة لقمان، الآية 14.

[22] سورة لقمان، الآية 14.

[23] سورة لقمان، الآية 14.

[24] سورة لقمان، الآية 14.

[25] سورة لقمان، الآية 14.

[26] سورة لقمان، الآية 14.

[27] سورة لقمان، الآية 14.