المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الرمضاني – 7 رمضان 1435هـ / 05 يوليو 2014م

الحديث القرآني الرمضاني – 7 رمضان 1435هـ / 05 يوليو 2014م

 

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في إضاءات قرآنية في رحاب (سورة الشورى)

الحلقة السادسة

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

قوله تعالى: ” وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ”[1].

المصيبة -أعاذنا الله من كل المصائب- هي نائبة وجارحة كأنها تقصد من تقصد فتصيبة، مستهدفة أن تصل إلى فلان فتصيب هدفها وتنال منها ما تريد، وهذه مصائب تصيب الإنسان وتتحدث عنها الآية الكريمة “فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ”[2]، والآية الأخرى تقول “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”[3]، “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”[4].

 

يكون القوم في خصب ويكونون في خير وفي مستوى رفيع من العيش والعزة والكرامة، ولكنهم يتغيرون في داخلهم فتسؤا النية ويفسد العمل ويعدل عن المنهج الحق إلى المنهج الباطل، ويشيع البطر فيهم فتتغير الأوضاع وتنقلب الحيلة، لو بقوا على ما هم عليه من الإستقامة لزادهم الله ولما أصابهم ما أصابهم، ” إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”[5]، والآية الكريمة في سياقها وإن كان فيما يظهر أنها عامة إلا أن سياقها سياق التغير من الحسن إلى السيّء في داخل النفس ومن الحسن إلى السيّء  في داخل النفس، ومن الحسن إلى السيّء في أوضاع من تغيروا في داخلهم.

 

المصائب فردية واجتماعية عامة، تصيب المصيبة من مرض ومن فقر ومن ذل ومن خوف فلان بن فلان وفلانة بنت فلان، وهذه مصائب تشيع في مجتمع الإنسان وفي بني الإنسان، وهناك مصائب اجتماعية تحل بقوم أو أمة أوتحل بقطِر.

 

المصائب الاجتماعية لها طبيعتها، والمصائب الفردية قد تقف بتأثيرها الهائل عند حد الشخص وقد يتضرر متضرر منها قريب معال، وأما الاجتماعية بحكم الترابط الاجتماعي وتشابك العلاقات وتبادل المصالح والتأثير والتأثر المتبادل والقوانين المشتركة في حكم المجتمع، كل ذلك قد يجعل المصيبة عامة بحيث تنال السقيم والبريء والمجرم وغير المجرم، وقد لا تنتقي المصائب العامة مثل الزلازل أو وباء يتسببه متسبب، فلا تقتصر على أفراد معيين فقد تنال من كل الطبقات والفئات.

 

والمصائب منها تربوي، ومنها اختباري، ومنها جزائي، ويأتي للعقوبة، ومنها لرفع الدرجة والكرامة، فالمصائب ليس على حد ونوع واحد فهي متعددة في أنواعها، وهناك مصائب معوضة -كما يظهر-  فالمصائب التي تتحدث عنها الاية الكريمة “وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ”[6] هذه المصائب من النوع الجزائي القائم على النّقِمَة والعقوبة، وقد يكون تربويا وتأدبيا، كما في آية  “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”[7]، يرجعون عن غيّرهم وفسادهم وعن انحرافهم إلى الطريق القويم والصراط المستقيم لكي ينجوا النجاة الكبرى ويفوزوا بالفوز الأكبر.

 

الآية الكريمة تقول “وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ”[8]، هذا القحط الذي يعم وهذا الخوف الذي يعم، وهذه الحروب الطاحنة التي تنشب، وهذا الخوف وهذا الإرتجاف وفقد الأمن الذي يقع فيه المجتمع بما كسبت يده، وبما قصر من الأمر المعروف والنهي عن المنكر وسكت على الباطل إلى حين طويل، كل هذه المصيبة ما كانت لتأتي على القوم لو أخذوا بمنهج الله وقابلوا المنكر في أوله بالإنكار، وحثوا على المعروف وشاعت بينهم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما كان للمنكر أن يقوم على قدم ولا أن يتبجح و أن يفرض نفسه على أرض فيها أمر بمعروف وهي عن منكر، وبين قوم يلتزمون بهذه الفريضة الإلهية المصلحة، ولكنهم فرطوا سكت المجتمع سنين، فتدخل الخمرة فيسكت عنها، يبداء الربا فيسكت عنها، تقوم حوادث الظلم والنهب والاغتصاب فيتوارى عن مواجهتها فتشيع المنكرات وتعم حتى تغلب المعروف، وحتى يقوى صاحب المنكر وتعلو كلمته في الناس، فلو رفع سيفا في الأول وكان الناس على معروفهم لارتفعت في وجهه سيوف ولكنه من بعد لك لو يرفع مليون سيف ولا يرتفع في وجهها خمسة سيوف، فتتبدل الموازنة والمعادلة بالسكوت عن المعروف والنهي عن المنكر، وحصلت هذه المصيبة “بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ”[9].

 

الآن تشتكي الدول الكبرى من فساد البيئة ومن تأثيراتها الضخمة على صحة الإنسان وعلى زراعته وعلى بحاره وعلى مياهه العذبة وعلى البيئة الخضراء، وصار الأمر إلى هذا بسبب فعل الدولة الكبرى فسكتت الدول الصغيرة، لو اجتمعت الدول الصغرى في وجه الدولة الكبرى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكانت الدولة الكبرى هي الضعيفة أمام إجماع وإنكار عالمي، ولكن سكتت الدول الصغرى فسرت قضية الفساد من قضية إلى قضية وتسريب الغازات السامة من دولة لى دولة حتى عم الفساد البيئة. وإذا شحت ثروات دولة كبرى تأتي الحرب لاستنزاف واستغلال الآخرين.

 

“وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ”[10]، وهذا الذي يصيبكم ليس بكل الذي كان منكم من ذنب وإثم وانحراف بل هذا بعض، وكثير منه معفو عنكم من الله سبحانه وتعالى.

 

“وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ”[11]، هؤلاء المصابون، وهذا المجتمع الذي أصيب فيه المدنون ويصيبه من شر المصيبة الكبرى ما يصيبه، فيه الطفل البريء يصيبه من المصيبة الكبرى ما يصيبه، فيه الصالحون الذين قالوا ولم يقف معهم أحد قد يصيبهم ما يصيبهم من نصيب من هذه الكوارث، وموقع هؤلاء من عدل الله فهؤلاء فيما يظهر أنهم يحصلون على الجزاء التعويضي، وهذا الطفل الذي يفقد عضوا من أعضائه في حرب ظالمة ليس له فيها ناقة ولا جمل ولا له دور تقصيري لا يذهب أجره على الله سبحانه وتعالى فيحفظ الله له أجر مصيبته المظلوم فيها، فلا ظلم من الله سبحانه وتعالى ولا ضياع في مصيبة تصيب إنسانا من غير ذنب.

 

ومرض يصيب فلان ليكفّرَ ذنبه، عاش أربعين سنة مسرفا على نفسه يحتطب من السيئات على ظهره، فيقعد به المرض ويذوق عذابه طويلا، ليخرج بعافية مما كسبت يداه لو صبر على هذا المرض الذي يكفّرَ ذنبه، ينقلب إلى الله ويذهب إلى الحياة الأخرى فيجد أنه قد خسر شطر كثيرا من حياته وربح الشطر الآخر شطر مرضه، الشطر الذي رحه من حياته هو الشطر الذي كان فيه ملازما لفراشه بين أنين وتفجع، ولود أن قد طال به مدى المرض ليزداد نظافة وطهرا وتعلو درجته ولله في خلقه شؤون. شخص آخر يتعملق في الشر فيخيف ويرعب منطقة بكاملها ويفزع منه الآمنون، فيقعد به المرض ليُكَفّ شره عن الآخرين، ويذوق بعض عذابه في الدنيا قبل عذابه في الآخرة.

 

فالإبتلاءات أنواع والمصائب على أنواع، والمصيبة العامة ما هو تأدبي كما هو في “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”[12]، إعطائهم درس تأدبي قد يرجع بهم إلى الصواب. وهناك أقوام يهلكون جزاء من الله عز وجل جزاء وقوفهم العنيد ومقاتلتهم لنبيهم والرسول الذي أرسله الله عز وجل إليهم، وتأتي مصيبة عامة  وينجي الله منها من ينجي كما في قوم صالح وقوم لوط وأقوام أخرى.

“وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ”[13]، جاء قدر الله، وجاءت النقمة وجاءت المحنة الاختبارية، وألم بالناس ما ألم من فقر ومن خوف ومن مرض وهنا تبتداء محاولة الإنسان في دفع الشر عن نفسه، تجتمع كل الإمكانات، وتتعاون كل المواهب والطاقات، ويتفرغ الناس لمواجهة المشكل، لكن بما ينتصرون وممن يفرون؟ وإلى أين يهربون من قدر الله عز وجل؟ فهل من معجز لله؟ يطلبني الله بعذاب فأفر؟ تطلبني عقوبة الله عز وجل فأخلص؟ لا أني قوي في ذاتي فأفر وأرد قدر الله عز وجل، ولا العالم كله لو أراد به ربه تبارك وتعالى من جنه وأنسه وملائكته لو أراد به حدثا لا يملكون بمجموعهم أن يردوا ما قدر الله عز وجل، مخلوقات في يده ووجودهم من عنده، ووجودهم يتنزل عليهم بأمره وفكرتهم وحيلتهم ووسائلهم، فمن أين لهم أن يدفعوا ويمنعوا؟

 

قوتنا ضعيفة لنضيف قوة أمريكا معنا لدفع القدر الإلهي فتجتمع كل الإمكانات فلا تفيد، لا يوجد النصير الذي يعطل قدر الله وإرادته مفقود نهائيا، كم أنتصرت أمريكا لمن أرادت أن تنتصر له فهزم؟ لا تقصر مع طواغيتها العبيد ولكن قدر الله فوق ما تريد، أكان بود أمريكا أن يسقط الشاه؟ عميل ذليل خادم مطيع، تأتي في مكان بالسيد الإمام الخميني الذي يحارب الظلم والطغيان في كل العالم، ويحارب كبرياء أمريكا وروسيا، هي أردت أن لا يسقط الشاه ولكنه سقط، وكانت أمريكا تريد أن تحافظ على حياة فلان العميل ولا تدخر دواء ليشفيه، ولا تقصر معه في ميزانية العلاج فيجري قدر الله، “وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ”[14]، ذلك المستهدف بمصيبة أرادها الله عز وجل به فلا يملك أن يرد قدر الله وأن يفر منه، ويبحث عن نصير فلا نصير ولا نصير ولا نصير، ولا ولي، والولي أكبر من النصير، والولي من يدبر كل شؤوني، ومن يملك تدبيري بكامله ومن أستمد منه وجودي وحياتي وحيلتي ووسيلتي فلا يوجد ولي غير الله، فلا يوجد أحد يملك وجود أحد أو يعطيه الوجود والحياة والعلم والبصيره ويوفر له الحيلة والوسيلة، فهنا نفي جازم ” وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ”[15].

 

فلندرس حالنا فلسنا معجزون لله، ولنسأل النفس هل لي من نصير يرد قدر الله؟ فكم تشق العشيرة القوية والجنود الشداد على حبيبهم وكم يعتزون به وكم يدرؤون عنه وكم ممن يفديه؟ وكم من يفدي عزيز عليخ كالإمام الخميني -أعلى الله مقامه- كان كثيرون مستعدون أن يفدونه بحياتهم، فلم يدفعوا عنه ولا دافع ولا نصير، فقد جاء قدر الله حاكم ولا ولي، فلا توجد دعوة من أحد أبدا أبدا أبدا لا فرعون ولا غير فرعون ولا أكبر من فرعون يدعي أنه يتولى شأن نملة، بحيث تقوم تأخذ النملة حياتها منه ويمدها بالوجود ويحدد له بقائها وطاقتها وحدودها، فلا أحد يدعي أنه يملك من نفس هذا الملك. كل منا في وجوده لا يقوم على ردة الآخر، وعطاء الآخر، فكل الوجود يقوم على عطاء الله وإرادته وبمدده سبحانه وتعالى.

 

“وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ”[16]، فطريق التخلص غير موجود، ولكن طريق الوقاية موجود وكيف ندفع المصائب؟ وكثير من المصائب خاصة، أنت لديك درجة من مرض السكر لكنك تصر على تناول السكريات، ولكن الشرعية تقول لك لا تأكل سكريات فتهلك، ولكنك تصر على أكل السكريات فالنتيجة هي “وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ”[17].

 

ذاك يهمل الشأن الصحي ولا ينظف ولا يتناول دواء، ويغشى البيئة المؤبوه بالميكروبات، فالنتيجة هي “وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ”[18]، قد تكسب يد المجتمع ما يوجب المصيبة وقد يكون الفرد يكسب بيديه ما يجلب له مصيبته الخاصة. فهذا لرجل أمامه فرصة للعمل وثانية وثالثة ولكنه يلحتق بالعمل وينفصل مرات ومرات، يسهر ويتأخر عن الوظيفة إلى أن يفصل، فصيبح فقير فيمد يده “فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ”[19]، فالفقر مصيبة ولكن بكسب يدي أو بقدر الله المفصول عن كسب يدي؟ أنا المتسبب.

 

فكثير ما نمع الرحمة الإلهية بما كسبت أيدنيا،ونجلب النقمة والمصيبة على أنفسنا بما كسبت أيدينا أفرادا كنا أو مجتمعات، فطريق المجتمع والفرد العاقل هو أن لا يتسبب في مصيبته، أما أن يصاب ويريد أن يقاوم قدر الله ويعطل قضائه وقدره فلا إمكان.

 

والحمد لله رب العالمين

 

[1] سورة الشورى، الآيتين 30 و 31.

[2] سورة الشورى، الآية 30.

[3] سورة الروم، الآية 41.

[4] سورة الرعد، الآية 11.

[5] سورة الرعد، الآية 11.

[6] سورة الشورى، الآية 30.

[7] سورة الروم، الآية 41.

[8] سورة الشورى، الآية 30.

[9] سورة الروم، الآية 41.

[10] سورة الشورى، الآية 30.

[11] سورة الشورى، الآية 30.

[12] سورة الروم، الآية 41.

[13] سورة الشورى، الآية 30.

[14] سورة الشورى، الآية 30.

[15] سورة الشورى، الآيتين 30 و 31.

[16] سورة الشورى، الآية 30.

[17] سورة الشورى، الآية 30.

[18] سورة الشورى، الآية 30.

[19] سورة الشورى، الآية 30.