المُقاوم
الرئيسية » سلسلة الدروس » الحديث القرآني الرمضاني – 3 رمضان 1435هـ / 01 يوليو 2014م

الحديث القرآني الرمضاني – 3 رمضان 1435هـ / 01 يوليو 2014م

سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

في إضاءات قرآنية في رحاب (سورة الشورى)

الحلقة الثالثة

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

 

الآية الكريمة تقول “وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ”[1]، الله عز وجل المدبرُ لعبادة أحسن تدبير، والذي من تدبيره أن ينزلَ الرزقَ بقدر ما يشاء وبحسب الحكمة فمشيئة الله معها حكمة، وتلك الحكمة التي تقتضي أن يكون قدرُ ما ينزلُ الله عز وجل على عباده من رزق متناسبا فيه مع ما هو عليه الإنسان من قدرة وتحمل وبما يصلح هذا الإنسان.

ومن ذلك التقدير والتدبير أن يحبس الغيث عن العباد لوقتما، وهذا الحبس للغيث بإرادة مطلقة وبحكمة، ولما هذا الحبس؟ يصل الحبس حبسُ الغيث والغيث المطر وسمي غيث لأن به استجابة استغاثة العباد، حيث أن انقطاعه يسبب لهم ضيق حتى الهلاك والموت، ولا تكون إغاثتهم من كربهم ومن محنتهم إلا به، والله عز وجل بتدبيره وحكمته ورحمته قد يحبس الغيث عن العباد لوقتما حتى يقنطوا من الفرج، وحتى يصابوا باليئس التام من الفرج حتى لمن كان له غرور من العباد ينكسر غروره، ومن كان يتوهم أنه قادر وقوي ينكشف له تماما أنه واهن وعاجز ومقهور، ومن توهم أنه غني عن الله عز وجل في أمر من أموره يُفيق ويستقيظ على أنه محتاج إلى الله عز وجل في كل لحظة من لحظات حياته وفي كل آن من آنات وجودة.

وهذا الانقطاع والانحباس يبطل دعوى الكفار والطغات والجبابرة ومن يريدوا أن يقنعوا العباد أن رزق العباد منهم وأن قدر العباد بيدهم وأن بيدهم نفعا أو ضرا، هاهم يتعرون فيستغيثون كما يستغيث غيرهم، ويكربون كما يكربوا غيرهم، ويتهددهم الموت كما يتهدد غيرهم من دون أن يكون لهم حول ولا طول في دفع ما قُدر لهم من قبل الله عز وجل، وهذا درس يحتاجه العباد وصحوة يحتاجها العباد وكسر غرور يحتاجه العباد، وتعرية لمدعي رازق العباد من العباد ومن خلق الله وأنه يحكم مصيرهم، تعرية هذه الدعوة وكذبها.

“وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا”[2]،  والقنوط من رحمة الله حرام، وكيف يقنط عبد من رحمة الله؟ هل عن نقص في القدرة؟ لا نقص في القدرة، أم هل عن غياب في العلم؟ لا غياب في علم الله،  أم هل عن قلة رأفة ورحمة؟ لا قلة في الرحمة والأفة، أم عن مانع يقهر الله؟ يريد الله ويريد غيره وتغلب إرادة غيره إرادته؟ ليس شيئا من هذا بوارد، فما ييئس من روح الله ومن رحمته؟ صحيح أننا نشعر بالذنب الكبير الذي يجعلنا غير مستحقين لرحمة الله، فقد يصدر منا ذنب كبير يشعرنا بهذا، وبما وعد عبادة الصالحين، ذنب مانع من رحمة مع النظر إلى هذا الذنب إلا أن عليَّ أن أنظر إلى سعة رحمة الله وإلى نفاذ قدرته وإلى علمه بحالي وبتضرعي وانكساري فأرجوا رحمته.

“وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ”[3]، ويأتي هنا نشر الرحمة، تنزيل الغيث فيه نشر الرحمة، تخضر الأرض بعد يبسها، وتتنبه البذور بعد سباتها، ويترعرع النبات بعد توفقها ويخضر بعد اصفراره ويحيى بعد ذبوله، وتنشط حركة الحياة وتزاد الثمارات، وتزدان الأرض ببساطها الأخضر المورد، وتنشرح الصدور وتحيى القلوب بالأمل، وتنتفض الحياة هنا وهناك وتتنبه العزائم، وتنشط من الإنسان الحركة، كل ذلك نشر رحمة، رحمة تغطي البلاد والعباد بسبب فرج الغيث الذي جاء من الله تبارك وتعالى، وهنا يشكر الشاكرون، ويدركُ معنى قدرة الله قلب حيّ، وتتوجه أفئدة منقطعة لله عز وجل تعاهدة على عدم نسيان النعمة وعلى لزوم الطاعة، والاستمرار على طريق الشكر، ويكفر كافرون، ويبطرون مبطرون، ويستكبر مستكبرون، ويحول النعمة إلى مجر هدام يسيئ للإنسان والحياة.

والتضييق في الرزق هنا يأتي إلى حد لا يقضي على الحياة، إنقطع الغيث ولكن ليس بالحد المهلك الذي يأتي على الحرث والنسل إنه بمقدار ولدرس تربوي ضروري، ولإعطاء إفاقة بعد السبات، ولإحياء فكر بعد موت، وإبطال أصوات تريد أن تصد عن الله عز وجل، ونسف خطط وتدبيرات شيطانية على يد طغات الأرض تريد أن تفصل بين عباد الله وربهم، فيأتي هذا الدرس ليضج الضاجون إلى الله، وتنكسر كثير من القلوب المدبرة عن الله عز وجل.

طمست الظلمة في مناطق في الغرب في سنة من السنوات القربية فما بقي أحد إلا وضج إلى الله تبارك وتعالى، هذه القلوب العتية ما أقدر الله تبارك وتعالى على أن يلينها ويكسرها ويجعلها منشدة إليه، ولكن الله يبقى للإنسان اختياره ويبقي له إرادته ليدخل من يدخل النار عن إرادة، وليدخل من يدخل الجنة عن إرادة.

فالظرف المقنط أي ظرف، وأي ظرف ضاغط، وأي ظرف شدة ليس عن عبث ولا شح ولا ضيق في القدرة ولا محدودية في الملك ولا قسوة بالعباد، وانقطاع الغيث واحدة من البلايا وواحد من المذكرات، والضيق أنواع والشدئد ألوان ومنها الشدة الأمنية والشدة السياسية وشدة المرض وكل ذلك لا يأتي عن عبث وقسوة ولا يأتي عن غفلة تنزه الله وعلا علوا كبيرا.

ومجيئ الإغاثة والإنقاذ ليس عن جبر جابر ولا قهر قاهر ولا خوف من أحد ولا استجابة لضغط أحد، ما من وسيلة لهذا الإنسان يقابل بها قدر الله عز وجل تاذي قد يجد منه ضيقا إلا أن يبدي ضعفه لربه وإلا أن يقر بمسكنته أمام جبروت وعظمة الله عز وجل وينقطع إليه، فلا مفر من الله إلا باللجأ إليه، ولا يواجه عدل الله إلا بطلب إحسانه، ومجيئ الإغاثة والانقاذ ليس عن قهر وإنما عن رأفة ورحمة وبحكمة.

فالظرف المقنط ورفعه والفرج منه كل منهما له تدبير من الولي الحميد، “وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ”[4]، والولي هو الذي يدبر أمر الكل ويتكفل بأمر الكل، متكفل أمرك بالكامل دون غيره هذا هو الولي، من الصغير من أمرك إلى الكبير بيده وأمره بقدره ومن عطائه، فإذا فرج وإذا ابتلى فمن فعله سبحانه وتعالى.

أنا عبد والله وليي من لي غيره؟ هل لي غير خالقي ومدبري؟ فإذا كان بصري وسمعي وتفكيري وحركتي وحياتي وكل خلية كم خلاياي كل ذلك يأتي منه لأنه هو الولي ولا ولي دون، فممن أتوقع الخير ودفع الشر؟ ولمن يكلني؟ يمنع الغيب بولايته وبتدبيره وبرحمته وبرأفته، وينزل الغيب بتدبيره ورحمته ورأفته، وهو في الأمرين يفعل ذلك من منطلق ولايته الحاكمة القاهرة المستولية المسيطرة الشاملة.

“وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ”[5]، المستحق للحمد الدائم الكثير، والحمد الذي لا يبلغ أحد قدره، ولا يملك أن يوفيه قدره وما عليه وزنه، أحميد حين يقطع الغيث؟ أيحمد؟ نعم يحمد. كما يحمد على تنزيله الغيث فالعاقل يحمده سبحانه وتعالى على قطع الغيث؛ لأن فعله لكماله وغناه لا يأتي عن عبث ولا عن قسوة ولا عن جهل ولا عن عجز منعه وفعله، فحين يمنع لا يمنع إلا عدلا وعن حكمه، وحيث يغيث فلا يغيث إلا عن إحسان، فهو محمود في كل الحالين، “الحمد لله على الشدة والرخاء”.

ومن منطلق هذا المنطلق علينا أن نصدق القول أن الله لا يفعل إلا خيرا، ولا يفعل إلا عن عدل وإحسان، وإلا عن علم وحكمة، وإلا عن تدبير دقيق، وإلا عن تدبير صحيح، فيتوجب علينا أن نحمد الله على الشدة والرخاء، فكما يحمد في حال الصحة يحمد في حال المرض، ويحمد على الغنى يحمد على الفقر، وكما يحمد على الأمن يحمد على الخوف.

 

والحمد لله رب العالمين

 

[1] سورة الشورى، الآية 28.

[2] سورة الشورى، الآية 28.

[3] سورة الشورى، الآية 28.

[4] سورة الشورى، الآية 28.

[5] سورة الشورى، الآية 28.