المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (600) 2 رجب 1435هـ – 2 مايو 2014م

خطبة الجمعة (600) 2 رجب 1435هـ – 2 مايو 2014م

مواضيع الخطبة :

الخطبة الاولى : قبل أن تحب وقبل أن تبغض

الخطبة الثانية : مواليد الأطهار عليهم السلام – ما شرط أن تعيش؟ – إلّا الدكتاتورية – ما ذنب صعصعة؟ – الشهيد العبّار (رحمه الله) وتخيير السلطة

 

الخطبة الأولى

       الحمد لله الذي من جلاله وجماله وكماله تتلاقى على حبِّه القلوبُ الطّاهرة، وتنجذب إليه الأرواحُ الزاكية، والنفوسُ العالية السويّة، ويطلُبُ معرفتَه عُشّاق الجمال، ورضاه المتطلِّعون إلى العُلى، ولا يجد قلبٌ هدى إلّا من هداه، ولا تشعُّ روحٌ بنورٍ إلّا من نوره، ولا تكرُمُ نفسٌ إلّا بالتقرّب إليه.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله أوصي نفسي الأمَّارة بالسّوء وأعِظها ولا أنسى إخواني المؤمنين والمؤمنات وأيَّ أحدٍ من الناس بأنْ لا ندخل في مكابرة الخالق العظيم الذي لا غِنى لشيءٍ عنه، ولا مفرَّ لأحد من قَدَرِه، ولا مأوى له من دون أرضه وسمائه، وألّا نُستَهوَى لمعصيته. فما كابرَ مكابِرٌ اللهَ إلا أذلّه جزاءَ مكابرته، وما آلت المعصية بصاحبها إلّا إلى سُوئه ومهلكته.

       ومن ثَقُلت عليه الطاعة بما فعلته في نفسه معصيته، فإنّ بقاءه على المعصية فيه شقاؤه وخزيُه وعذابُه وندامته.

       فلنأخذ النفس بحزمٍ إلى ملازمة الطاعة، ومفارقة المعصية، والاستمساك بتقوى الله، وإنَّ الله لمع المتقين.

       اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم.

       اللهم لا تكِلنا إلى أنفسنا ولا لأحد من خلقك طرفةَ عين، فمن وكلته إلى غيرك كان من الهالكين. اهدنا ربّنا طريقك القويم، وصراطك المستقيم، فإنّه لا هدايةَ لنفس في أيِّ آنٍ إلا بهدى من عندك يا كريم يا رحمان يا رحيم.

       أما بعد أيّها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فهذه عودة للحديث في موضوع (قبل أن تحب وقبل أن تبغض) لإتمامه إن شاء الله.

       تقدَّم في الحديث في هذا الموضوع ما يفيد أنَّ الإنسان قد يُحبّ وقد يُبغض ثم لا يكاد يتفلّت من قَفَصِ حبّه أو بغضه وإنْ اكتشف سوء ما وقع فيه من هذا الحبّ أو البغض.

       من أُولِعَ بتناول السُّكريّات أو التدخين مثلًا فصار به ذلك إلى الإفراط في تناولهما فظهر أثر إفراطه الضارّ على صحّته وجد من أسر هذا الحبّ لنفسه ما يكاد يُفقده إرادة التغيير حتى يقعد به مرضه أو يخسر حياته.

       وكم نقل حبّ سيطر على صاحبه من حقٍّ إلى باطل، ومن موقع شرف رفيع إلى موقع وضاعة وسقوط! وكذلك يفعل البغض. وكم كان هذا أو ذاك سببًا لمعصية لا مخرج منها!!

       إنّه لعلينا أن نفكّر مليًّا قبل أن نُحبّ أو نبغض، وقبل أن نُقدم أو نَحْجُم، وقبل أي علاقة نبنيها أو نهدِمُها.

       عليّ أن أفكّر لِمَ صار يراودني التعلّق بالشخص الفلاني، بالشيء، بالفعل، بالجهة الفلانية قبل أن يتمكّن  مني هذا  التعلُّق، ومثله لو صار يراودني البغض مكان الحبّ. أكان ذلك عن وجه يستحسنه العقل والدين، ويوافق المصلحة الحقيقية التي فيها سعادة النفس أو هو شيء على خلاف هذا الوجه، وهذه المصلحة؟!

       ولو كان ما تُحدِّثني نفسي بالإقبال عليه أَكْلًا أو شُرْبًا مثلًا فلا تسرُّعَ في الأخذ بما حدّثت به النفس. فماذا لو كان في الأخذ به الأذى الصّحيّ الجسيم، وكان مما يوقع في مرض خطير؟! نفسٌ ضارّة بنفسها أن تستجيب مسرعةً للاستجابة للرغبة، ولا تتوقفَ أمام الشّهوة.

       ما قيمةُ لذَّة عابرة تُعقب سقمًا مقيمًا، وانهيارًا صحيًّا خطيرًا؟!

       ومن أين العقل لمن استهواه محرّمٌ فانساقت نفسُه إليه ليبقى رهينَ الفضيحة لما استهواه ما عاش، ويلقى شقاءَ ما وقع فيه منه إذا مات؟!

       فليستحضر الإنسانُ عقلَه ودينَه لحظة الاختيار، وعندما تحدّثه النفس بحبٍّ أو بغض وتريد أن تتّجه به إليه، وليَمْلكْ نفسه وإرادته وهو يواجه التحديات والمغريات التي قد تُسبّب الانهيار.

       وبرغم أنَّ من التّحديات ما هو عاصف، ومن المغريات ما له فاعلية السِّحر في كثير من النفوس إلّا أنَّ الإنسان قد أُوتي الإرادة القادرة على الصمود والمكابرة. أمّا إذا وَهَنَت الإرادة عما كلّف الله سبحانه فبتفريطٍ من النفس نفسها.

       ولأنَّ التفكير في عواقب الأمور وطبيعتها، والوقوف أمام الأمور والأشياء وقفة تأمُّلية لو اتّكل عليه العبدُ لخانه، ولم يتكفّل له بهدايته كان لابُدَّ للإنسان مع ذلك أن يلجأ إلى الله تبارك وتعالى بالدّعاء الصّادق بتسديد رؤيته، والتوفيق لما فيه رُشدُه، وخيره وصلاحُه، وحسن عاقبته.

       والمقياس الآمن للحبّ والبغض الصحيحين الموافقةُ لرضا الله العظيم، فهو الدليل اليقين على الصحة الذي لا تخلُّف فيه، وإنما يُعرف ما ينال به رضا الله من دينه الصحيح.

       ومن أحبّ أو أبغض فليُبقِ باب مراجعة النفس، ومعاودة النظر في دافعها لهذا الحب أو البغض، وللمتغيّرات التي قد تستوجب في الدين والعقل تبدُّله من ناحية ما قد يَجِدُّ على محبوبه أو مبغوضه إذا كان([1]) مما يقبل التغيّرات.

       أمّا ما كان من ثابت العقل والدين والفطرة كحبِّ العدل، والعلم النافع، والولاء لأهل العصمة المتيقَّن نهائيًّا من عصمتهم فلا يأتي عليه تبدُّل أو تحول.

       ولا يغلبنّ أحدَنا كرهُه أو حبُّه لشيء مما أحلّه الله على دينه ورشده فينساقَ وراء ما أحبّ من ذلك، أو يأخذ به عزوفه عنه إلى الموقف الذي يخالف ما عليه حكم دينه.

       ولنكن العبيدَ المستجيبين للحبّ الموافق لحبّ الله([2])، والبغض الموافق لبغضه. ولنكن الأحرار المتمرّدين على الحبّ المخالف لحبّ الله، والبغض المخالف لبغضه. وبهذا يتمُّ لنا الرشد، والصلاح والنجاح.

       اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       يا من لا نور في أرض ولا سماء إلّا من نوره، ولا هدى لقلب إلّا من هداه، ولا شيء من رحمة إلّا من رحمته يا الله يا رحمان يا رحيم يا كريم ارزقنا من نورك وهداك ورحمتك ما فيه عصمةٌ كافية لنا، ووقاية من كلِّ سوءٍ وزيغٍ وضلال.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}([3]).

الخطبة الثانية

       الحمد لله الذي ما أَخَذَ عبدٌ من عبيده بالطريق الذي أمر به إلّا أصاب، وما التزم بطاعته ملتزم إلّا أفلح. وما سَلَكَ سالك طريقًا نهى عنه إلّا ضلّ، وما صار إلى معصيته إلّا غوى. لا هدى إلا في ما هدى إليه، ولا رُشْدَ إلّا في ما دعا إليه، ولا مأمنَ إلَّا عنده، ولا خيرَ إلّا من فضله، ولا قادر على شيء سواه.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله أرسل الله عزَّ وجلَّ رسلًا مبشّرين ومنذرين لإتمام الحجة، وأنزل دينًا وهو محاسِبٌ عليه، وباعث للأنفس بعد موتها لتُجزى كلُّ نفس بما كسبت وهم لا يُظلمون. فالأمرُ جِدٌّ وليس بالهزل، وحاشا أن يفعل الله عبثًا فلتحذر نفسٌ ما تُقدِم عليه، ولتنظُرْ ماذا تُقدِّم ليوم موتها، وليوم يُبعثون؛ فإنها على موعد لا يُخلف مع يوم موت، ويوم بعث، ويوم حساب وجزاء؛ وعذابٍ أو نعيم. وإنّه لأَجَلٌ يحين لا مهلةَ فيه ولا انتظار، وكم من أجل مباغت، وساعة رحيل فاجأت من أُمِرَ به إلى الرحيل !!

       ألا فاتقِ الله يا نفسُ فإن موعد كل مخلوق قريب.

       ضاعف لنا ربّنا من رحمتك يوم تتوفّانا، ويوم نبعث، ونقوم بين يديك للحساب، ويُدَعُّ أهل جهنّم فيها دعّا، ويفوز أهل النعيم.

اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى خاتم النبيين والمرسلين الصَّادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين: حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصّادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن عليّ العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرَّبين، وأيّده بروح القُدُس ياربّ العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا.

       أما بعد أيّها الأخوة في الله فإلى عدد من الكلمات وأرجو أن تكون مختصرة:

       أولًا: مواليد الأطهار عليهم السلام:

       شهر رجب من الشّهور المخصوصة بالفضل وقد شَهِدَ مولد عدد من الأئمة الأطهار عليهم السلام مما يجعله ثرًّا بإشعاعات النّور والهداية والعطاء الروحيّ والإيمانيّ، وموسمًا من مواسم الازدياد في النّشاط العلميّ والمعرفيّ وبيئةً ثرية الخصوصةبالتربية العامّة الصالحة.

       وهو موسم كذلك من مواسم العبادة المكثّفة والذكر الإلهي الملهم الصنّاع للنفوس الصناعة التي تزكو بها الحياة، ويحسن المنقلب.

       رجب الأصبّ فيه كما في تاريخ مواليد الأئمة عليهم السلام ولادة الإمام الباقر والهادي والجواد وأمير المؤمنين عليهم السلام جميعًا.

       وبهذه المناسبات السعيدة نقف وقفة يسيرة جدًّا مع إنارتين:

       الأولى عن الإمام الباقر عليه السلام حيث جاءت عنه هذه الكلمة لعمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي المعروف:“الدّنيا سوق من الأسواق”([4]) ونحن نعرف أن بضائع هذه السوق متنوّعة، وعروضها متعدّدة منها ما هو للبدن وشهواته، ومنها ما هو للعقل وتأمُّلاته، ومنها ما هو للرّوح وتيقّظاتها. والداخل لهذه السوق يحتاج إلى عقل ووعي ونباهة وتفكّر وتأمّل وحسن اختيار ورفعة نفس وسداد رأي وتطلُّع روح.

       ومن تعامل معها مغلوبًا لشهوات جسده ونزواته وانخداعه بالألوان والمظاهر خرج منها بأسوأ ما يخرج منها إنسان، وتخرَّج على يدها حيوانًا فاقدًا لإنسانيته وكرامته.

       والإنارة الثانية قد وردت عن الإمام الهادي عليه السلام في هذه الكلمة:“وما دعا محمد صلّى الله عليه وآله إلّا إلى الله وحده لا شريك له، كذلك نحن الأوصياء من وُلده عبيد لله لا نشرك به شيئا، وإن أطعناه رحمنا، وإن عصيناه عذّبنا ما لنا على الله من حجّة بل الحجّة لله علينا وعلى جميع خلقه”([5]).

       فظلم للأئمة عليهم السلام وهم أوصياء رسول الله صلّى الله عليه وآله والقائمون مقامه بعد رحيله إلى جوار ربّه في الإمامة للأمة والبشرية جمعاء دينًا ودنيا أن يُقدَّم عليهم أو يُساوى بهم في الإمامة ومقوماتها أحد، ومن التجاوز بهم والذي لَعَنُوا عليه من لعنوا، وتبرّأوا ممن تبرّأوا ([6]) أن ينزّلهم منزلة الربوبية أو يُضفي عليهم صفة من صفاتها أحد.

       وإنهم إنما صاروا قِمّةً لا يعلو علوّها ولا يبلغها أحد لأنَّ معرفتهم بالله عز وجلّ، وطاعتهم له وعبادتهم له، وتوحيدهم التوحيد الصادق لا يبلغه عارِفٌ، ولا يَتحقّق في النّاس من أحد جَمَعه معهم زمان واحد أو جاء من بعدهم في الزمان([7]).

       ثانيًا: ما شرط أن تعيش؟

       في رأي حكومات ظالمة في الأرض، وسياسات طاغوتية شرط أن تعيش أنت الإنسان على الأرض التي وُلِدت فيها، وكان قد وُلِدَتْ عليها السلسلة الطويلة من أجدادك، وتربّيت عليها منذ نعومة أظفارك، ولم تعرف لك وطنًا غيرها، وشرط أن ينال الإنسان أدنى حقوقه المقررة له دينيًّا وإنسانيًّا ووطنيًّا، وعقلائيًّا، وعرفًا عالميًّا وإحساناً في الأرض التي هي مهدُك ومهد أجدادك أن يتم التنازل منك ومن أيّ إنسان مماثل عن دينك، وحقوقك، أن يكون الإنسان حَيَوانًا بلا حقوق مطلقًا ولا كرامة…. ألّا يرتفع له صوت مناديًا بالحق والتغيير والإصلاح…. أن يرضى بالذلّ والهوان، وبأخسِّ مستوى للعيش وأحطّه وأردئه… أن يسكت على أنواع الانتهاك للدّين والقيم والأخلاق الكريمة… أن يرى الظلم يعبث في الأرض فسادًا فيسكت أمامه بل يضحك له…. أن يتخلّى عن كلِّ صلة إنسانية وعلمية ودينية لا ترتضيها السياسة وتدخل السياسةَ وسوسة منها…. ألّا تكون له أيّ مرجعية ولو في أمر من أمور الدين غيرُ مرجعية هذه السياسة… أن يكفر بكلّ قيمة ما لم تكن في خدمة هذه السياسة…. أن يقبل بطش هذه السياسة، أن يحسِّن قبيحها، ويقبّح حُسْنَ كل من وما خالفها من شيء…. أن يكون رهن الأمر، أو الإشارة من هذه السياسة([8]).

       كل ذلك مطلوب منه وعليه أن يدفعه ثمنًا في غير تبرّم ولا تضجُّر لأن يعترف له بحق العيش أخس عيش وأحط عيش في وطنه وأرضه وأرض أجداده.

       أيُّ وطن هذا؟! ([9]) وأيّ إنسانية هذه التي تقبل كل ها الإذلال وهذه التبعية البهيمية الرخيصة؟! أعلى المنازل في جنة الخلد لم يُجعل ثمنها هذا الثمن الباهظ الخيال.

       أهذه شروط يتفوّه بها عاقل، وتُطرح من إنسان على إنسان؟!

       نعم هذه هي الشروط التي تمارس طرحها عمليًّا وبكلّ قوة وبصراحة أوضح من كل بيان وكل مقالة سياسةُ الظلم والطغيان في أي مكان رسّخت فيه وجودها القاتل.

       ماذا يرى الرائي أهذا أشدّ بهيميّةً وعدوانية وتعسّفًا وغرورًا أم ما تشترطه إسرائيل على السلطة في الضفة الغربية من فلسطين حتّى تقبل أن تدخل معها في التفاوض اللعبة والذي يتيح لإسرائيل نفسها تنفيذ خططها التوسعية الخبيثة براحة تامّة بشرط أن تتخلّى هذه السلطة عن إخوتها في غزّة بأخوّة الدّين والدّم والجهاد والمصير، وأن تأتي صاغرةً بعد ذلك لتلقّي الإذلال من إسرائيل في مفاوضاتٍ عبثية لو كان لها مردود فإنما يُراد أن يكون كلّه لإسرائيل وراعية مصلحتها.

       الشرطان من واد واحد ويتنافسان في الخِسّة والدونيّة والحقارة، وينطلقان من روح واحدة بغيضة هي روح الاستكبار والاستعلاء والمنافاة الكاملة للحقّ وإنسانية الإنسان.

       ثالثًا: إلّا الدكتاتورية:

       ما يقوله عدد من الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية بأنه لا دين، لا ديموقراطية، لا أيَّ شيء آخر في مجال الحكم والسياسة إلّا الدكتاتورية. تقول هذه الأنظمة لا لأي شيء، نعم للديكتاتورية. ولا شيء أبدًا مما يمسُّها. وكل شيء وكل قدرات الوطن، وكل السلاح والجند والمخابرات ومجالس التشريع والقضاء ومختلف أجهزة الدولة ومخططاتها وعلاقاتها ومؤسساتها وميزانيتها لحماية الديكتاتورية.

       وكل شيء مباح وإن كان أحرم محرَّم، وأبشعَ بشعٍ للحفاظ على الدكتاتورية.

       ومرحبًا بكلّ شيء جديد وبكل مخالفة شرعية وبكلّ مستورد ساقط، وخُلُقٍ متفسّخ لا يمسُّ الديكتاتورية وخاصة إذا كان في خدمتها.

       تُقام تحالفات ومعاهدات تعاون لإجهاض أي بادرة تطلع برأسها في صالح الديموقراطية، وتُشَنُّ الحروب المشتركة لتركيز الديكتاتورية وحماية الديكتاتورية.

       ويُنكّل بأي شعب أشدَّ التنكيل ويحارب محاربة لا رحمة فيها من محيطه الإقليمي والعربي العام على مستواه الرسمي إذا ارتفع له صوت ينادي بالديموقراطية.

       هناك مقدّس واحد مقدّم على كلّ مقدّس لو قُدِّر لغيره شيء من التقديس وهو الديكتاتورية.

       وخائن للوطن، ناقض للأمانة، متخلّ عن دينه، ساقط في إنسانيته، مبيح لكل حرماته من رفع صوتًا ضدّ الديكتاتورية([10]).

       لا عهد ولا ذمّة ولا حرمة ولا حقّ، ولا وطن لمن ناهض الديكتاتورية، ومنبوذ من لم يتعاون مع الديكتاتورية.

       أعان الله شعوب الأمة وهي تتجه للتحرر من الديكتاتورية، وتصر بكل شدة على هذا التحرّر.

       رابعًا: ما ذنب صعصعة؟

       ما ذنب صعصعة بن صوحان العبدي الرجل الصالح المجاهد في سبيل الله؟ ما ذنب مقامه؟ لا الرجل ولا مقامه اليوم يقوم بدور مضادٍّ للسياسة القائمة في هذه الأرض والتي تعتبر كلمة الحقّ في وجهها من أنكر المنكرات وأبشع الجرائم.

       المقام مضروب عليه سياج من الحظر الأمني الذي عزل عنه روَّاده، وأبقاه مبنى متواضعًا صامتًا لا ينطلق منه ذكر ولا تلاوة.

       لكن بقي استهدافه والتعدّي عليه، والغارة بعد الغارة التي تُشنّ ضدَّه أمرًا مستمرًّا متواصلًا.

       كأن الإصرار لابد لابد أن لا يبقى للمقام أثرًا، ألّا يبقى لصاحبه ذكر في تاريخ البلد، أن تُعفى شهادة هذا المقام بتعفية كلّ أثر من آثاره ومن كل ما يذكّر به وبصاحبه.

       إنَّ وجوده نفسَه ذنب وإثم وضرر بالغ فلا يصح له بقاء.

       إنَّ للسياسة نظرات ونظرات وأهدافاً وأهدافاً لابد لها من بلوغها وإن كان على حساب الدين، وأمانة التاريخ، وحقائق الواقع، وقيمة الأحياء، وحرمة الأموات كذلك.

       ولكن الشعوب اليوم على تنبُّه كاف لكل ذلك، وهي غير مستعدة لأن تخون دينها، وتقبل تزوير تاريخها، ونسيان أمجادها وأبطالها ورموزها.

خامسًا: الشهيد العبّار (رحمه الله) وتخيير السلطة:

       تقول السلطة إما أن تدفنوا جريمة قتل الشهيد العبّار وتقبرونها كإقبار جسده أو أشدّ، وتبرّئوا السلطة ومأموريها من دمه براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام، وإمَّا أن يُحرَم الرجل المؤمن حقَّ مواراة جسده وإجراء مراسيم الموتى عليه، وتكون الثلاجة قبره.

       ولكن كيف تُدفن جريمة واضحة للعيان الدفنَ الذي يُنسيها، ويُعفي عن القاتل عن عقوبةَ ارتكابها بحيث لا يُطالِب بها مطالب؟!

       وأخيرًا إنه الظلم الذي ينال شهداء الشعب قبل الشّهادة وبعدها، ويُلِحّ على الشعب كل الإلحاح بالمطالبة بالتغيير والإصلاح وإن ثقُلَ الثمن.

       ما أشدّ ما يناله أبناء هذا الشعب من ظلم السلطة، أشبابُ يُسجن حتى القتل، وشباب من بعد قتله يُصار به إلى الثلاجات التي هي سجون؟!([11])

خامسًا: سجناء تحت العذاب:

       كلما ذكرت التقارير الحقوقيّة تعذيب السجناء والموقوفين كلما قابل ذلك إنكارٌ من السلطة. فماذا عمّا حدث من ضرب وكسر وجرح وسبّ وشتم وألوان إهانة لسجناء جو الأشراف؟!

       ما كان بالوسع أن يُدفن خبره وواقعه تحت الرمال، وهنا لابد أن يأتي التبرير لما لا يُقرّه دين أو قانون ولا يقبل به عرف سليم، وأي قتل ظلمًا وأي بشاعة ترتكبها قوات الأمن وأجهزة من أجهزة السلطة، وتصدر بها الأوامر لا يكون نصيبها إلا الإنكارَ من قبل السلطة، أو التمسُّك بعذر وهمي مختلق لتبريرها وكم من دم ضاع لأبناء الشّعب، وكم من روح أُزهِقت على يد قوات السلطة وأُزهق حق القصاص العادل لها؟! شعبٌ لا حدّ للظلم الذي يقع عليه، ولا حدّ لإصراره على حقّه، والصبر الذي يتحلّى به والذي لا ينفذ لديه.

       اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم يا من لا مُعين غيره، ولا ناصرَ إلّا من نصره، ولا مغيث إلّا من أغاثه، عونك عونك، نصرك نصرك، غوثك غوثك يا قويّ يا عزيز، يا من هو بالمؤمنين رؤوف رحيم.

       اللهم ارحمنا شهداءنا وموتانا، وفك أسرانا وسجناءنا، واشف جرحانا ومرضانا، وارحم كلّ مؤمن ومؤمنة حيًّا كان أو ميّتًا، ردّ ربنا غرباءنا سالمين غانمين في عزٍّ وكرامة.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([12]).

 

 

[1]– ذلك المحبوب أو المبغوض.

[2]– يشرّفني أن أكون عبدًا لهذا الحبّ؛ الحب المستجيب لحبّ الله.

[3]– سورة التوحيد.

[4]– الخصال للشيخ الصدوق ص104.

[5]– بحار الأنوار ج25 ص316 ط3 المصححة.

هكذا يُقدّم الأئمة عليهم السلام أنفسهم لنا، فلا نُغيِّر.

[6]– وفي ما لم يذكر هنا من هذه الكلمة من الإمام عليه السلام حملت معها براءة ممن غلا فيهم.

[7]– فلنعرف أئمتنا عليهم السلام، ولنأخذ بما قالوا، ولنتبع ما أمرنا به.

[8]– هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).

[9]– الذي يشترط في حقّ البقاء فيه لمواطنه كل هذه الشروط؟! أيّ وطن هذا؟!

[10]– هتاف جموع المصلين (لن نركع إلا لله).

[11]– هتاف جموع المصلين (بالروح بالدم نفديك يا شهيد).

[12]– 90/ النحل.