المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (593) 12 جمادى الأول 1435هـ – 14 مارس 2014م

خطبة الجمعة (593) 12 جمادى الأول 1435هـ – 14 مارس 2014م

مواضيع الخطبة :

الخطبة الاولى : معرفة الله 

الخطبة الثانية : دين وإنسانية ووطن 

 

الخطبة الأولى

       الحمد لله الذي لا ينقصه كمال، ولا يَلحقه نقص، وليس لكماله حدٌّ ولا انتهاء، وهو المصدر لكلِّ كمال، ولا كمالَ لأحد من دونه في الأصل، ولا إطلاقَ في كمالٍ لغيره أبدًا.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّدًا عبده ورسوله صلَّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله من رجا فَنِعْمَ المرجوُّ الله، ومن خاف فأَعظم به مخوفًا قدرة الله، ومن فزع فلا مأمن كالمأمن عند الله، ومن شكا كَفَتْهُ شكواه إلى الله.

       وهل من مرجوٍّ أو مخوفٍ أو مفزعٍ، أو مأمن، أو من يُشكى إليه غير الله ولا أمر بيد غيره، والأمر كلّه إليه؟!

       فليكن كلُّ التوجّه إليه، وكلُّ المعوَّلِ على علمه ورحمته وقدرته، والعياذُ واللّواذ به.

       وكيف يكون ذلك بلا طاعته وتقواه، ومع الاستكبار عليه؟!([1])

       اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم.

اللهم أخرجنا من كلِّ ظلمة وضلالة إلى نور وهدى من عندك لا تَبْقَى لنا معه حَيرة، ولا تزِلُّ عن طريق الغاية لنا قدم، ولا نقع في خطيئة، ولا تلحقنا ندامة يا من لا يُخيِّب سائله، ولا يَردُّ آملَه يا واهبَ الخير، ويا دافع الشرّ يا رحمان يا رحيم.

       أما بعد أيها الملأ الكريم المؤمن فالحديث لا زال في موضوع:

معرفة الله تبارك وتعالى:

       الطرق إلى معرفة الله عزّ وجلّ:

  1. بين معرفة النفس ومعرفة الرَّب:

{وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}([2]).

{وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}([3]).

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ…}([4]).

       وفي الحديث:“مَن عَرَفَ نَفسَهُ فَقَد عَرَفَ رَبَّهُ”([5])، وفي الحديث الآخر:“أَعرَفُكُم بِنَفسِهِ أَعرَفُكُم بِرَبِّهِ”([6]).

       لو جهل الإنسان بكلّ ما حوله من هذا العالم، وقضاياه ما كان منه أن يجهل نفسَه وهي حاضرةٌ لديه وهو هي وليس شيئًا غيرها.

       والآيات القرآنية الكريمة تُشير إلى ما تَعُجُّ به نفس الإنسان من آيات الله التي لا تدعُ مجالًا للشكّ في معرفته، ولا تغيمُ لدلالتها التامّة بصيرتُها عن رؤيته.

       ونفسُ الإنسان وجودٌ قائمٌ لا يغيب عنه وليس من خَلْقِه، ولا يَدَ لَهُ فيه، وطاقة تفكير لم يوجدها([7])، ولم يكن المُقدِرَ لها على التفكير، ومشاعرُ تتناوب على داخله ليست من صنعه ولا يملك أن يمنع ورودها، ولا اجتثاثَ نبتتها في ذاته، ولا الحيلولة دون تأثيرها فيه، ودوافعُ لاهبةٌ تُحرّك سلوكه ليست من فعله ولا سبيل له أن يُلغيَها من وجوده، وأشواقٌ كماليّةٌ عالية هي بُعْدٌ أصيل من أبعاد كيانه ولم يكن له دورٌ في إنباتها فيه وإدخالها عنصرًا في عجينته، وإرادةٌ متخيّرة ما كان شرفُه بها بقدرته.

       الإنسان يشهد ذاته شهودًا واضحًا حيًّا وأنّه مزاجٌ من قِوى وأبعاد متعدِّدة، وطباعٌ مختلفة تأتلف منها([8]) لا حيلةَ لها في خلقها ولا إلغاء شيءٍ منها ولا إبقائها ولا الملاقاة بينها في الصورة المنسَّقة التي تجمعها، ولا التفكيك التكويني لواقع الترابط الذي يحكمها([9]).

       ولا تنفكُّ هذه المعرفة بالنفس عن أثرها الحتميّ فيها من المعرفة بالربِّ تبارك وتعالى، ولذلك فلا عُذْرَ لدعوى أحد بأنه لا سبيل إليه لمعرفة الخالق والحاجة إليه([10]).

       وأنه([11]) غير كلّ نفس خاضعةٍ لما تخضع له هذه الذّات أو تلك من فَقْرِ الذات في نفسها وحاجتِها الدائمة لمن يمُدّها بكلّ مالها مِن وجودٍ وقٍوى ومواهب، وما هي عليه من حالة ائتلاف وتلاقٍ وتنسيق بين مكوّناتها([12]).

       ثم إنّ معرفة النفس على مراتب، وأعماقُ هذه المعرفة وسَعَتُها متفاوتة. وكلّما عمُقت المعرفةُ بالنفس كانت معرفة صاحبها بربّه أعظم، وبشأن خالقه أجلّ. وما انكشف لنفس عن أيِّ طريق من الطُّرق الموصلةِ سرٌّ من الأسرار التي تغنى بها خلْقتُها إلا كَبُر شأن الله عندها، وزاد تسليمُها لعظمة بارئها.

       ولذلك جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:“أَعرَفُكُم بِنَفسِهِ أَعرَفُكُم بِرَبِّهِ”([13]).

       فالنفس الإنسانية ناطقة بأنها أَثَرٌ للخالق العظيم العليّ القدير العليم الحكيم الحيّ الرازق القائم الذي لا يموت([14]).

       وكلّما عرفت النفسُ نفسَها زاد يقينها بربّها جلّ وعزّ، واستسلمت مريدة إليه([15]).

       وتُقدِّم معرفةُ النفس من نفسها ما يتداولُها من تقلُّب الأحوال، وتبدّل الأوضاع العارضة على داخلها، وكونها عاجزة عن التحكّم فيها، والتصرُّف بما يخلّصها منها وقت شاءت([16])، أو إبقائها وقت ما رغبت، وأنْ لا مالك لهذا الأمر من غيرها من الخالق أنّ لها خالقًا قديرًا عليمًا مالكًا هو المتصرف الحقّ فيها([17]).

       النفس الإنسانية تكون على عزم فعل شيء فلا تجد إلا وقد انتقض عزمها، وتكون على غَضَبٍ لا تملك ذاتها أمامه فلا تجد إلا وقد هدأ غضبها وربما تحوَّل إلى رضا، أو أسف، وتكون الحزينةَ وإذا بها تصير إلى فرح. وفي كلّ ذلك لا تعرف لهذا التحوُّل سببًا، ولا تملك وهي التي تعيش هذا التحوُّل تفسيرًا من أيّ سبب قريب أو بعيد على أنه لا شيءَ إلا بسبب فيكون عليها أن تُرجِعَ الأمر إلى مسبِّب كل الأسباب ومالكِها، وإلى من بيده كلُّ أمرها.

       عن الإمام الحسين عليه السلام:“إِنَّ رَجُلاً قامَ إِلى أَميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام، فَقالَ: يا أَميرَ المُؤمِنينَ، بِماذا عَرَفتَ رَبَّكَ؟ قالَ: بِفَسخِ العَزمِ، ونَقضِ الهَمِّ؛ لَمّا هَمَمتُ فَحيلَ بَيني وبَينَ هَمّي([18])، وعَزَمتُ فَخالَفَ القَضاءُ عَزمي، عَلِمتُ أنَّ المُدَبِّرَ غَيري”([19]).

       و“سُئِلَ أَبو عَبدِ اللّهِ عليه السلام –كما عن هشام بن سالم –، فَقيلَ لَهُ: بِما عَرَفتَ رَبَّكَ؟([20])قالَ: بِفَسخِ العَزمِ، ونَقضِ الهَمِّ؛ عَزَمتُ فَفَسَخَ عَزمي، وهَمَمتُ فَنَقَضَ هَمّي”([21]).

       فالنفسُ تهمّ بالشيء أي تتوجه إلى فعله وترى أن تقدم عليه بدرجة من درجات العزم غير البالغ لكنّ هذا الهمَّ يتراجع وينتهي لا لسببٍ تُدركه، وتعزم العزمَ أشُدّه فَيَنْحسِرُ هذا العزم عنها وتفقدُه وهي لا تملك لفقده تفسيرًا ولا تسبيبًا فيكون عليها أن تعرف أنها المخلوقُ الخاضعُ في كلِّ أمره إلى خالقه، المربوبُ المدبّر من ربّه.

       والإنسان ليس له استقرار على حال رَغمًا عليه([22]). يستوي في ذلك في شأن بدنه وعقله ومشاعره وهمّه وعزمه وإرادته وكلّ أحواله. وأمر التحولات البطيئة والمفاجئة يحكم حياة كلّ الناس.

       والحمد لله رب العالمين.

       والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

       أستغفر الله لي ولإخواني المؤمنين والمؤمنات وأسأله أن يتوب علينا أجمعين.

       اللهم لا تُفقِدنا بسوء عملنا ما رزقتنا من بصيرة، وأبق لنا نور هدايتك وزدنا من ذلك، ومن كلّ خير يا كريم، يا رحمان، يا رحيم.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}([23]).

الخطبة الثانية

       الحمدُ الله الذي يُذهِب حُزْنَ الحزين، ويُزيل همَّ المهموم، وغمَّ المغموم، ويُنشئ العزمَ، وينقضه، ويُحدث الخوف ويرفعه، ويُقلِّب أحوال النفوس كما يشاء بسببٍ ظاهر أو غير ظاهر، وكلُّ الأسباب بتقديره، وبقدرته وفي حكمه ما ظَهَرَ منها وما بَطَن، وما وافق قوانين الكون البارِزة والغامضة، وما تمشّى مع مألوف النّاس في حياتهم وما خَرَجَ عن كلِّ ما ألِفوه.

       لا مالِكَ غيرُه ولا متصرف في كلِّ الخلق سواه، ولا تصرُّف لمخلوق في شيء إلّا بإذنه.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله ضيّع عبدٌ لم يعرف قيمة نفسه، وقيمة حياته، وخَطَرَ ما هو قادم عليه حتمًا من خطر أمر آخرته وبالغ أهميته ثوابًا كان أو عقابًا، وأعرض عمّا جاء به رسلُ الله جلّ وعزّ، وهَدَتْ إليه كتبه([24]).

       وهل لعبد هذا شأنه إلّا أن يخرج من هذه الحياة أتفه تافه، وأسقط ساقط، وأرخص رخيص؟!

       فلنطلبْ عبادَ الله حياةً على خطّ غير هذه الحياة الذي اختاره المفرّطون، ومصيرًا غير هذا المصير، وعاقبةً دون هذه العاقبة([25]).

       لنطلب عاقبة سعيدة، ومنقلبًا حميدًا؛ منقلب ذوي البصيرة والتقوى والعمل الصَّالح، وإنفاق الحياة في التقرّب إلى الله وعلى طريق تقواه، وطلب رضوانه.

       اللهم اهدنا هدى الصّالحين، ووفِّقنا لما وفّقتهم له من العمل الصَّالح، والاستقامة على صراطك، والتزامهم بما اخترت لهم من دينك، يا محسنُ يا جوادُ يا كريم، يا رحمان يا رحيم.

اللهم صل وسلم على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وعلى أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحفه بملائكتك المقربين، وأيّده بروح القدس يارب  العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفقهم لمراضيك، وسدّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا.

أما بعد أيّها الأحبّة في الله فإلى هذا العنوان:

       دين وإنسانية ووطن:

       أقدس كلمة هي كلمة الدّين الإلهيّ الحقّ، وألزم حقّ هو ما ألزم الله به عباده.

       وللإنسانية حقٌّ من حقّ الدّين، وللوطن حقٌّ مما يتمشّى مع حقِّه.

       والدّين كلمته صريحة في حرمة دم المسلم على المسلم، واحترام إنسانية الإنسان، وأنه لا يصحّ النيلُ من قطرة دمٍ لإنسان إلّا بسبب بيِّن تُقرّه الشريعة السماوية العادلة.

       وفَهْمُ الشريعة لا يُعوّل عليه ولا يكون حجّة إلّا إذا كان ممن قرَّرت الشريعة حجّيته.

       وفَهْمُ العوامّ وهم كلّ من لم يبلغ حدّ الفقاهة لا حجّية له، والاعتمادُ على قول الغير، والأخذُ به عملًا ولو كان قول فقيهٍ يحتاج إلى العدالة، وغير العدالة.

       والحُكْمُ الإلهي بحرمة الدّم لا تقتصر على محكوم دون حاكم، ولا على حاكم دون محكوم. ووصف الإنسانية وصف مشترك بينهما جميعًا، وحقُّ الوطن في الحفاظ على أمنه وسلامته ومصلحته. وكلُّ ذلك يذهب في مهبّ الريح إذا نُسِيَت حرمة الدماء. حق ثابت على الطرفين. فالمسؤولية في هذا المجال مشتركة من حيث كلّ مناشئها.

       والتفريط في هذه المسؤولية، والتعدّي على دمِ طرف ينتهي بطبيعته إلى التعدّي على دمِ الطرف الآخر.

       وتُخطئ كلُّ الحكومات عندما تبدأ على يدها عملية القتل لمواطنيها من غير حقّ، وتفتح بابَ جهنَّم على كلِّ الأطراف التي من بينها هي وعلى كلِّ الوطن. وهكذا لو بدأت الشّعوب هذا العدوان.

       وللأسف أنّه كلّما كان تحذير من ناصح للحكومة عن الاستهانة بحرمة الدِّماء، والقتل خارج إذن الدّين، وحتى خارج القانون كُلّما قُوبل ذلك بحمل النصيحة على التحريض والتهديد، وقُوبل بسيل من الاتهامات، ومضاعفة العداوة للناصح.

       ويبقى العدوان على الدّماء على مستوى الفعل وردّ الفعل مرفوضًا مُدانًا مستنكَرًا([26]).

       وهناك أنواعٌ من المواجهة ولا تستوي كلُّها في نوع ردّ الفعل.

       هناك مواجهة جيش قبال جيش خرجا للقتال بينهما من كان منهما على حقٍّ أو على غير حقّ، وحينما تبدأ الحرب في هذه المواجهة يقوم القتل بينهما أحسَّ القاتل بخطر على نفسه أو لم يُحِس، قَصَدَه الطرف الآخر بقتلٍ أو جرحٍ أو لم يقصده ما دام مشتركًا في المعركة.

       وهناك هجومُ فردٍ على آخر لا في حرب يُريد قتلَه والطبيعي في هذه الحال هو الردّ من المهاجَم حفاظًا على حياته وبما يدفع عنه المهاجِمَ وإن تسبب ردّه في قتله([27]).

       وهناك عملية احتجاجية على ظلم، وللمطالبة بحقوق مسلوبة يقوم بها مواطنون في بلدهم تُواجهها قوات شغب بحجّة الضبط والحفاظ على الأمن، ولا دور هنا لخروج أحد الطرفين عن الوضع السلمي والتعدّي على الطرف الآخر بقتلٍ أو جرح. ولا وجهَ على الإطلاق أن يمنع المحتجُّون عن التعبير عن رأيهم ومطالبتهم بالحقّ ما داموا لا يعتدون على نَفْسٍ أو مال.

       وهذا ما تخالفه قوّات الشغب لعدد من المرات، ولا زالت تُنهي مسيرات سلمية احتجاجية بالبطش والقوة والجرح والقتل.

       ولو كان عدلٌ وقضاءٌ عادل لكان من حقّ كلِّ قطرة دم تُطَلُّ أن يلاحق من هدرها ظلمًا ويُحاكم المحاكمة الشرعية العادلة، وبالطريقة الشّرعية، والتي لا تعتمد في إثبات هذا الأمر الخطير إلا المثبِتات المعتمدة للشريعة، كانت هذه القطرة من الدّم لشرطيٍّ أو غير شرطي تابع للحكومة، أو لأي مواطن من المواطنين.

       وكم من دماء لهذا الشعب قد ضاعت بلا حساب!! وما نقوله هنا وليس لنا قول غير قول الشّريعة: دمان محترمان من أهرق أحدَهما ارتكب واحدة من أكبر الكبائر في الإسلام وأَثِمَ إثمًا عظيمًا؛ دمُ مسلم أُهرق ابتداء عدوانًا، ودم مسلم أُهرق ظلمًا بحجة القصاص، ولم يكن الحكمُ الذي قام عليه هذا القصاص مستوفيًا للشروط الشرعية ومقوِّماتها.

       ولا شرعية لقصاص ولا لحكم يقوم عليه هذا القصاص أو ما هو أدنى منه من العقوبة حُجّتُه اعتراف المتّهم تحت الإكراه، ومن أبشع صور الإكراه التعذيب.

       القصاص الشرعيّ له مقوماته وشروطه التي لو تخلّف واحد منها لفقد شرعيّته.

       من هذه المقوِّمات والشروط:

  1. أن يقوم على أساسٍ من حكم إلهيّ باستحقاقه، لا على حُكْمٍ لا تُقِرّه الشريعة.
  2. أن يكون القاضي حائزًا على شروط القضاء الشرعيّ والذي أخطر ممارساته القضائية ما كان موردُه الدماء والأعراض والأموال في رأي الشّريعة، ولا يكفي أن يتوفَّر القاضي على مواصفات القانون الوضعي.
  3. أن يكون الحكم القضائيّ الصادر بالقصاص وحتّى ما كان دونه مرتبة في الخطورة واجدًا للمثبِت الشرعيّ للجناية التي تُبرّر هذا الحكم من القاضي، وليس أن يكون صادرًا عن خلفيَّة تتمثل في أي وسيلة مخالفة للمثبت الشرعي يعتمدها القانون الأرضي أو تذهب إليها السياسة.

وعند توفُّر كل هذه الشروط المعتبرة شرعًا، وكون تولّي القاضي لمهمّاته القضائية شرعيًّا من كلِّ الجهات، على رقاب المسلمين أن تخضع للحكم بالقصاص وترضى بتنفيذه، وذلك احترامًا لحكم الله وهو السيد المطلق العدل الحكيم، وخضوعًا له.

       وفيما عدا ذلك ليس بوسع أيِّ متشرّع([28]) أن يُسلِّم بصحة هذا الحكم، وعدالةِ شرعيةِ القصاص المترتب عليه، ويكون الحكم ظلمًا والقَصاص عدوانًا.

       ولا يكفي أن يُسمّى الحكم والقصاص قانونيًّا لأن ما يراه المؤمن أنه حق ليس إلّا الحكم الإلهيّ، وما أتت به الشريعة من ذلك الحكم.

       وحرمةُ دم كل مسلم ثابتة على حالها، ولا يصح اخترامها ما لم يهدرها هو بجرم موجب لهدرها في شريعة الله عزّ وجلّ قد ثبت عليه ارتكابُه له بمثبت شرعيّ.

       هذا ما نفهمه من شريعة الله تبارك وتعالى وليس لمسلم رأيٌ على خلاف شريعته، أمّا قناعات السياسة الدنيوية فهي خاصَّة بها، ولا يستطيع متشرِّع أن يكون مع ما خالف الشريعة منها.

       ثم إنَّ حادثًا أو آخر من الحوادث المؤلمة التي قد تشهدها الساحة فتُحمّلُ السلطة مسؤوليتها جهة أو أخرى من جهات الشعب أو يُحمّل الشعب مسؤوليتها جهة من جهات السلطة لا تصحِّح أن تفتح الباب على مصراعيه لنشر الفَوْضى، وارتكاب المآثم في حقّ الطرف الآخر، وتجاوز كلّ الحقوق أو الكثير منها كما يحصل من تصرُّفات السلطة عند أيّ حدث مُدان تنسبه إلى الشعب.

       ثم إنَّ أي حدث يؤسف له لا يُصحِّح للسلطة أن تُصادر حقّ المطالبة بالإصلاح، أو تتعذّر به عن العملية الإصلاحية أو تتخذه ذريعة لتعطيلها، والتسويف في أمرها، وتكثيف الإجراءات الأمنية القمعية وتعطيل حركة النّاس ولأيام وإخضاع الوضع لحالة طوارئ واستنفار عامٍّ لإلحاق الضرر البالغ بالمواطنين، والوقوف أمام التعبير السلمي، وتجاوز الاستحقاقات الثابتة للشعب.

       وتعميم العقوبة فيه خَرْقٌ واضح للدّين والدستور الذي وضعته السلطة، والقانون الذي شرَّعته، وخَرْق لحق المواطنة وكرامة الإنسان، وحتى الشرائع الأرضية التي فيها رائحةٌ من الإنسانية والعدالة.

       ونحن أمام أزمة كلّما طال أمدُها أضرَّت بالوطن، وأَفْقَدَت التعقّل، وأنست الدّين والقيم، وما تقتضيه الأُخوّة الدّينية والوطنيّة، وضيّقت المخرج، وضيّعت الحل، وزاد تهديدها للجميع بأعظم الخطر.

       وهو وضع لابد أن يُنَبِّه العقلاء على ضرورة الحل السريع، ولا حل في استمرار الظلم والفساد.

       لا حلَّ إلَّا في الإصلاح والعدل والاعتراف بالحقوق، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقه.

       فكلُّ سالب لحقٍّ عليه أن يُرجع ما سَلَبَه إلى مستحقِّه، والشعب مسلوبُ الحق، ويسعى لاسترداد حقّه.

       وكلّما جاء يومٌ جدَّ أمر جديد يؤلم الشعب، ويجرح كرامته، ويستثيره، ويجعله أكثر إيمانًا وإصرارًا وشعورًا بضرورة الإصلاح والتغيير.

       والحكم بسجن سماحة السيد الهاشمي، وهو أحد العلماء البارزين في الوطن والذين يدعون للإصلاح، وليست لهم دعوة للعنف والإرهاب، وهو حريص على الوحدة الإسلامية والوحدة الوطنيَّة، واحدٌ من بين هذه المستجدات المتوالية المنافية لحرية التعبير بالأسلوب السلمي، وبيان وجهة النظر السياسية، والمطالبة بالحقوق.

       والسيد واحد من سلسلة علماء مخلصين لهذا الوطن تستهدفهم السياسة، وتسعى لمحاربتهم.

       وفي ذلك إهانة للشعب، واستخفاف بكرامته، وإهانة أيّ مواطن عالمًا كان أو غير عالم والاستخفاف بحقّه هو استخفاف بالوطن كلّه وبحقّ الجميع.

       اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم ردّ كلَّ ظالم إلى رشده، وإلّا فخذ على يده، وكلّ مخطئ إلى صوابه وإلا فلا تُمكّنه وكُفّ يده، وانصر المظلوم على ظالمه، ورُدّ له حقّه، وادرأ عنه يا قويّ، يا عزيز، يا عدل، يا حكيم.

       اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، واشف جرحانا ومرضانا، وفك أسرانا وسجناءنا، وردّ غرباءنا إلى أوطاننا سالمين غانمين في عزّ وكرامة برحمتك يا أرحم الراحمين.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([29]).

      

 

[1]– ما صَدَقَ من ادّعى التوكّل على الله وهو يستكبر عليه.

[2]– 20، 21/ الذاريات.

[3]– 4/ الجاثية.

[4]– 53/ فصلت.

[5]– بحار الأنوار ج2 ص32 ط2 المصححة.

[6]– روضة الواعظين ص20.

[7]– نفسنا طاقة تفكير ومشاعر إلخ.

[8]– أي نفسه وذاته.

[9]– كل ذلك لا حيلة له فيه.

[10]– حجّة كلّ نفس مقطوعة، يعني ليست لها حجّة، الحجّة قائمة عليها في معرفة الربّ وليس لها.

[11]– وهو الله تبارك وتعالى.

[12]– أنا أراك فقيرًا، وأنت تراني فقيرًا مثلك، أنت تعرف من نفسك أنك فقير ذاتا كما تعرف عني أني فقير ذاتا، فلا تتوقع عندئذ أني خلقتك، ولا أتوقع أنك خلقتني. وكل الكون خاضع لهذا الفقر؛ واقع الفقر الذاتي الذي لا يمكن أن يخرج من ظلمته بنفسه.

[13]– روضة الواعظين ص20.

[14]– كلّ هذه الأسماء الحسنى تحتاجها كلّ نفس لأن توجد، لأن تبقى، لأن ينتظم أمرها. وهي أسماء ليست لأحد غير الله العظيم.

[15]– هناك استسلام تكويني لا حيلة لنا فيه، وهناك استسلام إراديّ لله عز وجل هو من مسؤوليتنا.

[16]– تأتي علينا أحوال متقلّبة، تتعاور علينا الظروف المؤثّرة، في داخلنا وفي خارجنا، ونحن نعرف من نفسنا أن الحزن الذي يأتي علينا لا نستطيع أن نقتلعه بإرادتنا، أن الفرحة تأتينا من حيث لا ندري، إلخ.

[17]– حيث ترى أنك تحزن، أنك تفرح، أنك تخاف، أنك تأمن، أنك تعزم، أنك تتراجع عن عزمك ولا تملك تفسيرا لهذا من نفسك ولا من غيرك ممن حولك وممن هو مثلك في الفقر الذاتي لابد هنا أن يُرجعك العقل إلى الخالق العظيم المتصرف فيك كيف شاء.

[18]– الهمّ أول العزم عند بعضهم.

[19]– التوحيد للشيخ الصدوق ص288.

[20]– السؤال للإمام الصادق عليه السلام.

[21]– بحار الأنوار ج3 ص49 ط2 المصححة.

لا يدلّني عقل ولا فطرة على أن الذي نقض عزمي أخي، زوجي، قويّ أو ضعيف ممن حولي، أحدٌ غير الله.

[22]– من يملك أن يُبقي فرحته إلى ما شاء؟! أن يبقي عزمه إلى ما شاء؟! أن يبقي أي شعور من مشاعر نفسه إلى ما شاءا؟ لا أحد.

[23]– سورة الكوثر.

[24]– ضيّع هذا الأمر.

[25]– لا أقول لك اختر حياة غير هذه الحياة التكوينية، وإنَّما غير الحياة المنظور إليها على أنَّها الهدف، وغير الحياة في مسلكها الذي سلكه المفرّطون بأمر الآخرة.

[26]– وللشريعة طريقتها في استيفاء حقّ الدم المهدور.

[27]– وهي سلوك فطريّ يبدأ من الحيوان إلى أعقل إنسان وأتقاه، وأنه الموافق للدين ولشرائع الأرض وما عليه العقلاء، والعقل نفسه.

[28]– المتشرّع هو الذي يأتمر بالأوامر الشرعية، الفاهم بصورة كافية للشرعيات، ومتبع لها فيما فهمه منها.

[29]– 90/ النحل.