المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (586) 22 ربيع الأول 1435هـ – 24 يناير 2014م

خطبة الجمعة (586) 22 ربيع الأول 1435هـ – 24 يناير 2014م

مواضيع الخطبة :

الخطبة الاولى : الألفة

الخطبة الثانية : مشكلة البحرين بين الحلّ والاستمرار – المجلس الإسلامي العلمائي

 

الخطبة الأولى

          الحمد لله الذي ما سرت ظلمة وما انكشفت إلَّا بإذنه، وما غشي ليل وما انجلى إلَّا بتقديره، وما كانت غُمّة ولا انقشع سحابها إلَّا بتدبيره، وما هَجَمَ هاجمٌ على قلب وما انزاح إلَّا بعلمه، ولا خَفْضَ ولا رَفْع، ولا حركة ولا سكون خارج قضائه وقدره.

          لا مفرّ من شرّ، ولا نيل لخيرٍ إلا بوسيلة منه، وكلّ الاعتماد عليه.

          أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

          عبادَ الله خير ما يصنعه إنسانٌ بنفسه أن لا يخرج من طاعة الله إلى معصيته، وأن يبذل حياته في التقرُّب إليه فيكونَ قد رَبِح كلَّ حياته، ولم يَضع عليه من رأس مالِه شيء. وما فرَّط مفرِّط في وقته، وما أضاع منه شيئًا إلّا وقد فرّط في حياته بقدر ذلك التفريط، وخسر من وزنه بذلك الوزن، وما أساء امرؤ لنفسه وظلمها بمعصيته لربّه إلّا وقف موقف الحسرة والندم في آخرته.

          اليوم تُطلب النّجاةُ في الآخرة والفوز بنعيمها بالعمل الصالح، واليومَ كذلك، وبالعمل السيء تكسب نفس لنفسها النّار.

          وما أظلم نفسًا لنفسها أن تختار النَّار على الجنّة.

          زَحْزِحْنا ربّنا عن طريق النار، وألزمنا طريق الجنّة، واجعل طلبنا بالسّعي الصّادق لأعاليها، ومنقلبَنا إلى جوار أكرم المكرّمين من أهلها، وما ذلك عليك بعزيز يا رحمان يا رحيم يا جواد يا كريم.

          اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

          أما بعد أيها الإخوة والأخوات في الإيمان فالحديث في موضوع الألفة:

          والأُلفة المعنيّة انضمامُ القلوبِ بعضِها إلى بعض، واجتماعها على هوى واحد، ورضاها المشترك.

          ويجمع القلوب السليمة هوى الخير، والهدفُ الصالح، أمَّا ما يجمع القلوب السقيمة ويلاقي بينها فإنما هو هوى الشرّ، وما كان هدفَ سوء. وهو هوى ما جمع إلّا فرّق، وهدف ما لاقى إلّا شتّت.

          ولنضع الحديث في موضوع الألفة في عدد من العناوين:

          الدفع في اتجاه الألفة:

          يدفع الإسلام النّاس جميعًا وأتباعه من المؤمنين به بالخصوص إلى التقارب والالتقاء والائتلاف، ولا يرضى لهم الخلاف والافتراق والتباعد، ويؤكد على بناء المجتمع الصالح الآمن المتعاون المتراحم.

          وفي هذا الاهتمام تأتي مجموعة من الأحاديث الشريفة منها:

          عن الرسول صلّى الله عليه وآله:“خياركم أحاسنكم أخلاقا، الذين يألَفون ويُؤلَفون”([1]).

          الاقتراب من الآخر، تقبُّل الآخر، السَّماعُ إلى الآخر، الانفتاح عليه، الاهتمامُ بأمره، الدخول معه في علاقة إيجابية كريمة؛ كلُّ ذلك مطلوب للمسلم مع المسلم وغيره ما أمكن، ولم يكن في ذلك مخالفةٌ للحقّ، وخروجٌ على أهداف الدّين القويمة النبيلة.

          وبهذا يكون المسلم آلِفًا للنّاس.

          وهو لِصدقه وأمانته ووفائه وبشاشته يألفه الناس ويُقبلون على الارتباط به، وتجتذبهم أخلاقُه إليه. وعلى المسلم أن يفعل ذلك.

          وعنه صلَّى الله عليه وآله كذلك:“أفاضلكم أحسنكم أخلاقا، المؤطّؤون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلَفون، وتوطأ رحالهم”([2]).

          التوطئة التمهيد، والأكناف الجوانب.

          ويُراد للمؤمن أن لا يكون في جوانب حياته وألوان معاشرته صَعبًا على التفاهم معه، والاقتراب منه، ونيل ثقته، طاردًا لأيّ علاقة إيجابيّة محترمة يمكن للآخرين أن يبنوها معه.

          ينبغي له أن تكون جوانب شخصيته، وأسلوب تصرُّفه وتعامله جاذبًا للغير للإقبال عليه، والالتقاء به، وأن يألف ويؤلف، وأن تكون رحاله وهي أماكن إيوائه في حَضَرِه محلًّا للترحيب بالآخرين ممن لا ضرر في الترحيب بهم، وأمتعة سفره مبذولة لاستفادة المحتاج لهذه الاستفادة([3]).

          ونقرأ عنه صلّى الله عليه وآله:“أقربكم منّي في الموقف غدًا([4])…. أحسنكم خُلُقًا، وأقربكم إلى النّاس”([5]).

          وهو قرب عطف واهتمام بشأن النّاس، وفتح لباب التّفاهم وبناء الثقة، وطلب الصّلاح والسّعادة للجميع، والقضاء على أسباب القطيعة.

          وعن الإمام عليّ عليه السلام:“طوبى([6]) لمن يألف النّاس ويألفونه على طاعة الله”([7]).

          لا يدنو المؤمن من باطل ومعصية لله سبحانه وتعالى في بناء أي علاقة وإحداث أي اقتراب بينه وبين الآخر.

          وعلاقة يبنيها الباطل تضرّ بالطرفين، وتناقض خيرهما، والعاقل لا يطلب الشرّ لنفسه، والمخلص لا يطلب الشرّ لصديقه.

          ويستفاد من مجموعة الأحاديث الشريفة ظاهرا أن على المرء أن يألف الآخرين ليفتح الباب أمامهم لأن يألفوه([8]). وهذا يعني أن يطالب نفسه بالخير قبل أن يطالب غيره، وأن يتحمّل مسؤولية بناء المجتمع الصالح المتآلف قبل أن يطالب ذلك من سواه.

          ويُثبت الحديث عن الإمام زين العابدين عليه السلام أن من حقّ المسلم على المسلم أن يعمل على خلق الألفة بينه وبينه، وأن لا يكون بين نفسيّتيهما جدار فاصل مانع من الالتقاء والتفاهم والتواصل.

          عنه عليه السلام:“حقّ أهل ملّتك إضمار السَّلامة والرَّحمة لهم، والرّفق بمسيئهم وتألّفهم واستصلاحهم”([9]).

          ولو عرف كل مسلم لأخيه حقوقه ومنها هذا الحقّ وطالب نفسه بأدائها، وبادر كلٌّ منهما لتآلف الآخر وطلب العلاقة الإيجابية الكريمة المخلصة معه لانبنى مجتمع إسلامي شديد التماسك مرصوص البنيان غير قابل للتصدّعات والانهيارات المدمّرة.

          إنَّ الإسلام كلّه خير، وما أجهل أكثر المسلمين به، وما أقلّ رعايتهم لحقِّه، وما أضيعهم لخير أنفسهم بتضييعهم للإسلام.

          اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا وجيراننا وأصدقائنا ومن علّمنا علمًا نافعًا من مؤمن ومؤمنة، وكل من أحسن إلينا منهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

         

          اللهم أعنّا على أنفسنا لأداء حقّك، وحقّ المؤمنين والمسلمين وحق كلِّ ذي حقّ من عموم عبادك، وجنّبنا الظلم والعدوان، وكل ما يبعّدنا عنك يا من لا غنى عنه، ولا خسران كخسران رضاه يا عليُّ يا عظيم، يا رحمان يا رحيم، يا متفضّل يا كريم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}([10]).

الخطبة الثانية

       الحمد لله الذي تكليفُه لعباده نعمة، وطاعتُهم له غنى، وعبادتهم إيّاه رفعة لهم، وجزاؤه لصالح عملهم إحسان. له المنّ على كلّ مَن خلق وما خلق، ولا منّ عليه من شيء، ولا يجزي نِعَمه جاز، ولا يبلغ حقّ شكره الشّاكرون.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلَّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله من يفعل خيرًا فلنفسه، ولن يفوته من الله جزاؤه، ومن يفعل شرًّا فهو لاقيه. ومن أَقَلَّ من فعل الخير فقد أَقَلَّ منه على نفسه، ومن أَكْثَرَ من فعل الشرّ فقد أَكْثَرَ منه عليها.

       وما قدّم أحدٌ شرّ نفسه على خيرها وهو عاقل. وزمن فعل الخير والشرّ أمام كلّ امرئ محدود، وإنما يطول جزاؤه، ولكلٍّ أن يطلب المزيد من الخير أو الشرّ لنفسه في هذه الحياة ذخرًا لآخرته، وبئس ما اذّخرت نفس لنفسها أن تذّخر الشرّ ليوم القيام وحياة الخلود، وبئس ما ازدادت منه من ذخيرة.

       فلنعمل عباد الله لأنفسنا صالحًا، ولنذّخِر منه لها كثيرًا نلقاه يوم الفاقة ويوم الكرب العظيم.

       فالتقوى التقوى من ربّ العباد الذي بيده النجاة، وبيده النعيم، وبيده العذاب.

       اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم اجعل ذخيرتنا ليومٍ يقوم فيه الحساب عملًا صالحًا دائمًا، وطاعة لك ثابتة، وعبادة لك موحِّدة مخلصة، ولا غنى لنا مع ذلك عن رحمتك وعفوك وإحسانك، يا حنّان يا منّان يا ذا الفضل والإحسان القديم.

اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على الصادق الأمين محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وعلى عليٍّ أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزَّهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القُدُس ياربّ العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك.

أما بعد أيّها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى هذا الحديث:

مشكلة البحرين بين الحلّ والاستمرار:

لو سألت أيًّا من الأطراف في هذا الوطن تريد حلًّا لمشكلته أو لا تريد؟ لما تخلّف عن الإجابة بأنه يريد لمشكلة الوطن الحلّ.

ولو سألت هل سيكون حلٌّ أو ستستمر المشكلة إلى ما لا نهاية؟ لابد أن يكون الجواب أن لابد من نهاية للمشكلة ولا بدّ من حلٍّ ولا بقاء لحال من الأحوال المتقلِّبة على وضعه في الحياة.

وتسأل هل الحلّ بعيد أو قريب؟

ما سيكون بالضبط علمه عند الله والصبر وطول النفس واستمرار المطالبة بالإصلاح بالطريقة السلمية وبعيدًا عن اليأس وبكلّ جديّة وصدق وإخلاص وثقة بالله سبحانه وثبات هو المهم.

وإن لم يكن جزمٌ بقرب الحلّ إلّا أن مقتضى أمرين مجتمعين هما الحقّ وضرورة الواقع هو ذلك وأن يكون الحلّ عادلًا وكافيًا.

وبالنسبة لقول الكلّ بأنه يريد الحلّ لمشكلة الوطن يحتاج إلى موقف عمليّ مصدِّق لقوله ومترجم له.

ومعلوم جدًّا ويقينًا أنّه ما تحرّك إنسان هذا الشعب وما بذل كلّ ما بذل، وتكلّف ما تكلّف، وعانى ما عانى وهو كثير وكثير من أجل أن يستمر السلب لحقّه([11])، وأن يُعطي الموافقة على تهميشه، ويقرّ وضعًا ظالمًا شكى منه وأقدم على تحمُّل ما تحمّل من أجل تصحيحه وتقويمه تخلُّصًا من أثره.

ما تحرّك هذا الإنسان ليعترف لأصحاب الامتيازات الظالمة على حسابه ويعطيها مزيدًا من التثبيت والتركيز، ويثضفي عليها طابع الشرعيّة.

كان تحرُّك النّاس هنا وكلّ جهادهم وضناهم من أجل أن ينهي العدلُ الظلمَ، ويطرد الصلاحُ الفسادَ، ويقوم الحقُّ مكانَ الباطل، وتكون المساواة ويختفي التمييز.

ولا يكاد يخلو وطن من عقليّات لا يدخل في تفكيرها أن للآخر حقًّا يجب أن يناله، فهي قد لا ترى الآخر أصلًا، وإذا رأته فهي لا تعترف له بحقّ([12]).

هناك صدور تضيق أن يكون إنصاف ومساواة، ويُعترف للآخر بإنسانيته ووطنيته وحقوق المواطنة المشتركة، وأنَّ هذا الآخر شريك مساوٍ تمامًا في السلطة والثروة وسائر حقوق المواطنة على حدِّ مسؤوليته المشتركة مع أيِّ طرفٍ ثانٍ في الواجبات المنبثقة منها.

ولو أُخِذ بما يذهب إليه هذا النهج من التفكير، وما ترتاح إليه هذه الصدور لما انفتح طريق أبدًا إلى حلّ، ولفسد أمرُ كلّ المجتمعات المحكومة لهذا الاتجاه.

وإذا حاول أصحاب هذه العقلية والصّدور الضيّقة عن الآخر أن يرفعوا شعار الإصلاح لابد أن يُصاب خطابهم في هذا المجال بالارتباك، ويظهر عليه التهافُت، ويرتكب العَجَبَ، ويوقع الآخرين ممن لا يعرف علّتهم في الحيرة.

وإذا جئنا لخطاب يُنكر على المحاصصة الطائفية ولكنّه يصرّ في الوقت نفسه على وضعٍ أُقيم على هذه المحاصصة فكيف يملك هذا الخطاب الانسجام؟! وكيف لخطاب يتعذّر بخصوصية التركيبة المحلية والوضع المألوف وهو طائفي عن قبول مقياس المواطنة الجامع الذي يُساوي بين الكلّ من الطوائف والفئات والقوميّات ثم يدّعي أنه يرفض مقياس الطائفية؟!

نقول لا أخذ بمقياس الطائفية ومحاصصتها ولا تعدُّد للمقاييس([13]) لتمشية ما تريد أنت أو يريده الطرف الآخر في كلّ موارد الاختلاف وحسبما يخدمك أو يخدمه هذا المقياس أو ذاك. ليكن الأخذ بمقياس واحد فيه مساواة بين الجميع وهو مقياس المواطنة ولا غير.

وما هو بديلُ الأساس الثابت والمقياس الواحد لقضية الحلّ وفي كلّ مساحات المشكل وجوانبه وانطباقاته أن يُطلب الحلّ بلا أساس مُعتمَد([14])، أو أن يعتمد أكثر من مقياس وأن يترك لطرف واحد أو لكلّ طرف أن يختار المقياس الذي يُحقق مصلحته في هذا المورد ويتخلّى عنه لمقياس آخر فيه خدمة غرضه في المورد الآخر.

وطلب الحلّ بلا أساس يُرجع إليه في تحديده والتوافق عليه عين الفوضى، وما هو إلّا طلب للنتيجة مع تجاوز مقدمتها وذلك لا يحصل.

واعتماد أكثر من مقياس ويُترك لطرف واحد أو كلّ الأطراف حقّ الانتقائية في كلّ مورد مورد من موارد الاختلاف رعايةً للمصلحة الشخصية أو الفئوية أن يختار أيّ مقياس يريد هو عين النزاع وتكريس له وسدّ للباب عن الحل.

ومفاد هذه التعددية([15]) أن نُعطي لمن أُعطيت له أن يقول كلّ الحقّ لي، وكلّ الربح لي، وأنه لا شيء للآخر. وإذا صار كل طرف إلى هذا القول صرنا إلى تأزّم الوضع، وتعميق المشكل وصرنا في استمرار في الابتعاد عن الحلّ.

اعدلوا أيّها النّاس خير لكم فالعدل خير، ولا تُنْسِكم العصبيّة أن الظلم حرام، وأنه لا ربح في ظلم. ويكذّب المكذّبون بهذه الحقيقة لكن لا بد لهم من أن يصطدموا بمنطقها الصارم في يوم من أيام الدنيا أو في الآخرة، وأن يعطوا لها كلّ الاعتراف.

وحين نكون أمام واقع الاختلاف بين الحكومة والمعارضة وأيّ طرف آخر في الحلّ أو مقياس الحلّ وضيّعنا كلَّ مسلمات الحقّ والعدل والدّين والقِيَم فلا مرجع للفصل في ذلك إلا كلمة الشعب، ولا للاستمرار في النزاع.

والشعب في مسألة الخلاف وحلّ المشكل هو المرجع وصاحب الكلمة الفصل في أيّ حلٍّ حتى مع التوافق بين كلّ الأطراف.

هناك واقع ضاغط يتطلّب إصلاحًا جدّيًا يتناسب مع ظروف المرحلة ومتطلباتها ولا يمكن لأحد أن يتجاهله([16]).

والأجدر بالكل أن يسلّم للعدل الذي ألزم الله به عباده، ويتخلّى عن العصبيّة وشهوة الاستئثار وظلم الآخر.

وليكن المرفوض هو المحاصصة الطائفية وليس الإنصاف لهذه الطائفة أو تلك أو هذه الفئة أو الفئة الأخرى من طوائف وفئات هذا الشعب. وفرق واضح بين هذا وذاك.

ولا يمكن لأحد أن يقول بأن اعتبار المواطنة مقياسًا هضمٌ لطائفة أو فئة لحساب أخرى. وهو مقياس نافٍ للمحاصصة الطائفية التي يرفع الجميع شعار الرفض لها.

وشعار التوافق([17]) بين جميع الأطراف والحل التوافقي لا يمكن تفعيله على الأرض من غير أرضية المقياس الواحد للحل والذي يعتمده الجميع ويرضون به، وإلّا لم يكن توافق وإنما هو إكراه. وليس في الإكراه حلّ، وفي الأخذ به عودة لما كان منه الفِرار([18]).

الحلُّ داخلي، والمقياس المواطنة، وحاجةُ الوطن إلى الحلّ عاجلة، والمعطّل للحل الصحيح معاد للوطن.

المجلس الإسلامي العلمائي:

أيّ نطق بحكم ظالم ضدّ المجلس الإسلامي العلمائي لو حدث لا يمكن أن يطاله إلا مقرًّا وتجمّعًا علمائيًّا في مقر ثابتٍ.

أما هو كيانًا علميًّا إسلاميًّا في بلد الإسلام والإيمان، ودورًا رساليًّا، ووظيفة اجتماعية، وإصلاحًا فاعلًا، ومسؤولية لابد للعلماء من تحمّلها فلا يمكن أن يمسّه إلغاء، أو يطاله حكم.

لا يمكن لأحد أبدًا أن يُلغي الدين من هذا البلد، ولا الوجود العلمائيّ الرّاسخ والواسع الذي ما فارقه تاريخُه، ولا يمكن تعطيل ممارسته لمسؤوليته المناطة به من ربّه تبارك وتعالى ولو ارتُكِبت في هذا السبيل مليون محاولة([19]).

والنطق بحكم من هذا النوع لن يُحمل إلّا على أنه استهداف بالإضرار بالوعي الديني، ومقاومةٌ للروح الرسالية، وضيق بكلمة الإصلاح، ومضادّة للوحدة الإسلامية والوطنيَّة، على أنه لا يمكن له أن يُحقِّق هذه الأغراض السيئة([20]).

والعلماء لا يجدون عذرًا لأنفسهم أمام الله سبحانه لو تعطَّل على يدهم شيء من وظائفهم الدينية المكلّفين بها إرضاءً لمشتهيات الآدميين وأمانيهم الباطلة.

المجلس سيبقى فاعلًا ومؤثّرًا وهاديًا ومصلحًا ضمَّت العلماء غرف وقاعات ثابتة أو لم تضمهم، ولن يأتي يوم يسكت صوتهم وصوت الشعب عن تضييع الحقوق ومنها حقّهم في الدور الذي يتناسب مع حجمهم وحجم وظيفتهم، وما عليه حاجة المجتمع إلى علمهم وكلمتهم. والعلماء وكلّ مسلم ومسلمة ليس لهم أن ينظروا إلى كلمة تنافي كلمة الله، ولا حكم يخالف حكمه.

النطق بهذا الحكم يعني تمامًا الاستفزاز، ومعاداة الدين، ومناهضة الحقّ، وسلب الحريّة الصالحة، وافتعال جوّ التوترات.

إنه لا حقّ، ولا مصلحة، ولا رشد، ولا احترام لدين الله عزّ وجلّ في النطق بحكم مضادّ للمجلس الإسلامي العلمائي، ولا منطلق له إلا سوء النية وسوء التقدير([21]).

اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم الطف بعبادك المؤمنين ولقّهم خير الدنيا والآخرة، وأعزّهم بعزّك، وأيّدهم بتأييدك، وارحم أمة الإسلام وأخرجها من الظلمات إلى النور يا رحمان يا رحيم.

اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، وفك أسرنا وسجناءنا، واشف جرحانا ومرضانا، ورد مبعدينا إلى أوطانهم سالمين غانمين في عزّ وكرامة.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([22]).

 

[1]تحف العقول ص45 ط2.

[2]– الكافي ج2 ص102 ط4.

[3]– الرحال تأتي بمعنى السفر، وهي في الأصل أماكن إيواء الشخص في حضره.

[4]– وما أعظم غدًا..! وهو يوم القيامة.

[5]– الأمالي للشيخ المفيد ص67 ط2.

[6]– بمعنى الخير أو الجنة.

[7]– جامع أحاديث الشيعة ج14 ص106.

[8]– لا تطلب أُلفة الآخر لك حتى تأخذ على نفسك ألفته ليكون آلفًا.

[9]جامع أحاديث الشيعة ج14 ص106.

تطلب ألفتهم بحسن خلقك، وبلينك، ومرونتك، وتعمل على صلاحهم.

[10]– سورة التوحيد.

[11]– ليس شيئًا عقلائيًّا أبدًا.

[12]– توجد هذه العقليّات.

[13]– هناك قضيتان: قضية أن يكون المقياس طائفيا، وقضية أخرى أن يتعدد المقياس الذي يُقام عليه الحل. نرفض الإثنين: نرفض مقياس الطائفية، ونرفض أن يكون هنا مقياس ومقياس آخر يتحكم في الأخذ بهما الهوى والمصلحة الفئوية.

[14]– هذه قضية ثالثة أن ينطلق الحل بلا مقياس متّفق عليه.

[15]– التعددية في المقياس.

[16]– وإذا تجاهله فستجبره الظروف على أن يُذْعِنَ لمقتضاها.

[17]– هذا شعار آخر قد يطرحه البعض.

[18]– نحن نفرّ من قضية الإكراه، الشعب يفر من نظرية الإكراه، ويُكره على معادلة ظالمة جائرة، هو يفر من هذه المعادلة، فهل يعود إليها؟

[19]– هتاف جموع المصلين (معكم معكم يا علماء).

[20]– هتاف جموع المصلين (هيهات منا الذلة).

[21]– والذي يفكّر في حلّ لمشكل البلد، لأزمة البلد لا يأتي في تفكيره أن يوقف عملية المجلس الإسلامي العلمائي.

[22]– 90/ النحل.