المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (583) 23 صفر 1435هـ – 27 ديسمبر 2013م

خطبة الجمعة (583) 23 صفر 1435هـ – 27 ديسمبر 2013م

مواضيع الخطبة :

الخطبة الاولى : الأمل

الخطبة الثانية : الحوار هدفًا – لقد أثنيتم على مانديلا – أذن تسمع وأذن لا تسمع

 

الخطبة الأولى

       الحمد لله الذي لا شيء في الوجود إلّا يشهد بفضله، وسبوغ نعمائه، وابتداء كرمه، وجزيل امتنانه. كيف لا وهو من خالص صُنعةه، وعظيم إبداعه، وحكيم تدبيره؟!

       الحمد لله الذي ما افتقد أحد نعمة إلّا استوجب منه ذلك أن يستذكر جليل ما أنعم به عليه، وكريم إحسانه إليه بما وهبه، ودرأ عنه، وحفِظه، وينبّهه أن حاجته إلى ربّه لا تنقضي، وافتقارَه إليه لا نهاية له، وشكره إليه وإن عظم قليل.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عباد الله افعلوا الخير، واستكثروا منه؛ فخيرُ ما صنع امرؤ لنفسه، لا يضيع عليه عند الله منه شيء، وما لم يُجزَ اليوم فهو مجزيّ غدًا بأعظم الجزاء وأكرمه. وما أكثر عبد من فعل الخير في هذه الحياة إلّا كَثُر خيره يومَ القيام في دار الخلود.

       ولنستكثر ما أتينا به من شرّ وإن قلّ؛ فإن عاقبة الشرّ سوءٌ عظيم. وكفى بالشرّ عاقبة سوء أنّه يَحْرِم من ذكر الله، ويُمكّن في القلب للشيطان الرَّجيم، ويُفقد النفسَ من هداها وصلاحها، وقدرتها على الاستقامة وسلوك الصراط القويم ما يعظم عليها أثر فقده في الدنيا ويوم الحساب.

       ومن استكثر قليل الشرّ واستبشعه وفزع منه استقام، ومن استسهله تمادى فيه وأنسه، وتضاعف على يديه.

       علينا عباد الله بتقوى الله وأن لا ينسينا الشيطان، ولا تلهينا الدّنيا عن ذكره فنكون من الغاوين.

       اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       ربّنا افعل بنا من جميل لطفك ما يجعل قلوبنا في منجى من الضلال، ونفوسنا في منأى من الغواية، وأتمم لنا نور الإيمان، وهدى البصيرة، وارزقنا الاستقامة في الدّين، وبلّغنا رضاك يا رحمان يا رحيم.

       أما بعد أيّها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فالحديث الآن هو حلقة أخرى من حلقات الحديث عن الأمل، ولندخل في الكلام في هذا المحور وهو:

       منتهى الأمل:

       من الآمال ما هو حقّ، ومنها ما هو باطل ومجرَّد خيال، ومنها ما هو كبير، وما هو صغير.

       وأحقُّ أمل، وأصدق أمل، وأعظم أمل هو أملٌ تعلّق بالله سبحانه الحقّ الذي لا حقَّ إلّا ما انتهى إليه، والمأمولُ الذي لا مأمول يعدله، وهو فوق كلّ ما يؤمِّله المؤمّلون، وما يمكن أن يصل إليه تطلُّعٌ ورجاء.

       فكلّ تطلّعٍ ورجاءٍ هو دون ما هو أهله، وما عليه عظيم قدرتِه، وكرمِه، ورحمتِه، وإحسانِه.

       الله منتهى الأمل:

       عن الرسول صلَّى الله عليه وآله في الدعاء:“يا رَبّاه يا سَيِّداه، ويا أمَلاه ويا غايَةَ رَغبَتاه، أسأَلُكَ يا اللّهُ يا اللّهُ يا اللّهُ ألّا تُشَوِّهَ خَلقي فِي النّارِ”([1]).

       وعن فاطمة عليها السلام من دعائها عقب صلاة الظهر:“يا أكرَمَ الأَكرَمينَ ومُنتَهى اُمنِيَّةِ السّائِلينَ، أنتَ مَولايَ فَتَحتَ لي بابَ الدُّعاءِ وَالإِنابَةِ، فَلا تُغلِق عَنّي بابَ القَبولِ وَالإِجابَةِ”([2]).

       وعن الإمام زين العابدين عليه السلام في مناجاة المفتقرين:“يا مُنتَهى أمَلِ الآمِلينَ، ويا غايَةَ سُؤلِ السّائِلينَ، ويا أقصى طَلِبَةِ الطّالِبينَ، ويا أعلى رَغبَةِ الرّاغِبينَ… لَكَ تَخَضُّعي وسُؤالي، وإلَيكَ تَضَرُّعي وَابتِهالي”([3]).

       أيُّ أمل من المحدودين مما يدخل في الخير، ولا يتعلَّق بظلم أو جهل أو منكر يَكبُرُ قدرة الخالق التي لا حد ّلها، ويتجاوزُ كرمَه الذي لا يبلغه كرم؟!([4])

       هذا من جهة، ومن جهة أخرى أيُّ مؤمَّل من دونه يمكن أن يتحقق على يده أملٌ من غير إذنه، وكلُّ الملك ملكه، ولا مشيئة لأحد إلّا بمشيئته؟!([5])

       فهو منتهى أمل الآملين.

       وهو أعلى رغبة الرّاغبين إذ لا رغبة بقيمة وسموّ وجمال وخير معرفته ورضاه.

       وهو سبحانه غاية آمال العارفين:

       عن الإمام عليّ عليه السلام:“اللّهُمَّ إلَيكَ حَنَّت قُلوبُ المُخبِتينَ([6])، وبِكَ أنِسَت عُقولُ العاقِلينَ، وعَلَيكَ عَكَفَت([7]) رَهبَةُ العالِمينَ، وبِكَ استَجارَت أفئِدَةُ المُقَصِّرينَ. فَيا أمَلَ العارِفينَ، ورَجاءَ الآمِلينَ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ الطّاهِرينَ، وأجِرني مِن فَضائِحِ يَومِ الدّينِ، عِندَ هَتكِ السُّتورِ، وتَحصيلِ ما فِي الصُّدورِ”([8]).

       القلب الذي يُوقن بالغنى المطلق لله، والقدرة المطلقة، والكمال غير المتناهي له سبحانه، وأن ليس لأحد من الخلق شيء من ذلك إلّا وكان محدودًا، وغير مملوك له ملكًا ذاتيًّا، وليس له استقلال به لحظةٌ انصرفت كلّ آماله إلى الله تبارك وتعالى، ولم يكن له مؤمّل في نفسه سواه.

       ولذلك جاءت المناجاة والنداء والدعاء عن أمير المؤمنين عليه السلام تتحدث كلّها عن أنه لا مؤمَّل غيرُ الله، ولا معوَّل إلّا عليه، ولا ثقة إلّا به.

       ومثل ذلك ما عن الأئمة المعصومين الآخرين كما في الدعاء عن الإمام العسكريّ عليه السلام:“اللّهُمَّ أنتَ غِياثي وعِمادي، وأنتَ عِصمَتي ورَجائي، ما لي أمَلٌ سِواكَ ولا رَجاءٌ غَيرَكَ”([9]).

       وما أروع الحديث عن المعصومين عليهم السلام وما أثراه ومنه الكثير في هذا المجال.

       ولنقرأ ما عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في ذكر فضل فاطمة عليها السلام يوم القيامة:“وَالَّذي نَفسي بِيَدِهِ، إنَّهَا الجارِيَةُ الَّتي تَجوزُ في عَرصَةِ القِيامَةِ عَلى ناقَةٍ رَأسُها مِن خَشيَةِ اللّهِ… فَيوحِي اللّهُ عز وجل إلَيها: يا فاطِمَةُ! سَليني اُعطِكِ، وتَمَنَّي عَلَيَّ اُرضِكِ، فَتَقولُ: إلهي أنتَ المُنى وفَوقَ المُنى”([10]).

       والناقة التي رأسها من خشية الله([11]) ناقةُ معرفةٍ عالية به سبحانه([12])، ويقينٍ بجلاله وجماله، وعمل صادق بتقواه([13]).

       وفاطمة لا تقترح في الحديث أمنية على الله تبارك وتعالى موكلةً ذلك إلى كرِمِه وإحسانه مما هو فوق ما تصله آمالها، معبّرة عن ذلك بقولها “أنتَ المُنى وفَوقَ المُنى” إنّه عزّ وجلّ فوق كلّ الآمال والمنى قدرةً وإحسانًا وكرمًا.

       جَعَلَ الله لكلّ شيء سببًا:

       جعل الله بحكمته وقدره لكلّ شيء سببًا، وجعل لكمال الإنسان، وبلوغه مقاصده الكريمة، ومراقيه العالية سببًا من سعيه([14])، ووسيلة من جهاده.

       والطريقُ إلى بلوغ الآمال الكريمة، ونيل المزيد من رحمة الله هو الطريق نفسه.

       فمن أسباب بلوغ الآمال الصالحة النبيلة:

  1. حسن النيّة:

عن الإمام عليّ عليه السلام:“جَميلُ النِّيَّةِ سَبَبٌ لِبُلوغِ الاُمنِيَّةِ”([15]).

فالأمنيةُ حيث تكون مرضيَّة لله سبحانه، والقصد منها كذلك يجد صاحبها توفيقًا من ربّه الكريم لبلوغها، ويكون منه السعي، ومن الله التوفيق.

  1. حسن العمل:

عن الإمام عليّ عليه السلام:“مَن أحسَنَ عَمَلَهُ بَلَغَ أمَلَهُ”([16]) وعنه عليه السلام:“مَن حَسُنَ عَمَلُهُ بَلَغَ مِن اللّهِ أمَلَهُ”([17]).

       فالجدّ في طلب ما يؤمِّل المؤمّل، وحسن السعي، وإتقان العمل، ودقّة المحاولة سبب لأن يُبلِّغ اللهُ العبدَ ما أمّل([18]).

       أمَّا الأماني التي لا يرافقها عمل من هذا النوع، ولا يُبذل من أجلها جهد، ولا تُحسَن المحاولة في السبيل إليها فتبقى أماني بلا واقع، وربما صارت إلى حسرات. فلنتعلّم ضرورة العمل وإجادته وإتقانه([19]).

  1. الصبر:

عن الإمام عليّ عليه السلام:“يَؤولُ أمرُ الصَّبورِ إلى دَركِ غايَتِهِ وبُلوغِ أمَلِهِ”([20]).

وعن الإمام الصادق عليه السلام:“إنَّ عيسَى بنَ مَريَمَ عليه السلام قالَ لِأَصحابِهِ: … بِحَقٍّ أقولُ لَكُم، إنَّكُم لا تُصيبونَ ما تُريدونَ إلّا بِتَركِ ما تَشتَهونَ، ولا تَنالونَ ما تَأمُلونَ إلّا بِالصَّبرِ عَلى ما تَكرَهونَ”([21]).

الصبر الذي يُعدّ مقدمة للوصول للأهداف، وتحقيق الآمال ليس من صبر الاسترخاء والإهمال والكسل، وإنما هو الصبر على التعب والمواصلةُ ببذل الجهد، وطولُ النفس في الطلب ما تطلّب الأمر ذلك، وعدمُ تعجّل النتائج قبل أوانها، وإتمام مقدِّماتها.

  1. العمل لدار البقاء:

عن الإمام عليّ عليه السلام:“نالَ المُنى مَن عَمِلَ لِدارِ البَقاءِ”([22])، “مَن عَمَرَ آخِرَتَهُ بَلَغَ آمالَهُ”([23]).

       من عمل للدّنيا نال منها، ومن عمل للآخرة لقي أجره فيها، وأمل الدنيا تحقُّقه يحتاج إلى العمل، وأمل الآخرة إنما يُطلب بالسعي كذلك.

       لكن ولأنَّ آمال الدُّنيا كأنّه لا قيمة لها لو قيست بآمال الآخرة نتج أن الآمال الحقيقية والتي تعدّ شيئًا عظيمًا إنما يُحقّقها العمل للآخرة لا ما كان عملًا للدّنيا، وأنّ من عمل للدنيا ناسيًا آخرته تخيب آماله، وتضيع أمانيه([24]).

  1. التأميل في الله:

عن الإمام عليّ عليه السلام:“مَن يَكُنِ اللّهُ أمَلَهُ، يُدرِك غايَةَ الأَمَلِ وَالرَّجاءِ”([25])، “مَن لَم يَكُنِ هَمُّهُ ما عِندَ اللّهِ سُبحانَهُ لَم يُدرِك مُناهُ”([26]).

“إنَّكُم إن رَجَوتُمُ اللّهَ بَلَغتُم آمالَكُم، وإن رَجَوتُم غَيرَ اللّهِ خابَت أمانِيُّكُم و آمالُكُم”([27]) ما على المؤمّل في الله الخير إلّا أن يسلك إلى ما أمّله السبيل الذي أمره تبارك وتعالى به، والله لا يخذله، وهو المتكفّل بتحقيق أمله، لا تنقصه القدرة، ولا يوجد ما يحول بينه وبين ما يريد([28]).

ومن أمَّلَ غيره أمَّل غير مالك ولا قادر([29])، وإن تحقَّق له شيء بما أمّله فإنه لم يتحقّق على يد مؤمَّله، إذ لا تَحقُّق لشيء كَبُر أو صَغُر إلا بإذن المالك القادر وهو الله وحده، ولا أحد سواه.

وكلّما يتحقَّق من تأميل غير الله من حطام الدنيا وزينتها لأنه لا بقاء له، ولا وزن بإزاء ما للآخرة من آمال فكأنه لم يتحقق به شيء من أمل صاحبه؛ إذ الأمل الحقُّ إنما هو أمل الآخرة.

فظهر صدقُ الكلمة عن أمير المؤمنين عليه السلام:“… وإن رَجَوتُم غَيرَ اللّهِ خابَت أمانِيُّكُم و آمالُكُم” من جهتين.

       الأولى أن ما يتحقق في هذا الفرض ليس من جهة المرجوّ وإنما محقِّقه الله سبحانه أما الأمل الذي تعلّق بغيره سبحانه فقد خاب من جهة كونه أملًا في ذلك الغير.

       والجهة الثانية أنَّ أيَّ أمل من آمال الدّنيا التي يتراءى توهُّمًا تحقّقها بتأميل غير الله سبحانه فالأملُ الحقُّ غيرها وهو أمل الآخرة.

       اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم أصلح نيّاتنا، وأحسن أعمالنا، ونقِّ آمالنا، وحقِّق فيك رجاءنا، واجعل لنا أملًا في رضوانك وأعنّا على السَّعي الدؤوب إليه، وبلّغنا ذلك يا جواد، يا محسن، يا كريم، يا رحمان، يا رحيم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}([30]).

الخطبة الثانية

       الحمد لله الخالق لا خالق سواه الرّازق الذي لا رازق عداه، المدبّر الذي لا مدبّر معه، الظاهر الذي لا يخفى، الباطن الذي لا يُدرَك، القريبِ الذي لا يَغيب، البعيد الذي إليه لا يُوصَل، والغيبِ الذي لا يُستكنه.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله الذي لا مفرّ لمن عصاه من عقابه، ولا قِبَلَ له بعذابه، ولا عديلَ لثواب من أطاعه، ولا ربحَ يَزنُ ربحَ العابدين له، والشقاءُ كلَّ الشقاء في الاستكبار عليه ومعاندته، والسَّعادةُ كلّ السعادة في الخضوع لكبريائه، والتواضع لعظمته.

       وكيف لنفس أن تخرج على تقوى الله وطاعته ولا مأوى لها خارج ملكه إذ لا ملك إلَّا ملكُه، ولا رزق لها إلّا ما رزقها إذ لا رازقَ غيرُه، ولا مبقي لها إلا هو إذ لا قُدرةَ لسواه، ولا حولَ ولا قوّة إلَّا به؟!([31])

       اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين المؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم اجعلنا نخشاك كأننا نراك، وأسعدنا بتقواك، ولا تشقنا بمعصيتك، ولا تحرمنا طاعتك، ولا تُفرّق بيننا وبين أهل وِلايتك، وبرّئنا من أهل عداوتك، واجعل منقلبنا إلى رضوانك والجنّة يا حنّان، يا منّان، يا متفضّل، يا كريم.

       اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى الصادق الأمين محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وعلى عليٍّ أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزَّهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القُدُس ياربّ العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، والممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا.

أما بعد أيها الأحبة في الله فإلى هذا الحديث:

الحوار هدفًا:

للحوار بين الحكومة والمعارضة هدف، وهدفه عند الحكومة غيره عند المعارضة وهما هدفان متعارضان لا يلتقيان، وتعارضهما يخلق حالة تعارض في وزن التمثيل المطلوب للطرفين، وفي جدول الأعمال والكثير من التفاصيل.

ولهذا التعارض لا ينشأ الحوار إلَّا وينهدم، ولا يُعاد إليه إلّا ويكون تراجعٌ وانفكاك.

الهدف عند المعارضة التوصُّل إلى حلٍّ من أيسر الطرق وأسلمها للوطن، والحفاظُ على مصلحته، والنأيُ به عن المزالق الخطيرة، وعن الفُرقة الاجتماعية، وسوء الفتن. ولمثل هذا الحوار توازناته ومعادلاته، ومقدّماته وأجواؤه، ورجاله مما يُهيء لنجاحه، ويعطيه المرونة، ويفتح أمامه فرص الإنجاز المطلوب وبأكبر سرعة ممكنة.

والهدف عند الحكومة تلميع الصورة، والتغطية على مآسي الواقع، وإعطاء فرصة سانحة لضرب كلّ القوى من غير صراخ ولا ضجيج، واستكمال كلّ الأهداف المخطَّط لها لإتمام السيطرة المطلقة على الشَّعب، وتنفيذ كلّ الخطط المعدَّة سابقًا لإحكام القبضة على كلّ المفاصل للعملية السياسية والوضع العام بالكامل، وتجفيف منابع القوة للفكر المعارض بصورة تامّة، وجرجرة المعارضة وكلّ الشعب إلى واقع عملي جديد مفروض تتضاعف صعوبة الخروج منه، والتخلُّص من هيمنته وقبضته، وإلى محطات معيّنة لعلها تجد فيها الفرصة لإحراج المعارضة لتملي عليها ما تريد.

ذلك إلى جنب ما قد يستهدفه الحوار من جهتها([32]) إلى إحداث الخلاف بين الأطراف المعارضة وضرب وحدتها، وكذلك إحداث البلبلة في صفوف الشعب والفتنة بين فئاته.

وما دام هذا التباين في الهدف بين المعارضة والسلطة، وما دام كلّ منهما ملتفتًا إلى الهدف عنده وعند الآخر فإنه لا يمكن أن نكون أمام حوار منتج يُعوَّل عليه.

وسواء كان حوار أو لم يكن حوار، استمر هذا الحوار بأي تركيبة أو لم يستمر ستبقى مصلحة الوطن معلّقة على تحقيق الإصلاح الجادّ القادر بما يحصل عليه من توافق شعبي غالب على إنقاذه([33]) من مأزقه والنفق الأسود الذي صار يفرض عليه ظلمته.

وكان الله في عون هذا الوطن وكلّ أوطان المسلمين التي تعصف بالكثير منها العواصف، وأصبحت مسرحًا للظلم والمذابح.

لقد أثنيتم على مانديلا:

دول كثيرة، وأنظمة كثيرة، ورؤساء وملوك وأمراء كثيرون أثنوا على مانديلا. أثنوا عليه ظاهرًا لقدر ما كان يراه من الاحترام لإنسانية الإنسان، ومن توقه للحرية التي كان يؤمن بها، ولمناداته بالمساواة وعدم التمييز بين الناس من غير مائز الكفاءة.

وأثنوا على مانديلا ظاهرًا على انتهاجه لمنهج السلمية في المطالبة بالحقوق، وعدم ميله للانتقام بعد انتصاره.

فيا أيها الذين أثنوا على مانديلا في كل ذلك أينكم أنتم من ذلك؟

أنت يا حكومات الدول الغربية الكبرى وقد عظّمت من شان مانديلا لمطالبته بالحريّة والمساواة والتزامه بالأسلوب السلمي، ولمناهضته للتمييز الظالم ما هو موقفك من الحكومات التي تُجهض صوت الحرية للشعوب، وتنتهج سياسة التمييز، وتذل الشعوب، وتستأثر بالثروة، وتقمع المعارضة السلمية، وتغتصب الحقوق، وتسلب الأمن، وتُكرِّس الاستبداد والدكتاتورية؟

ألستم تغازلون هذه الأنظمة المستبدّة والحكومات الظالمة مغازلة سياسية ناعمة، وتغرونها بصورة عملية فاعلة من خلال الدعم العملي والثناء المسرف، والتأكيد على الصداقة والعلاقة الأساسية معها، والإمداد بالسلاح الفتّاك؟

أمّا ما يأتي من كلمات منكم تتحدث عن قيمة إشراك الشعوب في إدارة شأنها، والاعتراف بالحقوق، وبحرية التعبير عن الرأي، والتخلّي عن القمع المبالَغ فيه، والمحاكمات العادلة فهو فاقد لقيمته على المستوى العملي في ضوء الدعم العملي المساند لسياسات الحكومات المناقضة لهذه المفردات بكاملها، إلى جنب أن هذه الكلمات لا تقولونها غالبًا إلَّا مصحوبة بتطييب خاطر هذه الحكومات الظالمة المخاطَبة بها وتطمينها، وإدانة الشعوب تكبير أخطائها.

وأنتم يا رؤساء آخرون ويا أمراء ويا ملوك ممن أثنيتم على مانديلا في جهاده ضد العنصرية والتمييز كيف تُعذّبون من كان جهاده هذا الجهاد، وإنكاره لما أنكره مانديلا؟! وكيف يكون في سياستكم السجن، والحرمان من الرزق، ومن التعليم، والمطاردةُ، والتنكيلُ، والقتلُ، والتعذيب لمن طالب بالحرية والحقوق للشعوب والمساواة كما طالب بذلك مانديلا وأنتم تكبرون فيه ذلك كما تزعَمون؟!

هل الاستئثار بالسلطة، والاستحواذ على الثروة، وحرمان الآخرين وتهميشهم، والتمييز، وسلب الحرية جريمةٌ وظلم وعدوان وتخلّف من حكومة التمييز العنصري التي كانت لها السيطرة في جنوب أفريقيا، وفضيلة وعدل وإنصاف وتقدّم حين يكون ذلك منكم وعلى أيديكم؟!([34])

وهل مطالبة مانديلا مما طالب به من حرية، ومساواة وعدم تمييز فضيلةٌ وعدل وحقّ، وهذه المطالبة نفسها من شعوبكم رذيلة، وظلم وباطل؟! وتلك تستحق التقدير والاحترام وهذه يُستحق به النكال والعقاب؟!

وهل سلمية مانديلا لها كلُّ التقدير والثناء، وللسلميّة من شعوبكم الفتك والمحق؟!

وأنتَ يا غرب كيف اختلف عندك الأمران؟!

بعد هذا أنتم جميعًا اعذروا من يظنّ بأن ثناءكم لدور مانديلا وكفاحه ما هو إلا ضرب من ضروب النفاق. وللسياسة الدنيوية نفاق كثير عريض طويل حسبما تقتضيه طبيعتها.

أذن تسمع وأذن لا تسمع:

أسقطت الثورات العربيَّة نظامًا سياسيًّا وآخر، وثالثًا وكان في ذلك إنذار شديد بزَلْزَال أوسع وأشمل، زَلْزَالًا لا يبقى شيئًا من قديم النّظام العربي ولا يذر.

ولكنّ الذي حصل كأنّ أُذنَ حكومة سمِعَت به، وأذنَ حكومة أخرى لم تسمع.

أكثر من حكومة سارعت لوضع السّدود دون الطوفان، وأكثر من حكومة – وهي الأكثر – لم ترَ أن تحتاط بشيء من المداراة لشعوبها، أو التعديل لما عليه أوضاعها من عِوَج وانحراف، واعتمدت منطق الغاب والنابّ والبطش والقوّة، وتركت الأبواب مفتوحةً على مصراعيها لدخول الصِّراع واقتحامه لحدودها حتّى إذا ما بدأ أوّلُ التحرُّك لشعوبها واجهتها بالحديد والنّار، واستمرَّت لاتنفكُّ عن أسلوب العنف والشدّة والإرهاب([35]).

بعض الأنظمة اعتمدت شيئًا من الإصلاح والتنازلات السياسيّة لدرأ امتداد الحريق لحدودها، وبعض آخر رأى درأ الخطر في الترضية بالمال.

والأنظمة الأخرى اعتمدت كليًّا ابتداءً واستمرارًا في مواجهة الأزمة على أسلوب العنف والإرهاب والبطش والفتك والمزيد من التهديد والوعيد وكأنَّ هذه الأنظمة الأخيرة لم تسمع جديدًا على الأرض، ولم ترَ تغيُّرًا في أوضاع الشعوب، ولا أيَّ حادث لعددٍ من الأنظمة، وكأنّها لم تسمع كذلك عمّا كان من بعض الأنظمة من مبادرة لإصلاح سياسي معيّن احتياطًا لنفسها، وتحصينًا لوجودها، أو لم تلتفت إلى أنَّ الأنظمة التي أسقطتها الثورات العربية إنما هي الأنظمة التي اختارت مواجهة الثورات فيها بالحديد والنَّار ومختلَف أساليب العنف والإرهاب.

ثم إنّه كأنّه لا التفات عندها أن استقرار أيّ سلطة على قاعدة أخذها بالعنف وسياسة البطش والتنكيل يعني لا استقرار، ويحمِل معه بذرة زواله، والعودة إلى الاهتزاز.

نحن البشرَ يقتلنا الغرور، ولباسُ الاستكبار يُهلِكنا، والاعتزاز بالإثم طريق المذلة للإنسان.

اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم اكفنا شرّ أنفسنا وشرّ كلّ ذي شر، وادرأ عنّا ما نحذر وما لا نحذر، ولا تحبس عنا نصرك بما قصّرنا وأذنبنا ونسيناك في شدّتنا يا رحمان يا رحيم يا غفور يا جواد يا كريم.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([36]).

 

[1]– مكارم الأخلاق ص345 ط6.

[2]فلاح السائل ص175.

[3]– الصحيفة السجادية ص416 ط1.

[4]– هل من أمل عندك من آمال الخير يمكن أن يصل إلى ما عند الله من خير ومن عطاء ومن كرم؟! كل ما ندعو به من خير هو دون ما عند الله سبحانه وتعالى، من الخير والقدرة والكرم.

[5]– أنتَ حين تؤمّل فلانا، أنا حين أؤمّل فلانًا هل تعلّق أملي بفلان إلَّا من تعلّق الأمل بالله؟ إذا أُعطيت شيئا من تأميل أيّ مؤمَّل فممن أُعطيته؟! من المؤمَّل أو ممن نسيته وهو الله سبحانه؟ لا شك من الله، لا أحد يملك شيئا وإلّا ما ملكه سبحانه، ولا أحد يعطي شيئًا إلّا بإذنه وإرادته.

[6]– الإخبات: الخشوع والتواضع.

[7]– عكف على الشيء: أقبل عليه مواظبًا لا يصرف عنه وجهه وقبل أقام.

[8]– بحار الأنوار ج84 ص242 ط3 المصححة.

[9]بحار الأنوار ج99 ص239 ط3 المصححة.

[10]بحار الأنوار ج27 ص140 ط3 المصححة.

لا تطلب شيئا.

[11]– الحديث يتحدث عن ناقة رأسها من خشية الله.

[12]– ليست ناقة ذهب وفضة وما إلى ذلك التي يبلغ بها كل كرامة أعدّها الله لأوليائه. هذه ناقة المؤمن، وهي ناقة فاطمة عليها السلام.

[13]– وهذا هو الذي يعبر بالإنسان كلّ صعوبة

[14]– أي من سعي الإنسان.

[15]– عيون الحكم والمواعظ ص221 ط1.

[16]المصدر السابق ص446.

[17]– موسوعة معارف الكتاب والسنة ج4 ص81 ط1.

[18]– أأمل وأكتف اليد، وأقعد؟! ليس من سنّة الله عز وجل في الناس أن يصل بي هذا الأمر إلى نتيجة.

[19]– ولا بد من التوكّل على الله سبحانه وتعالى والثقة به.

[20]– المصدر السابق ص82.

[21]تحف العقول ص305 ط2.

[22]– عيون الحكم والمواعظ ص497 ط1.

[23]المصدر السابق ص455.

قد تُبلغ الدنيا بسعي لها، ولكن من بلغ أملا من آمال الدنيا، وإن كان كبيرا فهو ليس بشيء. وكأنّه لم يبلغ شيئا على الإطلاق. وهذا ما تعنيه الأحاديث فيما يظهر.

[24]– لأنّ ما حصل عليه من آمال الدنيا سيكتشف في يوم من الأيام بأنه ليس بشيء؛ لا قصره، ولا ملكه، ولا شهرته كانت بشيء.

[25]المصدر السابق ص436.

[26]المصدر السابق ص433.

[27]المصدر السابق ص175.

[28]– ثمّ إنه لا يُخلف ما وعد.

[29] حتى يعطيك مؤمَّلك شيئا لابد أن يكون قادرا ومالكا، ولا أحد غير الله سبحانه وتعالى يملك شيئا أو يقدر على شيء.

[30]– سورة التوحيد.

[31]– ومع كلّ ذلك فنفوسنا تتفلّت عن طاعة الله، وتستكبر على الله. فيا قبح النفس وهي تفعل ذلك!

[32]– أي من جهة الحكومة.

[33]– أي الوطن.

[34]– هناك جريمة، وهنا فضيلة؟!

[35]– في قبال تلك التحركات.

[36]– 90/ النحل.