المُقاوم
الرئيسية » خطب الجمعة » خطبة الجمعة (574) 19 ذي الحجة 1434هـ -25 أكتوبر 2013م

خطبة الجمعة (574) 19 ذي الحجة 1434هـ -25 أكتوبر 2013م

مواضيع الخطبة :

الخطبة الاولى : البخل

الخطبة الثانية : الشعب يقول – خليل المرزوق: السجن والإفراج – يوم إكمال الدين

 

الخطبة الأولى

       الحمد لله مالكِ الأمر، ولا يملِك أحدٌ من دونه أمرًا، ولا من يقدّم أو يؤخّر سواه، وكلّ المقادير بيده، ولا فعل خارج إذنه، ومصائر كلِّ الأشياء معلومةٌ لديه، وما من شيءٍ إلّا وهو منتهٍ إليه، ولا فِعلَ من فعله إلّا لحكمة، وكلُّ خلقِهِ بِقَدَرٍ معلوم، ووزنٍ موزون، وكلُّ أَجَلٍ مما كتب قد قدّره تقديرًا فلا يتجاوز ما قدَّر له، ولا يتخلَّف ولا يتقدَّم.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله ليفعل العبادُ في الحياة الدّنيا ما يفعلون فكلُّ ما فعلوا معلومٌ لله ربّ العالمين، ومحسوبٌ، ومرصود، ومكتوب لا يضيع منه وزنُ ذرّة، والكلُّ مُلاقٍ يوم الجزاء وهم فيه لا يظلمون.

       وفرقٌ بين من قدَّم لنفسه خيرًا، ومن قدَّم لغده السوء، والفرقُ بين ما قدّمت يدُ الخير عن يد الشرّ هو فرقُ ما بين الجنّة والنّار، وما بين السَّعادة والشّقاء، وحياة الظُّلمة لمن أساء، وما للمحسن من حياة النور.

       فلنطلب عبادَ الله حُسْنَ العاقبة، والمنقلبَ الحميد بالتزام طاعة المولى الحقّ عزَّ وجلَّ وتقواه ما دمنا على قيد الحياة.

       ربَّنا زدنا هدى، وتوفيقًا لمراضيك، وتمسُّكًا بطاعتك، ونأيًا عن معصيتك، واجعل بقية عمرنا في سبيلك، وجهادنا خالصًا فيك، ويقيننا بكامل دينك تامًّا، وسعينا عندك مقبولًا، وعملنا لديك مشكورًا، وتفضّل علينا بقربك يا أكرم الأكرمين، فقربُك قرّة عين المؤمنين.

       اللهم صلّ وسلِّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       أما بعد يا أخوة الإيمان فإلى حلقة جديدة من الحديث في موضوع البخل:

       والحديثُ لا زال في الآثار السّيئة التي تنال البخيلَ نفسَه والمضِرّة بشخصيته وراحته، ودنياه وآخرته مما يجعل كدّه وكسبه للمال وجمعه له وحفاظه عليه سببًا لشقائه وإقلاقًا لحياته، وعاقبة السوء بعد مماته.

       واستمرارًا لذكر هذه الآثار التي تقدّم جزء من قائمتها ينضاف ما يأتي:

       البخل يجلب المسبّة:

       من عزَّ عليه عِرضه، وهمَّه شرفَه لم يتسبّب عن تقصيرٍ ظالمًا لنفسه في أنْ يكون مسبّةً في النّاس، ونيل الكثيرين من عِرضه، والطعن فيه، والتشهير بلؤمه، وبُغْض النّاس وأهل السماوات له.

       ومرتكبُ البخل والمتلبّسُ به يفعل بنفسه مختارًا عن استخفاف بِقَدْر نفسه كلّ هذا السوء والسمعة السيئة.

       وكَثُرت الأحاديث الواردة عن أهل بيت العصمة في هذا المعنى فمن ذلك:

       ما ورد عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله:“البَخيلُ مُبَغَّضٌ فِي السَّماواتِ، مُبَغَّضٌ فِي الأَرضِ”([1]).

       “خَلَقَ اللّهُ اللُّؤمَ، فَحَفَّهُ بِالبُخلِ وَالمالِ”([2]).

       خَلَقَ الله عزّ وجلّ في نفس الإنسان حبَّ الحياة والبقاء في الدنيا، وحبَّ أسبابهما ومنها المال، والقوّة وكلُّ ذلك رحمة من الله سبحانه وحكمة؛ فلو لا هذا الحب والاستمساك بالحياة لهانت على كلِّ نفس فألفت بنفسها إلى الهلكة من غير أيّ تأمُّل واكتراث، ولم تدُم الحياة.

       وحبُّ الحياة والبقاء والاعتزاز بالمال يُفسد إذا طغى. والخروجُ على الإيمان، والتخلّي عن المنهج الإلهي في التربية هو الذي يُطغيه ويتجاوز به إلى الحدّ الذي يستعبد الإنسان، ويُنسيه شرفه، ويُسقط قيمته، ويضيع معه هدفُه.

       والبُخلُ يُظهر لؤم المرء وخسّته وعبوديته للدّنيا، ويزيده ترسُّخًا، ويمدّه بالعمق والتركّز.

       ونقرأ عن الإمام عليّ عليه السلام من الكثير الذي ورد عنه في هذا الباب هذا المقدار اليسير:

       “بِالبُخلِ تَكثُرُ المَسَبَّةُ”([3]).

       “البُخلُ يوجِبُ البَغضاءَ”([4]).

       “جودُ الرَّجُلِ يُحَبِّبُهُ إلى أضدادِهِ، وبُخلُهُ يُبَغِّضُهُ إلى أولادِهِ”([5]).

       “البُخلُ عارٌ”([6]).

       “البَخيلُ ذَليلٌ بَينَ أعِزَّتِهِ”([7]).

       “يُستَدَلُّ عَلَى اللَّئيمِ بِسوءِ الفِعلِ، وقُبحِ الخُلُقِ، وذَميمِ البُخلِ”([8]).

       “البَخيلُ يَسمَحُ مِن عِرضِهِ بِأَكثَرَ مِمّا أمسَكَ مِن عَرَضِهِ، ويُضَيِّعُ مِن دينِهِ أضعافَ ما حَفِظَ مِن نَشَبِهِ”([9]). والعَرَض: متاع الدّنيا وحطامها. والنَشب: المال والعقار.

       وعنه عليه السلام في الحكم المنسوبة إليه:“صَديقُ البَخيلِ مَن لَم يُجَرِّبهُ”([10]).([11])

       وإذا سادَ البخلُ مجتمعًا أفسده، ودفع فقراءَ ذلك المجتمع إلى بيع دينهم وارتكاب أنواع الجرائم طلبًا لما يعيشون به حتى يوغلوا في الرذيلة والفساد، ويكونوا عونًا لكلّ ظالم، ويدًا لكل آثم.

       تقول الكلمة عن الإمام عليّ عليه السلام:“إذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنياه”([12]).

وإنّ البخل ليُقطّع الأرحام، ويهدم أمتن الصِّلات.

       عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:“إيّاكُم وَالشُّحَّ وَالبُخلَ، فَإِنَّهُ دَعا مَن قَبلَكُم إلى أن يَقطَعوا أرحامَهُم فَقَطَعوها، ودَعاهُم إلى أن يَستَحِلّوا مَحارِمَهُم فَاستَحَلّوها، ودَعاهُم إلى أن يَسفِكوا دِماءَهُم فَسَفَكوها”([13]).

       وما أضرّ البخلَ بدين صاحبه، وما أفتكه به، وما أسوأ أثره وآلم عاقبته يوم المصير!!

       فمما يلحقه البخل بدين صاحبه من سوء ما يأتي:

  1. خذلان المولى عزّ وجلّ([14]):

{وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}([15]).

       وهذا التيسير للعسرى جاء فيه عن الإمام الباقر عليه السلام أن البخيل المكذِّب بأنَّ الله عزّ وجل يعطي العبد بالحسنة الواحدة عشرًا إلى مائة ألف فما زاد لا يريد شيئًا من الشرّ إلا يسّره الله سبحانه بسلبه التوفيق، وبخذلانه له أمامه، وأمّا تردّيه ففي نار جهنم([16]).

  1. الإنفاق في ما يسخط الله عزّ وجل:

عن الإمام الباقر عليه السلام:“من بخل بمعونة أخيه المسلم والقيام له في حاجته ابتُلي بمعونة من يأثم عليه ولا يؤجر”([17]).

       “لم يبخل عبد ولا أمة بنفقة فيما يرضي الله عزّ وجل إلّا أنفق أضعافها فيما يسخط الله عزّ وجلّ”([18]).

       وكثيرًا ما يبخل بخيل على الخير فيبذل ما بخل به وأضعاف ما بخل به في الشرِّ ليفوته ثواب الكريم تبارك وتعالى، ويبوء بسخطه وعقابه.

  1. حبط الأعمال([19]):

عن الإمام الصادق عليه السلام:“ما رأيت شيئًا هو أضرُّ في دين المسلم من الشح”([20]).

  1. محق الإيمان:

عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:“ما يمحق الإيمان شيء كتمحيق البخل له”([21]).

وعن الإمام الباقر عليه السلام قال رسول الله صلّى الله عليه وآله:“ما محق الإسلام محق الشح شيء. ثم قال: إن لهذا الشح دبيبًا كدبيب النمل، وشعبًا كشعب الشرك”([22]).

فالشح شديد الفتك بالإيمان، وله تأثيره الخفيّ الذي يأتي عليه.

  1. نقض عهد الله:

ليس أعظم خسّة ولا جرأة ولا سفهًا وغرورًا من أن يعاهد عبدٌ ربَّه الحقَّ وهو الله سبحانه ثم يُقدم على نقض عهده، ويتمرَّد على ربّه، ويتولّى ويُعرض عنه.

       والبخل يحمل صاحبه على هذا الموقف المهلِك ويُوقعه فيه. فهل يُبقي هذا الخُلُق الذّميم لصاحبه شيئًا من خير، وذرّةً من عقل وهو يفعل به كلَّ ذلك، ويصير به إلى هذا السَّفه والجنون، ويُسقطه في أحطّ حضيض؟!

       يقول الكتاب الكريم:{وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ}([23]).

       وعنه صلّى الله عليه وآله:“إن صلاح أول هذه الأمّة بالزهد واليقين، وهلاك آخرها بالشحِّ والأمل”([24]).

       في الشح هلاك الدين، وفي انتشاره في المجتمع تفكُّكه، وتواثب بعضه على بعض([25]).

       اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم برِّئنا من خلق اللئام، وزيّنا بخلق الكرام، واجعلنا أهلًا لرحمتك الآخذين بطاعتك، المفارقين لمعصيتك، الساعين إليك، المرضيين لديك يا كريم، يا رحمان، يا رحيم.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}([26]).

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي لا غَيريَّة لصفاته عن ذاته، ولا لذاته عن وجوده، ولا واقع للتعدُّد في ما لَهُ من صفات، وكلّ صفاته صفات جمال وجلال، وكلّ جماله بلا حدود، وكلّ جلاله بلا نهاية.

       ولا وجود لشيء لولا وجوده، ولا حياة لحيّ إلّا من حياته، ولا نور أبدًا إلا من فيض نوره.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله في الدنيا نجاحات، وفيها فشل. وكلُّ نجاحاتها مما يُؤدّي إلى خسران في الآخرة إنما هي فشل، وكلّ فشل من فشلها فيه نجاح الآخرة إنما هو نجاح.

       وقد رأى إمام المتقين عليّ عليه السلام أكبر ما يطمح له الطامعون فيها بمنزلة عفطة عنز؛ فاحذروا أيها المؤمنون من غرورها كما كان قد حذِرَ منها عبادُ الله الصّالحون، واختاروا ما اختاره الله لكم بعلمه ورحمته وحكمته من تقديم الآخرة على الدُّنيا، واشتروا بها النجاةَ من العذاب، والفوزَ بالدرجات العُليا يوم المعاد.

       ومن أنفق العمرَ في طاعة الله وتقواه كان من الرَّاشدين.

       أعذنا ربَّنا من أن يستزلّنا الشَّيطان عن طريقك، وينحرف بنا الهوى عن هداك، وتميل بنا الدنيا عن شيء من طاعتك إلى معصية من معاصيك.

       اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين الصادق الأمين، وعلى علي أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين؛ حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيِّده بروح القُدُس ياربّ العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا.

       أما بعد أيها الأعزّاء الأخوة في الله فإلى بعض كلمات:

الشعب يقول:

       لا بديل لا بديل لا بديل… عن الإصلاح لا بديل… وإنْ طال الطريق، وتضاعفت الخسائر لا بديل.

       يقول جهادُنا دائم حتّى الحلّ العادل ونيل الحقوق… حتى نأمنَ على ديننا وعزّتنا وأعراضنا وننال حقوق المواطنة كاملة غير منقوصة، وحتّى تكون لنا كلمةٌ مسموعة في سياسة وطننا، وما يعنينا من مصير. يقول لا حلَّ وواحد من أبنائنا وبناتنا الأبرار داخل السجون.

       يقول أنْ لا حياة في هوان، وأنَّ الموتَ في عزّةٍ حياة، والحياةَ في ذلٍّ موت أكبرُ، وعار.

       يقول لا ظلم لأحد، ولا ظلم من أحد، والإرهاب الظالم إرهابَ يدٍ أو لسانٍ كان وأيَّ نوعٍ منه يكون، حرامٌ على الجميع، وأيّ إرهاب أبشع من القتل خارج القانون، وأيّ إرهاب أشدّ من قوانينَ تُشرَّع للظلم، ومحاربة الحريّة، ومنع الحقوق؟!

       الشعب يقول من لم يكن له من حكومات العالم دين فلتكن له بقيّةٌ من قِيَم الإنسانية وبقية من ضمير فلا يشتري مصالحَه الماديةَ بتصدير الموت لهذا الشعب المسالم، والغازات السامة التي تُغطي سحبها القاتلة سماء هذه الأرض لتحصد ما تحصد من نفوس الأبرياء، وتقتحم بالموت والأمراض الفتّاكة بيوت وغُرَفَ الآمنين في أيِّ ساعة من ساعات الليل والنهار.

       يقول لهذه الحكومات إن لم تنصروا المظلوم فلا تكونوا عليه عونًا للظالم.

       الشعب يقول لا تمثيل من أحد له من معارضة أو معارض يكون له رأي خارج رأيه، وخيار على خلاف خياره، وموافقة على حلٍّ خلاف موافقته. ولا إصلاح كما تقدّم وواحد من أبنائه وبناته في السجون([27]). يقول لابد من إصلاح يعطي موافقته عليه، ويرضاه ولو بأغلبيته.

       شعبٌ هذا مطلبه، وهذا إيمانه وعزمه، وهذه إرادته وتضحيته، وهذا إباؤه وتصميمه، وهذه سلميّته وعقلانيته، وهذا حرصه على العدل مع الجميع، والأخوّة بين الجميع، وإيصال الحقوق للجميع لا يُتوقّع له إلّا النصر، ولا ينتظره إلا الظفر بإذن الله([28]).

       شعبٌ لا يبتغي إلّا إصلاحًا، ولا يستهدف ظلمَ أحد أبدًا، ولا يستبيح دمًا حرامًا، ولا هدر مال عامّ أو خاص تعدّيًا لابد أن يكون الله معه وفي عونه، ويُتحفه بنصره، ويعزّه بعزِّه.

خليل المرزوق: السجن والإفراج:

كان سجنه ظلمًا، خنقًا للكلمة الحرَّة، أخذًا بالعنف، استخفافًا بالحقوق؛ بكرامة الإنسان، بقيمة المواطنة، بحرمة المسلم، بموازين الدّين، بركيزة العدل([29]).

وكان مواجهةً لعقلانية الكلمة، وللرأي الإصلاحي، والطرح المتوازن، والدعوة إلى السلميّة.

وجاء الإفراج عنه أقرب إلى التعقُّل والحكمة والصَّالح السياسي، وأبعد عن الاستفزاز وإنكاء جروح السَّاحة.

والإفراج حقٌّ لكلّ سجناء الشعب من أحراره وحرائره الذين تقبرهم السجون، وتصادر حرّيتهم لكلمة حق قالوها، ولحق شعب مظلوم طالبوا به.

والتعقُّل والحكمة والصالح السّياسي، وسلامة الوطن وربحه، وطلب الحل للأزمة المهلِكة التي يمر بها، ورعاية الدين والحق والعدل في الإفراج عن كلِّ الأحرار والحرائر ممن طالبوا بحقوق هذا الشعب من أبنائه وبناته([30]).

يوم إكمال الدين:

{… الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا…}([31]).

كلام الله سبحانه لا ريب فيه وقد أخبر سبحانه ممتنًّا على عباده بإكمال الدين وإتمام النعمة ورضاه بالإسلام الذي أتمّ إنزاله.

والدين عقيدة وشريعة تغطي كلَّ حاجة الحياة للأحكام. وهو رؤى محدّدة وأهداف مرسومة وخلق كريم ومنهاج كمال شامل يأخذ بالعباد في اتجاه خالق العباد وعلى طريق العبودية الخالصة لوجهه الكريم.

ولمن أُكمل الدين؟ الآية تقول لكم، وليس لرسول الله صلّى الله عليه وآله وحده.

ونحن نعلم تمامًا أن المسلمين في زمن الرسول صلّى الله عليه وآله لم يكونوا كلّهم ولا جلّهم على علم تامّ بالدين ولم يكونوا على فهم واحد وبمستوى واحد لعقيدته، ولا إلمام كامل بأحكامه التي كانت محلّ الحاجة حين ذاك، فضلًا عن أن يكونوا على علم تام بالدين بعد رحيله (ص) إلى جوار ربّه الكريم وإلى يوم الدين، وإلى أن تنتهي الأرض، وتُطوى السماوات.

هذا وإنَّ أحكامًا كثيرة من أحكام الدين لم تُكتشف الحاجة إليها ولم تَرِدْ في ذهن الأمة إلا مع امتداد الزمن ومُضيّ السنين([32]).

لكن كان علمُ رسول الله (ص) بتمام الدين يُموّن الأمة بحاجتها، ويرفع الخلاف بينها في الدّين، ويُوفّر لها العلم الدقيق به([33]).

وهل الامتنان الإلهي بإكمال الدين وإتمام النعمة والإسلام المرضيّ خاصٌّ بالأمّة زمانَ حياة النبي (ص) فحسب؟!

حاجة الأمة إلى الدين الكامل وإتمام النعمة لا تنتهي والرأفة الإلهية شاملة وامتنانه سبحانه بهذه النعمة الكبرى وهي منطلق كلِّ النعم قائم ما دام للأمة وللإنسانية وجود.

ولا قائلَ أنَّ الأمة بأعدادها المتزايدة وبسعتها اليوم تتوفّر فهمًا على الإسلام الكامل الذي امتنّ به الله سبحانه على عباده([34]).

وينتج من صدق إخبار الله سبحانه بإكمال الدين ومن عدم توفّر الأمة على مستوى علمائها فضلًا عن عامّتها على فهم الدين الفهم الكامل الدقيق المطابق لواقعه أن يكون هذا الإكمال للأمة في امتدادها على المستوى الذي كان عليه زمن رسول الله صلّى الله عليه وآله([35]) حيث كان عالمًا به تمام العلم وكان المرجع المأمون المتيقّن الذي بالرجوع إليه يرتفع الخلاف ويتجلّى الإسلام الحقّ.

ويتحتم بهذا تعيُّن القول بلزوم وجود المعصوم بعد النبي صلّى الله عليه وآله والدلالة عليه وتعيينه من قِبَل الله سبحانه على لسان رسوله (ص) بوحي قرآني أو بوحي على مستوى سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وتعيُّن مرجعيته للأمة في أخذها للإسلام، ولزوم طاعته([36]).

اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

ربنا هب لنا من هداك ما يكشف عنّا كلّ شك وريبة في الدّين، ولا تُزِلّ لنا قدمًا عن صراطك يا حنّان يا منّان يا رؤوف يا رحيم.

اللهم ارحم شهداءنا وموتانا، وفك أسرنا وسجناءنا، واشف جرحانا ومرضانا، ورد غرباءنا سالمين غانمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([37]).

 

[1]– الكافي للكليني ج4 ص39 ط3.

[2]– كنز العمال ج3 ص453.

[3]عيون الحكم والمواعظ ص187 ط1.

[4]موسوعة معارف الكتاب والسنة ج7 ص164 ط1.

[5]المصدر السابق ص222.

[6]نهج البلاغة ج4 ص3 ط1.

[7]موسوعة معارف الكتاب والسنة ج7 ص165 ط1.

[8]عيون الحكم والمواعظ ص555، ط1.

[9]موسوعة معارف الكتاب والسنة ج7 ص166 ط1.

[10]شرح نهج البلاغة ج20 ص292.

[11]فإذا جرّبه خرج من صداقته.

[12]– عيون الحكم والمواعظ ص370 ط1.

[13]– موسوعة معارف الكتاب والسنة ج7 ص167 ط1.

والآن نجد أمام أعيننا من فعل البخل الكثير.

[14]– البخيل يخذله الله.

[15]– 8-11/ الليل.

[16]– نص الحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السلام: “بِأَنَّ اللّهَ تَعالى يُعطي بِالواحِدَةِ عَشَرَةً إلى مِئَةِ ألفٍ فَما زادَ {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} قالَ: لا يُريدُ شَيئا مِنَ الخَيرِ إلّا يَسَّرَهُ اللّهُ لَهُ {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَ اسْتَغْنَى} قالَ: بَخِلَ بِما آتاهُ اللّهُ عَزَّ وجَلَّ {وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنَى} بِأَنَّ اللّهَ يُعطي بِالواحِدَةِ عَشَرَةً إلى مِئَةِ ألفٍ فَما زادَ {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} قالَ: لا يُريدُ شَيئا مِنَ الشَّرِّ إلّا يَسَّرَهُ لَهُ {وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} قالَ: أما وَاللّهِ ما هُوَ تَرَدّى في بِئرٍ ولا مِن جَبَلٍ ولا مِن حائِطٍ، ولكِن تَرَدّى في نارِ جَهَنَّمَ”.

[17]– الكافي للكليني ج2 ص365، 366 ط4.

[18] المصدر السابق ج4 ص43 ط3.

[19]– يعني: إبطال الأعمال.

[20]مستدرك الوسائل للنوري ج7 ص31 ط2.

[21]المصدر السابق ص27.

[22]الكافي ج4 ص45 ط3.

[23]– 75، 76/ التوبة.

[24]الأمالي للشيخ الصدوق ص298 ط1

[25]– بالبخل تثب جماعات الفقراء على الأغنياء، ولا يمكن أن يستمرّ وضع واقعه الطبقية الفاحشة على ما هي عليه، فلا بد أن تثور ثائرة الفقراء لتغيّر مثل هذا الوضع.

[26]– سورة التوحيد.

[27]– هتاف جموع المصلين (لن نركع إلا لله).

[28]– هتاف جموع المصلين (طال الزمن أو قصر، الشعب سوف ينتصر).

[29]– شأنه في ذلك شأن ألوف المعتقلين.

[30]– هتاف جموع المصلين (نطالب بالإفراج عن المساجين).

[31]– 3/ المائدة.

[32]– فكيف يصدق أنّ {أتممت لكم دينكم} للأمة وليس لرسول الله صلّى الله عليه وآله وحده؟!

[33]– هذا في زمن رسول الله صلّى الله عليه وآله، لأنه العالم بكامل الدين، والمعصوم في علمه وتبليغه وعمله. فكيف الحال بعده صلّى الله عليه وآله؟!

[34]– وما قيمة دين قد أُكمِل ثم يبقى مخفيّا؟! وأُمّهات المسائل فيه من عقيدية وتشريعية تختلف عليها الآراء حتى تتعدّى إلى العشرة والعشرين، وإذا أصاب منها شيء فهو واحد. وهذا في مسائل كبرى، مثلا: مسألة الجبر والتفويض، ما به يكون الإنسان مسلما وما به لا يكون مسلما، مختلف عليه عند البعض، العدل الإلهي، هذه مسائل جذرية أساسية، ركائز، فضلا عن مسائل تشريعية أخرى كالصلاة وهي عمود الدين اختُلف عليها بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله.

[35]– وكيف كان إكمال الدين في زمن رسول الله صلّى الله عليه وآله، على أي مستوى؟ على مستوى أن المرجعية لفهم الإسلام الحق وإنهاء الخلاف كانت متمثلة فيه صلّى الله عليه وآله، وأن كمال الإسلام عند رسول الله صلّى الله عليه وآله يعني كمال الإسلام عند الأمة حيث تستطيع أن تُنهي كل خلافاتها وأن ترجع إلى ما هو حقّ الإسلام والرجوع إليه.

انتهت الحاجة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ استغنينا عن الإسلام الكامل؟ لا.

[36]– إما أن يكون تعيينه بالصريح قرآنًا أو سنّة.

[37]– 90/ النحل.